الغاب

http://www.almodon.com/opinion/564a412f-2575-4956-bd08-e8c18fb74c9b

من جناية إلى تاليتها، يبدو لبنان وكأنه يزداد قرباً من تصريح الجاني بفعلته وإعلانه نوعاً من الاعتداد بها وإظهاره الاستهتار بأي عقاب يفترض مبدئياً أن يترتب عليها. بل إن الجاني يكاد أن يعلن أنه سيرتكب ما يجد حاجة إليه من جنايات جديدة كلما بدت له الجريمة علاجاً مناسباً لحرج ثابت أو طارئ يواجهه ويوشك أن يفسد عليه هذه أو تلك من خططه ومراميه. ويكاد الجاني أن يعتذر ضاحكاً من ضحاياه: أن يسألهم ما الذي كانوا ينتظرونه منه حين وقفوا في وجهه، في هذا الظرف أو ذاك، وما الذي كان يسعه أن يفعله بهم غير ما فعله؟
منذ اغتيال رفيق الحريري في شتاء 2005، استقرّت هويّة الجاني واضحة في المخيلة العامّة، اللبنانية وغيرها. والجهود التي تبذل لتشتيت الأنظار المركّزة عليه لا تلبث هي نفسها أن تتشتّت في فضاء اللاشيء. فترى الناس يرجعون بعناد ورتابة، بعد كل محاولة لبلبلة الصورة في خواطرهم، إلى حيث كانوا. حتى الذين يقفون في جانب القاتل يبدو إنكارهم مسؤوليته إنكاراً رخواً ويروحون أحياناً يبحثون عن مسوّغات لفعلٍ معلوم الفاعل.
الناس يعلمون من قَتَل والساسة، على التخصيص، يعلمون… ومن هؤلاء من يعلم أنه قد يكون التالي على لائحة الاغتيال. ليس هذا مناخاً معتاداً لمسرح سياسي عادي، وليست هذه سياسة من القبيل الذي يطيب العيش فيه. بل إنها ليست أيضاً بالسياسة التي يطيب الموت فيها. لا يوجد في السياسة اللبنانية سموّ يكفي لرفعها إلى سوية الملحمة ولا ريب أن الضحايا يدهشهم، من جهةٍ ما، أن يكون ما يفعلونه مستحقّاً عقوبة القتل.
هوية الجاني واضحة، إذن. وهي هوية معسكر في الواقع وليست هويّة شخص أو موقع بالذات ويبقى ممكناً أن تحار نسبتها بين حفنة صغيرة من العناوين الشخصية. قد لا يطمئن الناظر إلى تخمينه اسم مرجع بالذات أعطى الأمر بهذا الاغتيال أو ذاك وقد يتردّد في أمر الجهة المنفّذة وفي الكيفيات الحسّية للإعداد والتنفيذ. وقد يكون للتسمية المحدّدة، حين تحصل، وقعٌ شديد على موازين البلاد لأن التسمية تُخرج الفعل من حيرته بين أطراف المعسكر الجاني وتبرز إلى الميدان طرفاً بعينه وتعيّن ما يترتب على جَبْهِه بفعلته من أكلافٍ عملية أو مبدئية. التسمية، بهذا المعنى، ساعة حقيقة. مع ذلك لا تبدو التسمية ولا ما ينتهي إليها من أنشطة التحقيق الجنائي أموراً جسيمة التأثير في تعيين الموقع الأصيل للمسؤولية السياسية عن الجرم.
بالطبع، لا يعتمد القضاء هذا المناخ، على ثقله وتعذّر الإفلات منه، للتوصل إلى حكم. للقضاء منطق آخر وإن كان التحقيق يستهدي، بطبيعة الحال، في صوغ فرضياته بالتحليل السياسي. القضاء يحتاج، في نهاية المطاف، إلى رواية مثبتة ذات أشخاصٍ يُعرفون بأسمائهم وهم مَن قال ومن فعل. ما يبنيه الناس على تواتر الوقائع وتماسك الدوافع شيء مختلف. وهو في وقعه على المصير الوطني وأثره في توجيه دفّة هذا المصير، أهمّ بكثير مما تقضي به أيّة محكمة.
وما يجب قوله، اليوم، ونحن حيث وصلنا من هذا المساق الفاجع، أن اغتيال وسام الحسن، بعد توقيف ميشال سماحة وإماطة اللثام عمّا كان قد أوكل إليه،  أدخلنا في طور جديد من المساق نفسه. فههنا أوشك القاتل أن يعلن عن نفسه وتولّت جوقته بما أسرفت فيه من لغوٍ بائس، زيادةَ الإعلان إعلاناً. وما يعلنه القاتل، في ثنايا هذه الحبكة، أنه حين يُكشف يَقتل من كشفه ويعدّ العدّة، من ثمّ، لمواصلة القتل على المكشوف أو لما هو بمثابته في أدنى تقدير.
فإذا نحن التفتنا مرّة أخرى إلى ساحتنا العامّة لنلاحظ انشطارها المستمرّ، في المضمار الذي نحن بصدده، بين أصحاب القاتل وأصحاب القتيل، ظهر لنا خطر ما نحن فيه. فأن ننقسم، بهذه الصراحة، بين مناهضين للاغتيال ومناصرين، ولو مراوغين، له معناه أننا أصبحنا غير بعيدين أبداً عن حالة الغاب. هذا ومؤسسات دولتنا يظهر عليها الانغماس في هذه المواجهة أو القابلية له. ويترجم ذلك تَوزّعُ ولائها بين ضفتي الجبهة السياسية وتزيده خطراً آفة الفساد المحتمي بمتاريس الفصل الطائفية نفسها. هذا ليس بالباعث على الاطمئنان ولا بالمُشْعِر بالحماية: حماية القانون وأذرعه الضاربة على التخصيص.
ولقد عادت آفة الفساد إلى الظهور مؤخّراً في فضائح مدوّية، بدت وكأنها تقول الشيء نفسه الذي تقوله جرائم الاغتيال: “قتلناه ونقتل غيره وافعلوا ما أنتم فاعلون!”… “نسرق وما الخطب إذا سرقنا؟!”… “نزوّر ونسمّم ونتعدّى ونعتدي وبلّطوا البحر!”… لم نصل بعد إلى هذا، لم نصل إلى الغاب بعد. نحن على أعتابه.

– See more at: http://www.almodon.com/opinion/2013/1/25/%d8%a7%d9%84%d8%ba%d8%a7%d8%a8#sthash.48sQlToB.dpuf

Advertisements

في مشروع الفراق الأرثوذكسي

في مشروع الفراق الأرثوذكسي

 

أحمد بيضون

 

انكفأت بعض الشيء حدّة الهجمة التي حملت مشروع “اللقاء الأرثوذكسي” لقانون الانتخاب إلى صدارة المشاريع المطروحة إذ منحته قبولاً رحباً من أكثر القوى الوازنة في المجتمع السياسي اللبناني. فقد التقت على تأييده أوسع التشكيلات المسيحية تمثيلاً نيابياً ونفوذاً شعبياً. وجاراها في التأييد التنظيمان المستأثران، تقريباً، بالتمثيل الشيعي في كلّ من مجلس النواب والحكومة وبالحضور، باسم طائفة الشيعة، على المسرح السياسي اللبناني عموماً. هكذا بدا أن مشروعاً آخر كانت قد وافقت عليه الحكومة التي تضمّ أشدّ القوى منافحة عن مشروع “اللقاء الأرثوذكسي” قد أصيب بكسوف خطير مع استئثار هذا الأخير بالأضواء. وكان في طليعة من نحا إلى إهمال هذا المشروع (الذي يلقى رضىً من جانب رئيس الجمهورية) أولئك الذين كانوا قد أقرّوه في مجلس الوزراء. لقي المصيرَ نفسَه مشروع الدوائر الخمسين الصغيرة الذي كانت قد اعتمدته المعارضة المسيحية: إذ وضعته على الرفّ أبرز القوى في هذه الأخيرة (أي حزب الكتائب وحزب القوّات اللبنانية، خصوصاً) لتقع مع خصومها المستأثرين بنصيب المسيحيين من الحكم والحكومة في هوى مشروع “اللقاء الأرثوذكسي” أو ما بات معلوماً أنه مشروع (وائل) خير و(إلياس) الفرزلي.

هذا الحشد من المؤيدين قابلته معارضة كاسحة في الصفين السني والدرزي واجتمع على مواجهته أيضاً، في انسجام يبدو موعوداً بالتنامي وموقف رئيس الجمهورية،  شخصيات مسيحية بينها ثمانية نواب، على الأقل. غير أن المشروع المثير للجدل نال، على الرغم من ذلك، أكثرية الأصوات في اللجنة النيابية الفرعية وبدا أن له أكثرية مضمونة في المجلس النيابي فيما لو عرض على الهيئة العامّة لهذا المجلس…

أفق مريب لخرقٌ جسيم

يستحقّ وقفة طويلة – بل وقفات – هذا الاستقطاب الواسع يتاح لمشروع يمثّل تغييراً غير مسبوق في جسامته لنظام التمثيل النيابي الذي صحب الجمهورية اللبنانية منذ نشأتها الأولى. فقد عرف هذا النظام تغييراً كثير الوجوه شمل عدد النواب وعدد الدوائر وتقسيمها وعدد الطوائف وتوزيع المقاعد بينها والتناسب العامّ بين نصيبي كلّ من المسيحيين والمسلمين في المقاعد… ولكنه (أي النظام) استبقى، فضلاً عن مبدإ توزيع المقاعد إلى أنصبة طائفية مقرّرة سلفاً، مبدأين رئيسين لزمتهما جميع القوانين الانتخابية التي عرفتها البلاد وهما مبدأ الاقتراع الأكثري ومبدأ الهيئة الناخبة الواحدة في كل دائرة انتخابية. فظلّ يفوز بالنيابة من يتفوّق على كلّ من منافسيه ولو بصوت واحد. وظلّ الناخبون، من أيّة طائفة كانوا، مخوّلين أن يقترعوا لمرشحين عن دوائرهم موزّعين بين الطوائف ذات الأنصبة من تمثيل الدائرة. وهذا مع أن أقلام الاقتراع كانت مخصّصة لكلّ من الطوائف بالاسم كما راحت تخصّص، بعد اكتساب النساء حقّ الاقتراع، أقلام للذكور وأخرى للإناث.

نقول إن مشروع “اللقاء الأرثوذكسي” يمثّل خرقاً جسيماً للأعراف الانتخابية المستقرة في البلاد لأنه يطيح هذين المبدأين: مبدأ الهيئة الناخبة الواحدة ومبدأ الاقتراع الأكثري، دفعةً واحدة. فهو يعتمد الاقتراع النسبي وانتخاب نواب الطائفة الواحدة من جانب المنتمين إليها حصراً. وهو، إلى ذلك، يرى جعل البلاد دائرة انتخابية واحدة، وهذا أيضاً جديد كليّاً على القوانين الانتخابية اللبنانية التي بقيت الدائرة تراوح فيها بين المحافظة والقضاء مع استثناءات وخلطات مختلفة هنا وهناك. على أن “النسبية” و”الدائرة الواحدة” كانتا مطلبين ماثلين في الساحة السياسية تطرحهما أو تطرح أحدهما قوى سياسية ثانوية في الغالب. وأما مبدأ تقسيم الهيئة الناخبة إلى  هيئات بعدد الطوائف فيمكن اعتباره جديداً إذ لم يسبق أن اكتسب حضوراً يذكر أو استوى موضوع جدال جدّي في حومة التداول اللبناني الكثير الأطراف في الصيغ الانتخابية.

يوجز البيان الذي أصدرته الشخصيات المسيحية المعارضة لمشروع “اللقاء الأرثوذكسي”، يوم 10 كانون الثاني، أهمّ ما يثيره هذا المشروع من اعتراضات ومخاوف. أما الاعتراضات فمناطها مخالفة المشروع لتوجّه اتّفاق الطائف والدستور المبني عليه في رفضهما “فرز الشعب” ورهنهما شرعية السلطة بلزومها ما يسميانه “ميثاق العيش المشترك”. وأما المخاوف فتتصل بافضاء هذا المسار الذي يوزّع الهيئة الناخبة في البلاد إلى ثماني عشرة فئة إلى إطاحة المناصفة المسيحية الإسلامية واعتماد المثالثة التي أصبح يغري بها لا الميزان العددي وحده بل حال المواجهة السنية الشيعية السائدة من سنوات والطاغية، في طول البلاد وعرضها، على ما عداها من مواجهات. وهي قد جعلت اعتبار “المسلمين” وحدة سياسية تقابل “المسيحيين” عند البحث في النظام التمثيلي وتقرير الأنصبة أمراً ضعيف السند للغاية.

مصدران قريب وبعيد

فخلافاً لما كانت عليه الحال قبل سنين معدودة، لم يبق في السياسة جامع يُذكر يجمع سنّة لبنان وشيعته. هذا فيما شهد “الصف المسيحي”، في ما يتعدّى انقسامه الراهن بين جبهتي المعارضة والحكم، مساراً معاكساً استغرق العقود القريبة الماضية وأنشأ “مسألة” أو “قضية” مشتركة هي مسألة “المسيحيين” في لبنان فيما يتعدّى كلّ اختلاف بين طوائف هؤلاء الكثيرة ناهيك بالخلاف المستئشري بين قواهم السياسية. ولنشدّد على أن حديثنا كله ههنا يقع فيما وراء التوزّع الذي تعرفه الطوائف بين قوى وزعامات سياسية مختلفة. فإنما نتناول “الشخصية السياسية” لكل من الطوائف أو لكلّ من أهل الديانتين وهي تتحصّل حينما يتحصّل للطائفة الواحدة أو لأتباع الديانة الواحدة موقع مميّز سياسياً ومشترك في تكوين المجتمع السياسي الوطني.

فإذا وضعنا هذه الهواجس الملحّة في مساق التحوّلات الجارية في العالم العربي وحوله وجدنا زحف القوى الإسلامية إلى مواقع السلطة في أقطار العالم المذكور (بعدما كانت قد وصلت إليها في دولتي الجوار الكبريين: إيران وتركيا) يعزّز الخوف من هذا الفرز الذي يفرضه مشروع “اللقاء الأرثوذكسي” إذ ينذر بإطاحة ما تبقى من أواصر سياسية تبرزها الانتخابات المختلفة ما بين الكتل الناخبة على اختلاف الطوائف. فتصبح الحال حال مواجهة بين طوائف مستغنية بعضها عن بعض بعد حال التداخل النسبي التي كانت تلزم المرشحين والناخبين معاً بإدخال شركائهم من الطوائف الأخرى في كل حساب يحسبونه وتوجب عليهم بالتالي توخي قدر ما من الاعتدال في كل أمر يحتمل الجنوح نحو المنازعة الطائفية. هذا كله يبدو ماثلاً، بهذه العبارات أو بغيرها، في فكر الساسة المسيحيين الذي أصدروا بيان الرفض لمشروع “اللقاء الأرثوذكسي”.

هذه الهموم التي تلبّد بها أفق المشروع المذكور لا تغني – على مشروعيتها المؤكّدة – عن النظر في سبب ما بدا إقبالاً مسيحياً كاسحاً على المشروع اخترق خطّ الفصل القائم بين الكتلتين المسيحيتين الكبريين وتبعه إقبال شيعي لم يقلّ عنه سعة وإن يكن بقي أضعف ميلاً إلى الدفاع ” المبدئي” عن المشروع أي عن “التنظير” له والدخول في موجة الجدل العارمة التي استثارها.

شاع أن تجزئة الهيئة الانتخابية إلى هيئات طائفية تلقى هوى في نفوس جمهور المسيحيين وأن هذا قد أسهم في التفاف قواهم السياسية الكبيرة حول مشروع “اللقاء الأرثوذكسي” مجتازة في سبيل ذلك خندق الفصل المشار إليه بين جماعتي الثامن من آذار والرابع عشر منه. لا ريب، قبل ذلك، في أن هذه القوى تستريح، على وجه الإجمال، إلى الانفراد بجمهورها الانتخابي الخاص، وهو مجانس لكل منها طائفياً إلى أقصى حدّ. فهذا الانفراد يعفيها من الدَين السياسي، المفروض على من شاء الفوز، لكتل ناخبة تنتمي إلى طوائف أخرى، مسلمة في الغالب بسبب كثرة العدد ولكنها، في حالات كثيرة، مسيحية أيضاً يغاير انتماؤها المذهبي انتماء المرشّح. هذا الدَين الذي يفترض أنه متبادل وإن يكن، في الغالب، غير متكافئ، يفرض على المرشّح المعني أو على التشكيل السياسي الذي ينتمي إليه، ان يراعي اعتبار القرب السياسي من الجهة المغايرة له طائفياً والمؤيدة له انتخابياً.

حكمة ماثلة وانعزالية معدية

والحال أن هذا القرب السياسي هو ما يصنع، على علاته المؤكّدة (والممكنة المداراة إلى هذا الحدّ أو ذاك) ما يشبه أن يكون، في الحالة اللبنانية، حياة سياسية “وطنية”: لا للزومها مصالح الوطن، بالضرورة، بل لمجرّد إنشائها شبكة أو شبكات من الصلات السياسية بين ممثّلي الطوائف فيما يتعدّى الانتماء الطائفي لكل فردٍ او مجموعة منهم. عوض السعي الصعب إلى إصلاح الموازين التي تحكم إنشاء هذه الشبكات، وهذه موازين سياسية – اجتماعية يتعذّر الوصول بها إلى الصحّة المطلقة، تؤثر القوى السياسية المسيحية أن تقامر بوجود حياة سياسية وطنية من أصله ليخلو لها وجه ناخبيها ويخلو لهؤلاء وجهها دون اعتبار لضرورة الإبقاء، في الصيغة الانتخابية، على حوافز لمشاركات تتجاوز حدود الطائفة، أي مثلاً، لإنشاء أحلاف أو كتل سياسية وطنية النطاق والتطلع…

هذا المنحى “الانعزالي” (وهذه فرصة لاستعادة هذا المصطلح الذي ندر أن كان استعماله سائغاً إلى هذا الحدّ)  يصحّ اعتباره تعبيراً فاقعاً من الباب الانتخابي لمساق افتتحته الحرب وشمل جوانب كثيرة من الحياة اللبنانية فأسلمها للطوائف، أساساً، منتزعاً ما كان منها في يد الدولة أو مطوّعاً إياه ونازعاً صفة الاشتراك عمّا كان مشتركاً… انتشر التعازل المشار إليه في السكن، في الأعمال، في التعليم، في الرعاية الاجتماعية بسائر وجوهها، إلخ… ووصل المساق نفسه إلى حدّ اقتسام الدولة نفسها باستتباع أجهزة ومرافق مكوّنة لها من جانب قوى الطوائف وباقتسام أجهزة ومرافق أخرى بين هذه الأخيرة، على نحو يضرب مبدأ “المرفق العامّ” من أصله. هذا الحؤول دون نشوء العامّ وهذا الجنوح إلى إفساده ما أمكن الإفساد حيث ينشأ، إنما هما، في عمق معناهما، نوع من “التعازل” أيضاً يلاقي، من باب آخر، تنابذ الطوائف منذ الحرب: في السكن، في العمل، في التعليم، إلخ.، إلخ… كيف لنا أن نستغرب إذن وصول هذا الاضمحلال لكل ما هو مشترك أو “وطني” في النسيج الاجتماعي اللبناني إلى قانون الانتخابات النيابية؟ وكيف لتشخيص العلة وللبحث في العلاج أن لا يجنحا إلى التشاؤم وهما يكتشفان العمق الاجتماعي الذي تترعرع فيه نوازع يأس هي التي استنبتت مشروع “اللقاء الأرثوذكسي” ويسعها، عند اللزوم، أن تستنبت ما يعادله في غير مجال؟

وذاك أن الأشاوس من أبناء كلّ طائفة قد يرفضون غداً أن يحتسب الضريبة المستحقة عليهم مأمور في المالية من غير طائفتهم. وقد يطلبون ألاّ يدرّس في المدرسة الرسمية التي يتعلّم فيها المحروس ابنهم معلّم من غير دينهم. وقد يحتجّون إذا دعوا إلى المثول في دعوى مقامة منهم أو عليهم أمام قاضٍ من غير جماعتهم. وقد لا يأمنون أن يحفظ الأمن أو ينظّم السير شرطي من غير ملّتهم أو أن يدافع عن شطرهم من البلاد عسكري لا يقول قولهم في طبيعة المسيح أو في نبوّة محمّد. هذا فضلاً عمّا عرضت وتعرض منه حالات كثيرة من منع لبيع الأرض لغير أبناء الأبرشية أو ردع مباشر أو مداور لمن تحدّثه نفسه بالسكن أو بالزواج في غير ذوي إيمانه. فالواقع أن التعازل في هذا كله أقرب إلى نوازع الانتماء المذهبي من التعازل في السياسة. بل إن السياسة تكاد تكون النطاق الوحيد الذي يفرض التشارك فرضاً وتبدو البرامج المذهبية فيه وكأنما هي بلا موضوع فعلي. وإنما تُتّخذ أقنعةً لتحصيل منافع دنيوية جدّاً وافتعال لحمة تجيز الاستئثار والاستعلاء تعذّر إنشاؤها من مادّة أخرى، صريحة الطابع الحسّي. فإذا كنّا قد وصلنا بهذه الشهوة القويّة للتعازل إلى أكثر الميادين إيجاباً للتداخل، أفلا نكون ماضين قدماً في مفاقمة ما بدأته الحرب من تبلّر وفصل طائفيين في كلّ ميدان آخر؟

فدرالية؟

هذا وقد عاد مصطلح “الفدرالية” إلى الجري على الألسنة وتحت الأقلام بمناسبة ما لقيه قانون “اللقاء الأرثوذكسي” من إقبال. ولم يكن ثابتاً قطّ أن الذين يلجأون إلى هذا المصطلح عنواناً للدعوة أو أداة للتشخيص، في الحالة اللبنانية، يعرفون فعلاً شروط الفدرالية ومعناها. يقال إن الدولة اللبنانية فدرالية طوائف. ويشار (منذ عهد “القائمقاميتين” في القرن التاسع عشر) إلى أننا هنا حيال النوع “الشخصي” من الفدرالية. ويراد بالإشارة أن الفدرالية هنا ليست صيغة للعلاقة بين مناطق من تراب الدولة تسمى “ولايات”، مثلاً، بحيث نصفها بـ”الفدرالية الترابية” أي الجغرافية أو الجهوية. وإنما هي قائمة بين جماعات هي الطوائف لكلّ منها “شخصية” اعتبارية وليس لها قواعد ترابية مرسومة الحدود تفصل بينها مادّياً. والمفروض أن الصفة “الشخصية” هذه تفيد نوعاً من الهزال أو فقر الدم في مضمون الاستقلال المفترض للجماعة. إذ هي (أي الصفة “الشخصية”) تستثني من هذا الاستقلال ما كان ذا صلة بالأرض. وذلك لكون الأرض متاحة للجماعات كلها ولكون التداخل بين الجماعات حاصلاً فعلاً عليها إلى هذا الحدّ أو ذاك. شيء واحد يبدو شديد الأسر في الفدرالية الشخصية هو صعوبة فكّها: وهذه صعوبة تنجم، على وجه الدقّة، من تعذّر تقطيع الأرض قطعاً تطابق كلّ منها “شخصية” من الشخصيات المشار إليها وتحصر بين حدودها جماعة المشمولين بتلك الشخصية.

فضلاً عن ذلك، يبدو المحدّثون بفدرالية لبنانية ما غافلين عمّا هو جوهري في الفدرالية. ففي المخيلة اللبنانية أن الدولة المركزية تكون ضعيفة في الفدرالية فتستكمل الضعف الذي تتواطأ الطوائف على رعايته في الدولة اللبنانية القائمة. وهذا هراء يكفي لبيان غربته عن الوقائع ذكر أسماء الدول الفدرالية القائمة في العالم من صغيرة وكبيرة. وبينها دول كبرى تتيح لها بنى سلطاتها المركزية وما تتصرّف به من موارد وأجهزة أن تتحكّم، ولو في حدود، بدفّة العالم من أقصاه إلى أقصاه. يغفل القائلون بالفدرالية في لبنان عن أمر آخر له في الحالة اللبنانية أهمّية استثنائية. وهو أن السياسة الدفاعية والسياسة الخارجية في الدولة الفدرالية تبقيان بكل متعلّقاتهما في يد السلطة المركزية. وهذا فضلاً عن النقد الوطني وعن صون البنى التحتية والتجهيزات العامة ذات الصفة الوطنية، على اختلافها، وتنميتها. وهو ما يفترض أن المكوّنات المشكّلة لهذه الدولة قادرة على التوصّل إلى رسم موحّد لكل من السياستين الدفاعية والخارجية وقابلة بوضع مقاليدهما في عهدة سلطة موحّدة متمكنة من تنفيذهما. فهل وحدة التخطيط والتنفيذ في هذين المجالين قابلة للتحصيل في الحالة اللبنانية أم أن الخلاف الذي يوجب حديث الفدرالية أصلاً متعلّق بهاتين السياستين قبل كلّ شيء آخر؟ هل تداوى علل التعايش بين الطوائف اللبنانية بما يفترض إمكانه أو استقامته أن يكون الشفاء منها حاصلاً أصلاً؟

توسّع الشعور الأقلّي

لا بدّ أخيراً من عودة إلى صلة الطفرة الانعزالية التي مثّل مشروع “اللقاء الأرثوذكسي” أصرح رموزها بما هو جارٍ من تحوّلات عاصفة في أقطار عربية مختلفة وفي سورية، بخاصّة. ويمكن إجمال الصلة بالقول إن وصول زحف الإسلاميين (من أهل السنّة) على مواقع السلطة إلى الجوار السوري الدائم الإقامة في متن الشؤون اللبنانية قد أيقظ الشعور الأقليّ بخطر داهم بدأ يدقّ الأبواب وتظهر بوادر قوية منه في ساحات الداخل. اشتدّ أوار هذا الشعور في أوساط المسيحيين، على الأخصّ. ولكن الوسط الشيعي الملتحق بموقف إيران من الأزمة السورية ليس بمنجاة منه قطعاً. هذا الاقتراب الشيعي من نمط الشعور الأقلي يمثّل نكوصاً طارئاً أو مستجدّاً لجماعة تغادر مرحلة اتّسمت فيها مواقف الجماعة الشيعية، لا بالإحباط والإلحاق على الغرار المسيحي، بل بفرط القوّة وبشكوى الأطراف الطائفية الأخرى من استعراض فائضها… يدخل الشيعة اللبنانيون في الظرف السوري الجديد دخولاً راح يزداد شبهاً بالدخول المسيحي فيه. وهو يجد أساساً له، بعد أعوام مضت على انقضاء عهد الإجماع على المقاومة، في جنوح يشبه الجنوح المسيحي أيضاً إلى الاستقلال بشبكات طائفية من المرافق المعدّة لخدمة الجماعة في وجوه حياتها المختلفة. هذا كله قد يمثّل تفسيراً مزدوجاً يرجع في آن إلى الظرف المباشر وإلى التطوّر الطويل المدّة نسبياً لتأييد التشكيلين الشيعيين مشروع “اللقاء الأرثوذكسي”. وهذا فيما يتعدّى الرغبة في ممالأة الحليف المسيحي. غير أن وجود الشيعة في وضع لا يزال إلى الآن قادراً على التحكّم بأقليات انتخابية لا يستهان بها من الطوائف الأخرى، قد يفسّر بدوره  قدراً من الفتور والتردّد خالط التأييد المشار إليه.

والسؤال الذي يطرح نفسه، بشأن المسيحيين خصوصاً وربما بشأن الشيعة أيضاً هو التالي: هل الأسلم للبنان ولكلّ من مكوّناته الطائفية مواجهة الضغوط والأخطار المرتقبة من الجوار السوري بمجتمع متداخل المكوّنات، موحّد المصير بسبب التداخل بين مكوّناته واضطرار كلّ منها إلى مداراة الأخرى، أم مواجهة تلك الضغوط والأخطار  بقبائل متعازلة يبحث كل منها عن سند خارجي (في سوريا أو في غيرها) يسعفه في حرب الجميع على الجميع؟ لم يقدّم مشروع اللقاء الأرثوذكسي جواب العقل المتروّي عن هذا السؤال. قدّم جواب الغريزة المذعورة أو المشرفة على الذعر.

ملاحظتان

تبقى ملاحظتان. الأولى أن معارضة التنظيمين الرئيسين السنّي والدرزي لمشروع اللقاء الأرثوذكسي لا تقلّ طائفية عن موالاة من والاه من مسيحيين وشيعة. وإنما تتحصّل المعارضة هنا من حساب انتخابي بسيط يتعلّق بالكسب والخسارة في انتخابات يرعاها هذا المشروع. وتتوجّه المعارضة نفسها، فيما يظهر، إلى الاقتراع النسبي الذي يوصي به المشروع قبل توجهها إلى التجزئة الطائفية للهيئة الناخبة.

الملاحظة الثانية موضوعها المرجعية الدستورية لمشروع “اللقاء الأرثوذكسي” وقد استغرق الجدل في موافقته ومخالفته للدستور جانباً من المشادّة الجارية بشأنه. هل المشروع موافق للدستور لأنه يحقّق المناصفة الفعلية والعدالة في التمثيل على ما زعم مناصروه أم هو مخالف للدستور لأنه يفرز الشعب ويضرب أساس العيش المشترك على ما زعم خصومه؟ المخالفة الكبرى للدستور في الواقع هي الاستمرار، بعد نيف وعشرين سنة من تعديله، في اعتماد التوزيع الطائفي لمقاعد مجلس النواب والمناصفة فيه بين المسلمين والمسيحيين. فهاتان صيغتان اعتبرهما الدستور المعدّل انتقاليتين وحدّد موعداً ملزماً (يكاد أن يمرّ على حلوله عقدان) لمباشرة الخروج منهما في نطاق ما سمّاه “إلغاء الطائفية السياسية”.

هذا التوجّه الذي تتواطأ القوى الطائفية (إلا ما رحم ربك) والمؤسسات الدستورية المشكّلة منها على تجاهله خلافاً للدستور ليس تفصيلاً أو شأناً يسكت عن إغفاله في نقاش من قبيل النقاش الجاري لقانون الانتخابات. هذا التوجّه يمثّل في مآله تغييراً إلزامياً بموجب الدستور للنظام السياسي اللبناني برمّته. فكيف يصحّ أن يفتح قانون الانتخاب مسلكاً مناقضاً له مناقضة كلية فيما يشبه الوداع للدستور المعتمد ولاتفاق الطائف الذي أملاه؟ إن كانت مناقضة الدستور تمليها مصلحة وطنية تفوقه سموّاً فليبدأ مسارها بتغيير الدستور نفسه وبدفن اتفاق الطائف بالمراسم المفروضة. فليس إلا جبناً ونفاقاً بحتاً أن يبحث للمشروع الأرثوذكسي عن مسوّغ أو عن سبب للبطلان في الدستور فيما الدستور كله، بديناميته العامّة المشتملة على تعديل النظام الانتخابي مع الهيكلة الجديدة للمؤسسات الدستورية، مكوّم بصمت تحت الأقدام الطائفية.

في 20 كانون الثاني 2013

ملحق: كلام في “مشروع الفراق” سبَق ظهوره بـ 17 سنة

ما يلي فقرات أخيرة من ورقة قدّمتُها (بالإنكليزية) في الندوة التي نظّمها مركز الدراسات اللبنانية في أكسفورد حول”إصلاح الأنظمة الانتخابية” وذلك في كانون الثاني 1996 . وقد ظهرت الورقة (بالعربية) في كتابي “الجمهورية المتقطّعة: مصائر الصيغة اللبنانية بعد اتّفاق الطائف”، دار النهار للنشر، بيروت 1999، ص 155-159.

“(…) لا بدّ من الإقرار إذن بأن عِبَر الاختبار التاريخي قد جعلت من الاحتفاظ بالقاعدتين الجغرافية والمذهبية كليهما على أنهما ركنان متساندان للنظام الانتخابي اختياراً واعياً يعبّر عن الحكمة الماثلة في الصيغة السياسية اللبنانية. وقد أمْلت الحكمة نفسها امتناعاً بات تقليدياً عن التضحية – في الظروف العاديّة على الأقلّ – بأي من الركنين عند اختيار أعضاء الحكومات. ونقع على هذه الحكمة نفسها أيضاً في أمرين آخرين متلازمين:

الأمر الأوّل أن الإقرار حاصل بوجود حاجة إلى تمثيل مناسب لكلّ من الطوائف في مؤسّسات الدولة. ولكن الإقرار حاصل أيضاً بوجوب الحؤول دون كلّ من الطوائف والاستقلال بحياة سياسية منعزلة تجسّدها أجهزة منفصلة لا يكون لها ما ترجوه ولا ما تخشاه من الفئات والقوى السياسية المنتمية إلى طوائف أخرى. بل إن الإقرار حاصل، بخلاف ذلك، بأن التمثيل ينبغي له أن يؤول إلى تكتّلات متنوّعة طائفياً ومتداخلة بحيث يحال دون الصراعات السياسية اليومية والجري على خطوط طائفية.

الأمر الثاني أن كون انتخاب ممثّلين لكلّ من الطوائف يتعلّق جزئياً بموقف جماعات تنتمي الطوائف أخرى إنما يعزّز الاعتدال في صفوف المرشّحين. فيكون على المتعصّبين والانعزاليين من هؤلاء أن يخشوا نبذاً كثيفاً من جهة الناخبين المنتمين إلى غير طائفتهم. والتمثيل النيابي، بخاصّة، مصمّم بحيث يغلّب الاختلاط والاعتدال في التكتّل السياسي.

ولقد كان لغياب الحرّية عن انتخابات 1992 نصيب من جعل مجلسنا النيابي، اليوم، بعيداً عن هذين الاختلاط والاعتدال. فإن حالة من الاستقطاب الطائفي الحادّ تسود بلادنا. ولم يكن لمجلس النوّاب الحالي، بتمثيله المحدود، أن يستوي ساحة لتدبير المواجهات السياسية التي هزّت البلاد في خلال السنوات الثلاث الفائتة. فآل الاستقطاب الطائفي إلى  أزمة دائمة في النظام. وغلب على الدولة أنها غنيمة تتنازع وتقتسم لا أنها بنيان يعاد إعلاؤه ويوطّد.(…)

ومهما يكن من شيء فإن الصيغة المذهبية ليست القاعدة الوحيدة التي يسع المجتمع الطائفي – بالمعنى الأعمّ – أن يرسو عليها. بل يمكن أن يتجزّأ المجتمع إلى وحدات قبلية أو إلى أقوام أو إلى قرى أو إلى مزيج من شبكات التضامن هذه جميعاً. في هذه الحالات، يجوز اعتبار دعم الجماعات الواسع للفساد ولاختلاس المال العامّ وما يتّصل بهما من مسالك دالّاً على وجود نوع من نظام المافيا (…).

ولعلنا لم نصل في لبنان بعد إلى اعتماد نظام من أنظمة المافيا تامّ السمات. على أن بعض الدلائل بات لها من القوّة ما يجعل من غير الجائز للآخذين بنصيب من المعرفة الاجتماعية والسياسية مواصلة تجاهلها. ولا بدّ من إعمال أدوات ديمقراطية عدّة – في رأسها قانون الانتخاب – ابتغاء مكافحة التبلّر المفرط لصور التضامن المذهبية والعشيرية وما جرى مجراها من أنواع العصبيات. ذاك همّ يبدو ملحّاً إذا أردنا حماية الحرّيات العامّة واستباق الانقلابات والاتّجاه نحو ديمقراطية تعزّز ما في مجتمعنا من تقاليد مستحسنة وتوطّدها. (…)