كلمن | عامان في مقاصد صيدا

عامان في مقاصد صيدا

أحمد بيضون

Source: كلمن | عامان في مقاصد صيدا

عامان في مقاصد صيدا

 

برد الدير وغليان السياسة

جئت إلى «كلية المقاصد الخيرية الإسلامية في صيدا» تلميذاً داخلياً في خريف العام 1958. كنت داخلاً إلى صف البكالوريا الأولى وأنا دون السادسة عشرة بقليل. كان أمامي سنتان إذن قبل أن أقف على باب الجامعة إذا كان النجاح حليفي، وقد أمضيت هاتين السنتين مقاصدياً. قبل ذلك، كنت تلميذاً داخلياً لسنتين أيضاً في دير سيدة مشموشة قرب جزين. هناك حصلت على الشهادة التكميلية وأنهيت السنة الأولى من المرحلة الثانوية. وأما الشوط الأطول من حياتي المدرسية، وهو ثماني سنوات، فكنت قد أمضيته في المدرسة الرسمية في بنت جبيل، بلدتي التي شهدت ولادتي ونشأتي الأولى على الطرف الجنوبي من جبل عامل. كنت قد وصلت من دراستي إلى أقصى المتاح في بنت جبيل، أي في بيت والديّ وبين أترابي وفي العالم الصغير الذي فتحت عيني عليه. فكان لا بدّ من الرحيل بعد ذلك إلى مدرسة أبعد مرمىً أواصل فيها سعيي إذا أردت أو أريد لي أن أحظى بالنصيب المأمول مما كنا نسمّيه المستقبل.

كنت معزّزأً مكرّماً في دير مشموشة، يخصّني الأب المدير برعاية رفَع من سويّتها انتماؤه إلى قرية مجاورة لبنت جبيل وصداقة جمعت بينه وبين والدي. وقد تبوّأت بسرعة بين أقراني مكانة فرضها تمكّني الاستثنائي من اللغة العربية وروايتي الكثير من الشعر فيها وإقبالي على كتابة الشعر أيضاً بحيث أصبحت شاعر المدرسة المتوّج. مع ذلك، كنت مستوحشاً في تلك الأعالي تستولي علي كلما خلوت إلى نفسي كآبة موصولة بالشوق إلى بنت جبيل… كان الدير ديراً أي معتزلاً يقيم أهله، ومن بينهم تلاميذ القسم الداخلي، في شبه خلوة وانقطاع عن سائر الدنيا، وهذه حال لا يألفها من لم يكن قد جعلها مشروع حياته. كان الخروج إلى بكاسين أو إلى جزين في النزهة الأسبوعية حدثاً لا تفهم أهمّيته إلا في ضوء احتباسنا في الدير لبقية الأسبوع. يزيد ذلك صحة أن بكاسين وجزّين كانتا شبه مقفرتين في شهور العام الدراسي. وأما الذهاب إلى المنزل حين يتوفّر يوما عطلة متتابعان أو أكثر فكان متعة عظيمة وعيداً. كان عيداً تُطوى صفحته حال ركوب السيارة للعودة إلى المدرسة. ولا أزال أذكر نوبة سرور باغتتني حين ثُقبت في صفاريه واحدة من عجلات السيارة العائدة بي إلى مشموشة. كانت تلك نصف ساعة تضاف إلى عطلة خلّف انتهاؤها في نفسي ذلك الانقباض الذي كنت قد ألفته وأصبحت أتوقعه وأنا أقترب من نهاية العطلة، أية عطلة، بل حتى من نهاية النزهة الأسبوعية.

كان في برد مشموشة وأيام الثلج غير النادرة في شتائها ما يزيد من هذا الشعور بالوحشة وقد يلغي النزهة في بعض الأسابيع. وكنت قد جئت من بنت جبيل محتسباً نفسي على «حركة القوميين العرب» ولو ان هذا الاحتساب لم يكن له أيّ معنى تنظيمي ولم تكن الحركة نفسها تشعر أو تدري به إذا استثنينا منها المعلّم البنتجبيلي الذي حَمَلني عليه. وكانت تلك أيام حرب السويس وحلف بغداد ومبدأ أيزنهاور والوحدة السورية المصرية و «ثورة» 1958 اللبنانية… وكانت مشاعرنا المتعلقة بفلسطين لا تزال على تأجّجها، يعزّزها وجود الفلسطينيين بيننا وما كنا قد عانيناه هناك في الجنوب الحدودي من حرب 1948 وعواقبها. ولم تكن مشموشة، بما هي معتزل، موضعاً صالحاً للتعبير عن هذا الغليان الذي أطلقه في نفوسنا مسلسل الأحداث المتداخلة الكبيرة التي شهدتها تلك السنوات. بل إن ما كان يتردّد في الدير من رَجْع شبه مكتوم لما كان يحصل في آفاق قريبة وبعيدة لم يكن ليرضيني أو يساير اتجاه مشاعري. فسواء أتعلّق الأمر بالرهبان أم بالتلامذة الخارجيين، أبناء جزين وقراها (وهؤلاء من كانوا يُمْلون على المدرسة مناخها السياسي الغالب، ولو من غير نشاط سياسي ظاهر من جانبهم) فإن تحسّسي وجهة الرياح المحلية كان يرجّح عندي كَبْتَ ما في نفسي. لم يكن الفتى «القومي العربي» الذي كنتُه يجد في المحيط المشموشي ذاك متنفّساً لما في صدره من عواطف ومن مواقف. وإلى البرد والسياسة، كان ثمة الغرام… الغرام الذي بكّرت إلى الوقوع فيه في بنت جبيل أشقاني كثيراً في مشموشة!

 

القسم الداخلي والمدينة

حين حللت في المقاصد تحسّنَت حالتي المعنوية تحسّناً بيّناً قد لا أغالي إذا اعتبرته انقلاباً. كان ذلك فِعْلَ المدينة مبطلاً فعل الدير. فمع أنني جئت إلى القسم الداخلي هنا أيضاً، لم يكن الانقطاع عن المدينة باتّاً بل لم يكن محسوساً في كثير من الأوقات. كنا نتمتع، نحن التلامذة الكبار، بقدر من حرّية الحركة يجيز لنا الخروج من المدرسة إذا وجدنا ذريعة مناسبة في بعض أوقات الفراغ من أيام الدراسة، فضلاً عن قضائنا العطلة الأسبوعية في رحاب المدينة. ولم نكن لنتورّع عن تجاوز هامش الحريّة المشروع هذا. فكنّا، في بعض الليالي، نتسلّق سور الملعب من جهة الجامع ونجتاز المدينة إلى البساتين لنملأ أكياس غسيلنا البيضاء بالإكّي دنيا. بل إن أحدنا حوّل خزانة ثيابه إلى مخمر ينضج فيه قرط الموز الأخضر الذي كان الإياب به، في غزوة ليلية، يعدّ فتحاً من الفتوح ويرفع فاعله إلى مصافّ المقدّمين والقادة بين الأقران.

لم تكن صيدا أوفر أنساً من مشموشة وحدها بل كانت تبزّ في هذا المضمار بنت جبيل نفسها. ولم يكن في هذا معجزة ولا كان يعني حيازة صيدا ميزات خارقة. ولكن البون كان كافي الاتساع في عين الفتى الريفي الذي كنته لإشعاري بالارتياح المؤكّد إلى وجودي في مدرستي الجديدة. كان الشتاء هنا أرفق من شتاء مشموشة. ومن ساحة ظهر المير حيث المدرسة إلى شارع رياض الصلح أو شارع الأوقاف حيث السينما كنا نقطع صيدا القديمة ومعظم الجديدة في تلك الأيام. وكانت هذه الرحلة رياضة داخلية تتحرك لها الحواس فتتسرّب إلى النفس منها متعة خفيفة يحدثها اقتران المشاهد والأصوات والروائح في الأسواق والشوارع المتتالية: في المتاجر وفي المحترفات وفي زحمة الأزقّة… وكان التنزّہ بما يتخلله من فرجة أكثر ما نفعله بأوقاتنا في المدينة. لكن أهمّ ما في صيدا كان، في نظري، السينما. فكنت أقصد الريفولي أو الشهرزاد مرّة في الأسبوع على الأقل… وبعد السينما يأتي المقهى (كنعان في جهة ورجال الأربعين في الجهة الأخرى)… هذا مع أننا لم نكن مثابرين على زيارة المقهى لضيق الوقت عن ذلك ولضيق ذات اليد أيضاً. إلى ذلك، كان يكفي القادم من الدير مثلي أن تقع عيناه ههنا على بشر من الجنسين وبينهم فتيات من جيلي يُشِرْن بمجرّد مرآهن هنا وهناك في نواحي المدينة إلى أن الأمل من هذه الدنيا غير مقطوع ويلطّف منظرهن من حدّة الشوق إلى الشعر الطويل الأسود الذي كان يلعب به نسيم بنت جبيل.

 

الطريق إلى نشرة أخرى

وفي السياسة لم تعدم المقاصد، في تلك المرحلة، مناسبات يثبت فيها تلامذتها أنهم طليعة الشارع الصيداوي وروّاد حركة التظاهر فيه بمزاجها القومي العربي. كانت البلاد، في خريف 1958، لا تزال تخرج من «الثورة» لتدخل في «الثورة المضادّة» وكانت المدرسة لا تزال تستذكر حوادث الربيع والصيف السابقين غير مستنكفة عن إضفاء مسحةٍ من الهزل على دعاوى البطولة والعبقرية القتالية. وكان التلامذة البعثيون يتصدّرون المشهد الحزبي في المدرسة ويديرون دفّة السياسة والتظاهر فيها. لم يكن حزب البعث وحده في الساحة بل كان ثمة تمثيل لأحزاب أخرى منها الشيوعي ومنها السوري القومي. ولكن معارضة هذين الحزبين للمدّ الناصري منعت أنصارهما من إظهار نشاطهم بين التلامذة. ولم أكن مصنّفاً في خانة البعثيين بل كنت أدخل مع بعضهم في سجال لا ينتهي لنعلم أي الاثنتين يجب أن تتقدّم الأخرى: «الوحدة العربية» التي كان يقول بأسبقيتها «القوميون العرب» أم «الاشتراكية» التي كان يستعجلها البعثيون؟! وهذا قبل أن يعلم الجانبان أن العرب – بهمّتهما معاً ولدواعٍ أخرى أيضاً! – لن يحصلوا على شيء من هذه ولا من تلك.

في كل حال، لم يمنع اختلاف الرأي أن يكون أقرب أصدقائي من البعثيين. وكان أهمّ ما شهدته صيدا من تظاهرات، في تلك الآونة، يرمي إلى نصرة القوميين في العراق بعد أن انشقّت القيادة التي قلبت النظام الملكي في 14 تموز 1958 إلى كتلتين: واحدة يتصدرها عبد الكريم قاسم ويدعمه الشيوعيون والأخرى يتقدّمها عبد السلام عارف ويسنده البعثيون. وكنت قد وجدت لتوّي حقلاً أستثمر فيه «شاعريتي» وهو نظم الهتافات للتظاهرات. وهذه مهمّة سيظلّ «الرفاق» يعهدون بها إليّ لعقد ونصف عقد تلوا أيام المقاصد. ومما وضعته لتظاهرات صيدا المؤازرة لناصريي العراق وبعثيّيه، أذكر هذه الأبيات، وهي عمل مبتدئ كان لا يزال قليل الدراية بما يصلح لغرض «الهتاف»:

الشعب أقسمَ لا يضامْ

وعلى المذلّة لن ينامْ

مهما طغوا وتجبّروا

فالركْبُ يزحف للأمامْ

والشعب يهتف ثائراً

لبّيكَ يا عبد السلام!

 
   
   

على أن أقرب شيء إلى الحُلُم أو إلى السحر خَبِرْتُه في سياسة تلك الأيام كان رحلة قمنا بها، نحن تلامذة المقاصد، إلى دمشق في الذكرى الأولى لقيام الوحدة المصرية السورية ووقفنا فيها بين ألوف مؤلفة من الناس ننظر إلى جمال عبد الناصر ونستمع إليه وهو يخطب فينا من على شرفة قصر المهاجرين محوطاً بساسة لبنانيين زحفوا معنا في ذلك اليوم مباركين ومجددين البيعة!.

ولا بدّ هنا من القول إن أصدقائي البعثيين السالفي الذكر لم يبق أيّ منهم بعثيّاً بعد سنتين – لا أكثر – من مغادرتنا صيدا. عانينا سويّة صدمة الخلاف بين عبد الناصر والبعث في دولة الوحدة ثم الصدمة الكبرى التي كانها سقوط دولة الوحدة برمّتها. مذ ذاك بدأ القوم يتلمّسون سبيلهم في شعاب الماركسية اللينينية ولم يلبث بعضهم أن انخرط في الحزب الشيوعي اللبناني. ومع أنهم ظلّوا أقرب أصدقائي إليّ وتوسّعت مع دخولهم الحزبَ شبكةُ علاقاتي بالشيوعيين فإنني ظللت أقاوم دواعي الانتساب إلى الحزب مقاومتي قبل ذلك دواعي التحوّل إلى البعث. وفي خريف 1963، غادرتُ الجامعة اللبنانية إلى جامعة باريس لإعداد شهادة الدكتوراه… وهذه قصة أخرى. وبعد سنتين عدت من باريس بلا شهادة ولكن بمعارف ماركسية وارفة. ولم ألبث أن بدأت الخوض مع آخرين في مخاض سياسي مغاير هو ما دعي في تلك الأيام باليسار الجديد، وكنّا فيه شديدي النفور من الحزب الشيوعي، على الخصوص، ومن رعاته في العالم. في عشر سنوات (أي بين سنّ الثالثة عشرة وسنّ الثالثة والعشرين) كان هذا هو المسار الذي توسَطَتْه مرحلتي المقاصدية وأوصلني من «حركة القوميين العرب» ونشرة «الثأر» إلى «اليسار الثوري» ونشرة «لبنان الاشتراكي»…

 

المقاصد وجوهاً ومسالك

في عاميّ المقاصديين، كان صلاح طه البابا هو مدير المدرسة. وكنّا قليلاً ما نقابله أو نكلّمه إذ كان الأمر محتاجاً إلى داعٍ وجيه. وكنّا نهابه ونصغي إليه صامتين إذا خطب فينا في مناسبة من المناسبات. أذكر من ذلك أننا كنّا مصممين على الإضراب ذات صباح في ذكرى قرار الأمم المتحدة الذي قضى بتقسيم فلسطين. فخاطبنا المدير من أعلى الدرجات القليلة التي تفصل بين الملعب والرواق المقنطر وقال لنا إن قرار التقسيم رفضه العرب ولم يرض به اليهود، ففي وجه من نضرب؟

ومن النظّار أذكر سليم المجذوب الذي كان دمثاً وظاهر الأناقة وكنّا قليلاً ما نحتاج إلى مخاطبته. وأذكر ناظرَي القسم الداخلي محي الدين حشيشو وحسين شريف وكانا مرجعينا المباشرين في معظم ما يعرض لنا من شؤون. حشيشو كان صارماً وكنا نعلم أنه شيوعي فنبادله تحفّظاً بتحفّظ. وأما شريف فكان ملايناً حريصاً على مودّة الكبار من التلاميذ: فيأذن لهذا بالخروج ساعة إلى المدينة، بعد دوام المدرسة، ويغضّ الطرف عن سيجارة يدخّنها ذاك، إلخ.

ومن المعلّمين، أذكر شعبان بركات الذي درسنا عليه الأدب العربي وعفيف الشريف الذي درّسنا الأدب الفرنسي وسلّوم الدحداح مدرّس الرياضيات وسعد الدين عوكل مدرّس العلوم. كان بركات صورة للمعلم المحافظ المتقشّف، المتعلّق بأهداب الواجب والنظام والمتبتّل للمهنة. وكانت للشريف، بخلاف ذلك، طريقة في التعبير ولغةُ جسدٍ خاصتين به وكنا نحبّ أن نخرج معه عن نطاق الأدب الفرنسي لنستفتيه في مسائل ما بعد الطبيعة! وأما الدحداح وعوكل فكان كلاهما يتّسم بحيوية وبشاشة محبّبتين وداعيتين إلى رفع الكلفة وكانا يشتركان، إلى ذلك، في الضجر الظاهر من التدريس وتبعاته. وكان في المدرسة بعثة من المدرّسين المصريين درست على واحد منهم الجغرافيا وكان اسمه رأفت الحنّاوي. وكان فيها أيضاً أزهريّ معمّم لا يكبرنا، نحن تلاميذ الصفوف الأخيرة، إلا ببضع سنوات وقد تلقينا عنه دروساً في الدين. كان شيخنا هذا يوزّع علينا دروسه مطبوعة جاعلاً لها عناوين من تلك الرائجة في تلك الأيام: «الإسلام والحرّية»… «الإسلام والاشتراكية»…، إلخ. ولكن قدرة الشيخ على جذب اهتمامنا بدروسه بقيت جدّ محدودة. لم يكن المناخ كلّه يعزّز جاذبية الدروس ولم يكن للمادّة وزن مرجّح في الامتحان الأخير ولا كانت من موادّ الامتحان الرسميّ أصلاً. ومهما يكن من شيء فإن أبرز أعضاء البعثة المصرية كان محمود الدوّة مدرّس الأدب العربي في القسم الإنكليزي من المدرسة. وقد أصبح، إلى مهمّته هذه، يلقي خطبة الجمعة في الجامع العمري الملاصق الذي كان مفروضاً أن نقصده للصلاة ظهر الجمعة ولكن كان كثيرون منا ينسلّون منه قبل الصلاة مبكّرين إلى التنزه في المدينة. هذه كانت أيضاً حال واحد من نظّار المدرسة هو عبد الله الشريف، فقد توزّع نشاطه بين غرفة النظارة ومنبر الجامع.

هذا، تقريباً، كل ما كان ظاهراً من معالم إسلامية في المقاصد الإسلامية. وفي وسط التلامذة أيضاً، لم تكن المثابرة على أداء الفروض باديةً ولا كان التوجه الإسلامي ذا مكانة ملحوظة بين الانتماءات السياسية. يستثنى من ذلك أن تلامذة القسم الداخلي كانوا يُحْملون على صيام رمضان بحجب وجبة الغداء من المطعم طوال الشهر المذكور وبتقديم وجبة السحور للراغبين. وكان غير الراغبين في الصيام (وهم كثر) يحتالون على هذه الحال بما ملكت أيديهم. فكانت أمّي، مثلاً، (وهي نفسها صائمة ولكنها مسلّمة بعزوفي عن الصيام) ترسل إليّ، كلّ أسبوع، مع بوسطة بنت جبيل – بيروت التي كان أبي شريكاً في ملكيتها، سلّة مليئة بالأطايب. فكان أصحابي المفطرون يتجمّعون حول السلّة فنأتي، في وجبة واحدة، على كل ما فيها باستثناء البيض. وعليه كان غدائي يصبح مقتصراً تقريباً على البيض لبقية الأسبوع. وهو ما كان يجعلني، بعد رمضان، أصاب بنفور طويل الأمد من البيض فلا أقربه لشهور تلي… ولا بدّ لي من الإشارة هنا إلى أن مطعمنا التقي الورع وطبّاخنا حيدر كانا يتساهلان كثيراً في أمور من قبيل قلي البيض ويساعدان بما يجب لإتمامها.

هذا وليس لي أن أغادر حديث المعلمين دون تنويه أخير لا آخِر. وهو أن المعلّم الذي لقيته في المقاصد ولبث حاضراً في حياتي سنين كثيرة بعد ذلك أستاذاً لي في الجامعة اللبنانية ثم زميلاً لي فيها وصديقاً ناصحاً على الدوام كان نزار الزين. فحين انتقلت إلى السنة النهائية أصبح هو مدرّس الفلسفة العامّة لثلاثة أو أربعة من التلامذة كانوا يشكّلون صف الفلسفة في القسم الفرنسي وكنت أحدهم. وكان هو نفسه مدرّس الفلسفة الإسلامية التي كنا ننضمّ لدروسها إلى تلامذة القسم الإنكليزي وكانوا أوفر عدداً منّا بكثير. فكنا نلازم نزار الزين ما لا يقل عن 15 ساعة من الأسبوع أي معظم الدوام. وهو ما أنشأ بيني وبينه صلة متعددة الوجوه كانت تشتمل أحياناً على النصح الطبّي أو الغذائي حين يراني هزيل الجسم، شاحب السحنة، وعلى أحاديث السياسة وعلى استمداد معارفه بمسائل وبأهل فكرٍ مما لم يكن ملحوظاً في المنهاج المعلوم، إلخ.

 

أصحاب لـصاحب صيدا والمقاصد…

نفعني الشعر والتمكّن اللغوي (ولو انه كان نسبياً بالتأكيد) ههنا أيضاً. بوّآني في المقاصد مكانة شبيهة لتلك التي كانت لي في مشموشة. أصبحت «وجيهاً» أدبياً في المدرسة وعُهد إليّ بتحرير وحي الكلّية، مجلّة المدرسة، وجنيت من هذا العمل متعة كان شريكي الأول فيها صديقي نصير مروة. ولم تخل المجلّة التي خرجت من بين أيدينا من نقد هازل اغتاظ منه بعض المعلمين. وفي نهاية مطافي المقاصدي خرجت بشهادات متنوّعة: ثلاث بكالوريات أولى: المدرسية واللبنانية والفرنسية! وواحدة ثانية لا غير: اللبنانية. نلتها في الدورة الثانية لأن بيتنا في بنت جبيل كانت قد استبدّت به حين جئته في عشايا الدورة الأولى فوضى عارمة من جرّاء انتخابات 1960 النيابية، فتعذّر عليّ التحضير. رسبت في امتحانات الفلسفة ورسب أبي في الانتخابات… كان على أبي أن ينتظر أربع سنوات قبل أن يعاود الكرّة. وأما أنا فنلت مطلوبي بعد ثلاثة أشهر ولكن تعيّن عليّ أن أختصره آسفاً إلى شهادة واحدة من ثلاث.

وفي باب الصداقة، عادت عليّ سنتاي المقاصديتان بعلاقات كثيرة صمد بعضها إلى اليوم ولبثت كلها عزيزة على قلبي ولو ان الصلة الحسية انقطعت بعد مدّة طويلة أو قصيرة. وما يميّز نسيج الصداقة المقاصدية أنه يكون منتشراً على بقاع مختلفة من الجمهورية هي تلك التي كان يأتي منها المقاصديون. بعض هؤلاء وهم نصير مروة ونزار سكرية ومحمد عبد الله (المعروف بمحمد المفتي) وأنطوان عبدو شاطرتهم السكن الجامعي في بيروت بعد أن تخرّجنا من المقاصد أو توطّدت صلتي بهم في الجامعة. وبعضهم من أمثال غسان التنوخي ومحمد بكّار أسرعوا إلى الهجرة ثم باتت تنقضي سنوات قبل أن أعلم من أمر أحدهم جديداً. وبعضهم أيضاً من أمثال نهاد حشيشو وغازي قهوجي وحسين صبّاح لا يندر إلى الآن أن ألقاهم في مقهى بيروتي أزوره في بعض الأيام. وبعضهم، أخيراً، من أمثال محمود أبو طعام ونعيم مرتضى وعبد الهادي هادي أضعت آثارهم كلياً بعد رحيلنا عن صيدا ولكن لا تزال وجوههم الودودة تملأ مخيلتي على غير موعد بين حين وحين… وقد مضى على فراقنا اليوم أزيد من نصف قرن.

ازددت «علماً» أو معارفَ من مقاصد صيدا: لا ريب في ذلك. ولكن بقي لي منها ما أجده أغلى من تلك المعارف وأهمّ. حين أقول إن المقاصد مدرستي يبعث فيّ هذا القول شعوراً بأنني صاحبها كلها، على نحو ما، بشراً وحجراً! وقد كان من المقاصد أنها جعلت صيدا مدينتي. فمن تلك الأيام بقيتُ صاحب صيدا أيضاً بشراً وحجراً! لذا يلازمني الأسف لأنني لا أزور صيدا والمقاصد أكثر مما أزورهما فعلاً. ولذا أظل أذكر بالخير لقاءين أو ثلاثة نظمّتها لنا رابطة الخريجين وأسأل أين هي اليوم رابطة الخريجين ولمَ لا تمتّعنا بلقاءات أخرى؟ سواي مقصّر وأنا مقصّر أيضاً.

بيروت في 22-23 شباط 2012

[1] كلمة أعدّت إسهاماً في كتاب مقاصد صيدا بأقلام متخرّجيها، الجزء الثاني، وهو سيصدر بعناية المهندس محمد راجي البساط.