كلمن | النجوم الشُهُب

Source: كلمن | النجوم الشُهُب

النجوم الشُهُب

صورٌ شخصية من لبنان لثقافة مصر المعاصرة[1]

 أحمد بيضون

 

 

ما الذاتية “من حِلمٍ بمانعة”!

لم أجد تحقيقاً حسّياً أو “موضوعياً” أعوّل عليه لأسوق حديثاً موثقاً في العلاقات الثقافية بين لبنان ومصر: في حاضر هذه العلاقات وفي ماضيها غير البعيد. لا رقم يفيد، مثلاً، عن توزيع الروايات المصرية في السوق اللبنانية أو عن درجة اهتمام المصريين بأغاني فيروز. لا معلومات عمّا آلت إليه مشاهدة الأفلام المصرية في صالات بيروت بالقياس إلى ما كانت عليه في ستينات القرن العشرين، مثلاً. لا شيء من هذا ولا من قبيله وجدته في متناولي. فارتأيت، مضطراً ولكن فرحاً بهذه الضرورة، أن أستوحي نصف قرن من عمري أو يزيد أقمت فيه على علاقة دائمة ولكن متقلبة بما كانت مصر تهديه إلي: سواء أكان ذلك كتاباً فذّاً في بابه أم أغنية تافهة. وقد وجدتني عارفاً أن حالتي لم تكن فريدة وإنما كانت حالة شطر من جيلي وقدّرت أنني لا أخلو من معرفة بما كانت عليه مواقف شطور أخرى من الجيل نفسه ولا بما هي مواقف لبنانيين من أهل اليوم، على اختلاف السن والمنبت، يتفق أن أعاين ردود أفعالهم على عمل من الأعمال الثقافية المصرية. هذا كله لا يمت بصلة، طبعاً، إلى التحقيق أو القياس الاجتماعي بما يقتضيه من ضوابط معلومة. حتى أنني أعزف هنا عن تحديد معالم لهذا الشطر من الجيل اللبناني الذي أصرّح بانتمائي إليه وعن كل محاولة لتقدير حجمه أو درجات الشبه بين عناصره. ما أعلمه هو أنه شطر من شطور. ولكن حين يدرج الموقف الفردي من عمل ثقافي بمسار شخصي إجمالي وبحبكة اجتماعية تاريخية ارتسم هذا المسار عبر فصولها، يصبح الإفضاء إلى معرفة ذات قيمة بتحولات العلاقات الثقافية بين البلادين أمراً غير مستبعد ولو بقي محفوفاً بالتحفظات. بل إن وجوهاً من هذه المعرفة غير خالية من إسناد جزئي ولو انها تقوم على الحدس أساساً قد تتفوق على ما ينتهي إليه التحقيق “العلمي”. فهي قد تكشف، على نحو ما، ما يصحّ اعتباره لبّ المسألة ومنطق المسار.

 

شيخوخة النجوم

ينال مصر وينال لبنان رشاش معتبر من أزمة النجومية الثقافية في عالم اليوم. هنا وهناك، يتعثر بزوغ النجوم في سماء الثقافة، ويتضح ذلك إذا نحن قارنّا الحال اليوم بما كانت عليه الحال قبل نحو من نصف قرن. ولقائل أن يقول: ليت هذه كانت الأزمة الوحيدة، في مصر أو في لبنان أو في كليهما، إذن لهان الخطب واطمأنت النفوس ولراح الناس يهنئون بعضهم بعضاً بسلامة العواقب. فهل تعدّ أزمة فعلاً أن ننظر حولنا فنرى أن القيم المستقرة في الشعر المصري اليوم هي نفسها التي كانت مستقرة قبل ثلاثين سنة أو أربعين وأن وفرة ما نشر، في هذه المدّة، وهي وفرة مؤكّدة، لم تفرض خليفة أو خلفاء مكرّسين في المجال العربي وليس في المجال المصري وحده، لصلاح عبد الصبور أو لأحمد عبد المعطي حجازي؟ في الشعر العامّي أيضاً لم تصل إلى بيروت، حتى اليوم، أصوات مصريّة يحلّها اللبناني المهتم، بعد أن طالت المدّة، في مصافّ صلاح جاهين أو في مصافّ أحمد فؤاد نجم ورفيقه الشيخ إمام أو في مصافّ عبد الرحمن الأبنودي أو سيد حجاب.

 

ولأسارع إلى القول إن الحال في الرواية هنا وهناك هي غيرها في الشعر. فإن الرواية في لبنان أكثر ازدهاراً وأرفع سمتاً مما كانت عليه قبل نصف قرن. وقد تمنع حالة نجيب محفوظ أن نقول الشيء نفسه عن مصر. ولكن يبقى صحيحاً أن خلافة محفوظ هي اليوم في مصر أوثق عروة وأمتن سنداً من خلافة جيل الستينات والسبعينات من القرن العشرين في مضامير الشعر. وفي لبنان يلفت ازدهار مؤكد للرواية في ربع القرن المنصرم وتلفت قوة الحضور النسائي بين كتابها. ولا فائدة ترجى من ذكر أسماء إذ لست هنا في لبوس الناقد الأدبي بل في معرض آخر هو معرض النظر في كيفيات التلقي الاجتماعي للأعمال الثقافية وفي موازين هذا التلقي.

 

وقد بدأت بذكر أزمة النجومية. مرّة أخرى: هل هذه أزمة حقّاً؟ الأرجح أن استعصاء بزوغ النجم ثم تعذّر استقراره في فلكه، إذا هو بزغ، ناتجان في هذا العهد الأخير عن نوع من “الديمقراطية” فرض نفسه في عوالم الثقافة.  ومصطلح الديمقراطية أستعمله هنا بمعنى كمّي أوّلاً يرادف، من الجهة الأولى، اتساع الانتشار أو، في الأقلّ، تضخم الطلب المبدئي ويرادف بالتالي، من الجهة الأخرى، مزيداً من الغزارة في المنتجات الثقافية المعروضة ومزيداً من التنوّع فيها أيضاً. وهذا المزيد الأخير، أي مزيد التنوّع، متّصل، قبل كل شيء، بالصورة: بالتضخم المهول في إنتاج الصور وبالتيسير المهول لتعميمها أيضاً وبكثرة الوسائط والصيغ التي باتت متاحة لعرضها وبنفوذها الكاسح كذلك.

 

وفرة في الأمّية وغزارة في الثقافة

وأما الغزارة في إنتاج أجناس أخرى من الأعمال الثقافية هي الأجناس التي كانت مألوفة في الفكر والآداب والفنون قبل طغيان الصورة وبقيت مألوفة بعده، فإن مردّها، بالدرجة الأولى، إلى ما يسمّى “ديمقراطية التعليم”. وهذه “ديمقراطية” اتّخذت، في نصف القرن الأخير، صورة المدّ الذي لا يغلب وفرضت وقائعها التي تشهد بضخامتها الأرقام في مصر كما في لبنان. وهي ديمقراطية كثّرت مستهلكي الأعمال الثقافية المحتملين تكثيراً جسيماً وكثّرت أيضاً منتجي هذه الأعمال… ولا ينقض هذا الواقع عناد ظاهرة الأمّية في المدى العربي، وهو عناد تصدي له الأرقام الفاضحة التي تعممها تقارير التنمية البشرية أو إحصاءات اليونيسكو. هذه الأرقام بالغة الخطر، طبعاً، خصوصاً حين يضاف إلى ما يتعلّق منها بالأمّية بمعنى امتناع القراءة والكتابة ما يتعلّق بأمّية الحاسوب وما يتعلّق بقراءة الصحف والكتب وبالوصول إلى الأنترنت وبالعناوين المترجمة من اللغة العربية وإليها، إلخ. وهذا كله بات متداولاً يتيسّر الاطلاع عليه وإن تكن معالجة البعض من وجوهه الخطيرة تبدو وكأنها تزداد استعصاء. لم تمنع كثرة الأمّيين تكاثر الدكاترة، مثلاً. بل إن استشراء هذا اللقب شاهد على وجاهة ما نقوله في صدد “الديمقراطية الثقافية”. حين كان يقال في العشرينات أو في الثلاثينات “الدكتور طه حسين” كان للّقب رنّة غير الرنّة التي لقولنا اليوم “الدكتور أحمد بيضون”. ولم يكن أحد من النقّاد أو غيرهم يحسب أنه يكرم طه حسين إذا هو جرّده من لقبه. وأما المثقف الطموح اليوم (وليس المثقف المتواضع كما قد يتوهم بعضنا) فهو يدع هذا اللقب جانباً، إذا كان قد اقتناه، ويسعى إلى جعل اسمه، مجرّداً، جواز سفر من التنكير إلى التعريف.

 

في ما وراء وقائع الأمّية وما جرى مجراها إذن، يبقى مؤكّداً حصول تضخم مطلق ونسبي معاً، في العقود الأخيرة، في الجمهور الراغب في استهلاك ما نطلق عليه اسم الأعمال الثقافية، على اختلافها، وكذلك حصول تيسير إجمالي جسيم لهذا الاستهلاك. يبقى مؤكداً تحقق هذا الاستهلاك، بالتالي، على نطاق اجتماعي وبتنوع في الوسائط والصيغ لم يسبق لهما مثيل. وما من ريب في أن هذا النوع من “الديمقراطية” يدخل في مغالبة مع نوعية المنتجات ويغري بشدّة باعتماد السهولة وبالتساهل في المعايير، لغير صالح الجودة بالضرورة، على صعيد الإنتاج. وهذه الحال هي نفسها التي تفضي إليها “ديمقراطية التعليم” إذ هي قد وسّعت كثيراً جمهور المتعلمين ولكنها أسفرت عن تراجع في جودة التحصيل و عن تردّ أشرنا إليه توّاً في قيمة الشهادات وانحطاط في فاعلية المؤهلات. وكثيراً ما يقرن أمر الثقافة وأمر التعليم في الأحكام التي تطلق بصدد العملية التربوية في جملتها فيقال إن التعليم انتشر وتوسّع ولكن ضعفت الثقافة التي تنشأ منه وبفضله. وحين يصل الحديث إلى المنتجات الثقافية من أي نوع كان، يقال مثلاً إن الروايات كثُرت أعداد ما يصدر منها كل سنة ولكن الجيد نادر الوجود بينها بل هو معدوم الوجود في حصاد البعض من السنين. ولا حاجة إلى القول إن الروايات مثال لا أكثر هنا وإن القول نفسه يقال في الشعر وفي السينما وفي النقد وفي البحث الاجتماعي، إلخ.

 

ما شأن هذا كله بالعلاقات الثقافية بين مصر ولبنان؟ هذا له شأن أولاً بمسألة النجومية. النجوم في مصر وفي لبنان يموتون أو يشيخون…قلنا إننا اعتدنا أسماءهم، في مجالات مختلفة، لعشرات من السنين. اعتدناها هي نفسها واعتدنا ألا يحل محلهم أحد، في أفلاكهم هي نفسها، أي في المقام الذي ملأه كلّ منهم، حين يشيخون أو عندما يموتون. والأرجح أن الحال لم تكن على هذا المنوال، في مصر وفي لبنان، قبل نصف قرن مثلاً أو قبل ثلاثة أرباع القرن. كان النجوم نادرين طبعاً، هنا وهناك، في تلك الأيام، فهذه هي حالهم دائماً. ولكن العبور من جيل إلى جيل منهم كان يحصل بقدر من السلاسة يستبعد الفراغ أو يجعله شذوذاً أو يستبعد تماديه، في الأقل.

 

النجم بما هو شهاب

والحال أن النجوم هم الذين يعبرون الحدود من بلاد إلى أخرى لينشأ بأعمالهم هذا الذي نسميه علاقات ثقافية، بالمعنى الضيق الذي نعتمده هنا لمصطلح الثقافة وهو المعنى الذي يحصر الثقافة في أعمال المثقفين. قد يوجد جمهور في بلاد المنشأ لأسماء في ميادين الثقافة غير عالية الجرس. وأما سعة الميدان وبعد المدى فتنفرد بهما، بطبيعة الحال، أسماء ووجوه وأصوات ملأت ساحاتها أوّلاً وضاقت بها هذه الساحات. هذه قاعدة تحتمل الشواذّ الذي يؤكّدها إذ لا يعدّ محالاً، في الواقع، أن يبزغ النجم في سماء غير سماء موطنه الأصلي ولا يعدّ محالاً أن تلفظه سماء موطنه الأصلي، إلخ. أمر آخر يجب تسجيله هنا هو أن النجومية لا تضمن، بالضرورة، حيازة صاحبها وأعماله قيمة متفوّقة تقرّ تفوّقها المقاييس العامة، الثابتة نسبياً، مما يناط به تقدير قيمة الأعمال ومقامات الأشخاص في هذا النوع أو الفنّ من فنون الثقافة وأنواعها. فقد يحظى بنجومية عابرة من تعدّ أعماله ساقطة بحكم المقاييس المشار إليها. وقد يبقى مغموراً في حياته ولا ينصف إلا بعد الوفاة أو الانكفاء من يأتي بأعمال عظيمة ولكنها مجافية للذائقة الغالبة على ساحته. غير أن المقاييس تكون قد سلّمت بقيمة الأعمال وصاحبها حين يطول الزمن بنجوميته ويصبح ما يسمّى بالتكريس أمراً متحققاً بضمان من السلطات المحكّمة في النوع المعنيّ من الأعمال الثقافية ومن الجمهور المعنيّ بهذه الأعمال. النجم ههنا شهاب بمعنيين متباينين إذن: بمعنى العبور من أفق إلى أفق وبمعنى قابلية الخمود والترمّد.

 

في كل حال، لا نصل بالضرورة إلى ترادف تامّ ما بين نجومية النجم الثابتة والقيمة الثابتة لأعماله. الروائيون المصريون الذين جاؤوا بعد محفوظ، ومنهم من يعدّ تلميذاً له ومنهم من أراد نفسه مؤسساً لمنحى يخالف منحاه، على التخصيص، لم يجتاحوا الحدود الرمزية بين مصر ولبنان، على غرار محفوظ، بل بقي وصولهم إلى المطالعين اللبنانيين أشبه بالتسلل. فهم ليسوا موضوع دراسة عندنا ولا ينسب إليهم تلامذة من بين روائيينا ولا تنشغل بهم كثيراً الصفحات الثقافية من جرائد بيروت. وهذا مع أن بعضهم قطع في الشيخوخة شوطاً طويلاً وأصبح بعضهم الآخر واقفاً على أعتابها. أشير، بالدرجة الأولى، إلى إدوار الخرّاط، إلى إبراهيم أصلان، إلى بهاء طاهر، إلى صنع الله إبراهيم، إلى جمال الغيطاني، إلى يوسف القعيد… عالماً أنني أشير إلى قيم مرموقة جداً في مسار الرواية المصرية. مع ذلك لم يسع أياً من هؤلاء أن ينشئ بالقرّاء اللبنانيين علاقة تكافئ تلك التي أنشأها، لا محفوظ وحسب بل حتى إحسان عبد القدّوس ويوسف السباعي في أيامهما. وهذان كانا نجمين ولو ان النقّاد لا يعدّونهما، على الأرجح، من الأساطين المستقرة في مجد الفن الروائي في مصر. في تلك المرحلة نفسها، اضطرّت الأرض رواية عبد الرحمن الشرقاوي أن تنتظر يوسف شاهين والسينما سنين كثيرة حتى تتمكن من فرض نفسها على انتباه جمهرة معتبرة من القرّاء اللبنانيين.

 

اليوم يسبق الخراط وأصلان وطاهر وإبراهيم والغيطاني وسواهم إلى نور مصابيح القراءة اللبنانية نجم جديد نسبياً للرواية المصرية هو علاء الأسواني. وهو رجل مختلَف بين النقاد، من مصريين وغير مصريين، في قيمة أعماله، وهذه القيمة ليست ما يهمّنا هنا في أي حال. ما يهمّنا هو أن الروائيّ النجم، وقد اسعفته في ذلك السينما – مرّة أخرى – أيّما إسعاف، قد أدّى وظيفته مرّة أخرى فاستوى خيطاً من خيوط الشبكة التي يسعنا أن نسمّيها العلاقات الثقافية بين لبنان ومصر. من حيث الأساس ليست حال هذا النجم مختلفة عن حال النجوم في فنون أخرى يستعمل فيها مصطلح النجومية بمزيد من التواتر أي مثلاً عن حال عبد الحليم حافظ أو سعاد حسني في مضماري الغناء والسينما.

 

لا أعرف شيئاً عن الحظوة التي يمنحها القرّاء المصريّون للروائيين اللبنانيين اليوم، وبعض هؤلاء أصبح منتشراً، كما هي حال علاء الأسواني، بلغات عدّة. ولكن أعلم أن مغنّية لبنانية شابة أصبحت عريضة الصيت وغامرة الحضور على الفضائيات هي نانسي عجرم دانت ببعض نجاحها لاعتمادها اللهجة المصرية في أغانيها. وهذا أمر يوحي بأن طلب الاعتراف المصري بأيّ منتَج ثقافي عربي لا يزال ذا أولوية مؤكدة عند صاحب المنتج. وهو يوحي أيضاً بأن ما حصل وما زال يحصل من تعارف يبن العاميّات العربية بفضل التلفزيون لم يبطل كون العامية المصرية تبدو أشبه بـ”فصحى العاميّات” أي بالعاميّة الجامعة بين أجنحة المستمعين أو المشاهدين العرب شأن العربية الفصحى بين أجنحة قرّائهم. فإن تمصّر نانسي عجرم لا يغرّبها قيد أنملة عن بيروت. إذ يبقى لحفظ الألفة بينها وبين الجمهور اللبناني نحو قرن من اعتياد اللبنانيين سماع الغناء المصري ومن ترنّمهم به أيضاً، مطربين كانوا أم مجرّد متنزّهين.

 

في مجال مختلف جدّاً، أسهمت بيروت، بصحافتها وبصناعة النشر فيها وبجمهور من  مستمعيها أيضاً، في صنع نجم مصري آخر هو نصر حامد أبو زيد. كانت الوعورة التي يتسم بها حقل أبحاثه تستبعد أن يستوي الرجل نجماً تشدّ الرحال إلى محاضراته. ولكن بيروت تلقّت المحنة التي أطبقت على أبو زيد في القاهرة فراحت تطبع كتبه وتجادل فيها وتجمع له المستمعين… إلى أن شهدت العرض الأول لفيلم عنه أخرجه باحث سوري هو محمد علي الأتاسي، وقد احتشد للفيلم جمهور فرض عرضه بعد أن تردّد أنه سيمنع. أنزلت بيروت على الرحب نصر حامد أبو زيد إذن وهذا حقّه. على أن بيروت لا تعرف شيئاً، على الأرجح، عن مصريين أصحاب أعمال وعرة أيضاً ولكنها سامية المكانة والقيمة في أبوابها. تعرف بيروت من زمن بعيد نوال السعداوي، ويتردّد فيها أحياناً اسم جمال حمدان أو يزورها (قادماً من باريس) مصطفى صفوان، ولكن بيروت لا تعرف شيئاً، على الأرجح، عن أحمد أبو زيد ولا عن سيد عويس ولا عن رمزي زكي…

 

من الفرد إلى المجتمع:

في فضل البلاد على نجومها

النجم فرد، في كلّ حال. بل هو فرد شديد التفرّد يصنع نجوميته بالانفراد عن غيره ولو انه يكون مديناً بنجوميته نفسها أيضاً لهُوامات هذا الغير، لما يودّ الغير لو انه كانه أو لو ان أحداً في محيطه القريب أو البعيد حقّقه له. والنجم على ما رأينا، مرسال يصل بتوسطه شيء من الحياة الثقافية في بلاده إلى البلاد الأخرى. بل إنه يصحّ، في بعض الحالات، اعتباره وسيطاً لشخوص ولأعمال في ثقافة بلاده تعوزهم (أو تعوزها) النجومية. فهو يثير فضولاً عامّاً، إلى هذا الحدّ أو ذاك، حيال القطاع الثقافي الذي ينتمي إليه في بلاده وحيال ثقافة بلاده، على التعميم. المغنّي المصري الشهير يلفت المستمعين إليه، على اختلاف الأقطار، إلى سائر الغناء وسائر المغنين في مصر وإلى الموسيقى المصرية حكماً. ويؤدّي الشاعر أو المسرحي اللبناني دوراً موازياً في إثارة الاهتمام ببعض الثقافة اللبنانية، إذا اتسعت شهرته وانتشر الإعجاب به في خارج بلاده.

 

ولقد جعلت حديثي في العلاقات الثقافية بين مصر ولبنان مقتصراً، حتى الآن، على الأفراد: على هؤلاء الأفراد الحادّي التفرّد الذي نطلق عليهم لقب النجوم. وأحب الآن أن أنطلق من الإشارة التي سلفت إلى مكانة اللهجة المصرية في الآفاق العربية بما هي “فصحى” العاميّات لأقول كلمة في فضل كل بلاد، سواء أكانت مصر أم لبنان أم سواهما، على مثقفيها لجهة محددة هي كونها، بنجوميتها المتحقّقة في مرحلة من المراحل، سبباً أوّل لنجومية أبنائها. وهذا يعني أن انكفاء الإشعاع العامّ للبلاد يمتحن مثقفيها بمزيد من صعوبة في إثبات المكانة وفي تصدّر الحقل الذي يشتغل كل منهم فيه ولو كان الواحد منهم مستحقّاً. والحقّ أننا نثير هنا مسألة لا تخلو من التعقيد. فإن وجود البلاد في محنة قد يسهم أيضاً في إبراز مثقفيها الذين يفلحون في نشر أصداء أو صور مميّزة الصدق والقيمة والجمال لمحنة بلادهم. ومعنى هذا أن البلاد قد تفلح في الإعلاء من شأن مثقفيها، لا بقوّتها وازدهارها وحسب، بل أيضاً ببؤسها واضطراب موازينها، في بعض الحالات. ولعلّ الانسحاب إلى الظلّ وخبوّ الأضواء ونصول الألوان التي تتقدّم بها صورة البلاد إلى الخارج، سواء أكانت هذه السمات دليل تطامن وراحة أم دليل تعاسة لا تجد عباراتها بعد، إنما هي أقلّ الأحوال مواتاة لإسهام بلاد ما في إبراز ثقافتها  ومثقفيها ونشر ما عندها من هذا القبيل إلى خارج حدودها.

 

ولأذكر في هذا الصدد حالتين قياديتين للبلاد، إحداهما لبنانية والثانية مصرية، جعلت لكل من القطرين تأثيراً ثقافياً مميّزاً في الآخر، في أثناء مرحلة من تاريخنا غير البعيد بعينها. والمثالان واضحان ومعلومان، تغني في شأنهما الإشارة عن الإطالة. في الحالتين، بدت البلاد – مصر أو لبنان – حاملة رسالة بعينها محتاجة إلى الانتشار في محيط بعينه أو معدّة أصلاً بحيث تكون غايتها هذا الانتشار وما يليه من تغيير في أوضاع وأحوال مختلفة.

 

ريادة لبنانية… وقيادة مصرية

أما حالة القيادة اللبنانية (أو الريادة، بالأحرى) فنجمت في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر وفي أوائل القرن العشرين من تصدر المسيحيين اللبنانيين حركة تغيير في الشرق كان لها شقّ ديمقراطي يتعلق بالمساواة بين المواطنين وشقّ قومي يتعلق بالاستقلال السياسي أو، في بعض الصيغ المخففة التي اعتمدها مسلمون، على الأغلب، باللامركزية وبدرجة ما من الاستقلال الذاتي في الإطار العثماني. وكانت مصر الخاضعة، في معظم هذه المدة، للاحتلال البريطاني متفلتة من السطوة العثمانية وقابلة لتعهّد حركات من قبيل تلك التي باشرها مسيحيو المشرق وجاراهم فيها مواطنون لهم من غير المسيحيين لأسباب مختلفة أو بصيغ مختلفة. عليه أفردت مصر مقاعد في صدارة حياتها الثقافية لأولئك “الشوام” من أمثال سليم وبشارة تقلا وجرجي زيدان وفارس نمر ويعقوب صروف وفرح أنطون وشبلي الشميل… ممن أنشأوا منابر وأشاعوا أفكاراً كان لها وقع في النهضة المصرية المزامنة أو اللاحقة، أيّاً يكن تقويمنا اليوم وتقويم المصريين لعُجَر هذه النهضة وبُجَرها.

 

وحين اتفق أن وجد مسلم بين هؤلاء الناشطين “الشوام”، ولعل حالة رشيد رضا هي الحالة الأبرز، في هذا الباب، أو لعلها الوحيدة التي يعتدّ بها فعلاً، بدا أن مصر، بتيار التجديد في أزهرها وبتقاليدها العلمية الإسلامية، تعطي المسلم اللبناني أو الشامي أكثر بكثير مما يعطيها. وهذا لا يبطله علمنا بمكانة رضا ومجلته وأعماله من الحركة الإسلامية اللاحقة في مصر ومن توجهها السياسي على الخصوص… كان رضا، في مصر، تلميذ محمد عبده قبل أن يكون ابن طرابلس الشام. هذا فيما كان المسيحي اللبناني يحمل إلى القاهرة مسائل جديدة فعلاً مستقاة من خبرة تاريخية مغايرة. صفوة القول أن الموقع الريادي آنذاك في المشرق للجماعة المسيحية اللبنانية حمل أفراداً من هذه الجماعة ليبوّئهم أمكنة في صدارة الحياة الثقافية لبلاد عريقة التقاليد هي مصر ولمجتمع ضخم، بالقياس إلى مجتمع لبنان، هو المجتمع المصري.

 

في مرحلة ما بين الحربين ثم في المرحلة الناصرية، بدا أن مصر وجدت سبلاً لتفعيل وزنها في الثقافة العربية على أنحاء واكبت تفعيل هذا الوزن في السياسة الشرقية أو العربية في خلال تلك المرحلة الطويلة نفسها. وقد بدت آثار هذا التفعيل بيّنة في الدور المرجعي أو التوجيهي الذي أخذ يتبوأه مثقفون مصريون في الحياة الثقافية اللبنانية. كان لبنان قد أصبح لبنان الكبير وبات انقسامه الطائفي يتحكم شيئاً ما في تصرّف أجنحته حيال تيارات الفكر وصيغ الذوق المقبلة من مصر. ولكن كان في مصر، على الدوام، من يتألق بخروجه على إجماع ما فيصبح التمثل به مغرياً لأقليات تخشى حالات الإجماع الكاسحة. باكراً نسبيا، ذهب أحمد شوقي إلى لبنان مصطحباً معه محمد عبد الوهاب وباكراً أيضاً دخل الأدباء اللبنانيون في المفاضلة بين شوقي وحافظ ثم تابعوا مناظرة القرن التي أطلقها كتاب في الشعر الجاهلي لطه حسين وتلك التي أطلقها، في المدّة نفسها، كتاب علي عبد الرازق الإسلام وأصول الحكم ودخلوا أيضا في الجدال الذي أثاره الديوان لعباس محمود العقاد وتتبعوا “عبقرياتــه”. ثم لم يلبثوا أن تعرفوا نجيب محفوظ وأدرجوا المصريين وغيرهم من مجددي الشعر العربي المعاصر في كوكبة واحدة ضمّت سوريين وعراقيين وضمّت لبنانيين بطبيعة الحال.

 

قبل بلوغنا الحِلْم، كان عندنا كامل كيلاني للسلوى والموعظة ومصطفى لطفي المنفلوطي للبكاء ولأسلوب في الإنشاء طال به العمر بين خطبائنا من ذوي الأصول الريفية وبقيت منه إلى يومنا هذا بقايا معتبرة، منتشرة بين الوصف والرثاء. ثم راح المراهقون من جيلي يتوزعون في الخمسينات حزبين: أحدهما لمحمد عبد الوهاب والآخر لفريد الأطرش. كانت فرص السماع لا تزال ضئيلة. ومع ذلك كان الصياح يعلو بين الأتراب فيما كان الرجلان يسهران بسلام معاً، على الأرجح، في ملهى ما من ملاهي القاهرة أو في منزل من منازلها. وأما أم كلثوم فكانت قد أصبحت مشاعاً عربياً وأيقونة لا تمسّ ولو ان غناءها بقي يستغلق على لبنانيين كثيرين فلا يفلحون في تذوقه أو يأخذون عليه ما قد يأخذونه على نمط الطرب الشرقي كله وليس على أم كلثوم وحدها. في ما يتخطى هذه المآخذ، بقي الغناء العربي، في عرف أبناء جيلي من اللبنانيين (وكان في عرف الجيل الذي سبقنا أيضاً)، هو الغناء المصري أولاً وبقيت الموسيقى الشرقية هي الموسيقى المصرية. لا يزال هذا صحيحاً اليوم ولو ان الغناء اللبناني قد أرسى تقاليد تصنع ذوقاً وكوّن تراثاً يملأ ذاكرة. يسع المتبحّر اللبناني اليوم أن يكون ملمّاً بالغناء العراقي أو ذوّاقة للموسيقى الإيرانية أو التركية ولكن الخزين الذي تتشكل عليه هويته الموسيقية أو الغنائية، بما هو مستمع شرقي، إنما هو خزين مصري – لبناني.

 

وفي المدّة نفسها التي كان محمد عبد الوهاب وفريد الأطرش يشقّان فيها صفّنا بأناقة ولطف، أو بعدها بقليل، فرضت ثلاثية نجيب محفوظ نفسها على مخيلة قراء لبنانيين كثيرين على أنها الغاية التي يعصي تجاوزها على الرواية العربية. وهذا من غير أن يمنع ذلك طلاب الانفعال السهل من تيميم شطر السباعي أو عبد القدوس، على ما سبق بيانه. وأما في السينما – وكانت قد أصبحت بيت قصيد في ميزان الصلة الثقافية بين بلاد وأخرى – فكانت الأفلام المصرية أيضاً هي الأفلام التي يسع أمثالي من اللبنانيين أن ينتسبوا إليها على أنها سينماهم سواء أأعجبتهم أم لم تعجبهم. هذا بينما كانت الأفلام الأميركية أو الأوروبية تبدو خارج متناول الراغب اللبناني في حسَب ونسَب سينمائيين مهما بلغ من الإعجاب بها. وما يستوقف في الإقبال اللبناني على الثقافة المصرية وعلى تأثرها أو الانفعال بها أعلاماً وقيماً هو، على وجه التحديد، اشتمال الإقبال المذكور على الغث والسمين في هذه الثقافة. في الذائقة اللبنانية (وهذه ذائقة قد يكون اعتبارها واحدة من قبيل المصادرة على المطلوب أو المصادرة على غير المطلوب)، كان ثمة موضع لثورة طه حسين البعيدة الغور في النظرة إلى الذات وإلى ميزان القيمة بين موروثها ومستحدثها وكان ثمة موضع أيضاً لعويل فريد الأطرش أو لخزعبلات إسماعيل يسين.

 

والبين أن كلاً من هذه الأمثلة إنما يحضرني لسبب يخصني شخصياً. فقد كنت، في المدّة التي أصبحت فيها مواظباً على التردّد إلى دور السينما، أي في نهاية الخمسينات من القرن الماضي إلى أوائل الستيمنات، واحداً من مشاهدي الأفلام المصرية المكثارين، متعلقاً بعدّة من نجومها وغير ميال إلى التدقيق في قيمتها الفنية. ثم جنحت، في العقود اللاحقة، إلى مسلك مخالف، فأصبحت لا أشاهد من هذه الأفلام إلا ما طار له صيت استثنائي أو أحاطه النقد بهالة تقدير غير معتادة. إلى أن دخلنا عهد الفضائيات فعدت إلى الإكثار من المشاهدة وإلى شيء من التراخي في معايير الاختيار. وأما طه حسين فكنت قد جدّدت العهد بأعماله، في أواخر الثمانينات، لأخصّ المناظرة التي تمادت في صدد كتابه بدراسة طويلة نسبياً لأطوارها وللدلالات المستفادة من تماديها…

 

“لقينا محفظة!”

وعلى وفرة الصحف المتناسلة من شقوق بيروت، كان بعض الصحافة المصرية أيضاً يجد مكاناً له في الفضاء المكتظ بهموم شبابنا السياسية. كنا نقرأ مطوّلات محمد حسنين هيكل التي راحت الأنوار البيروتية تنشرها مع الأهرام. ولكن أسبوعيات القاهرة هي ما كان رفيقنا الظريف في استراحات المقاهي. في صباح الخير أو في روز اليوسف، كنا نذهب توّاً إلى الرسوم الكاريكاتورية… إلى نزيل من نزلاء “قهوة النشاط” يقول لجليسه: “يا حلاوة! لقينا محفظة! نادي الجرسون يجيبهالنا!” أو إلى زوج أيقظه البرد من نومه ينتهر زوجته صائحاً في ذروة الحملة الحكومية لتحديد النسل: “يا وليّه! فين الواد اللي كنت بستغطّى بيه؟” لا أذكر، بعد نصف قرن مضى أو كاد، إن كان هذا صلاح جاهين أم البهجوري. ولكن لم يفرض شيء نفسه على ذاكرتي بهذا العناد من كل ما طالعته من رسوم في الصحافة اللبنانية طوال نصف قرن!

 

كان هذا في أوائل الستينات إذن. في أواسطها، كنا قد أخذنا نجفو عبد الناصر. ثم راح يستحوذ على فضولنا النزر القليل الذي كان يصل إلى علمنا من أخبار الحركة الشعبية في مصر، العمالية حيناً والطلابية حيناً، وقد كنا نراها في أمانينا حركة واحدة. في هذه المرحلة، استجابت لرغبتنا في تعرّف المجتمع المصري مجلة الطليعة التي أصدرها لبضع سنوات لطفي الخولي ورفاق له. كنا نجد فيها بعض زاد كانت حاجتنا إليه ماسة يتعلق بمصر وقضاياها وبموجات الرفض المعتملة في مجتمعها ولكن يتعلق أيضاً بجهات أخرى من الكرة كانت تزداد جذباً لنا كلما ازدادت بعداً عنا: من فيتنام إلى بوليفيا. لم تكن علاقتنا بـالطليعة وبمحرريها علاقة تسليم بل كنا نرى أنفسنا في حال جدال معهم وحذر من صيغة التعايش الرجراجة التي خلصنا إلى افتراضها بينهم وبين الجهاز الحاكم. كنّا نؤثر شريطاً نتلقّاه لنجم وإمام على عدد يصل إلينا من الطليعة. مع ذلك لم يكن بدّ من مطالعة الطليعة.

 

وفي سنة 1971 أو حواليها، كنت مسؤولاً في بيروت عن طباعة نشرة “سرّية” كان اسمها المسيرة وكان الماويّون المصريون يعدّونها بين باريس والقاهرة. ومن البوابة الباريسية أيضاً كان قد وصل إلى أيدينا كتابان (بالفرنسية) أحدهما لأنور عبد الملك والثاني لسمير أمين الذي وقّعه باسم حسن رياض… لم أقراّ كتاب عبد الملك قط. وأما كتاب أمين مصر الناصرية فمثّل لي ولآخرين من رعيلي أول لوحة غنية بعناصر حسيّة ملأنا بها نوعاً من الضيق شبه الفارغ بنظام عبد الناصر كان قد أخذ يستبدّ بنا في أثر انهيار الوحدة المصرية السورية. وهذا انهيار كان وقعه جللاّ على جيلنا. حتى أن وقع هزيمة 1967 لم يكن سوى توكيد لوقع هذا الزلزال الأول علينا ولم تكن الهزيمة أول زلزال يضرب علاقة جيلنا من المشرقيين بالناصرية كما راح يتراءى لبعض مستذكري الحوادث لاحقاً. أمدّنا كتاب سمير أمين إذن بملامح الوجه المصري للخراب الذي كنّا قد عاينّاه أو سمعنا أخباره في العلاقة المصرية السورية. لاحقاً (في مطلع السبعينات) نقلت ونصير مروة إلى العربية كتاباً لمؤلفين مصريين اثنين هما عادل رفعت وبهجت الندي وقّعاه باسم مستعار أقاما على التوقيع به مذّاك وهو محمود حسين. كان عنوان الكتاب الصراع الطبقي في مصر. وقد وقّعنا الترجمة أنا ونصير باسمين مستعارين أيضاً. على أن كتاب محمود حسين كان أكثر ميلاً إلى الإغراق في الترسيمات النظرية المفترضة للصراع المشار إليه في عنوانه وأقل حفاوة بملامح الصراع الحسية ووقائعه من كتاب سمير أمين الذي ظهر قبله ببضع سنوات. وقد عجبت لقول شارل بتلهايم ما يوحي بعكس ذلك في تقديمه للكتاب ولم أتورع عن نقل عجبي إلى أحد المؤلفين حين التقيته. كان انحيازي (المتردّد جدّاً) إلى ماويّة بتلهايم وتلميذيه المصريين (في وجه الناصرية وفي وجه الشيوعيين “التحريفيين” معاً) هو ما ساقني إلى هذه الترجمة وإلى طباعة المسيرة. فدخلت في هذين الأمرين تواكبني شكوك بعضها معلن وبعضها مكتوم في قيمة المضامين التي وقعت عليها في الكتاب وفي النشرة.

 

يبقى أن  الطليعة، بما كانته لنا، في مدّة عمرها القصير نسبيّاً، لم تخل من شبه بما كانته الرسالة، مجلّة أحمد حسن الزيات، لبعض المثقفين من جيل آبائنا. كان الفارق بين المجلتين يرسم انزلاق الاهتمام المثقف، بين جيل آبائنا وجيلنا، من مسائل الثقافة الثقافية، أي مسائل اللغة والأدب وما إليهما، إلى مسائل المجتمع والسياسة، وقد استحوذا على الثقافة أو كادا. وفي كل حال، لا أزال أحتفظ إلى اليوم بمجموعة شبه كاملة من أعداد الطليعة. ولكن إذ أنظر اليوم إلى هذه الأعداد (التي يتراءى في اهتمامي بجمعها هذا الانزلاق في علاقة جيلي بموارد الثقافة المصرية) أراني لا أدري إن كان يوجد فيها ما قد يغوي فتياناً لبنانيين أو مصريين بلغوا رشدهم بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وملحقاته: من دول وحركات ومن صحف أيضاً.

 

من سنين كثيرة، أصبحت لا أقرأ الصحف المصرية إلا ما حصل اتفاقاً. هذا إهمال منّي ولكنني أرى فيه (من غير رغبة في تسويغه ولا إنكار لنسبته إلى شخصي) علامة تتعدّاني من علامات التغيير في العلاقة الثقافية – وفي العلاقات السياسية أيضاً – لشطر من اللبنانيين بمصر وبالحياة المصرية. ثمة ما زاد في هذه العلاقة وثمة ما نقص منها. ثمة تغير واكبتُه، عبر عقود، وهو ما أحاول أن أجلو من ملامحه، في هذا الحديث، ما تأذن بجلائه خبرتي الشخصية.

 

استقلال ثقافي في جمهوريتين؟

إلام أتخلص من هذا كله؟ ما دمت قد أجزت لنفسي اعتبار الفتى الذي كنته في أواخر الخمسينات وأوائل الستينات من القرن العشرين شاهداً يصحّ الاعتداد بشهادته، فلن أتردد في القول إن أمراء الثقافة  العربية المعاصرة، بجميع فروعها تقريباً، من بين الأحياء آنذاك، كانوا، في عرفنا، من المصريين. حين كنا نسأل من الأديب العربي الأهمّ (بالمعنى الأعمّ للأدب بما فيه نظرية الأدب أيضاً) كنّا نجيب بلا تردد: طه حسين. وكان نجيب محفوظ بطلنا من بين الروائيين وتوفيق الحكيم سيّد كتّاب المسرح في عرفنا وبقي محمود تيمور ملك القصة القصيرة عندنا إلى أن اكتشفنا يوسف إدريس. ولسنين كثيرة لبثت أعمال أحمد أمين هي أوّل ما يتبادر إلى الذهن حالما يطرح سؤال يتعلق بتاريخ الإسلام. ولم يكن التردد يساورنا إلا في صدد الشعر. لم نكن نجد صلاح عبد الصبور أدنى مرتبة من السياب أو من أدونيس مثلاً. أبداً. وإنما كنا نرى هؤلاء سوية ونفراً معهم قافلة واحدة راحت تجدد الشعر في الشرق العربي. وكان تفضيل واحد منهم على الآخرين مسألة ذوق شخصي يختلف جوابها من فرد منّا إلى آخر. وأما في الشعر الذي أخذنا نعدّه تقليديا فكان أحمد شوقي قد أصبح وراءنا (ولو انني، شخصيا، كنت أحفظ مصرع كليوباترة و مجنون ليلى عن ظهر قلب). كنا قد أصبحنا متنازَعين ما بين الجواهري وسعيد عقل وبدوي الجبل ولم نكن نجد بدويا مصريا نضمه إلى هؤلاء ولا أرضانا انتخاب مواطننا بشارة الخوري المعروف بالأخطل الصغير، بُعيد ذلك، خليفة لشوقي. أصلاً، حصل هذا الانتخاب في وقت كانت فيه القيم الجمهورية قد بلغت أوج غلبتها وجعلت من تنصيب الأمراء وتتويج الملوك في الثقافة أمراً يعسر هضمه… وكان من تعابير غلبتها، في الثقافة أيضاً، هذا الذي عاينّاه على أنه عسرٌ في ولادة النجوم، وقد راح يتفاقم من عقد إلى عقد.

 

وفي ترجيحي أننا إذا نظرنا اليوم في أمر شابّ لبناني ما في حوالي العشرين من عمره، سنجد أن كتّابه المفضلين من العرب، في معظم هذه الفروع، هم من اللبنانيين وأنه إذا غامر بالتغرب إلى آداب الأقطار العربية الأخرى سيوزع أفضلياته ما بين عدّة منها ولن يجد في مصر ولا في غيرها، بالضرورة، بداية ونهاية لمطافه. أقول هذا مع علمي بما في تيارات الأذواق اللبنانية من كسور وبأن ما بين فتى لبناني وآخر في مضمار الميول الثقافية قد يكون ما صنع الحدّاد. ولكن هل يعني اختلاف المسلك الذي قد يسلكه الشاب اللبناني اليوم عما كانه في جيل سبق أن منتجات الثقافة المصرية في سائر الفروع قد أصبحت اليوم أقل جودة؟ أبداً! لا أفترض للثقافة المصرية (ولا للثقافة اللبنانية) عهداً ذهبيّاً وأميل إلى الاعتقاد أن التأمل المتأني من شأنه أن يظهر الزيف في ذهب العهود الذهبية وأننا نخترع هذه العهود، عادة، لأمور فينا وليس لأمور فيها.

 

ما أراه إذن هو أن لهذا التغير في مسلك الشاب اللبناني المعادل لذاك الذي كنته قبل بضعة عقود معاني أخرى. أوّلها أن الثقافة اللبنانية قد ازدادت كثافة فازدادت قدرتها على استغراق أهلها. ولوفرة الإنتاج التي هي وجه مما سميناه “ديمقراطية” ثقافية شأن مؤكد في ذلك. وللمحن التي عبرها المجتمع اللبناني في السنين الأربعين الماضية شأن في الظاهرة نفسها. فإن هذه المحن ركّزت انتباه اللبنانيين على مجتمعهم وعلى مشكلاته، أو هي حبست هذا الانتباه، إلى حدّ ما، في هذا النطاق. وقد يكون علينا أن نستثني من هذا التركيز على إنتاج الداخل ما كان متاعاً للتيارات الدينية الحاضرة ولما تطرحه هذه التيارات على نفسها وعلى مناهضيها أيضاً من مشكلات تبدأ بالسلوك الفردي، بسائر مجاليه، لتطول إلى المجتمع وإلى الدولة… فما يستهلك من هذا القبيل أضعف صلة من منتجات ثقافية أخرى بالمنبت الوطني لمنتجيه وحتى بالعصر الذي أنتج فيه. وإذا نحن توقفنا عند المسائل المنتمية إلى نظرية المعرفة وإلى نظرية التاريخ والسياسة، وجدنا أن المغاربة، لا اللبنانيين ولا المصريين، كانوا متصدّرين، في العقود الأخيرة، بين الباحثين العرب في هذه المسائل وفي صيرورة المجتمعات العربية على ضوئها.

 

من يحتاج إلى قائد أو رائد؟

خلاصة القول أن في الجهة اللبنانية مقوّمات أوفر لنوع من الاستقلال الثقافي ينتهي إلى قدر من الامتناع عن تسليم القياد الفكري أو الذوقي لمثقّفي مجتمع آخر. وأما من الجهة المصرية، فهذا الاستقلال حاصل من عهود أطول ولكنه اقترن في العقود الأخيرة نفسها، بانكفاء “الرسالة” السياسية التي دأبت البلاد على نشرها في أرجاء محيطها القومي وما كان يلي هذه الرسالة من ظواهر ثقافية. هذه الرسالة كانت تتولى نشرها مصر كلها، سياسة وثقافة، وليس ثقافة مصر وحسب. هل توطّد الاستقلال الثقافي، في الحالة اللبنانية، نعمة وهل انكماش المنحى الرسالي، في الحالة المصرية، نقمة؟ لا أظن. حين لا يوجد، في هذه الحالة ولا في تلك، إغلاق للأبواب ولا حصار، يصحّ القول إن الحالتين تفترضان تركيزاً على أحوال المجتمعين وعلى أحلامهما ومطالبهما أيضاً يجب أن يكون موضع ترحيب. والحال أنه لا توجد بين لبنان ومصر أية أبواب مغلقة وإن بقيت تستحسن زيادة الأبواب المفتوحة دائماً. جلّ ما في الأمر أننا لا نلحظ ريادة تشبه ما كانت عليه حال المهاجرين إلى القاهرة من مسيحيي لبنان، قبل قرن من الزمان أو يزيد. ولا نلحظ قيادة شأن ما كان عليه نفوذ المثقفين المصريين في لبنان، قبل نصف قرن من الزمان تقريباً، أي في المرحلة الناصرية: مرحلة الفورة القومية والفورة الاشتراكية ومرحلة نقدهما ورفضهما أيضاً. هل نحتاج، في الثقافة، إلى من يقود أو إلى من يرود، أم نحتاج إلى تواصل الإبداع بما يفترضه من تحرر للعقل وللذوق؟ في السياسة، قد لا يوجد بدّ من القيادة والريادة. وأما في الثقافة فالحاجة هي إلى الحرية وإلى مقوماتها قبلها. ففي هذا حصانة من مغريات الاتّباع ومن محسّنات الانصياع لما لا تني تتفتق عنه السلطة الحاكمة والسلطات الأهلية وثقافة أهل السلطة وطلابها من صنوف التضليل والطغيان والعنف.

 

بيروت في 20 تشرين الثاني 2010

 

[1]  ورقة أعدّت لندوة انعقدت يوم 30 تشرين الثاني/نوفمبر 2010 في المجلس الأعلى للثقافة في القاهرة حول العلاقات الثقافية بين مصر ولبنان، وذلك في نطاق “الأيام الثقافية اللبنانية” في مصر.

Advertisements

كلمن | ثورتا تونس ومصر

Source: كلمن | ثورتا تونس ومصر

 

ثورتا تونس ومصر:

الشعب بلا شعبوية

أحمد بيضون

 

أعادت الثورة المصرية الاعتبار إلى مفهوم الشعب. وكانت ثورة تونس قد فعلت قبيلها الشيء نفسه. وانتشرت بوادر من القبيل نفسه من الجزائر إلى اليمن إلى الأردن فإلى العراق… وراحت دمشق تسأل نفسها عن مآل الصمت المخيم عليها. وانفجرت جزيرة العرب والهلال الخصيب ضاحكين وهما يتلقيان موجة “المكرمات” من ملكية وأميرية ورئاسية، وقد أطلقها الرعب المنبعث من وقائع الأيام العظيمة في ميدان التحرير وفي غيره من ساحات مصر. وفي إيران نفسها، كانت ثورة مصر مناسبة لنوع من عودة الروح إلى الثورة الخضراء المقموعة.

الذين كانوا قد نسوا قوّة الشعوب، بين مشرق هذه البلاد ومغربها، لم يكن نسيانهم اختياراً. طال بهم العهد بما بدا نسياناً من الشعوب لنفسها. من يوم أن انهار جدار برلين و كبت رياح الحرّية التي هبّت من بين أنقاضه دون الحدود العربية، راح العالم ينعتنا بأننا استثناء من الديمقراطية. وبدا أن الجديد الخارج من بين ظهرانينا لن يلبس غير وجه الأصولية وإرهابها وهذا إرهاب باشر الفتك بمجتمعاتنا قبل أعدائها من حقيقيين ومفترضين. وهو لم يكن غير الصورة القصوى ليأس هذه المجتمعات من نفسها ومن تاريخ اختارت التوهّم أنها توقفه أو تطويه طرفاً على طرف. ولم يكن اليأس من التاريخ مختصّاً بأصحاب الإرهاب الأصولي في الواقع. كان يبدو شاملاً ولم يكن هناك من جواب عن السؤال: ماذا تفعل هذه المجتمعات بنفسها وإلى أين هي مفضية، وهل بقيت فيها إرادة غير إرادة أعدائها الذين في الداخل وفي الخارج وإرادة أعداء أعدائها الذين هم أعداؤها أيضاً بل قد يكونون ألدّهم؟

الذين من بيننا كانوا قد يئسوا من التاريخ يعود إليهم اليوم شعور بأنهم هم أنفسهم، الفرد منهم والجماعة، أمواج حرّة في بحر إرادات عظيم. وليس غير الحرّية ما يصحّ أن تنعت به هذه الحركة المترامية وما فيها من مواقع عناد ومن مواقع تردّد. وهذا على الرغم من أهوال البؤس والذلّ التي كان لا بدّ من شيء جامع وجارف ينقض الاستكانة لها ويقطع الصبر عليها. فلا شيء يبدو في ما هو جارٍ مما يمكن أن ينسب إلى القدر أو يشبّه به. بل إن هذه حركات لا تمنع شدّة بأسها ولا عنادها من أن تبقى اليد على القلب خوفاً عليها وعلى من فيها، من يوم إلى يوم ومن محطّة إلى محطّة.

في كل يوم من أيام الثورة المصرية، خصوصاً، كان المصير معلّقاً على حسن التصرّف وعلى الحصافة في القرار: على الولوج في مسلك بعينه، يجاد اختياره، وعلى اجتناب سواه عند كل مفترق. وكان بادياً أن المفترقات نفسها تغيّر مواضعها من يوم إلى يوم. لم يكن هناك قدر ولا نصر محتوم. كان هناك بشر أجادوا الخروج السلمي بإرادة غالبة صائبة، عند كل محطّة، وفرضوها على أنفسهم قبل أن يفرضوها على نظام أرادوا إطاحته، وكان يناور ويراوغ وعاند طويلاً. كل يوم، كانت الأيدي على القلوب خشية من شقوق تبدّد الصفوف أو تذرّ فيها العنف فتشل المبادرة وتفتح الباب إلى المحذور من جهة النظام أو من جهة الثائرين عليه. وكان يزيد الخشية هذا الغموض في هوّيات المبادرين الجدد وفي كيفيّات قيادتهم لحركتهم وهذا التعدّد في بؤر المبادرة الشبابية. وكذلك ما هو معلوم، على الضفة الظاهرة، من تهالك وتخاذل في تنظيمات المعارضة التقليدية. في كلّ حال، كنّا حيال بشر أحرار ولم يكن هناك من قدر. وهذا ما سنبقى نختبره في مستقبل هذه الثورة المصرية نفسها وهذا ما سنظل نشهده في البؤر الأخرى التي لم تُخرج إلا أوائل أثقالها حتى الساعة.

عادت الشعوب إذن وعادت محرّرة لإرادات أبنائها ومكوّناتها لا طاغية على هذه وعلى أولئك طغياناً يستوي وجهاً آخر لطغيان النظام البائد وقد يصير إلى أفظع منه. لا أحد يخاف اليوم في مصر أن يقول كلمته أية كانت، وليس هناك من كلام يلقي بأصحابه في غيابة الجبّ أو إلى  التهلكة. والمعوّل على أن يديم المصريون على أنفسهم نعمة هذه اللحظة العظيمة. الشعب، حتى الآن، ليس شعبوياً.

في ما جرى وما هو جار إشارات إلى أن الخروج من الاستثناء العربي من الديمقراطية قد بدأ وأن المرحلة الثورية منه قد حسمت في أهمّ مواقعه على الإطلاق: مصر. قبل ذلك، وجد، بفعل اليأس أو المصلحة، من تقبّل مزاعم الولايات المتّحدة البوشية أن الجيوش المحتلة قادرة على الخروج بالعراق من طغيان الفرد والحزب – العشيرة إلى رحاب الديمقراطية. اليوم تمثّل تونس ومصر نموذجين تجب مقارنتهما – في ما يتعدّى الفوارق الاجتماعية التاريخية – بالنموذج العراقي. يخرج المصريون وقد ازدادوا وحدة على النحو الذي تستحب عليه الوحدة ويباشرون تنظيف ميدان التحرير إشارة إلى العزم على البناء: على إعادة البناء وعلى زيادته. وحتّى مخزون التوتّر الإسلامي القبطي الذي كان متنامياً مالت به الثورة إلى الانكفاء. وكذلك بدت حال العنف المدني الذي يمثّله التحرّش بالنساء. هذا فيما يواصل العنف الأهلي مساره في العراق بعد دمار الحرب ويخشى ألا يزيده انقشاع الاحتلال إلا استعاراً… يقف العراقيون مقسّمين إلى درجة تجعل من تشكيل حكومة  لهم مهمّة تبقى عصية على العلاج لما يقارب السنة. وحين تشكّل الحكومة، يستشعر العراقيون، على غرار غيرهم في محيطهم العربي، حاجة إلى التظاهر طلباً لحقوق أوّلية للغاية راحوا يبتعدون عنها، في سنوات من الاحتلال والتقاتل، من الدمار والنهب، أو راحت هي تبتعد عنهم.

في تونس وفي مصر، لم يصنع الإسلاميون الثورة ولا هم قادوها. لا إسلاميو التكفير والاستئصال ظهروا فيها، ولا إسلاميو “الاعتدال” من نهضويين وإخوان أمسكوا بزمامها. كانت تلك مفاجأة لكل من كان يتحسّب من تغيير لا يكون بعده تغيير: تغيير لا يبقى بعده من يقوى على طلب التغيير، أي ديمقراطية تصلح للاستعمال مرّة وحيدة. ذاك تحسّب كان أصلاً من الأصول الكبرى التي شكّل منها نظام حسني مبارك ونظام زين العابدين بن علي رأس مالهما وضمان بقائهما و”حقّهما” في أن تطلق يدهما في نهب البلاد وإذلال العباد.

الآن سيجد الإسلاميون، في مصر وفي تونس، فرصهم شأنهم شأن سواهم. وطالما بقيت أصول ما يسمى “اللعبة” الديمقراطية مرعيّة، سيكون الحجم الذي يعطونه حقّاً لهم ما داموا يقرّون سائر الأطراف كلّاً على حقّه. فليس للثورة من مصلحة في أن تختصر قاعدتها بالاستبعاد، على الغرار العراقي. ولن يكون حقّاً للإسلاميين بل سيكون عسيراً عليهم أن يجبهوا سواهم بمثل ذلك. ولن يكون لسواهم حقّ في استبعادٍ يكون ضحاياه من غير المرتكبين: من الإسلاميين، مثلاً، أو من أنصار للنظام السابق لم يجنوا جناية موصوفة ولا غصبوا حقّاً.

اليوم تباشر مصر عودتها إلى نفسها، بلاداً كبيرة وقطباً لدائرة هذا الشرق. وهي تعود، بادئ بدء، لا خدمة لقضية تقع خارج حدودها، أيّة تكن القضية. هي من سيقرّر أية قضايا ستخدم وكيف وأيّ نزاع أو أكثر قد تستأنف وإلى أي حدّ. الديمقراطية، بحدّ ذاتها، حائل أوّلي دون التبعية وإن تكن البلاد صغيرة فكيف في حال دولة استردّ لها شعبها هذا الحجم الذي هو حجم مصر، أو هو باشر هذا الاسترداد. بدا باعثاً على السخرية من أوّل يوم كل تلميح إلى تحكّم خارجي ما في الحركة المصرية. بدا واضحاً أن قومة لها هذا العرض وهذه القوّة لا يحكمها غير ذويها. ولن يكون مختلفاً حال السلطة التي تنشأ من هذه الحركة: لا تسخّر ولا تشتط ما دامت عيون منشئيها رقيبة عليها.

مع ذلك أو بسبب ذلك، يستعيد المحيط العربي بعودة مصر مركزاً يتعرف فيه نفسه. فإن لأيّ منّا أن يلاحظ، من غير صدور عن عصبية أو عن ضيق أفق، أن ترنّح مصر الطويل قد أنشأ في الإقليم العربي حاجة لم يلبّها حقّ تلبيتها أي طرف عربي آخر: حاجة إلى قطب وإلى قيادة. هذا القصور في التلبية هو  ما جعل لإيران، من وقت ثورتها، ولتركيا مؤخّراً حكماً مباشراً ومدخل أمر ونهي في أمور هذه المنطقة. وهذا شيء لا تزال تبعات قديمه الإيراني واضحة الرزوح على مجتمعات عربية عديدة: من الأقطار الحافّة بالخليج إلى بلاد الشام. وأما تبعات جديده التركي فهي لا تزال غير واضحة. ولعلّ أوّل أثر مأمول لمصر الثورة في محيطها صبّ الماء على النار المذهبية التي تبدو من سنوات موشكة على التهام الأخضر واليابس. فإن من طبائع مصر وسنن قيادتها، مع كونها دولة إسلامية سنيّة بالدرجة الأولى، أن تحلّ سلوكها القيادي فوق هذا الضرب من الانقسام. وهو ما يعنيه انتماؤها، في آن، إلى تلك الدوائر الثلاث التي أحصاها جمال عبد الناصر في فلسفة الثورة.

وقد كان ترنّح مصر أسهم أيضاً في فتح أبواب التعسف أمام إسرائيل، فمضت لا تلوي على شيء ولا على أحد في تطبيق سياسة يراد لها أن تؤول إلى تصفية الوطن الفلسطيني على الأرض. وهو ما تبتغي منه، على الأرجح، أن يمهّد لإخراج الشعب الفلسطيني من أرضه مرّة ثانية وأخيرة، بالتهجير أو بهجرة تشبه التهجير… وذاك لعلّة أن ما يزيد عن خمسة ملايين من العرب الفلسطينيين لا محلّ لهم تحت سماء “الدولة اليهودية”، وقد راحت هذه تغطي فلسطين التي يقيم على أرضها هؤلاء من أقصاها إلى أقصاها. لم يكن في العالم العربي ما يعوّض الانكفاء المصري: لا القيادة السعودية لما سمّي “الاعتدال” ولا التنقل السوري المدروس بين الإقامة الطويلة على الركبة الإيرانية والجلوس القلق العابر على الركبة السعودية… ولا التعملق القطري أخيراً لا آخراً.

في السنوات الأخيرة، لم يكن أحد يقيم في مصر أو يزورها أو يعرفها يقول كلمة مطمئنة في أحوال مصر والمصريين. كان ثمة نوع من الإجماع في أحاديث العارفين على أن تلك الأحوال بلغت من السوء الدرجة التي يتعذّر تحمّلها أو هي جاوزت تلك الدرجة. ولم يكن الإعلام يولي هذا الأمر ما يفترض له من الاهتمام. بدا، بالأحرى، أن ثمة يأساً مستتبّاً يترجَم بما يشبه الصمت أو الإهمال. وكان مؤدّى هذا أن أحداً لم يكن يتوقّع هذا الذي جرى تحت أبصارنا وامتحن أعصابنا طوال هذه الأيام القليلة العدد، المتمادية الطول.

كانت تلك ثورة دافعت بالدم المراق عن صفتها السلمية وعن نبذها العنف. وكانت تلك أيام تجديد للصورة التي في مخيلتنا لمجتمعاتنا اليوم: لما في شبابها من عزيمة ولما هو متاح لهم من أساليب غير معهودة في التواصل والتنظيم والحركة وللعلاقات فيها بين الطبقات والفئات والشرائح. بدا، في مصر خصوصاً، أن ثمة قاعدة وطيدة وجدّ عريضة لالتقاء المختلفين في حركة وفي مشروع. وكانت تلك أيام سموّ أظهره المصريون وارتفع بهم إلى سماء من العزّة وارتفع بنا معهم. استوعب الثائرون موجة البلطجة المشبوهة وراحوا، من ثمّ، يحمون أهلهم وعمران بلادهم وتراثها. صنعوا لثورتهم لغة جمعت التسامح الرائع والبعد عن البذاءة إلى خفّة الظل والبعد عن نوع بعينه من السماجة الثورية: السماجة التي يشبه الكلام فيها أحذية الجنود وتبطن القمع أو تكون حبلى به. غابت لغة الثأر الأعشى الذي لا ينتظر القانون ولا يأبه لإثبات الوقائع ويروح يرتجل الديّانين. بقي أنصار النظام آمنين، إجمالاً، في بيوتهم الفارهة وفي مقاهي الأحياء الشعبية سواء بسواء وأسمعوا كل يوم أصواتهم على الشاشات وكانت وجوههم مكشوفة ولم يبدوا خائفين. وحين ذكر لفنّان من أبناء الثورة اسم زميل له من خصومها قال إنه لو حوسبت أم كلثوم بعد 1952 على مدحها الملك فاروق لخسرت مصر أم كلثوم!

كنّا نسمع ونتعلم. نتعلّم خصوصاً من هذا الشباب المسؤول الذي أبدى صلابة فوق الوصف ولكنّه أبدى تقديراً لمسؤوليته فوق الوصف أيضاً. فلم يذهب إلى شعار فيه إفراط ولا طلب شيئاً أو فعل شيئاً ينمّ باستهتار ما بسوء العاقبة أو ينذر بسوق البلاد إلى متاهة. بدا، في مصر خصوصاً، أن ثمّة خشية بعيدة الغور: خشية تاريخية من الفراغ في السلطة وبعداً عن نبذها بما هي سلطة، وبدا أن ثمّة احتراماً مسبقاً للسلطة المقبلة. ولا ريب أن ثورتي تونس ومصر بقي عندهما الكثير نتعلّمه من بنيهما حين يروون وقائع ويصوغون تاريخاً صنعوه أو يبدعون تشكيلات أو يكتبون أشعاراً أو يطلعون بروايات أو بأفلام… وإذا كان ما جرى في القاهرة وفي تونس يذكّر بما شهدته طهران سنة 2009 فمعنى هذا أن الدروس تتناقل وأن الشعوب يتعلم بعضها من بعض ولو كان على كل منها أن يبتكر ما يوافق أحواله وعبقريته.

ما شهدناه في تونس وفي مصر كان ثورة ديمقراطية من أرفع طراز وكان مطلب الحرّية خلاصته الأعمق. وقد ائتلف طلب الحرّية هذا وطلب العيش الكريم ليتشكّل منهما صلب الثورتين. ومن الحرص على هذا الائتلاف يفترض أن تنبجس اليقظة في مرحلة ما بعد الثورة وبهذا الحرص يفترض أن تقاس قيمة النظم والمنجزات. فهذا ائتلاف متوتّر بطبعه. بل إن توتّره هو الأصل في توتّر العالم المعاصر في أكثر من مائة سنة مضت. هل يصحّ التفريط بالحرّية طلباً للعدل الاجتماعي وهل يتحصّل عدل بلا حريّة وهل يبقى عدل بلا حدّ من الحرّيات؟ تلك أسئلة تزداد حدّة في مجتمعات استنزفها الطغيان المتمادي والفساد الكاسح الماسح وهي تباشر الخروج منهما اليوم وقد خلّفا فيها من المشكلات ما يبلغ الجبال طولاً ويزيد.

في ما يقرب من ستين سنة، اختبرت مصر، على الخصوص، نموذج “الاشتراكية” أوّلاً بما صحبها من قمع وتعسّر للإنماء وعيوب فيه ومن تبديد ومن تكوين للشرائح الطفيلية أيضاً. ثم اختبرت نموذج الليبرالية الكاسرة، المؤالفة للطغمة الحاكمة حتى النخاع، وقد نشرت النهب والفساد من أعلى إلى أسفل ومعه ذلّ الفقر للأكثرين ولم تأت من الحرّية إلا بما لا يحفظ كرامة ولا يقوّم عوجاً ولا يمكّن من محاسبة. تلك ذخيرة من الخبرة يفترض أن يمدّ بها الثورة تاريخ مصر المعاصر. فتستعين بها قيادات المرحلة الجديدة وهي تسلك الطريق الذي فتحته تضحيات المصريين وهم الأدرى بطوله وبمشقّاته. الخيارات الشاقّة ستكون كثيرة وسيبقى ماثلاً إمكان التيه عن المفترقات وتيه المفترقات نفسها.

وفي لبنان وفي غيره، تمثّل الحركتان التونسية والمصرية وما يضطرب على وقعهما في أرجاء الدنيا العربية كلها فرصة لمحاسبة النفس وليس للتطفّل أو للتبجّح بسبق لهذه أو بانتماء إلى تلك. فليس منتمياً إلى ثورة حققت وحدة الإرادة الشعبية في الساحات من يكون غارقاً في ما حفره من خنادق الطائفية إلى أذنيه ويرتضي، كرمى لجماعته في الطائفة، أن تكون بلاده “ساحة” لقوى الخارج فيما هيئتها السياسية ساحتان! وليس منتمياً إلى ثورة ديمقراطية من يستمدّ جلّ كينونته السياسية من استخذائه لأنظمة في الجوار لا يعوزها شيء ممّا قامت في وجهه الثورتان المصرية والتونسية. فمع أن التنبّه مطلوب إلى ما يختصّ به كلّ نظام سياسي، لا يبدو أن ثمّة اختلافاً يعتدّ به، في هذا الصدد، ما بين أنظمة “اعتدال” وأنظمة “ممانعة”. هذا إذا صحّ وجود الاعتدال وصحّ وجود الممانعة أصلاً. هنا كما هناك كما هنالك تداس الحقوق وتحبس الحرّيات وتنهب الثروات ويتنامى التفاوت وتستباح الكرامات ويقبع الكذب في السلطة. ومن هنا ومن هناك ومن هنالك، يسخّر اللبنانيون، على الخصوص، بالثمن البخس. فيوضعون على شفير الخراب وهم مسلّمون للممسكين بأعنّتهم بالحقّ في تقريبهم من الشفير أو في إبعادهم عنه أو في إلقائهم في أتون حرب داخلية أو خارجية كلما لزم الأمر. وسواء أكان التسليم لهذه الجهة أم لتلك، فإن في التسليم بهذا عداء لا قرارة له للقيم التي رفعتها الثورتان المصرية والتونسية عالياً. فأي انتساب إلى الحرية والكرامة يحقّ ادّعاؤه للبنانيين يقادون بالسلاسل ولو إلى الجنّة؟ فكيف وهم يقادون إلى الخراب؟

 

13 شباط 2011