المقابلة الثالثة مع الرأي الكويتية

الراي الثالثة 5 ك1 2012

 

أحمد بيضون لـ «الراي»: في لبنان … لا أحد يتعلم من تاريخه

المؤرخ اللبناني يعتبر أن أهم ما في «الربيع العربي» محاولة الشباب فتح المستقبل حتى بدا كأنه محرك للتاريخ

حوارات – الخميس، 6 ديسمبر 2012  /  572 مشاهدة   /   20
أحمد بيضون
×
1 / 1

| بيروت – من ريتا فرج  |
يبدو المؤرّخ اللبناني أحمد بيضون شديد الحرص والدقة على كل كلمة ينطق بها. حين تجالسه تشعر بأنك أمام حال معرفية متفردة في ذاتها يحار المرء من أين يبدأ معها، من السؤال أم الاستفسار أم الاستماع أم التلقي.
هدوء صاحب «الصراع على تاريخ لبنان» خلال الحديث معه يضفي عليه مواصفات العالِم العارف واللطيف. ورغم الصخب الذي يدور حوله وسط ضجيج العالم العربي وفوراته الاحتجاجية الا ان مؤرخنا لا يحبّذ الإطلالات الكثيرة وهو من الشخصيات التي قلّما تجدها تقدم حواراً لوسيلة إعلامية مرئية أو مكتوبة.
للمرة الثالثة ضربنا الموعد مع أحمد بيضون. في العامين الماضييْن، كان لنا حوار معه حول شؤون لبنانية وعربية سياسية وثقافية في رحاب عالم عربي متحول وثوري. سألناه في المقابلة الأولى عن تجربته اليسارية وعن أحلام جيله في التغيير في حقبة الستينات من القرن الماضي، وعن إنتمائه للبنان الافتراضي، وعن ثورة 14 آذار وعن الحراك العربي. وفي الحديث الثاني تحدّث صاحب «رياض الصلح في زمانه» عن ثورة الياسمين والشعارات التي رفعها الثوريون في الميدان، وعن رمزية الجمعة والجامع في الثورات العربية ووصول الاسلاميين الى الحكم والاصلاح الديني والثورة السورية التي قال عنها إنها أظهرت «صموداً مذهلاً حتى تاريخه».
وها نحن اليوم ندشّن لحديث ثالث مع المؤرخ النقديّ والسجاليّ لنسأله عن كتابه الصادر حديثاً وهو تحت عنوان «الإصلاح المردود والخراب المنشود» إنطلاقاً من أزمة النظام اللبناني وتطرقه الى مفاهيم جديدة كـ «الطوائف المتخصصة» وما المقصود من «المساواة الكارثية» التي أخذها عن الفيلسوف الفرنسي ريجيس دوبريه بالإضافة الى قضايا أخرى تتعلق بالهوية اللبنانية الوطنية وأزماتها وملامح الصراع السنيّ ـ الشيعي في لبنان و«التبلّر الطائفي» والتأسيس لذاكرة التوبة القومية والأزمة السورية وأوضاع الأقليات مع وصول الاسلاميين الى السلطة في بعض دول الربيع العربي.
وفي ما يأتي وقائع الحوار:

• أشرت في كتابك «الاصلاح المردود والخراب المنشود» إلى نقطة مركزية حين تحدثتَ عن المساواة الكارثية. إلى ماذا ستفضي هذه المساواة الكارثية في المدى المنظور؟
ـ المساواة الكارثية عبارة أخذتها من الفيلسوف الفرنسي ريجيس دوبريه في أثناء حوار أجراه معي حول الوضع اللبناني. كنتُ أعرض له أن ما كان قائماً في تاريخ لبنان المعاصر، منذ نشوء الدولة اللبنانية، من هيمنة طائفية قد فُقد بعد الحرب ولم يعد ثمّة تسليم بأولوية طائفة من الطوائف من جانب الطوائف الأخرى. وهو ما كان حاصلاً في ما مضى، ولو في حدود، في ما يتعلق بالطائفة المارونية وكان له أساس سكاني واقتصادي وثقافي. الطوائف الصغيرة بعد الحرب أصبحت ترى نفسها مساوية في الموقع لما يسمى الطوائف الكبرى وهذه الأخيرة أصبحت مقتنعة بوجود نوع من المساواة المبدئية في ما بينها، وبات المسرح السياسي ومسرح السلطة مركبيّن، بحيث أن حَرَد أي طائفة من الكبريات أو حتى ممن هي أقلّ من ذلك، يؤدي إلى قَدْر من التعثّر العام في عمل النظام السياسي.
إذاً أصبح هناك نوع من المساواة بين الطوائف في شعورها بنفسها يقطع الطريق على ما يسمى «الهيمنة». وهذا أمر يزداد صحة إذا اعتبرنا أن الهيمنة لا يكفي لممارستها مجرد القوة والتفوق، وإنما تفترض، على نحو ما، تسليماً من الجماعات المُهيمَن عليها. وبما أن هذا التسليم قد أصبح غير قائم، أياً كانت موازين القوى الراهنة بين الطوائف التي يتشكل منها المجتمع اللبناني، فإننا قد وصلنا إلى وضع جديد، وهو أن تكوين قيادة سياسية في البلاد، على نحو يضمن الفعالية للنظام والممارسة المسلّم بشرعيتها للسلطة قد أصبح يبدو، في معظم الظروف، وكأنما هو أمر مستحيل. تسمية «المساواة الكارثية» ليست سوى تعبير عن هذه الاستحالة، وعن التعذّر المتمادي لتكوين قيادة فاعلة، أي لجعل النظام المعدّ لحكم البلاد وقيادتها نظاماً عاملاً. هذا الوضع يسعنا أن نعتبره، في المدى المنظور، وضعاً مستعصياً. فليس هناك ما يدل على أننا سنفضي إلى تسليم جديد بهيمنة طائفية جديدة، ما دامت الوحدات السياسية التي يعتبر المجتمع مشكلاً منها هي الطوائف. وهذه الحال التي تجعل نوعاً من اللاشرعية يهيمن على طواقم الحكم، مهيأة، على ما يبدو لي، للاستمرار. ولا يوجد مخرج منها إلاّ بنتيجة ما نسمّيه الإصلاح أي بعد تعديل أساسي في تكوين النظام السياسي يتعلق، قبل كل شيء، بالطائفية السياسية، وبفرص تجاوزها. وهذه فرص لا تبدو ميسورة فعلاً إذا نظرنا بعين الاعتبار إلى موازين المجتمع اللبناني الحالية والطغيان البادي للطائفية على ساحة البلاد السياسية.
• يتحدث الكثيرون عن قلق الطوائف اللبنانية. ألا تعتقد أن هذه الطوائف هي جماعات قاهرة وليست جماعات مقهورة أو قلقة، وخصوصاً إذا قاربنا هذه المسألة من جهة مصادرة الطوائف للدولة؟
ـ المشكلة الأصلية في موضوع الطوائف اللبنانية هي اعتبار الطوائف نفسها وحدات سياسية. ليست هناك مشكلة في أن تكون الطوائف موجودة بما هي مذاهب، ولا توجد مشكلة في أن تكون للطوائف قواعد جهوية وأن تتكوّن أفضليات اجتماعية واقتصادية داخل صفوف كل طائفة لأبناء هذه الطائفة، بحيث يعاملون بعضهم البعض بالأفضلية في المجال الاقتصادي أو الاجتماعي، فيتساكنون ويتزاوجون ويتعاملون في أمور المعاش في ما بينهم بالأفضلية. ولكن المشكلة تبدأ حين تعتبر كل طائفة أنها وحدة سياسية ذات حقوق، بما هي طائفة، على الصعيد السياسي، وترفض أن تخلي المستوى السياسي لأنواع أخرى من التضامن، ولفئات أخرى من المصالح. من هنا نشوء هذا التقابل الذي نعرفه في الحالة اللبنانية: تستوي الطوائف قوى سياسية متقابلة، عيونها مركّزة باستمرار على موازين القوى بين بعضها البعض. فكل طائفة تنظر إلى وضعها بقياسه إلى أوضاع الطوائف الاخرى في المجال السياسي والصراع الطائفي مفتوح في هذا المجال، أوّلاً. وضع الصراع على هذا الصعيد بالذات جعل الطوائف في تاريخ لبنان المعاصر تتجه نحو نوع من التوحد السياسي أي إلى اختزال تمثيلها السياسي بقوّة أو قوّتين رئيسيتين. هذا أمر حاولتُ أن أُظهر كم أفقد النظام السياسي مرونته وكم جعل تكوين السلطة هشاً ومعرّضاً للتعثر في كل وقت. يتمثل ذلك بمقاطعة هذه الطائفة أو تلك للسلطة في إطار منطق للنظام لا يتحمل مسلكاً من هذا القبيل وهو المنطق الطائفي بالتحديد.
مشكلة أخرى تنشأ عن تحوُّل الطوائف إلى وحدات سياسية وهي أن الطوائف تجد نفسها ذات امتداد على الصعيد الاقليمي خصوصاً وربما، في بعض الحالات، على الصعيد الدولي. يأتي هذا الشعور إما من التجانس المذهبي أو من مجرد الشعور بأن ثمة مساحة مشتركة للمصالح تجعل طائفة من الطوائف اللبنانية تحالف دولة من الدول في الخارج. هذا حصل باستمرار في تاريخ هذه البلاد المعاصر والحديث، وهو يؤدي إلى عواقب صعبة المعالجة من بينها التضخيم المصطنع لأحجام الطوائف اللبنانية وأوزانها. فأحياناً تبدو طائفة هي في الواقع جماعة بشرية متواضعة من حيث الحجم والامكانات وكأنها قد تحولت إلى قوة دولية وإلى لاعب من الطبقة الأولى في المجال الإقليمي بطوله وعرضه.
• تحدثت عن الامتداد الاقليمي والدولي للطوائف. مَن هي الطائفة التي تعكس هذا الامتداد؟
ـ في الواقع الطائفتان الكبريان اللتان تتصدران الصراع اللبناني الجاري على السلطة حالياً، وتتناقض مواقفهما في المجال السياسي الداخلي والخارجي، هما الطائفة الشيعية والطائفة السنيّة. الطائفة الشيعية هي اليوم مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالتشيع الايراني وهي تبعاً لذلك ولأسباب أخرى أيضاً حليفة في المجال الأقرب للنظام السوري، في حين أن الطائفة السنيّة مرتبطة بالمملكة العربية السعودية وهي في كتلتها العظمى سائرة في الخط السعودي وفي المجال الذي تنفتح عليه السعودية إقليمياً ودولياً.
• هل ثمة عمود فقري يجمع بين اللبنانيين؟ والى أي مدى بإمكان الجماعات الطائفية التأسيس لأمة مندمجة؟
– أعتقد أن ثمة قبولاً للبنان بما هو وطن ودولة قد نما في صفوف الجماعات اللبنانية عبر العقود التي مضت من تأسيس الدولة اللبنانية المعاصرة إلى اليوم. كانت هذه الدولة مرفوضة من قبل جماعات تشكّل أكثر من نصف المجتمع. كان الوطن اللبناني يُعتبر نوعاً من المرحلة التي يجب الانتقال منها إلى تأسيس وطن أوسع. في حالات أوسع تمثيلاً كان هو الوطن العربي، وفي بعض الحالات كان يسمى الوطن السوري، وأحياناً كان ثمة جهات تفكر أيضاً في الأمة الإسلامية وفي نوع من الوحدة لهذه الأمة.
ما حصل بالتدريج بعد 1920 هو أن قبولاً أخذ يحصل داخل هذه الأوساط الرافضة للبنان الكبير وأن هذا القبول كان يمرّ أحياناً في أزمات وأحياناً كان المضيّ به قدماً يستدعي صدامات كبرى آخرها الحرب التي حصلت بدءاً من العام 1975.
هذه الخبرة التاريخية هي ما يمكن اعتباره العمود الفقري لهذا الكائن السياسي الذي نسميه لبنان. القبول المشترك والشعور بأن هذا الوطن لا بديل له. وهذا بالطبع أمر لم يكن داخلياً فحسب، وإنما كلف مثلاً انهيار الحلم العربي والحركة القومية العربية. ولا يعني هذا القبول المشترك أن أمة مندمجة قد قامت. هو في الواقع أقرب إلى السلبية، لأنه يعني تسليماً يمكن أن نعتبره إلزامياً بوضع لا بديل منه. ما أريد قوله ان الدول التي يتشكل منها العالم اليوم في معظمها لا تتأسس على أمة مندمجة بمعنى أن كل بلد ينطوي على قدْر من التنويعات الإثنية أو الدينية أو اللغوية. ولكن الدول الناجحة تتدبّر أمرها حين تفلح في الفصل بين الفوارق الأولية هذه ومنطق عمل الدولة والنظام السياسي، أي حين تفلح في إنشاء سلطة محايدة غير منحازة لعرق أو دين أو لغة، وتحفظ بالتالي حقوق الجماعات دون أن تحوّل هذه الجماعات إلى وحدات سياسية. وعندما تصبح الوحدات الأولية وحدات سياسية للدولة نكون قد فتحنا باباً واسعاً على الأزمات المتكررة وربما على النزاعات المسلحة. ما هو حاصل في لبنان هو هذه المطابقة الواسعة النطاق بين المجتمع السياسي ومجتمع الطوائف.
• تحدثت عن ملامح الصراع السنّي ـ الشيعي في لبنان. لماذا تبدو متشائماً؟ والى أين سيتجّه هذا الصراع؟
ـ الوضع يحمل على التشاؤم بسبب ارتهان هذا الصراع بالمدى الاقليمي: بالمواجهة الحاصلة على الصعيد الاقليمي، وهي مواجهة ذات امتدادات دولية واضحة. المؤسف أن ما أصبحنا نسميه اليوم صراعاً سنياً ـ شيعياً تكوّن إلى حد ما على فراغ. العلاقات السنية ـ الشيعية في هذه البلاد لم تكن قط تاريخياً علاقات مدموغة بسمة النزاع. كانت هذه العلاقات على وجه الاجمال حسنة، وإذا وُجد تنافس ما فكان يُعتبر طبيعياً ومقصوراً على دوائر محدودة، ولم يكن يُعتبر، بأي حال، مواجهة عامة بين طائفتين على ما تُنذر به أحوالنا اليوم.
الاتجاه العام إلى ما أسميه «تبلّر الطوائف» في الحرب هو ما جعل السُنّة والشيعة في لبنان يبدون كجماعتين سياسيتين متواجهتين. حصل ذلك في هذا العقد الاخير فقط، ولم يكن حاصلاً قبل ذلك. ولا شك في أن النزاع الجاري على الصعيد الاقليمي أي المشكلة الايرانية والخلل الذي تخشى منه دول عربية من تنامي القوة الايرانية ومن بلوغها المحتمل للطور النووي، وكذلك الصف الذي تمثله إسرائيل والولايات المتحدة والغرب عموماً، والتحسب الحاصل في هذا النطاق من القوة الايرانية، كل هذه المعطيات رسمت خريطة للتنازع على الصعيد الاقليمي تبعها عن كثب وضع جديد في الداخل اللبناني. فأخذت المواجهة السنية ـ الشيعية تدمغ هذا الداخل وتحوّلت إلى سمة رئيسة.
• لماذا لا يتعلم اللبنانيون من تاريخهم؟ وإلى أي مدى هم قادرون على تأسيس ذاكرة قومية أو ذاكرة التوبة القومية كما يسميها البعض؟
ـ يرى هيغل أن أحداً لا يتعلم من التاريخ. وقد اخترتُ أن أثبت كلاماً له يفيد هذا المعنى في صدر الكتاب. ليس هناك جماعة تتعلم من تاريخها. في الحالة اللبنانية يمكن أن نلاحظ وقعاً لأمر بعينه، مشترك بين البشر، وهو سرعة تعاقب الأجيال. إذا كان مستحسناً أن نتعلم اليوم من تجربة الحرب التي عانيناها ونأخذ منها عبراً، فلا يجب أن يفوتنا أن نحواً من نصف اللبنانيين الذين هم الآن على قيد الحياة لم يكونوا قد ولدوا في الحرب. وإذا أضفنا إلى هؤلاء من كانوا صغاراً في الحرب ولم تكن سنّهم تتيح لهم أن يكوِّنوا صورة عمّا جرى، فإننا نصل إلى أكثر بكثير من النصف، وتصبح هذه الجماعة العمرية من اللبنانيين مشتملة على نسبة كبيرة ممن هم مؤثرون ومَن هم أصحاب أدوار في مجتمعنا اليوم.
لا يتعلم الناس من تاريخهم وتعاقُب الأجيال هذا واحد من الأسباب. وقد أخذتُ بوجهة نظر هيغل الذي لم يكن يشير إلى اللبنانيين أو العرب وصدّرت كتابي بهذه العبارة على وجه التحديد. أحد الأمور التي منعت ما تطلقين عليه في سؤالك اسم ذاكرة التوبة القومية هو الحيلولة دون تكوّن ذاكرة فعلية لتجربة الحرب. فإن أي مراجعة تقف على سويّة مرضية من الشمول والموضوعية لم تحصل لهذه التجربة واقتصرت المراجعات والتواريخ على جهود الأفراد. والسبب واضح وهو أن أمراء الحرب هم مَن تسلموا مقاليد البلاد بعد الحرب وقد جُعلت البلاد مرعىً لهم ولم يكن وارداً أن يعيدوا النظر في تجربة كانت ستفضي إلى دينونة مؤكدة لهم. أعتقد أن هذا الجيل من القادة يصل اليوم إلى نهايات دوره لأسباب بعضها سياسي وبعضها عمري. وأرى أنه سيكون ثمة صعوبة في أن يرسي هؤلاء شرعية لورَثتهم تقوم على المنطق نفسه، أي منطق طمس الحرب ومنع تكوّن ذاكرة وطنية لهذه المرحلة.
• ثمة سؤال يطرح في شكل دائم: لماذا يكرّر النظام اللبناني إنتاج أزماته؟ في رأيك هل تكمن المعضلة في طبيعة النظام الطائفي نفسه أم في غياب الإمكانات التي تؤهل الجماعات للانخراط في مشروع الدولة الحديثة؟
ـ دخل النظام اللبناني في أزمات متعاقبة ولكن هذه الأزمات ـ على ما حاولت أن أوضحه في الكتاب ـ لم تكن كل منها تكراراً لأخرى. كل أزمة حملت، في الواقع، جديداً. وفي نظري أن الخيط الذي يمكن تتبّعه من أزمة إلى أخرى هو أن حظوظ النظام في تجاوز الازمة بشيء من التماسك المضاف أو في استعادة تماسكه بدرجته السابقة للأزمة، على الأقل، كانت صائرة إلى التضاؤل.
وفي اعتقادي أن الازمة الراهنة تميّزها سمة رئيسية يمكن التوصّل إلى تعيينها. وهي، في الواقع، أزمة مستمرة منذ أعوام كثيرة ويمكن أن نعتبرها متّحدة بالحرب نفسها بحيث تصبح كل هذه المرحلة التي تمتدّ منذ ما يقارب 40 سنة مرحلة أزمة واحدة بمعنى من المعاني. وأما السمة الرئيسية لهذه المرحلة فهي أن النظام الطائفي استكمل صفته الطائفية فأصبح نظام طوائف بالمعنى الفعلي الدقيق للكلمة ولم يعد نظاماً متسعاً لأدوار معتبرة تقوم بها جماعات واقعة في ما دون الطوائف أي، مثلاً، العائلات السياسية والأحزاب التي يريد بعضها نفسه عابراً للطوائف وبعضها الآخر يمثل أجزاء محدودة جهوياً من طائفة من الطوائف أو أكثر.
منذ أعوام وصلنا إلى حالة برزت فيها الطوائف إلى الميدان بما هي طوائف. وهذا الواقع (كما سبق أن أشرت) يكاد يُعدم مرونة النظام السياسي، فننتهي إذن من حيث بدأنا. لا يمكن أن نعود إلى صيغة فاعلة للنظام السياسي في هذه البلاد إلاّ اذا سلكنا طريق تجاوز الطائفية السياسية وهو أمر لا يتعارض مطلقاً مع لحظ ضمانات معينة للجماعات، وعلى الخصوص للجماعات الطائفية، تمنع الهيمنة التعسفية لجماعة كبيرة على جماعة صغيرة، ويمكن أن تُلحظ هذه الضمانات في النظام السياسي. وفي رأيي أن اتفاق الطائف كان قريباً إلى هذا الهمّ في صيغته لتجاوز الطائفية السياسية، وأنه يمكن أن نستعيد الصيغة الاصلاحية التي جاء بها هذا الاتفاق وهي التي أدرجت عناوينها في الدستور ولا يزال يوجد تسليم مبدئي بها من مختلف الاطراف. فتعاد دراستها وتحدَّد الصيغ المناسبة للمرحلة التي أصبحنا فيها اليوم إنطلاقاً منها.
• هل من الضروري تدوين تاريخ الحرب الأهلية بكل تفاصيلها في كتب التاريخ المدرسية بما يشكله هذا التدوين من صدمة ايجابية كي لا تدخل الأجيال في دورة عنف أهلي جديدة؟
– لا بدّ أن يعرض تاريخ المرحلة الماضية من عمر الدولة اللبنانية، بما فيه تاريخ الحرب الأهلية منظوراً إليها بعين النقد التاريخي. لا بدّ أن يُفسح المجال لعملية نقدية واسعة، وأن يوضع هذا كله تحت أنظار الجيل الصاعد الذي لم يشهد تلك الحوادث. هذه عملية تربوية لا ريب في أهميتها ولعلها تستوجب لحظ الخلاف في وجهات النظر، والتنازع بين الصور التي بقيت من مرحلة الحرب، مثلاً، في مخيلة الذين عاشوها والذين جاءوا بعدهم أيضاً. في رأيي يجب ان لا يُستبعد تنازع الصور ولا تنازع الذاكرات بل يجب تركه يشتغل ويعبّر عن نفسه، مع التسليم بأن الذاكرات ليست هي التاريخ وإنما يستوعبها التاريخ ويعلو عليها راويته ليمتحنها بالنقد ويفهم المجابهة بينها. حين يوجد هذا الراوية، الذي لا يفترض أن يكون واحداً، فقد يحصل من جرّاء البناء المتعدّد للتاريخ الوطني ما تسمينه الصدمة الايجابية.
• لماذا لم يُجرِ أمراء الطوائف الذين شاركوا في الحرب الأهلية مراجعة نقدية؟ ولماذا لم يحاسبوا أو يعتذروا للبنانيين؟
ـ هم كانوا بعيدين جداً عن همّ المراجعة النقدية وعن قبول المحاسبة. جاءوا إلى السلطة بعد الحرب وكل واحد منهم يعتبر نفسه بطلاً. وكان لكل منهم جماعة تساهم بمواقفها في تكريس هذه الصورة. لم يكن وارداً أن يقوموا بأي نقد ذاتي. وأما السبب الذي جعلهم لا يُحاسبون فهو أن عملية إنهاء الحرب تمت برعاية دولية واقليمية وجدت أن وضع هؤلاء بالذات، أي أمراء الحرب، في سدة السلطة هو الصيغة التي يمكن أن تسمح للبلاد بالتوصل إلى نوع من السلم وبإقلاع عملية إعادة البناء.
• كيف تقارب ما آلت اليه قوى 8 و 14 آذار وهل تعتقد أن هذه القوى ما عادت قادرة على إدارة شؤون البلاد بسبب حدة الشرخ بينها؟
ـ منذ تشكُّل هذه الثنائية: 8 و 14 آذار، وهي عاجزة في الواقع عن إدارة شؤون البلاد. كلٌ من الطرفين عاجز عن إدارة هذه الشؤون بمفرده، والطرفان عاجزان عن إدارة شؤون البلاد معاً. وليس أدلّ على ذلك من التجارب الحكومية التي شهدها لبنان منذ العام 2005 إلى الآن. فقد عرفنا الصيغة الحكومية التي تكون الهيمنة فيها لقوى 14 آذار، وعرفنا حكومات «اتّحاد وطني»، وعرفنا حكومة يهيمن عليها الآن فريق 8 آذار.
جميع هذه الحكومات كانت متعثرة تعثّراً استثنائياً. كانت تبدو من أيامها الأولى عاجزة عن تسيير شؤون البلاد بطريقة فاعلة وبحدٍ من التفاهم الذي تفترضه عملية الحكم وممارسة السلطة.
السلطة التنفيذية ليست مكاناً للتنازع بل للتوافق على خيارات وبرامج وأساليب بعينها لادارة الشأن العام. هذا لم يكن حاصلاً في أيّ من هذه الحكومات. وحين كانت الحكومة ممثلة لطرف واحد كان هناك طعن في شرعيتها وليس فقط في أسلوبها. والسبب في ذلك أن الانقسام بين الفريقين في أساسه طائفي، وأن عزل 8 أو 14 آذار يعني عزل طائفة معينة أو أكثر. وهذا لا يتحمله منطق النظام اللبناني، ويكفّ هذا النظام عن العمل بصورة سوية حين يحصل مثل هذا الامر. من جهة، هناك طابع طائفي لهذا الاصطفاف لا يبطله توزع المسيحيين بين الجهتين، ومن جهة ثانية ليس هناك في الظروف الاقليمية والدولية السائدة من إمكان لتفاهم يعتدّ به بين ممثلي الطائفتين المسلمتين الكبريين. فإن التعارض بينهما لتعلّق كل منهما وإرتهان قوتها وحجمها وقدرتها بأحلافها الاقليمية وخياراتها الدولية أمر لا يبدو منه فكاك في الوقت الحاضر.
• في ظل الانقسام العمودي بين القوى المتصارعة على الحكم في لبنان، هل نحتاج إلى طريق ثالث حيادي ومدني؟
ـ نحتاج بكل تأكيد إلى تشكّل قوى سياسية ومدنية تحسم أمرها باتجاه الخروج من طائفية النظام. يبدو التوتر السائد حالياً قامعاً لتكوُّن هذه القوى ويبدو معزّزاً للخوف الطائفي الذي لا يمثل بيئة صالحة لتكوُّن قوى غير طائفية. حين تكون الطوائف خائفة وقلقة من بعضها البعض لا تكون حظوظ تشكُّل هذه القوى كبيرة. ولكن من الواضح أيضاً أن ثمة قدراً من السأم والتعب قد بدأ يصيب الناس من هذه المواجهة العقيمة، بل البالغة الضرر، على صعيد المصالح الوطنية وعلى صعيد مصالح جزئية للبشر أيضاً. أخذ السأم والتعب يدبّان من هذه المواجهة بين الفريقين ومن الفريقين معاً. هذان السأم والتعب بحد ذاتهما إيجابيان، ولكن علينا أن ننتظر وقتاً لنرى ماذا سيكون لهما من نتائج على الأرض.
• يدعم «حزب الله» النظام السوري ويعتبر ما تتعرض له سورية مؤامرة علماً أنه دعا النظام إلى الاصلاح. كيف تقرأون هذا الدعم؟ وهل يمكن القول إن الحزب يضع شيعة لبنان في مواجهة الأكثرية السنية؟
ـ هذا الدعم يفسره البُعد الاقليمي لدور «حزب الله» وعلاقة الحزب بإيران وموقف طهران من الثورة السورية. أما القول إن الحزب يضع شيعة لبنان في مواجهة الأكثرية السنية فهذا وجه آخر للمسألة نفسها اي مسألة العلاقة بين «حزب الله» وايران ولموقع ايران في المواجهة الاقليمية. والمؤكّد أن هامش الاستقلال السياسي المتاح لـ «حزب الله» يضيق (وقد يضمحل) مع اشتداد التوتّر في المجال الإقليمي. ولذا يتحمّل الحزب أكلافاً ثقيلة عليه بالمنطق اللبناني وبما يتعدى هذا المنطق أيضاً لاضطراره إلى دعم الموقف الإيراني في المواجهة السورية.
• الثورة السورية انتقلت من الطابع السلمي إلى الطابع العسكري. إلى أين سينتهي هذا الصراع وسط الحديث عن طائف سوري يجمع الأطراف كافة من أجل إنهاء الأزمة؟
ـ توجد مشكلة في معرفة مَن هي الأطراف التي يجب جمعها في سورية. هناك عدد من الأطراف يمكن اعتبارها غير تمثيلية، أو هي أطراف لم يُمتحن تمثيلها بقياس ما لها من قدرة على التعبئة الداخلية. الساسة السوريون يسبحون في نوع من الفراغ أو الغموض على الصعيد التمثيلي، والثورة الجارية تتولى أمرها قيادات عسكرية في المرحلة التي دخلتها منذ أشهر عدّة. وكانت تتولى أمرها قبل ذلك التنسيقيات العاملة على الأرض، حين كانت لا تزال في مرحلة التظاهر. وقد دفعت العسكرة الحركة الشعبية التي شكلت وجه الثورة في بدايتها ومنحتها صفتها الديموقراطية البالغة الوضوح نحو الهوامش، ومنعتها من التعبير عن نفسها إلى حد كبير. بدأ الأمر بحماية فرضتها شراسة القمع فرضاً للتظاهرات ثم انتقلنا بعد ذلك إلى حرب بين العسكر المنشق وعسكر النظام ولم يبق عملياً دور واضح لجماهير شعبية منتفضة.
في الحالة اللبنانية كانت قيادات الحرب واضحة العناوين، معلومة. والطائف الذي حصل وجد مدخلاً له في مجلس النواب الذي كان لا يزال له نوع من التمثيل الطائفي والحضور المؤسسي القائم. فكان أن اتُخذت هذه المؤسسة مدخلاً للانتقال إلى تطبيق للاتفاق أدخل إلى الحلبة السياسية والى حلبة السلطة أهمّ الأطراف المتقاتلة. في حالة سورية ليس هناك شيء من هذا القبيل. ليست هناك تشكيلة محتملة، مماثلة للتشكيلة التي انتهى اليها اتفاق الطائف اللبناني على مرحلتين: مرحلته النيابية، ومرحلته التطبيقية. فإلى أن يتطوّر وضع المعارضة السورية على نحو يؤكّد استواءها قيادة سياسية فعلية للثورة الجارية، أعتقد أن كل تشكيلة سورية توقّع صيغة ما للخروج بالبلاد من المحنة الجارية ستكون معرضة للطعن في شرعيتها. يقابل هذا أن النظام نفسه كطرف مفاوض هو طرف أصبح مرفوضاً من معظم السوريين، ومرفوضا التفاوض معه من جانب أكثرية مَن يتصدّون اليوم لتمثيل الثورة السورية.
• يشير البعض إلى أن سورية أمام خيارين إمّا الحرب الأهلية أو التقسيم. ألا تعتقد أن هناك مبالغة في هذا الطرح؟
– تواجه سورية اليوم نوعاً من الاستعصاء السياسي يجعل من المتعذّر القطع باستبعاد أيّ من هذين الاحتمالين. النزاع الجاري حالياً يقترب من الحرب الأهلية، وكلما طغى الطابع الطائفي، على النظام من جهة وعلى من يواجهونه من جهة أخرى، أصبح سيناريو الحرب الأهلية أقرب احتمالاً، وكلما ابتعد النظام عن كونه نظام حكم للبلاد ونظام دولة وتحول إلى أداة لجماعة طائفية اقتربنا من وضع الحرب الأهلية. كذلك كلما اشتدّت العصبية واستُبعد التنوع المعبّر عن المجتمع في معسكر الثورة نقترب من الحرب الأهلية. ومع أن الصفة الطائفية المتنامية في صفوف الثورة السورية هي صفة الأكثرية من الشعب السوري فهذا لا يكفي قطعاً لمنع التوجه نحو وضع الحرب الأهلية.
ليس هناك في الواقع من أبواب مفتوحة، في الوقت الحاضر، للتفاؤل بمخرج قريب من الأزمة السورية يرسي للبلاد قيادة تسترشد ما حملته الثورة من قيم وأهداف. والكلام عن التوجه نحو الحرب الاهلية كلام لا يمكن رفضه. أما التقسيم فمسألة أخرى. التقسيم يطرح مسألة الشرعية الدولية، ويطرح مسائل داخلية كبرى من نوع مصير المدن المختلطة، ومصير المؤسسات العامة. فهو بالتالي مسألة أكثر تعقيداً بكثير إذا حملناه على محمل الواقعة الدولية. ليس تأسيس أكثر من دولة في سورية بالأمر السهل. يمكن حصول نوع من التعازل بين المناطق إذا تكرس الطابع الطائفي والجهوي للنزاع الجاري ولكن يُستبعد أن ينتهي ذلك إلى تقسيم بالمعنى المؤسسي: أي قيام دولتين أو أكثر.
• بعد وصول الإسلاميين إلى الحكم في دول الربيع العربي هل تتخوفون على مستقبل الأقليات؟
ـ أتخوف على مستقبل الأقليات، بادئ ذي بدء، حين تأخذ الاقليات في وعي نفسها على أنها حصراً أقليات وليست شيئاً آخر. وأتخوّف على كل بلد من اتخاذ الأكثرية لنفسها فيه صفة قومية أو طائفية على المستوى السياسي. هذا مخيف طبعاً. وأخاف، في الواقع، من حصول هذا بفعلٍ من وصول الإسلاميين إلى الحكم في بعض دول الربيع العربي.
هؤلاء الإسلاميون يختلف وضعهم أصلاً من دولة إلى أخرى وتختلف إمكانات مواجهة الاجراءات التي قد يتخذونها وتكون ماسّة بحقوق ما يسميه السؤال الاقليات. لستُ محبذاً لاعتبار الإسلاميين المصريين في الوضع نفسه هم والإسلاميون التونسيون، مثلاً. ولكن أخشى على الاقليات وعلى الأوطان نفسها من المعارضة الإسلامية الجذرية للإسلاميين الذين وصلوا إلى الحكم. الجماعات السلفية يمكن أن تسلك خط إِيذاء الاقليات وحملها بالتالي على التكتل بهدف إحراج الإسلاميين الحاكمين بإظهار عجزهم عن تأمين السلام الأهلي في البلاد وبإظهارهم وكأنهم مقصّرون في إضفاء الطابع الإسلامي على السلطة والمجتمع.
• هل يمكن القول إن الجمهور العربي في ظل الثورات العربية هو المحرك للتاريخ؟
ـ بدا الجمهور العربي، وخصوصاً جمهور الشباب عند نهوضه، محركاً للتاريخ. هذا سيبقى له أثر بعيد في مستقبل الأوطان التي شهدت هذه التحولات. سيبقى لهذا النهوض أثره بغض النظر عن الحالة المؤسسية التي أثمرها هذا الربيع العربي. الأمر الأهمّ في الربيع العربي هو محاولة الشباب فتح المستقبل. وما يمكن ترجيحه هو أن هؤلاء الشباب ومن سيخلفهم لن يقبلوا بسهولة، على الاقل، أن يُغلق المستقبل في وجوههم مرة أخرى.

 

Advertisements