المقابلة الأولى لجريدة الراي الكويتية

| بيروت – من ريتا فرج |
أحمد بيضون، المؤرخ والأكاديمي المسكون بأحلام الثورات الغابرة وهواجس الغد، تبنى مع مجايليه من اليساريين القدامى أفكاراً ثورية، وحدوية. ومنذ وصول أصداء الثورة الجزائرية الى قريته الجنوبية بنت جبيل، أدرك باكراً أن لمعركة الأفكار والميدان حديثاً آخر، فتحرى مع بلوغه الثالثة عشرة مسالك الوحدة العربية، هو الذي «تعانق» مع الناصرية من موقعه داخل «حركة القوميين العرب»، فأصابته الغبطة مع الوحدة السورية – المصرية، لكن صدمة الانفصال آلمته، ولا تزال.
قليلة اطلالات بيضون عبر الصحافة، اذا لم نقل نادرة، ويعلم أن الكلام يحتاج الى تفكير عميق وعقل هادئ. وقبل أن يجيبك عن أي سؤال يفكر في صمت، علماً أن الصمت عنده في هذه المرحلة المفصلية من تاريخ لبنان والعرب، أجدى من الحديث المباح. صمته هذا، لا يشي بعدم متابعته بعين المؤرخ، القلِق، بالمعنى المعرفي، لما حدث ويحدث، هو المفكر التأويلي، وليس السردي، وان أعانه السرد على التفكيك والبناء، بغية الخروج بنتائج أقل ما يُقال فيها انها الأقرب الى فلسفة التاريخ، أي التاريخ اللا حدثي، القائم على قراءة الوقائع بغية التوصل الى خلاصات تتخطى منهج الوصف.
وقبل أن يدهمك بيضون بوهج أجوبته الهادئة والهادرة، تشعر بأنه شاهد على بوحه، وعلى حضوره اللافت بين العقلانيين العرب، أو المفكرين الاستراتيجيين، كما يسميهم. كثيرة ومعقدة، الأسئلة التي يمكن طرحها على صاحب نظرية «لبنان الافتراضي». وعلى قدر جغرافيا العرب وتاريخهم، يطالعك بيضون بمعانٍ متشابكة، ورغم أن افتراضه يصدم ذوي الهويات، لكنه يحمل دلالات فرضها ويفرضها الواقع الجيوسياسي للبنان وجواره، واقع بدا له حتى اللحظة في حال من التشكل، فحضارة العرب عنده بدأت، وان قالها همساً، وتحتاج الى فترة زمنية طويلة، فالآمال وحدها لا تكفي لتحطيم هذا الحاجز من الارث الاستبدادي.
سيرة مختصرة، النظام السياسي اللبناني المأزوم، الحِراك الثوري العربي المباغت، المذهبية في لبنان بعد الطائفية، الجرح التاريخي، «ثورة الأرز»، أفول الحركات الاسلامية، تداعيات الهزائم، أزمة «النجومية» بعد غياب الثلاثي العربي محمد أركون ونصر حامد ابو زيد ومحمد عابد الجابري، هذه العبارات وغيرها قد توجز أبرز النقاط التي تضمنها حوار «الراي» مع الدكتور أحمد بيضون في منزله في بيروت، وفي ما يأتي وقائعه:• أنت من أبناء جيل يساري راهن على التغيير في حقبة الستينات. وفي العام 1973 قررتَ الخروج من «منظمة العمل الشيوعي» بعدما تلقيتم صدمة معرفية – سياسية خلال تجربتكم. كيف تنظر اليوم الى تلك التجربة؟
– في المرحلة التي أشرتِ اليها، كان العمل السياسي عند البعض من أبناء جيلي، وأقصد المثقفين، احتجاجاً على تفاهة ما كان يُعرض على المثقف من عمل ودور في مجتمع كنا نرى أنه يرفض القيم التي تعلّمنا احترامها. ما كان يعرض علينا هو غالباً نوع من التعليم، وفق برامج ومناهج كنا نراها أدوات لاخضاع أجيال جديدة لمنطق نظام كنا نرفضه. وكان عملنا السياسي، في جانب أساسي منه، عملاً كتابياً وبحثياً. ومن هذه الجهة كان اخراجاً للكتابة من الدائرة الفردية. فقد رحنا نتخيّل أن ما نكتبه هو انتاج جماعي، انتاج مجموعة منا على الأقل، وذلك لمجرّد أننا كنا نناقشه في ما بيننا أو نمهدّ له بالنقاش معاً. وكنا نصل في انكار أنفسنا كأفراد الى حد عدم التوقيع، أو التوقيع بأسماء مستعارة… وكان لهذا سبب آخر اضافي، هو المنع الذي كان سارياً على الموظفين، وأنا، مثلاً، كنت معلّماً في الثانويات الرسمية أي موظفاً، لجهة الكتابة والنشر. كان علينا الحصول على اذن من الرئيس المباشر لنشر أي نص. وهذا لم يكن وارداً طبعاً في عرفنا، ولا كان ممكناً، لو حاولناه، اذ لم يكن ما نكتبه من النوع الذي يروق رؤساءنا المباشرين. ما أراه مميزاً لتجربتنا، في تلك الأيام، هو أن بلادنا التي اسمها لبنان كانت موجودة في هذه التجربة. هناك جماعات سياسية كثيرة عبرت في التاريخ المعاصر لهذه البلاد من دون أن تراها. لبنان في كثير من الحالات مستقَرّ لقضية ما تتجاوزه. ويعامَل على أن غاية وجوده هي خدمة من يتطلع اليه قسم من أهله خارج حدوده ويتخذونه مستقرّاً لهويتهم. نحن كنّا نرى بلادنا ونحسّ بها، ونعتبر شعبها جديراً بجهودنا وبتضحياتنا. ومن موقعنا هذا، كنّا نتحسّس قضايا قريبة وبعيدة تخصّ غيرنا بالأولوية. كنا عرباً جداً جداً، وكنا فلسطينيين، ولكن لم يكن ذلك يمنعنا، كما كان يمنع غيرنا، من أن نكون لبنانيين بأقوى المعاني. قيمة أخرى كانت حاضرة في تلك التجربة، هي المساواة أو الرغبة فيها. وهذه القيمة هي ما منع التنظيم الذي كنا فيه من الاستقرار بما هو تنظيم. في البدء، كان يفتقد، نوعاً ما، الى الهرمية الحزبية. بعد ذلك، وجدت أشكالاً لهيئات حزبية، ولكن فكرة الانضباط بقيت، الى حدّ بعيد، خارج نظامنا المسلكي. فرغم وجود شِلل مرتبطة بأشخاص، أو ربما بسبب ذلك، لم يكن أحد يأتمر بأحد فعلاً. كانت حسّاسيات الأشخاص والشلل تجد لها نقاط ارتكاز في مسائل تنظيمية أو سياسية… وهذا لا يعني أن تلك المسائل لم تكن حقيقية. وكان يتوالد من ذلك أزمات نخرج من احداها لندخل التالية. وقد أخرجتني واحدة منها من التنظيم وأخرجت معي ما يزيد على نصف أعضائه الذين كانوا آنذاك بضع مئات. بمعنى ما، كان هذا الانشقاق من حسن حظنا، فحصوله العام 1973 مثّل حماية مسبقة لنا من الانحدار الى الحرب ومنطقها. حين بدأت الحرب، كنت قد اجتزت شوطاً في التحوّل فرداً حراً، مسؤولا وحدي عمّا أفعل وعمّا أقول. وكانت هذه هي البداية الفعلية، أو هي كانت بداية ثانية لسيرتي كمثقف منتج. الكتب التي نشرتها ضمّنتها ما كتبته ابتداء من العام 1975 وتركت جانباً ما كنت قد أنتجته سابقاً، أي في نحو عشرة أعوام بين 1965 و1975، واستغرقت معظمها تجربتي الحزبية أو شبه الحزبية. ومع أنني أنظر اليوم بشيء من الاستغراب، بل من السخرية أيضاً، الى جوانب من تلك التجربة، فانني أرى فيها من جهة أخرى مرحلة اكتسبت الكثير من معالم شخصيتي الفكرية والسلوكية ومن خبراتي العملية منها ومن تصفيتها سواء بسواء.
• كنت شاهداً لأبرز التحولات السياسية بدءاً من الثورة الجزائرية مروراً بالناصرية وصولاً الى فكّ الوحدة بين مصر وسورية. كيف أثّر فيك كل من هذه التحولات؟
– الثورة الجزائرية كانت سبباً لأول نشاط منظم قمت به. فقد ربطتني حين كنت في الثالثة عشرة بحركة القوميين العرب، وكانت موضوعاً للمناقشة، هي وحرب السويس، في الاجتماعات التي بدأتُ اشارك فيها. وكانت دافعاً أيضاً الى جمع التبرعات. جمعنا مالاً للمناضلين الجزائريين. وأذكر أننا، اذ تجندنا لهذا الأمر وكان معي فيه شقيقاتي الكبريات، قدّمت نساء من بلدتي بنت جبيل في جنوب لبنان بعض ما كان في حوزتهن من مصاغ للثورة. الناصرية واكبناها أيضاً ونحن في «حركة القوميين العرب» مع أن هذا الانتماء لم يكن له معنى منتظم. كنا معجبين بجمال عبد الناصر ونحن تلامذة، ورافقنا، من خلال هذا الاعجاب، الثورة العراقية، وما شهدته من تقلّبات بالغة العنف، ورافقنا تجربة الوحدة المصرية – السورية، مقتنعين بأنها َتحوّل جسيم في التاريخ العربي المعاصر. وحين انفصمت هذه الوحدة، مثّل انفصامها صدمة عميقة وبعيدة الأثر بدأت تهزّ اقتناعنا بالناصرية وبالفكر القومي كله، فتُركز أنظارنا على المجتمعات وتشدنا بالتالي نحو الماركسية. هذا التحول الذي عاشه كثيرون في تلك الآونة قد لا يقل شأناً، في مسيرة الجيل العربي الذي أنتمي اليه، عن ذاك الذي أحدثته هزيمة 1967 بل مهّد له في الواقع.
• جيلكم من اليساريين والقوميين كان يملك مشروعاً تقدمياً. لماذا أُصبتم بالنكسة اذا جاز التعبير، وأين الأجيال العربية الراهنة من شعارات الوحدة والتقدمية؟
– النكسة حصلت على الأرض. لسنا من صنعها، بل نزلت بنا. النكسة مثلت «الثورات» التي انتهت الى افلاس: الى قمع وفساد، والى فقر وعجز عن معالجة التفاوت الاجتماعي ومشكلات التنمية، والى هزائم أمام استعمار الأمس وأمام اسرائيل، وليدته بعد نكبة 1948. هذا كله أثر فينا. على صعيد آخر، ليس هناك شك في أن الحدود الضيقة لما لقيناه من استجابة لأفكارنا، ولنقدنا للأنظمة القائمة، في لبنان وخارجه، ثبطت عزائمنا وجعلتنا نتخبط في خلافات كان يمكن معالجتها لو أن وتيرة حركتنا بدت متصاعدة وحبلى بآمال فعلية.
• هل ترى أن فشل تجارب اليسار في العالم العربي يجعل من الخيارات الليبرالية بديلاً؟
– لم أحتسب نفسي في يوم من الأيام بين الليبراليين. أنا ديموقراطي، ولكن حين أنظر في مشكلات المجتمع الذي أعيش فيه وفي مشكلات المحيط القريب أيضاً، أرى دوراً للدولة في ضبط الموازين الاجتماعية. لا أُقرّ للسوق ولمن يتحكمون فيها من أصحاب المال والنفوذ بالقدرة على معالجة المشكلات الاجتماعية أو السياسية القائمة. واذا كان احد المعاني الكبرى لليبرالية هذا الطلب لانزواء الدولة وتهميش دورها، فلا أحتسب نفسي في هذه الخانة. هذا مع ادراكي للتجربة المرة التي عايشناها مع دول اعتبرت نفسها «قوية» في أقطار عربية مختلفة. أدرك مشكلات هذه الأنظمة وقد أمضينا عمراً في نقدها. ولكن لا أحبذ الانتقال من هذا النقد الى أيديولوجيا السوق والعولمة المتوحشة.
• الرهان على التغيير رافقكم منذ الستينات. أين أنت اليوم كمثقف من المشهد السياسي اللبناني المأزوم؟
– أشعر اليوم بالانتماء الى أفراد وجماعات، أظن أنهم كثُر في هذه البلاد، ولكن ليس لهم تعبير سياسي جامع. حين أنظر حولي، أجد كثيراً من الناس غير معجبين قطعاً بطرفيْ الانقسام الحاصل. كثير من الناس أيضاً يشعرون بأزمة النظام الطائفي، وبخطورة المدّ الطائفي في جهتي الاستقطاب، والذي يتقوّى بصوغهما للمسائل المطروحة وما تحوزانه من امكانات للتعبئة والشحن والتنظيم. يقال ان الطائفية قوية اليوم. هذا صحيح جداً، ولكنها قوية أو ضخمة أو طاغية بما هي مشكلة، وليس بما هي حلّ أو صيغة لادارة هذا المجتمع. الطائفية بما هي صيغة لسياسة المجتمع اللبناني وصلت الى نهاية شوطها، انها تحتضر، ولكن احتضارها قد يطول كثيراً، وقد يكون عنيفاً فيتسبب بخراب ودمار جديدين. ما أسجله هو أن الطائفية أصبحت مقصرة كلياً عن صوغ حلول فعلية، مستقرّة شيئاً ما، للأزمات التي تلدها واحدة بعد اخرى.
• في احدى المقابلات أشرت الى انتمائك للبنان «افتراضي»، ماذا تقصد بهذا المصطلح، وهل ثمة بُعد تاريخي للبنانك المفترض؟
– لا أذكر متى استعملت هذه العبارة ولا أين، ولكنني أعتمدها، والمعنى الذي أراه لها هو أن لبنان الذي أنتمي اليه ليس موجوداً تماماً، وأن درجة وجوده تتفاوت من مرحلة الى مرحلة. هو موجود في ارادات أكثر من وجوده في وقائع… ولما كانت هناك أيضاً ارادات مضادة لهذا الوجود، ولما كانت هذه الارادات قوية، فان خروج لبنان هذا الى الوجود المحقق يبدو معوقاً في معظم المراحل. هذا ما أقصده بلبنان الافتراضي: انه حلم وارادة أكثر منه واقعاً.
• قرأت أزمات لبنان بمنهج التأريخ الحديث. اذا عدنا اليوم الى الحقبة التي تلت «اتفاق الطائف»، نلاحظ حضوراً لافتاً للمشهد الاقليمي في الملف اللبناني. تاريخياً، ما الذي جعل لبنان شديد الالتصاق بالأوضاع الاقليمية، وهل يدفع ثمن الجغرافيا السياسية؟
– لبنان بلد صغير، ومجتمعه مجزأ جماعات طائفية في الدرجة الأولى. وقد نشأ بصورته المعاصرة مخالفاً رغبات قوى رئيسة في بعض هذه الجماعات. أدّى هذا ويؤدي الى أمرين: الأول ايجابي، في جانب منه على الأقلّ، هو لجم شهوة الطغيان عند السلطة العامة وأيضاً التكوين الضعيف لهذه السلطة، بما يترك مجالاً لحريات تعبر ممارستها عن غياب القانون أكثر مما هي وليدة للقوانين ومحمية بها. الأمر الثاني هو التفاعل الدائم الحصول والمتغيّر الصور بين قوى اقليمية ودولية متناقضة من جهة والطوائف اللبنانية المختلفة من جهة أخرى. الأنظمة المحيطة وما يتصل بها من قوى أبعد منها تجد في لبنان ما يسمى «ساحة» تستثمر فيها التنازع بين طوائفه، وتستثمر الحريات المتاحة فيه أيضاً للتنازع والتجاذب في ما بينها. ويصل الأمر، في بعض المراحل، الى خوض حروب بديلة أو رديفة على الأرض اللبنانية، توفر على أطرافها ما قد يلحق بهم من دمار وخراب، اذا اندلعت هذه الحروب بينهم مباشرة. هذا هو الاستخدام الاقليمي والدولي للبنان في صيغته العامة. هناك طبعاً في علاقات لبنان الاقليمية والدولية ما يخرج عن هذا المنطق. ولكن هذا لا يمنع أن الأزمات اللبنانية كانت دائماً متصلة أوثق اتصال بأطوار التكاوين الداخلية للمجتمع اللبناني وبالمنافذ التي تتيحها هذه التكاوين ويتيحها موقع لبنان في المنطقة.
• الطائفية السياسية في لبنان تطرح اشكاليات ادارة التنوع والعيش المشترك، كيف يمكن الخروج من هذا المأزق، وهل الدولة المدنية تقدم جواباً عن ذلك؟
– ما يستوجب الحماية هي الحقوق المدنية للأفراد كما للجماعات. وفي لبنان، تتقدّم الطوائف على أنها المتصدرة بين الجماعات التي يتشكل منها المجتمع اللبناني، كما هو واضح. ولكن رعاية هذه الحقوق لا تعني بالضرورة أن تكون مؤسسات الدولة مكوَّنة على القاعدة الطائفية. حق الموارنة في أن يكونوا موارنة أو حق الشيعة في أن يكونوا شيعة لا يفترض أن يكون رئيس الجمهورية من هنا ورئيس مجلس النواب من هناك، أو أن يكون أي منصب منوطاً بطائفة بعينها على الاطلاق. هذه القاعدة الطائفية هي في الواقع قيد على حق المواطنين الأفراد في التشكل الحر وفي صوغ أساس مختار لانتمائهم السياسي. وهذا التقييد يصل، اذا نظرنا اليه من كثب، الى درجة المخالفة لنصوص بعينها من شرعة حقوق الانسان. وفي ما يتعدى المسألة الحقوقية هذه، ثمة واقع أصبح واضحاً، هو أن الصيغة الطائفية، كما سبق أن قلنا، أمست معطلة، عاجزة عن ادارة البلاد والمجتمع، بل تهددهما بتجدد الخراب، عبر هذه الأزمات المتوالية التي نعيش، والتي تفرض على البشر أن يعيشوا يومهم وغدهم تحت وطأة هذا التهديد.
• تركز الدراسات السياسية والاجتماعية غالباً على معضلة الطائفية السياسية في لبنان. لماذا يتم اقصاء الصراع الطبقي عن أزمات لبنان؟
– هذا التركيز ليس اختياراً ممن يمارسونه. انه وصف للانقسام السائد أو المتصدر في البلاد وتسمية له باسمه. المنطق الطبقي لا يفسر هذا الانقسام. الطبقات غير موجودة بما هي تشكيلات جامعة بل كل منها مجزأ طائفياً. أي دور يمكن أن نفترضه لطبقة عاملة مثلاً أو لطبقة وسطى نطلق على كل منهما اسماً موحداً، فيما كل منهما مجزأ الى أجنحة طائفية متخاصمة، مستعدة للتقاتل أحياناً ولا يجمع بينها وعيٌ مشترك. وحتى في كل من الطوائف، يبدو التناقض الطبقي ملجوماً بالمواجهة مع قوى لطوائف أخرى. وهذه مواجهة تتصل بها، غالباً، مصالح جامعة لصفوف الطائفة، على اختلاف المواقع الطبقية. المسألة هنا ليست مسألة وعي زائف كما قد يُقال، فالانتماء الطائفي تحميه مصالح ضخمة لمن يعتمدونه أساساً لممارستهم السياسية والاجتماعية. والطائفية ليست مجرد عنوان أيديولوجي، انها هيكل معقد من المصالح الاقتصادية والسياسية والبنى الرمزية. لذا لا يمكن القول ان ثمة طبقة عاملة لبنانية، مثلاً، مجزأة عبثاً أو بخلاف مصالحها. انها مجزأة لدواعٍ واضحة جداً وافتراض وحدتها هو ما يحتاج الى تفسير. بعد هذا، تجب الاشارة الى أن حال المنطق الطبقي عندنا لم تكن دائماً على هذه الدرجة من السوء. يكفي النظر مثلاً الى ما كانت عليه حال المنظّمات النقابية في الستينات وما آلت إليه اليوم. هذه موازين تعلو وتهبط. والميزان الطائفي نفسه ليس غير واحد منها. ولا مسوّغا لنفترض له خلوداً سياسياً.
• هل الطبقة الوسطى كمعطى أساسي لأي تحول ايجابي فقدت دورها في لبنان، ولماذا تتبنى فئاتها الايديولوجية الطائفية؟
– قوة الطبقة الوسطى في المجتمعات الرأسمالية تفترض أنها في ذاتها عامل استقرار، وتعتبر هذه الطبقة محلاً لانتاج الأفكار والقيم السائدة وأساليب الحياة وقواعد ادارة المجتمع. هذا كله كانت له بوادر قوية في لبنان قبل الحرب الأهلية، وكان ضمانه أن المؤسسات السياسية لم تكن تُدخل في برامجها مضامين دينية، وأن طائفية الدولة نفسها، باستثناء مجال الأحوال الشخصية، كانت طائفية «سياسية» ولم تكن دينية. فكان هذا يفتح أمام الجماعات العصبية أفقاً مشتركاً، مبدئياً على الأقل. منذ الحرب، بدأت الأمور تختلف. اشتد الاستقطاب والتوتر ودخلت القيم الدينية في التعبئة السياسية. مع ذلك لم يصل الأمر الى حدّ مطالبة الدولة بأنظمة عامة ذات مضامين دينية. اليوم، ازداد حضور القيم الدينية في مسلك التنظيمات السياسية، وأسس تنظيمها، ونمط التعبئة المعتمد لديها، ما يُنذر بفصل نفسي وثقافي أكثر حدة من ذي قبل بين المناطق أو بين الجماعات، ما يجعل الدور الموحد للطبقة الوسطى، أي الوحدة «الثقافية» للمجتمع، أمراً آخذاً في التراجع ويكاد، من بعض الوجوه، أن يصبح نظرياً.
• ما تفسيرك للتوريث السياسي في النظام الجمهوري اللبناني؟
– التوريث في النظام اللبناني هو من مداخل القيم والتقاليد الأهلية الى النظام السياسي. التوريث توريث لقيادة جماعة: لزعامة عائلة أو منطقة أو قسم من مدينة، ويصبح تالياً توريثاً لمنصب محتمل في النظام السياسي، اذ يجعل المستفيد منه مرشحاً، بحسب طائفته، لوزارة ما، لرئاسة ما، أو للنيابة. اذاً تبدو الجمهورية هيكلاً حديثاً باسماء مؤسساتها وبالأصول المبدئية لعملها. ولكن هذه المؤسسات مسكونة في الواقع بأشباح الجماعات الأهلية، وهذه أشباح فاعلة وكثيرة الجلبة. والتوريث سبيل لدخول هذه الاشباح الى تلك المؤسسات.
• الحال المذهبية في لبنان تتصاعد في المرحلة الأخيرة بعدما اتخذ التنازع وجهاً طائفياً في السابق. هل المعضلة تكمن في عدم توافر ثقافة وطنية تجمع كل اللبنانيين؟
– لا يمكن تفسير هذا الأمر بالثقافة وحدها. الانتقال مثلاً من غلبة التنازع الاسلامي – المسيحي الى غلبة التنازع السُنّي – الشيعي، هو أثر واضح من آثار الدخول الايراني الى الحياة اللبنانية. وكان لبنان قد عرف أدواراً أقدم عهداً للدول السنية في المنطقة، وتمثلها اليوم السعودية على وجه الخصوص. لا شأن فعلياً للثقافة في هذا الأمر. ثمة أجهزة دعوية ضخمة، وتنازع على مواقع السلطة، ووراء ذلك أدوار اقليمية تتواجه. نحن نعاني هذا قبل أن نعاني خللاً في الثقافة. الخلل موجود في الثقافة طبعاً كما هي الحال دائماً، وقد أشرت الى ذلك قبل قليل. ولكن كان يمكن اصلاحه بلا عسر، على ما أظن، لولا أن هذه التجهيزات الضخمة ضامنة لبقائه.
• المجتمع اللبناني يمر بحال من العنف نلحظه في الشارع في شكل أوضح. ما تفسيرك لظاهرة العنف المجتمعي، وهل ثمة علاقة بينها وبين الأزمات السياسية؟
– العلاقة موجودة بالتأكيد. حين يشعر الناس بأن الحكومة في أزمة يتوقف كثيرون فوراً عن وضع حزام الأمان، مثلاً، ثم عن احترام قانون السير عموماً. وحدسهم لا يكذب في هذا الأمر، لأن الشرطة أيضاً تتوقف عن ملاحقة المخالفين حالما تظهر بوادر أزمة في الوضع الحكومي. الناس يشعرون بعدم الأمان من جهة، وبضعف الضوابط العامة من جهة أخرى، وهذان السببان يتكاملان لتوليد ما تسمونه العنف المجتمعي.
• تشهد بعض الدول العربية في الوقت الراهن حِراكاً سياسياً ضد الأنظمة التي نشأت تقريباً منذ حقبة الاستقلالات. هل يؤشر هذا المشهد الى تحولات جذرية مرتقبة؟
– ما يحصل في هذه الأيام ضخم وعظيم الأهمية، وهو يشير الى افلاس قد يصح أن ننعته بـ «الحضاري» للأنظمة السياسية العربية. وهذا افلاس لاتزال نتائجه تتراكم من عهد طويل في كل الأقطار العربية تقريباً. الاضطراب ينشأ هنا قبل أن ينشأ هناك، لأسباب مختلفة، ولكن الحال من بعضه وفقاً للعبارة المألوفة. ما يجري يحمل آمالاً عظيمة تمثلها التضحيات التي تقدم، والاتساع الذي تشهده حركات الاحتجاج المطالبة بالتغيير، وكذلك الصيغ الناضجة التي تصاغ بها المطالب والأهداف. ولكن الآمال في ذاتها لا تكفي ضماناً لانفتاح الآفاق أمامها، ولتمكينها من التجسد في وقائع جديدة. يحتاج ذلك الى صيغ خلاّقة في تنظيم الصفوف وفي قيادتها، فضلاً عن صوغ الأهداف العامة والمرحلية. ومع الحاجة الى الواقعية، يتعيّن الحؤول دون استيلاء القوى الحزبية الصلبة، الجانحة الى التخاذل، على مقاليد الحركة بحكم ما بيدها من وسائل ومن خبرات. هذا مع العلم بأنه لا يفترض الدخول في مسلسل استبعاد يضيّق قاعدة الحركة ويطعن في ديموقراطيتها. سيحتاج كل عهد جديد أيضاً الى امكانات مادية مهولة تزيد من أحجامها ان الديناصورات الحاكمة تخلف وراءها مشكلات خرافية الأحجام وبلداناً مُستنزفة.
• هل شكلت «ثورة 14 مارس» في لبنان نموذجاً لاسقاط الأنظمة الأمنية، وما الذي حققته هذه الثورة المليونية من انجازات؟
– الحركات الاجتماعية يتأثر بعضها بالبعض الاخر، وتبدو متشابهة من بعيد، ولكن النظرة القريبة تزيد الفوارق بينها ظهوراً، وتبيّن أن الحركة تتبع، على نحو ما، خريطة المجتمع الذي تنشأ منه. حركة 14 مارس 2005 في لبنان أعطت انطباعاً استمر مدة من الزمن، بتجاوز معين لدواعي الانقسام العمودي في المجتمع اللبناني، وذلك في اتجاه التوحد حول الأهداف التي طُرحت، وكان أهمها انهاء الوصاية السورية على البلاد، وكشف الحقيقة في ما يتصل باغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه. هذا الانطباع بحصول نوع من التغيير في أساس التعبير السياسي وصيغة الالتقاء عليه لم يلبث أن أخذ يتبدد، وقد تبدد اليوم تماماً بل انقلب الى عكسه. الخطوط الطائفية للخريطة بارزة اليوم بقوة لا مثيل لها على الضفتين. أما أن الجماعات لم تتجاوز زعاماتها وقواعد تشكّلها السياسي فعلاً فهذا أمر ظهر أيضاً في الانتخابات وفي غيرها من المعارك السياسية. بدا في وقت ما أن ثمة شيئاً اسمه «14 مارس» أو «ثورة الأرز»، وبدا هذا الشيء وهّاجاً الى حد نسي معه من تحدث باسمه أسماء قادته وحمولة كل منهم ونسي أيضاً وجود شيء آخر، مقارب لـ «14 مارس» في الحجم ومقابل له في الغاية هو «8 مارس». اليوم لا يزال قائماً امكان التقويم غير المتساوي ظرفيا أو مرحلياً للغايات والأهداف بين الطرفين. ولكن يبدو جلياً أن أساس الاستقطاب والاعتصاب هو نفسه في الحالين.
• لماذا تحتل الحركات الاسلامية اليوم جبهة المعارضة للأنظمة العربية، وهل هي قادرة على التأسيس لمشروع سياسي بصرف النظر عن أدبياتها؟
– لذلك أسبابه المعروفة. هناك أوّلاً ما لحق من هزائم بالحركة القومية وبالأنظمة التي نشأت منها، وما شهدته هذه الأنظمة فوق الهزائم من تردٍ وعجز عن قيادة النمو ومعالجة مشاكله الاجتماعية، وقد عرّجنا على ذلك. وهناك ظهور النموذج الايراني الذي استدرج على نحو ما سلوكاً مقابلاً في المجتمعات السنيّة. الحركات الاسلامية موجودة من زمن طويل. ولكنها كانت، في المجتمعات العربية الكبيرة، مكوّنات محدودة الفاعلية والمكانة، تملأ جانباً من المشهد الذي كانت تتصدره الحركات القومية التي تسلمت السلطة في بعض من أهمّ الدول العربية. اليوم، علينا أن نلاحظ أن الحركات الاسلامية، رغم كونها تتصدر المشهد المنظم في معارضة الأنظمة القائمة، تعيش حالاً من التراجع في الواقع. ولئن كنا لانزال نبحث عن أسماء لما يتجاوزها اليوم من أشكال تنظيم وتحرك جديدين، فانه يكفي النظر الى الحالين التونسية والمصرية لنرى أن جماعة «النهضة» الاسلامية في تونس، وجماعة «الاخوان المسلمين» في مصر، ليستا كل شيء ولا أهمّ شيء في هاتين الحالين. وهذه مفاجأة سارّة اذا تذكّرنا نوع الهواجس التي كانت تراود كلّ متأمل في آفاق التغيير قبل أشهر أو أسابيع. الحركتان المذكورتان لم تكونا من أطلق التحركات الشعبية أصلاً، وهو ما لا يمنع أن التنظيم بوسائله وموارده يمكن أن يعزز موقعهما في نهاية المطاف. فهما تواجهان قوى مجتمعية متنوعة، شبابية خصوصاً، ليس بيدها، حتى الآن، سوى أشكال تنظيم عرضية، غير مستقرة، ووسائل وموارد محدودة. هذا أمر يجب الانتباه اليه، ويستدعي يقظة ومثابرة وحسن تصرّف من القوى الجديدة. ولكنه لا يمنع القول ان المدّ الاسلامي آخذ في التراجع ببقية قواه بما فيها قوته الايرانية العظمى التي أظهرت حوادث العام 2009 كم هي مأزومة ومختلة الأركان. التراجع هذا لا يمكن أن يكون بلا صلة بالقطيعة الفجّة بين رؤى هذه القوى لمستقبل مجتمعاتها وخريطة المشكلات الحسية لتلك المجتمعات نفسها.
• في العام الماضي رحل عدد من المثقفين «النهضويين» أو «التنويريين» من بينهم نصر حامد أبو زيد ومحمد أركون ومحمد عابد الجابري. في رأيك هل ستشهد الحياة الثقافية في العالم العربي فراغاً مرحلياً؟
– من ذكرتِهم لم يكونوا من متابعي الراهن. هؤلاء مثقفون «استراتيجيون»، كانوا يطرحون مسائل اخترقت تاريخنا الحديث كله. ولكن كلاً منهم كانت له، بطبيعة الحال، صيغته الخاصة به لما يعالجه من مسائل. رحيلهم أمر تفرضه سُنّة الحياة والموت ولا أعتقد أنه يمثل أزمة ما. هناك شيء اسمه أزمة «النجومية» أو أزمة الأسماء الكبيرة في جوانب الثقافة المختلفة، في الآداب والفنون والعلوم… هؤلاء كانوا نجوماً، الى هذا الحد أو ذاك، في بعض مجالات الفكر النقدي. وقد لا يخلفهم نجوم آخرون لأن النجومية كلها الى تراجع. ولكن لا أرى في الأمر مشكلة باستثناء أن النجم يساهم في توحيد النظرة الى مسألة من المسائل، بسبب انتشار كلامه من جهة الى جهة في أجزاء من العالم يُعرف اسمه فيها. سيكون على عمل التوحيد أن يجد سبلاً غير النجومية، وهو سيجدها على الأرجح.
• أسئلة التراث مازالت محور اهتمام بعض الكتّاب العرب. لماذا تحتل اشكاليات التراث هذا الحيز في الأدبيات العربية؟
– هذا من عواقب غلبة الثقافة الدينية، ولم تكن الثقافة القومية بريئة منه أيضاً، فاذا شئنا أن نجد تشخيصاً جامعاً لأسباب هذه الغلبة، فالأرجح أن طغيان مسألة الهوية واستواءها محوراً للفكر والشعور في مجتمعاتنا هما السبب. أما لماذا نبقى مهجوسين بالهوية الى هذا الحد، فهذه مسألة يطول بحثها، وخلاصتها أن هذا هو مكمن جرحنا التاريخي.
• بعد «الصراع على تاريخ لبنان» و«الجمهورية المتقطعة» و«بنت جبيل ميشيغان» و«مغامرات المغايرة» ما الكتاب الذي تعدّ له؟
– آمل أن ارسل هذا الأسبوع الى المطبعة كتابي «رياض الصلح في زمانه» وهو سيرة سياسية لهذه الشخصية ويجب ان يصدر في مارس. بعد ذلك، أنوي اصدار صيغة معدّلة ومزيدة لكتاب أصدرته باللغة الفرنسية قبل عامين، يتناول أزمة النظام اللبناني المتمادية في أعوامها الأخيرة. ثمة أيضاً مقالات في الثقافة واللغة أنوي جمعها في كتاب آخر. فوق ذلك، قد أعود الى السينما هذا العام: كنت قد وضعت سيناريو، قبل ثلاثين عاماً، لفيلم سينمائي أخرجه برهان علوية اسمه «بيروت اللقاء». بين يديّ الآن عرض لمعاودة الكرّة أدرسه.
Advertisements