حوار مع جهاد بزي (السفير) حول الانتخابات

أحمد بيضون: الحرية بلا دولة القانون تسمح بالقتل وبتأليف السيمفونيات
جهاد بزي
هادئ أحمد بيضون. المثقف واللغوي والأكاديمي والباحث التاريخي والاجتماعي، الدكتور الموسوعي اختصاراً، يجلس في بيته الجميل في رأس بيروت. إذا حكى في السياسة، يرفعها إليه. يجردّها من غايات تحكم السياسيين، ومن مخاوف وأحقاد ومحاباة تحكم مواقفهم، ومن جهل يوصف العديد منهم به، في قضايا من المفترض أنهم خبراؤها.
لا يحكي في مجردات، ولا يعيش في صومعة. القارئ الممتاز للتاريخ كما للحاضر يعرف بمهارة الأستاذ الجامعي كيف يشرح الأفكار، كما يعرف كيف يرى إليها، بعيني المثقف.
الانتخابات ليست شأناً جديداً بالنسبة إليه. لديه أكثر من بحث حولها. وهو، في حواره مع «السفير» ناقش ليس القوانين الانتخابية وتأثيراتها وسلبياتها وإيجابياتها ومفاهيمها فحسب، بل ذهب في النقاش أبعد، إلى نقطتين سابقتين للانتخابات، وأكثر أهمية منها: النظام الطائفي ودولة القانون، أو بالأحرى، دولة غياب القانون.
أحمد بيضون في الحلقة الثانية من الحوار حول شؤون الانتخابات وشجون البلاد.. بعيداً عن حلبة صراع الديكة.

{ لماذا لا يوجد قانون انتخابات ثابت ودائم في لبنان؟
÷ لسنا وحيدين في هذا الموضوع. الدول تعدّل قوانين الانتخاب فيها وهو أمر جار وشائع. لكن الدول الديموقراطية الانموذجية لديها مزيد من الاستقرار في هذا الأمر، كفرنسا او انكلترا. ومع ذلك، فهذه الدول تشهد تغييرات. الحاصل في لبنان أن القوى الغالبة في مرحلة معينة على صعيد السلطة التنفيذية ومجلس النواب تريد الاحتفاظ بولاء الأغلبية اللبنانية لها وهي تلجأ إلى التغيير اذا شعرت ان ثمة خطراً على الأكثرية التي تتمتع بها. وفي حالات الانقسام الشديد في البلاد يصبح الامر حيوياً لكل من الطرفين وموضوع معركة.
{ هل من الصحي ألا يعرف المواطن القانون الذي يقترع على اساسه؟
÷ ليس صحياً بالطبع. يجب ان يكون معروفا ما هو القانون وأن تُشرح مسوّغاته وآلية عمله ويجب أن يفهم المقترع كيف يؤثر صوته في نتيجة الاقتراع. فإذا اعتمدت النسبية، مثلاً، نحن حيال نسبيتين: التمثيل الطائفي هو نسبية قائمة على الأنصبة المحفوظة للطوائف أصلا، وحين نضيف نسبية ثانية مركّبة فوق النسبية الأولى، فهذا أمر سيخضع لقواعد احتساب معقدة بحيث أن الناخب الذي يضع صوته في الصندوق لن يفهم كيف وبأي نتيجة خرج صوته. ويصبح الأمر أكثر تعقيداً بما لا يقاس إذا اعتمدنا قانون الهيئة الوطنية لقانون الانتخاب (قانون فؤاد بطرس) الذي يقول بصيغة مركّبة، بحيث ينتخب قسم على القاعدة النسبية وقسم آخر على القاعدة الأكثرية، ويكون هناك نوعان من الدوائر متفاوتة الحجم، ويكون هناك صوتان تفضيليان لكل مقترع يعين بواسطتهما الاسمين اللذين يحوزان الأفضلية عنده من بين جميع الأسماء المعروضة. بذلك يصبح الاحتساب وتقرير النتائج معقداً بصورة يستحيل على الناخب غير المتخصص تخصصاً دقيقاً في علم الانتخابات أن يفهم كيف أدى صوته إلى هذه النتيجة.
{ ماذا عن قانون الستين؟
÷ الوحدة الانتخابية في قانون الستين هي القضاء. مشكلته انه يفتت إلى حد كبير التمثيل النيابي خصوصا أن مبدأ الأكثرية هو المعتمد. ويجعل نتائج الاقتراع مرهونة بمدى التلاحم الطائفي الذي يتفاوت بين طائفة وأخرى، وكما ينشئ في بعض الدوائر تبعية لنواب طائفة معينة للقيادة السياسية المنتمية إلى طائفة أخرى. وهذا سببه أن الاقضية غير متساوية في ما بينها وهي متفاوتة التمثيل لجهة عدد النواب فتجد مثلاً أقضية كبرى من قبيل الشوف أو بعلبك ـ الهرمل فيها من 8 إلى 10 نواب، في دائرة مثل جبيل تنتخب ثلاثة نواب فقط. مما يجعل للصوت تأثيراً متبايناً من دائرة إلى أخرى وإذا تمعّنا في الأمر وجدنا أنه يشكّل مطعناً في المساواة بين الناخبين. فان يؤثر ناخب في النتيجة المتعلقة بانتخاب عشرة نواب، بينما يؤثر آخر في انتخاب نائبين (بشري نموذجا) فقط يجعل للأول وزناً اكبر بكثير من الثاني.
أما مشكلته الأخرى فهي إتاحة نوع من التأثير الذي لا تستسيغه القيادات الطائفية لطائفة معينة في تمثيل طائفة أخرى. في بعلبك الهرمل، هناك مقعدان سني وكاثوليكي لكن الشيعة هم من يقررهما.
{ أي قانون هو فعلياً الاكثر تمثيلاً، النسبي او الاكثري؟ وعن أي مصالح يعبر كل منهما؟
÷ من يتوقع التراجع في الانتخابات المقبلة يفضل النسبية لأنها تمنعه من السقوط الذريع أمام خصومه. لكن من لديه تحالف كاسح، كالثنائي «حزب الله» و«حركة أمل»، يعلم أن النسبية لن تؤثر عليه، فيمضي بها، عارفاً ان الحريرية ستخسر من قوتها في حال اعتماد النسبية.
لكن النظام النسبي هو دائماً وفي جميع الحالات الاكثر تمثيلا. والافضل تعبيراً عن تنوع المشهد السياسي الشعبي. لكن تؤخذ أمور أخرى عليه منها أن التمثيل النسبي يضعف قاعدة الحكم، أي السلطة التنفيذية لأنه يمنع تشكيل اكثرية نيابية وطيدة ومستمرة إلى حين معين. ويؤدي إلى تعذر تشكيل حكومات او السقوط المتتابع والمتقارب للحكومات وهذا أمر سيء، لأن عدم استقرار الحكم أمر سيء، كما الاستقرار المفروض فرضاً للحكم أمر سيء.
{ ما هي معوقات التمثيل الانتخابي الحقيقي للبنانيين؟
÷ علّة التمثيل النيابي هي موقعه كتمثيل نيابي اساساً من نظام الحكم الطائفي، والتعديل في قانون الانتخاب يغير الكثير من الوقائع لكن لا يخرج نظام الحكم من مشكلته الرئيسية. لديك نظام انتخابي قائم على جغرافيا وهمية كلياً. انت تعد لوائح الشطب بناء على لوائح النفوس. في بلدة مثل «بنت جبيل» هناك خمسون الف مواطن ونصفهم ينتخب، افتراضاً. وبناء على هذا الرقم يحق لها بهذا العدد من النواب. لكن في الواقع بنت جبيل يقيم فيها 4000 مواطن ومنهم الفان يقترعون. انت قدرت تمثيل هذا البلد بناء على جغرافيا الوهم والآخرون الذين في بيروت او في الضاحية حرمتهم من التصويت في الاماكن التي يتقرر فيها كل شيء مهم يتعلق بحياتهم. ونقل النفوس، المسموح قانوناً، يعد غزواً متبادلاً بين الطوائف، وتقوم إثره ردات فعل طائفية. السبب في هذا الخلل هو الحفاظ على المبدأ الطائفي في التمثيل. اذا ألغيته لا يعود هناك مشكلة في تخيير هذا الشخص في الاقتراع مكان دفنه بعد عمر طويل، او مكان بيته وحياته.
المشكلة الثانية هي أن هناك فرض على كل الناس وتجنيد اجباري لهم في الطوائف، مرشحين كانوا أم ناخبين، مع أن هناك ناخبين ومرشحين لا يرون في الطائفة مرادفاً لتصورهم عن انفسهم. هؤلاء مفروض عليهم أن يترشحوا عن مقاعد طائفية، ويقترعوا في اقلام طائفية، ويكون النائب الفائز نائباً عن الطائفة وعن الامة معاً. كيف تركب هذه؟
{ هل من الممكن التخلص من هذا يوماً؟
÷ اتفاق الطائف قدم صيغة مجلس شيوخ تنطوي على ضمانات للطوائف، وصلاحياته هي ان يكون هيئة تمنع التمييز الطائفي، ليست هيئة طائفية تشرف على التوزيع والانصبة الطائفية بل تمنع التمييز بين الناس على اساس طائفي، يجب ان تكون اساس الصلاحيات التي يتمتع بها مجلس الشيوخ. في ما يتعدى ذلك، مجلس نواب ينتخب على قاعدة النسبية ومن دون توزيع طائفي. في هذه الحالة، سيقل عدد النواب المسيحيين، وفي نظام غير طائفي يجب التسليم بالأمر لأن من مشاكل النظام الحالي مشكلة المناصفة القائمة على وضع وهمي. لديك ثلثا الناخبين لديهم نصف عدد النواب، وهو أمر غير طبيعي. المنافقون يتجنبون التصريح في هذا الأمر، لكن يجب ان يترتب على الأمر مقتضاه: في نظام غير طائفي هو أمر أقرب الى المساواة والعدل ويجنّب كل الاطراف مشاكل في المستقبل، لأن هذه القصة اذا كانت مقبولة الآن فلا أحد يضمن أن تظل مقبولة بعد مدة من الزمن ومن الأفضل أن تحل بالتفاهم والحوار من أن تحل في جو أزمة.
{ هل الانتخابات هي من تقرر اذا كانت الدولة ديموقراطية أم لا؟
÷ لا. الانتخابات ليست وحدها المقررة. السمة الاولى للدولة الديموقراطية هي انها دولة قانون. ولبنان ليس دولة قانون لأن لا محاسبة فيه، وهناك وقائع مفروضة بالقوة على السلطة العامة، وهناك قرارات مهمة جدا لا تؤخذ ديموقراطياً في البلد بينها ما يتعلق بها مصيره. المؤكد ان النظام الانتخابي ليس وحده من يجعل البلد ديموقراطياً.
والنظام، بطائفيته، يحمي الفساد والجريمة وأنواعاً مختلفة من الخروج عن القانون حيث يخبّئ مجرم في مكان لا احد يستطيع أن يطاله، واذا كان مجرماً مهماً كفاية، يمكنه أن يتنزّه حيث يريد ولا يطاله أحد.
الركن الاول للدولة الديموقراطية هو أنها دولة قانون، وليس انها دولة انتخابات. والقانون ينص بين ما ينص عليه على الانتخابات والسيادة وتداول السلطة وحرية الرأي والمعتقد وكل الحريات المدنية والسياسية. كل هذه الامور متماسكة في النظام الديموقراطي. لا يمكنك أن تسحب ركناً اساسياً من هذه الأركان وتقول أنت في دولة ديموقراطية. ونحن لدينا قوانين كثيرة لكن ليس لدينا دولة قانون. هذا يؤدي الى نوع واحد من الحريات، يسمح لك بأن تقتل أو أن تؤلف سيمفونية. الحرية نفسها في لبنان تسمح لك بالأمرين. يمكنك هنا أن تحكي وتكتب بكثير من الحرية، وتجلس في المقهى وتثرثر كما تريد، ولا تتعرض لشيء، لكن ليس لأن القانون يكفلك، بل لأن هناك فوضى. بينما في دولة القانون، الحريات التي تتمتع بها، تظل تتمتع بها، لكن بكفالة القانون.

Advertisements