دُلّوا فلسطينَ على الصواب

http://www.almodon.com/opinion/d30c0103-6c66-401b-932d-2ec3a7688acf

قبل أيام، ذكر المكتب المركزي للإحصاءات في إسرائيل أن عدد سكان الدولة العبرية قد بلغ ثمانية ملايين وعشرة آلاف نسمة. وهو ما يعني أن العدد أصبح عشرة أمثال ما كانه في سنة 1948 تقريباً. ويحتسب الإسرائيليون في ملايينهم هذه عرب القدس الشرقية وعددهم 270 ألفاً ويحتسبون أيضاً نحواً من نصف مليون مستوطن يهودي أصبحوا مقيمين في الأراضي الفلسطينية التي احتلّت سنة 1967. وتبلغ نسبة اليهود من سكان إسرائيل 75,3 % وتبلغ نسبة العرب 20,7 % فيبقى 4% لغير العرب من معتنقي ديانة غير اليهودية. وفي هذه النسبة الأخيرة، يدخل مهاجرون من أوروبا الشرقية جاؤوا إسرائيل بصفتهم يهوداً ولكن لا ينطبق عليهم التعريف الإسرائيلي لليهودي. وكان ياسر عرفات قد أشار، في عشايا رحيله، إلى نوع من التساوي وجده حاصلاً بين عدد اليهود وعدد العرب المقيمين على أرض فلسطين التاريخية. وهو ما تثبت استمراره مقارنة الأرقام الإسرائيلية أعلاه بأرقام نشرتها السلطة الفلسطينية تتعلّق بأعداد الفلسطينيين في نهاية العام 2011. إذ ذاك كان في قطاع غزّة 1,6 مليون فلسطيني وفي الضفة الغربية بما فيها القدس 2,6 مليون وفي إسرائيل 1,37 مليون هم المعروفون باسم عرب 1948. فإذا أضفنا إلى هذه الأعداد 2 إلى 3 % تمثّل الزيادة السكانية في سنة وبعض سنة، وصلنا اليوم إلى عدد للعرب المقيمين على أرض فلسطين غير بعيد عن عدد اليهود الذي هو 6,42 ملايين بحسب الإحصاء الإسرائيلي المذكور أعلاه.  ثمّة شبه توازن إجمالي إذن على الصعيد السكّاني. ولا ضير من الإشارة هنا إلى كون هذا التوازن قد أصبح موعوداً بقدرٍ مرموق من الاستقرار. فإن الهجرة اليهودية إلى إسرائيل قد شحّ مخزونها كثيراً في العقد الماضي. فأصبحت لا تتعدّى بضعة آلاف كلّ سنة وتطرح الهجرة من إسرائيل، بدورها، عدداً معتبراً من هذه الآلاف نفسها. هذا فيما خرج الفلسطينيون من عهد الازدياد الانفجاري الناجم عن كثرة المواليد نازعين نحو الاقتراب من حال اليهود، على هذا الصعيد. ثم إن الفلسطينيين يهاجرون هم أيضاً حين يستطيعون إلى الهجرة سبيلاً. وهذا السبيل ضاق عليهم ضيقه على غيرهم، في العقود الأخيرة. ولولا ذلك لكانت هجرتهم أوقع مما هي عليه بالنظر إلى ظروف عيشهم البالغة العُسْر تحت نير الاحتلال والتمييز. هذا النصف الفلسطيني من سكّان فلسطين يقيم ثلاثة أرباعه، تقريباً، على نحو الخُمْس من أرض فلسطين التاريخية. وهو خمس ينازعهم فيه استيطان لا يوجد ما يدلّ على أنه مزمعٌ التوقّف عند حدّ. وهو أيضاً خمس يفسد عليهم الاحتلال حياتهم على ما بقي في أيديهم منه ويعطّل من مقوّماتها الكثير ويرهنها إلى حدّ خطرٍ بتواصل العون الخارجي. وما دام الاستيطان جارياً فلا أمل في جلاء الاحتلال الذي يحمي القائم من الاستيطان ويكفل توسّعه. من سنة 2000، تاريخ الانتفاضة الثانية، يقال للفلسطينيين إن جنوح هذه الانتفاضة نحو العنف كان خطاً فادحاً. وهذا  صحيح إذا قيست الأمور بعواقبها. ولكن لا يقال للفلسطينيين ما الذي كان عليهم أن يفعلوه، بعد ما فعلوه في أعقاب مؤتمر مدريد واتفاق أوسلو، إن كانوا يبغون وقف الاستيطان وإجلاء الاحتلال. فهذان أمران لم يكونا قد حصلا، في سنة 2000، بنتيجة مدريد وأوسلو وهما لم يحصلا إلى اليوم. ثم إن الحكم على انتفاضة سنة 2000 يجري جرّه عادة على كل ما فعله الفلسطينيون بين هزيمة 1967 وانتفاضة الحجارة في أواخر الثمانينات من القرن الماضي. فيقال إن العنف الفلسطيني كان خطأ من أوّله وإن التفاوض، لا العنف، هو ما أنشأ السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وغزّة. ولكن العنف الفلسطيني، بعد 1967، وهو قد جرّ كوارث على الفلسطينيين وعلى غيرهم، هو أيضاً ما أعاد تكوين الشخصية الفلسطينية وفرض الفلسطينيين طرفاً في التفاوض. ولم يكن الفلسطينيون قد أنجزوا شيئاً أو حصلوا على شيء في 20 سنة تقضّت بين نكبتهم ولجوئهم إلى العنف. ثم إن التفاوض وصل، بعد إنشاء السلطة الفلسطينية، إلى جدار قد يكون جدار الفصل في الضفة الغربية تمثالاً مناسباً له. ولا يقدّم إلى الفلسطينيين اليوم أيّ دليل على أن التفاوض سيخرق هذا الجدار.  ولا يكفي القول إن التفاوض لم يوصل الفلسطينيين إلى حقّهم الاستراتيجي في إنشاء دولة وطنية لهم. بل يجب القول – وهذا هو الأمر الحاسم –  إن حصائل التفاوض لم تخرج الوطن الفلسطيني من سيرورته نحو التصفية. ليس الفلسطينيون في حال تحالف مع الوقت حين ينظر إلى الوقت على أنه وقت انتظار ليس إلا: وقت انتظار يمضيه الفلسطينون في موقع ثابت ليستأنفوا حركتهم نحو هدفهم في ظرف أفضل. ليس موقع الفلسطينيين ثابتاً بل هم في تراجع. هم في تراجع متواصل لأن وطنهم في قيد التصفية. ولم يبق اليوم من أحدٍ يصدّق نفسه فعلاً إذا هو نصح الفلسطينيين بالتعويل على مستقبل ما لما دعي “عملية السلام”. فلا القيادة الغربية لهذه العملية أوصلتها أو هي في صدد الوصول بها إلى خواتيم مقبولة. ولا التعلّق بأذيال الجبهة “الممانعة”، المتخذة من قضية الفلسطينيين غطاءً للاستبداد وقناعاً لمطامع إقليمية ذات صفة إمبريالية وطائفية معاً، أمكن أن يجني منه الفلسطينيون خيراً لهم. بل إن المواجهة بين هذين الخيارين أفضت إلى شقّ الفلسطينيين ونقل النزاع إلى صفوفهم. وهذا أسوأ ما يمكن أن تجنيه جماعة وطنية مأسورة في الوضع الذي هو وضعهم.  هذا وآخر ما تطمح إليه السياسة الإسرائيلية – وهي سياسة لا تلقى في إسرائيل مقاومة يعتدّ بها – يرجّح أن يكون حمل الفلسطينيين، في المدى الطويل، على الخروج من فلسطين. ذاك معنى القول المنتشر في إسرائيل بصدد النزاع الإسرائيلي الفلسطيني: القول إنه لا توجد ضرورة تملي حلّ هذا النزاع. هذا قول قديم أصلاً تستعيده السياسة الإسرائيلية اليوم. وليس معناه أنه لا يوجد حلّ جارٍ لهذا النزاع. بل معناه الوحيد أن الاتفاق على الحلّ مستثنى من بين إجراءات هذا الأخير. الحلّ يرسمه ويمليه طرف واحد هو الطرف الإسرائيلي. والمطلوب من الطرف الآخر لا يتعدّى التنفيذ أو بالأحرى تحمّل التنفيذ. التنفيذ أي الخروج، في نهاية المطاف، من فلسطين.  ذاك ما سيتبدى أيضاً حين يجد الطرف الإسرائيلي ضرورة لإيضاح ما يقصده بـ”الحلّ الأردني” للمسألة الفلسطينية. المعنى الإسرائيلي لـ “الحل الأردني” أن إسرائيل ليست ملزمة بترك شيء يُذْكر مما في يدها طلباً للحل. أي أنها لن تترك شيئاً ذا أهمية من الوطن الفلسطيني الذي تتواصل فيه حركة الاستيطان وأنه سيكون على الفلسطينيين أن يتوجّهوا إلى الأردن. قد يترك لهم شيء من الضفة الغربية لا يخلو من شبه بقطاع  غزّة الذي وجدته إسرائيل غير صالح للاستيطان فأخْلته. سيكون هذا نوعاً من التسهيل لرسم الوقائع الأخيرة وإرسائها. ولن يحصل تهجير بالقوة في أيام أو أشهر. التهجير (المسمّى في التاريخ الصهيوني باسمه الأوروبي: “ترانسفير”) فعلٌ تاريخي بكل معنى الكلمة. وهو سيحصل بضرب شروط البقاء في مدى عقود. في مدى هذا القرن الذي لا نزال في أوائله، مثلاً. هذا جارٍ تنفيذه من عقود أيضاً وهو يكاد يغني عن عدّ العقود ويبطل الحاجة إلى حلّ آخر للمسألة الفلسطينية مشروط بالاتفاق. أيكون معنى “الحلّ الأردني” أيضاً حرباً أهلية مفتوحة في الأردن؟ فلتكن متى أزف يومها. يبقى أن الفلسطينيين ما زالوا قرابة ستة ملايين في فلسطين التاريخية. ويقيم نحو من خمسة ملايين فلسطيني آخر في البلاد العربية ومعظمهم في بلاد الطوق المحيطة بفلسطين بما فيها الأردن. وهم سيفعلون شيئاً لوقف ما يجري لهم سواء أكان هذا الذي يجري خطة مرسومة أم سياسة ارتجالية، ماضيةً في سبيلها عفوَ الخاطر العنصري. سيفعل الفلسطينيون شيئاً ولن ينجو جوار فلسطين مما سيفعلونه. وسيضطرّ القائلون إن القضية الفلسطينية قد “انتهت” إلى اكتشاف هذه القضية مجدداً. والأرجح أنهم سيقولون إن الفلسطينيين على خطإ في ما يفعلونه والأرجح أيضاً أنهم سيكونون مصيبين في قولهم هذا. ولكن الفلسطينيين لن يرعووا وسيمضون في الخطإ المزعوم إلى حيث يستطيعون.  وذلك أن أسهل الأشياء وأصوبها أن يقال للفلسطينيين إنهم مخطئون. ولكن منتهى اللؤم أن لا يقول أحد للفلسطينيين ما هو الصواب؟ ليُقلْ لهم، في الأقلّ، إن الصواب قد مات!                     – See more at: http://www.almodon.com/opinion/2013/4/25/%d8%af%d9%84%d9%88%d8%a7-%d9%81%d9%84%d8%b3%d8%b7%d9%8a%d9%86-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d9%88%d8%a7%d8%a8#sthash.ZbkEglXj.dpuf

Advertisements

زُحامُ بيروت ومعنى الحياة

http://www.almodon.com/opinion/b1c6e6d3-97cf-443e-8e15-6f5b746ccfd5

بين حينٍ وحين يخطر لي أن زحمة السير في بيروت، وفي الطرق المفضية إليها، منطلقٌ صالح للتأمّل في معنى الحياة. أقول “منطلق” ثم أفطن إلى كون الانطلاق هو ما يعزّ حصوله في الحالة التي تستوقفني. “استوقَفَ” التي فرضت نفسها عليّ الآن أوفق بكثير من “المنطلق”. لا آتي شيئاً غير مسبوق حين أفترض أن أمراً من نُثار حياتنا اليومية في المدينة يصلح أرضاً نقلّب عليها مسألة من مسائل ما بعد الطبيعة: مسألةً ليست أيّة مسألة وإنما هي مسألة المسائل. ما الذي يبقينا في قيد الحياة ويثنينا عن الإقدام على الانتحار؟ لا آتي شيئاً غير مسبوق إذن. ففي قراءات شبابي، وقعت كما وقع غيري في الكون والعدم لجان بول سارتر، على مثال خادم المقهى الذي يمثّل دور خادم المقهى وعلى مثال الرجل والمرأة اللذين يلتقيان على مقعد في حديقة عامّة، وعاينْتُ نفاذ الفيلسوف من هذين المثالين المستمدّين من الحياة “العاديّة” ومن أمثلة أخرى تشبههما إلى أبعاد يتعين بها وجود البشر كله في فرادته. لكنّ عليّ أن أعود مرّةً أخرى إلى مفرداتي لأُظهر إملاءَ التعبئة النفسية المتعلّقة بموضوعي ألفاظاً بعينها توافق مناخ الموضوع وأخرى لا تخلو من هزء بهذا المناخ. فمن العبارات الموافقة هنا قولي “أرض نقلّب عليها مسألة”. فإن ثبات الأرض وحصول التقليب في موضع ثابت منها أيضاً يوحيان بالحال التي يكون فيها العالق في سيّارة أجرة تتسلّق به شارع بشارة الخوري في ساعات وسط النهار نحو السوديكو. ومن العبارات غير الموافقة أو الساخرة قولي”شيء غير مسبوق” إذ لا شيء مما يكون فيه هذا الراكب يبيح ذكر “السَبْق” أو “السباق”. هذا ما لم يكن المقصود ذاك النوع الداخلي من التسابق الذي يبيح للراكب استشعار هجمات السيّارة على من أمامها أو حولها وهي واقفة لا تريم عن موضعها تقريباً. معنى هذا أن الاحتباس في سيارة أجرة فرصة للبحث في أهلية الكلام وشروطها وليس في معنى الحياة وحسب. أعود إلى الهزء والسخرية. هذان قد يكونان طعناً في قيم مستقرّة فيجنحان بالمرء إلى القول إن الحياة لا معنى لها، في نهاية المطاف، وإنه يحسن به أن يضع حدّاً لحياته. ولكنهما قد يكونان أيضاً قوّةً مقابلة للمراوحة التي يشير إليها “التقليب على الأرض” فيسعفان في تحمّل هذا الوقت… هذا العيش الذي يأكله الزحام ببطءٍ لا يطاق. أقبل قول صاحبنا إن “خفّة الكينونة” “لا تحتمل”، ولكن ما يختبره الراكب في تلك السيارة البيروتية هو أن البطء، لا الخفّة، هو ما يأكل معنى الحياة ويحيلها إلى “شيء لا يطاق”. وذاك أن البطء، في هذه الحالة، يأكل الحياة نفسها ومعناها معها. وهذا ليس دأبه دائماً. فالبطء قد يكون مطلوباً في القبلة، مثلاً، أو في تذوّقك كسْرة شوكولا. فههنا تجد الفجيعة سبيلها إلى الوجود البشري من باب إفضاء الأشياء المحتوم إلى نهاية لا من باب المراوحة فيها بلا نهاية. في سيّارة الأجرة يكون الوقت متاحاً للسؤال عن قيمة حياة تمضي منها أربع ساعات من كلّ يوم، مثلاً، في واحدة من هذه السيارات، الوسخة المقاعد والمتداعية الأركان، وأنت ذاهبٌ إلى عملك وعائدٌ إلى مسكنك. ويتحدّد الجواب، في وجه من وجوهه، بقيمة ما تفعله في عملك بعد أن تصل إليه وما ينتظرك في منزلك متى عدتَ إليه. فتوشك الحياة أن تجتمع أطرافها وتنتظم بكلّيتها حول وقت الانتقال الموسوم بميسم الضياع وَسْماً لا رجعة فيه. وهو وقت ضائع بأشدّ المعاني قوّةً لأنه يكاد لا يحتوي شيئاً غير التضجّر من ضياعه ويكاد يطيح ما يحفّ به من الوقت من جهتيه. إذ هو يطرح السؤال المتعلّق بوجاهة ما يسبقه وما يلحقه واستحقاقهما هذا العناء كلَّه. وهو يفضي من هنا إلى إيماضات الحيرة في الاختيار ما بين المضيّ في عيش هذه سيرته والانتحار. ومعنى “الحيرة” أن تروح وتغدو بين أمرين يبدوان متساويين في القيمة، على اختلافهما أو تعارضهما في العاقبة. ومعنى “الاختيار” أن ترى أمراً من الأمور “خيراً” من غيره. فما الذي قد يُخرج وقتَ الاحتباس في الزحام هذا من الضياع كليّاً أو جزئيا؟. لا يؤمل هذا من مذياع السيّارة إلا في ما ندر، إذ لستَ محكّماً في ما تَسمع، وأنت الراكب المسكين المتّهم بأنك لا تدفع بدلاً عادلاً يوازي، بزيادته، الزيادة المتواصلة في أكلاف نقلك. ما تسمعه يُمْلى عليك ويندر أن يوافق ذوقك أو همومك بل هو كثيراً ما يناطح ميولك رأسيّاً. لا شيء تفعله، فوق ذلك، في سيارة أجرة: ليس متاحاً، بلا إزعاج للغير، أن تقرأ كتاباً أو جريدة على غرار من يسافرون في وسائل النقل العام الرفيعة السويّة في بعض مدن العالم. ولا يغنيك، إلا استثناءً، أن تسمع شكاوى السائق. وذلك لأسباب تتّصل، كما في حالة المذياع، بتنافر الرؤى والأمزجة. وهذا مع العلم أنك قد تتعلّم من السائق أشياء تتصل بالمدينة والمجتمع إذا كنت مستعدّاً للتجاوز عن التنافر المشار إليه طلباً لهذا الصنف من المعارف. أكون أم لا أكون؟ هذا هو السؤال الذي يطرحه عليك زحام بيروت. ولكن يجوز أيضاً أن نبقى على مستوىً أكثر سطحية أو أقلّ جذرية مما بعد الطبيعة وهو المستوى الاجتماعي. فنؤجّل السؤال عن معنى الحياة بإطلاقه لنسأل عن شروط الحياة سويّةً. والمدخل الأوسع إلى هذه المسألة الأخيرة هو، على الأرجح، طريقة اللبنانيين في سياقة سياراتهم، في الزحام خصوصاً وفي غيره أيضاً. وهو أيضاً تباين المصائر بين المنتقلين لجهة وسيلة النقل. وهو أخيراً موضوع المشاة والدراجات النارية وعلاقتها بالسيارات وبسائقيها. في مسألة السياقة، يفي بالغرض قول القائلين السائر إن العلاقة الغالبة بين سائقي هذه الألوف المؤلّفة من السيارات إنما هي علاقةُ قتالٍ وإن اللبنانيين يخوضون على الطرق وفي الشوارع حرباً أهلية دائمة. وفي مسألة العلاقة بوسيلة النقل، لا يستوي المنتقل في سيارة السرفيس المتهافتة والمنتقل في السيارة المكيّفة، يَسْمع من الموسيقى ما يشاء ويُخرس من الإذاعات ما يشاء. والحسد الطبقي شعور مؤكّد بين الفئتين وهو قد يغشّي وحدة الحال الماورائية المتحصّلة من الاحتباس والوقت الضائع.  وأما المشاة فهم الضحايا الناقمون على من عَداهم وعلى البلدية والدولة. وأخصّ من تنزل عليهم نقمة المشاة سائقو الدرّجات النارية الذين يتقافزون بين السيارات المتوقفة وينقضّ هذا أو ذاك منهم على العابر، من خلف سيّارة ما، فيما يلحق آخرون منهم بالمشاة إلى الرصيف الضيق الذي أكلت بعضه سيارات ودراجات أخرى متوقفة بالطول أو بالعرض. ذاك مدخل ممتازٌ إلى تأمّل آخر: وهو التأمل في إفضاء أنواع من البوادر المتكررة، الفردية على الرغم من تكرارها، إلى استحداث عداء اجتماعي يشتمل على فئة عريضة من الناس برمّتها. سائقو الدرّاجات النارية، وهم، في معظمهم، كادحون يجهدون لكسب لقمتهم، نموذج للفئة التي يستجلب بعضها بُغْضاً يشمل سائرها ويستدرج بعض سلوكها غضباً يشتمل على أشخاصها. معلوم أن هذا المساق هو أوّل العنصرية التي قد لا تظهر بتمام صَلَفها في الحالة التي نحن بصددها. ولكنها تستقي من بعض الحالات وقوداً لحالات أخرى. كان ألبير كامو يقول إن الانتحار هو المسألة الفلسفية الوحيدة “ذات الصفة الجدّية حقّاً”. هذا ما يفطن إليه أو إلى ما يشبهه العالق كلّ يوم في زحام بيروت.         – See more at: http://www.almodon.com/opinion/2013/4/18/%d8%b2%d8%ad%d8%a7%d9%85-%d8%a8%d9%8a%d8%b1%d9%88%d8%aa-%d9%88%d9%85%d8%b9%d9%86%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%8a%d8%a7%d8%a9#sthash.K8Dn7DOB.dpuf

المُحال نظاماً للحُكْم

http://www.almodon.com/opinion/a7aeaac1-3285-4053-ab12-efe735564cda

مع مباشرة الرئيس المكلّف تمام سلام جهوده لتأليف حكومة جديدة، تعود إلى بساط البحث أصناف الحكومات التي تتوزّع القوى السياسية بين تفضيل هذا منها وتفضيل ذاك أو ذلك. يطرح، بالتالي، السؤال المتعلق بالصنف ذي الأفضلية العامة: أي ذاك الذي يتيح شعوراً بالإقبال على مرحلة تسيير لأمور البلاد يمكن وصفه، على وجه الإجمال، بالسلاسة ويوحي طمأنينة لجمهور المواطنين إلى إمكان معالجة تكون على قدْر مُرْضٍ، نسبياً، من النجاعة والإنصاف للمشكلات العامة… ليست هذه الأصناف من التشكيل الحكومي كثيرة العدد: في نطاق الممكن اللبناني، هي ثلاثة أو أربعة. ويسع المتأمل أن يستعرض، دون حاجة إلى الإطالة، ما يترتب على اختيار كل منها من نتائج تتصل بفاعلية الحكم وبتمادي الشعور في البلاد أن الحكم قد خرج أو هو في سبيله إلى الخروج من حال الأزمة. وهو الشعور الذي راود اللبنانيين في الأيام الأخيرة مع ما ظهر من إجماع النواب على تكليف سلام. هل  يسع هذا الشعور أن يدوم وما هو التشكيل الحكومي الذي يكفل له حظوظاً مقبولة في الدوام؟ هل ما يزال متاحاً، أصلاً، في الطور الراهن من أطوار الحياة السياسية اللبنانية، تشكيل حكومي له هذا المفعول؟ يستحسن البدء من الصيغة التي مثّلتها حكومة نجيب ميقاتي المستقيلة. كانت حكومة أكثرية. تألفت، من حيث الأساس، مما يسمّى تجمع 8 آذار وقد حوّله إلى أكثرية نيابية مددٌ جنبلاطي منح سيّد المختارة، القادر، في أيّ وقت يختاره، على تبديل موقعه، قدرة على ابتزاز الأطراف الأخرى لا تجد تفسيراً لها في الوزن المطلق للقطب الجنبلاطي (وهو وزن الأكثرية من طائفة ضئيلة الحجم والإمكانات) بل في الوزن النسبي الذي يحصّله صاحبه من حُسْن اختيار الموقع. إلى جنبلاط، عزّز الأكثرية الجديدة رئيس الحكومة نفسه وزميل طرابلسي واحد له. وهذه قوّة لم يكن يستر هزالها غير القدرة ذات المصدر الدستوري على  إطاحة الحكومة باستقالة رئيسها.  هذا مدخل مقبول إلى تقدير “الطريقة” التي مثّلتها حكومة نجيب ميقاتي في التعبير عن الأزمة المتمادية التي تعصف، من سنوات باتت كثيرة بالنظام الطائفي. فإن تكوين هذه الحكومة جعل موازين الطوائف فيها (وليس موازين القوى السياسية وحدها، فهذا يعتبر مقبولاً) في حالٍ من الخلل الفادح. فإذ بقي التيار الحريري وقوى سنّية أخرى في صف المعارضة، بدا ان الطائفة السنية ممثّلة بما قد لا يبلغ 30 بالمائة من أثقالها السياسية. هذا فيما تمثّلت الطائفة الشيعية بما قد يزيد عن ثمانين بالمائة من أثقالها، وهذا في مرحلة وصل فيها التعارض بين الخيارين السياسيين العامين للطائفتين (أي، على التحديد، بين خياريهما في المجال الإقليمي) إلى أقصى حدّته. على الجبهة المسيحية، كان التقدير، في أول الأمر، أن التيار العوني المهيمن سعيداً على التمثيل المسيحي في الحكومة، ومعه أطراف أخرى ثانوية، تمثّل سويّة نحو 50 بالمائة من المسيحية السياسية… ثم انخفضت هذه النسبة، شيئاً ما، في تقدير ذوي المعرفة، نتيجة لما ظهر من أداء محبط للحكومة كلها ولوزرائها العونيين، على التخصيص. أخيراً، كان يمكن القول أن ما يزيد على 80 بالمائة من القوة الدرزية السياسية ماثلة في صفوف الحكومة أيضاً. معنى هذا أن حكومة ميقاتي أحدثت حدثاً لا يطيقه منطق النظام اللبناني وثابرت على تمثيل هذا الحدث مدّة عمرها غير القصير. والحدث المشار إليه مزدوج. 1- طبع الحكم بطابع طائفي غالب (هو الشيعي) وطبع المعارضة بطابع طائفي مقابل (وهو السنّي). 2- اختلال داخلي بين المكونات الطائفية للحكومة نفسها نجم، على الأخص، من ثقل التمثيل الشيعي فيها أي بحضور التشيع السياسي، بقضّه وقضيضه تقريباً، في الحكم، فيما بدت الكتلتان الطائفيتان الأخريان (من الثلاث الكبيرة) ناقصتي الحضور إذا قورن تمثيلهما بالتمثيل الشيعي، على التخصيص، وبالدرزي أيضاً.  معنى هذا أن رعاية الميزان العددي لتوزيع الحقائب بين الطوائف أثمرت، عوض الشعور بالإنصاف أو “التوازن”، شعوراً بالتباعد الفادح بين ثقل الطائفة المقرّر في الصيغة وثقلها المتحصّل في الحكومة. وهو ما يأباه بشدّة منطق النظام الطائفي وقد أصبح أشدّ إباء له منذ اتّفاق الطائف. وتكاد لا توجد حاجة ههنا إلى ذكر السلاح الشيعي الذي يمنح أصحابه، أية كانت المزاعم المتعلقة بوظيفته الحصرية، وطأة على الأطراف الأخرى تثقل وتخفّ، شأن كلّ شيء في السياسة، ولكن يتبين، في نهاية المطاف، أنها لا تطاق.  عند التأمّل في هذه الحالة (وفي أخرى سبقتها هي حالة حكومة فؤاد السنيورة بعد استقالة الوزراء الشيعة منها في خريف سنة 2006) يثبت أن الخللين المشار إليهما أعلاه أصبح محتوماً ظهورهما في كلّ حكومة أكثرية في هذه الجمهورية ما دامت خطوط الفصل السياسية الرئيسة تجري بين طوائف أو ، على الأصحّ، بين قوى سياسية أفلحت كل منها في فرض تمثيلها لطائفة من الطوائف ونحت نحو الانحصار في هذه الطائفة. ويحتّم ظهور الخلل الثاني سيادةُ حالٍ من المواجهة السياسية الحادّة بين القوى السياسية الممثلة لهذه الطائفة تقابلها حالة انسجام ووحدة توجّه بين القوى الممثّلة لتلك… يشير هذا إلى ما حصل (وما يزال ينتظر حصوله) إذا غادرنا صيغة حكومة الأكثرية إلى ما سمّي (ويسمّى اليوم مرّة أخرى) “حكومة الاتّحاد الوطني”. دعنا من كون هذه التسمية لا تدلّ، في المصطلح السياسي العامّ، على ما أصبحت تدلّ عليه في لبنان. الأهمّ أن الطوائف ستكون حاضرة ههنا ممثّلة بقواها السياسية الرئيسة، في الأقلّ، وفاقاً لما استقرّت عليه أعراف التوزيع وما تسفر عنه مفاوضات التأليف. وستنجح هذه الأطراف المتنافرة نجاحاً إجمالياً في مزاولة فنّ المحاصّة في المنافع والخدمات، فهو فنّ تتقنه فيما يتعدّى كل خلاف سياسي. ولكنها ستواجه مسائل سياسية فعلية لا يسعها الفرار من مواجهتها. وسيكون بعض هذه المسائل ثقيل الوطأة حاسماً. وهو إما أن يصحب مسار الحكم، دون انقطاع تقريباً، فيجبهه بتحدّ ثابت، وإما أن ينفجر في وجه الحكومة عند استحقاق قرار ما بعينه. هذا ما حصل لحكومة سعد الحريري فثبت أن كلّ حكومة تُزْعم لها صفة “الوحدة الوطنية” هذه إنما هي حكومة ملغومة تدار أمورها (وأمور البلاد من ورائها) في مناخ أزمة وتكتشف البلاد، عند انفجار اللغم، أنها – أي البلاد – مقيمة في حال أزمة مفتوحة. يبقى ما يسمّى الحكومة الحيادية ويطلق على واحد من تجلياتها اسم حكومة التكنوقراطيين. هذه حكومة تجعلها شدّة الاستقطاب الآخذ بخناق البلاد ضعيفة حكماً. ولا يمكن أن يتجاوز دورها نطاق الاستثناء أو الاستراحة. فهي ستواجه، حالما تضطرّ إلى اتّخاذ قرار سياسي من النوع الذي أبعد القوى السياسية الرئيسة عن الحكم، غضب هذه أو تلك من القوى المذكورة. وسيتلاشى  أو يضعف ما كانت قد لقيته من قبول أملاه استحكام الأزمة السياسية. وسيعجّل في هذا التلاشي أن القوى السياسية الرئيسة تستعجل حكماً العودة إلى جنّة الحكم. وهذا مع العلم أن صفة الحياد لا تلبث أن تستحيل، بفعل الضغوط الطائفية على الوزراء، إلى قناعٍ زائف وينقلب المناخ السياسي في الحكومة وخارجها إلى مناخ تراشق بتهم الانحياز والخروج عن الجادّة… في مشاورات التأليف التي أجراها الرئيس المكلّف تمام سلام، ذكر حزب الله ضرورة تمثيل “الأوزان” متجاهلاّ كون “الأوزان” هي ما مثّل علّة الحكومة الميقاتية. ونحت أطراف أخرى من تجمع 8 آذار (أبرزها التيّار العوني) نحو المطالبة بحكومة سياسية، أي بالعودة إلى صيغة “الاتّحاد الوطني” في الحكم. وهذا من قبيل تجريب المجرّب. وأبدى الرئيس المكلّف وبعض قوى الرابع عشر من آذار ميلاً إلى الحكومة الحيادية.  الحال أنه لا توجد، في نطاق الإمكان اللبناني، صيغٌ غير ما ذكرنا. معنى هذا أن العهد الذي كان النظام الطائفي فيه قادراً على تحصيل صيغة للحكم موافقة لمعاييره هو نفسه قد ولّى. يبقى، مع ذلك، أن مهمّة تمّام سلام أن يشكّل حكومة تشرف على الانتخابات النيابية. وهذه حكومة تتّسم بالضرورة بقصر العمر وتعزّز مهمّتها حجّة القائلين بالتشكيلة الحيادية. فهل تعني مطالبة أطراف سياسية رئيسة بحكومة سياسية اقتناع هذه الأطراف بأن عمر الحكومة السلامية قد يطول لأن الانتخابات سيطول انتظارها كثيراً؟       – See more at: http://www.almodon.com/opinion/2013/4/12/%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ad%d8%a7%d9%84-%d9%86%d8%b8%d8%a7%d9%85%d8%a7-%d9%84%d9%84%d8%ad%d9%83%d9%85#sthash.ZF43YsCE.dpuf

معضلة قانون الانتخاب

http://www.almodon.com/opinion/0115f5e4-8e0e-4e43-8e47-8210d9de73d5

في ما يتعدّى ما علّلت به مباشرة استقالة رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، تبدو مسألة الانتخابات النيابية والقانون الذي يفترض أن يرعاها عقدة يتركّز فيها الاستعصاء العامّ الذي يعانيه النظام السياسي اللبناني في هذه المرحلة الحاضرة. فلو ان التقدّم بدا ممكناً نحو اعتماد قانون يرضي القوى السياسية الكبرى في البلاد لأمكن، مع اعتماد هذا القانون، وضع حدّ لمسار تلك الحكومة البائسة ومباشرة البحث في تشكيل حكومة تتولّى إجراء الانتخابات، تحت إشراف الهيئة المسؤولة، ولكان رحيل الحكومة الميقاتية يعدّ خروجاً، ولو مؤقّتاً، من المحنة التي مثّلتها أزمة العلاقات بين أطرافها وغلبة الشلل وتباين المسالك على أدائها وعرجها الطائفي الواضح.

ولكن الحاصل اليوم هو أن تأجيل الانتخابات النيابية أو تعذّر إجرائها في موعدها، بالأحرى، أصبح أمراً مقضيّاً بعد أن جُعِل أمراً واقعاً.. وأن هذا التأجيل قد يطول. فهو قد يبدأ بمهلة قصيرة تعتبر لازمة للحوار ثم لا يفضي الحوار إلى شيء لأن الحبكة التي أثمرت الاستعصاء لم يتغير فيها شيء أو هي لا تني تزداد إحكاماً. فتنتقل البلاد إلى تأجيل أطول مدّة للانتخابات على نحو عرفه اللبنانيون حقّ المعرفة في عقد ونصف عقد مشؤومين استغرقتهما حروبهم المديدة.
ما الذي يجعل التفاهم على قانون جديد للانتخاب مستصعباً إلى هذا الحدّ؟ نزعم أنه، من جهة الداخل، إفضاء الانتظام السياسي في البلاد، منذ أعوام الحرب، إلى نوع من الانحصار في تنظيمات ذات جمهور وحيد الصفة الطائفية. فإن هذه الحال قد أنشأت تلازماً بين كلّ من الطوائف الكبرى – كلّها أو جلّها – وحزب واحد أو اثنين يحتكران تمثيلها والمفاوضة باسمها. وهو ما صحبه انكفاء واسع النطاق لأدوار الزعامات غير الحزبية.. ولو ان الأحزاب الجديدة لبثت، في بعض الحالات، ملتئمة حول شخصيات أو حول عائلات تنتمي إليها الشخصيات.
ومن بين النتائج التي أدّت إليها عملية الضمّ والفرز هذه جعل نتائج الانتخابات قابلة للتوقّع في حال الأكثرية الساحقة من المقاعد. أدّت العملية نفسها إلى تيسير احتساب النصيب الذي تؤمنه كل صيغة محتملة لقانون الانتخاب لكلّ من التنظيمات المهيمنة على المشهد السياسي. وهو ما يجعل كلاً من هذه الصيغ تثمر خاسرين هنا ورابحين هناك ويجعل الرابح ينقلب خاسراً والخاسر رابحاً، ولو في حدود، إذا اعتمدت صيغة أخرى. ولما كانت مواضع الربح والخسارة معلومة سلفاً في كلّ حالة فإن التوافق على صيغة، مهما تكن، يضحي أمراً عويصاً للغاية. وذلك أن هذه الصيغة المرتجاة يجب أن تؤمن “الربح للجميع” على غرار ما كان يحصل في برنامج تلفزيوني فرنسي للأطفال كان يدعى “مدرسة الأنصار”. و”الربح للجميع” يمكن العثور على صيغة تتيحه في اللَعِب ويتعذّر ذلك في الانتخابات.
ولا يصعب استقراء صور اتّخذتها هذه العقدة في المواقف التي توزّعت بينها قوى الطوائف أثناء الجدل الذي شهدته الأشهر القليلة الفائتة بصدد القانون الانتخابي. فإن ما أبداه التيار الحريري والحزب الجنبلاطي من معارضة للقاعدة النسبية يجد تفسيره الواضح في كون هاتين الجماعتين الغالبتين في دوائرهما لا تريدان من يقاسمهما مقاعدها. هذا فيما تبلغ قوة الثنائي الشيعي مبلغاً يبيح له قبول النسبية من غير أن يتكبّد خسارة تذكر لصالح الأقليّات المتناثرة في مناطقه. وأما الأحزاب المسيحية الكبيرة فيسعها أن تتوقّع، إذ تخوض الانتخابات بعضها في مواجهة بعض، نوعاً من التعادل التقريبي بين الربح والخسارة تأتي به القاعدة النسبية لكل منها. وهذا مع العلم أن هذه الأحزاب تمثّل استثناءً، وإن يكن محدوداً، إذ تشيل حظوظها وتحطّ أكثر من غيرها بحسب المزاج الناخب ويبرز نوع من الصعوبة في توقّع الأنصبة التي قد يحصل عليها كلّ منها في الكتل الناخبة المسيحية.
يزيد من تلك الصعوبة (وهي نسبية) أن هذه الأحزاب، على كونها مسيحية، هي، على التقريب، الوحيدة الباقية على شيء من التعدّد الطائفي. فلا ننسَ أننا اعتدنا في الأعوام الأخيرة أن نميل عند ذكر المسيحيين إلى تناسي كون هؤلاء دستةَ طوائف لا طائفةً واحدة. وذاك أن شعورهم بما طرأ على المكانة التي كانوا يحتلونها من تراجع على غير صعيد، في ظروف الحرب وبعدها، نحا إلى تمويه الفواصل السياسية بين طوائفهم وإلى جعلهم يبدون وكأنهم طائفة واحدة. وهذا ظاهر له وجاهته ولكنه يصبح مخاتلاً، شيئاً ما، حين يتعلق الأمر بالسلوك الانتخابي.
في الصدد نفسه، يتّضح معنى معارضة النواب المستقلين عن الأحزاب من المسيحيين لقانون اللقاء الأرثوذكسي: أي للدائرة الواحدة والقاعدة النسبية ولاستواء كل من الطوائف هيئة ناخبة منفصلة. فإن هذا المشروع يجعل مصير النوّاب المشار إليهم أشدّ تبعية للأحزاب المتحكمة بطوائفهم ويفتح الباب لها للاستغناء عن بعضهم إذا شاءت. وهو يحكم عليهم، فوق ذلك، بخسارة من كان يؤيدهم من الطوائف الأخرى في دوائرهم. وهذا تأييد أخذ يصبح في المرحلة الأخيرة أكثر تحسساً لإرادة الأحزاب الرئيسة لهذه الطوائف وقياداتها.
على أن الأمر الأهم، منذ 2005 على الأقلّ، يبدو حساب الأكثرية والأقلية العامتين في مجلس النواب. فهو يعلو، بمعنىً ما، على حساب الأنصبة التي يُحتمل أن ينالها الأفرقاء كلّ على حدة. لذا تجد بعض القوى الطائفية الكبيرة نفسها محمولة، بما يشبه الإيثار غير المالوف في السلوك الانتخابي، على مدراة ما يراه هذا أو ذاك من حلفائها الثابتين مصلحة له. وهي تقبل هذه المدارة لتحصل، في الحساب العام، على أكثرية، تؤمّن لها، لا الوصول إلى الحكم وحسب، بل تصدّر الحكم والتحكّم به إلى أقصى حدّ متاح.
هذا الاستعصاء الذي يحول اليوم دون الاتفاق على قانون للانتخاب ترضى به القوى الطائفية الكبيرة، كان يجد له حلاً في العهد السوري هو ما تمليه إرادة الحكَم صاحب السلطان. وقبل مرحلة الحرب، كان اختيار صيغة لقانون الانتخابات يقع في يد رئيس الجمهورية ويمثّل مظهراً رئيساً من مظاهر قبضه  على مقاليد التحكيم، في البلاد، وسبيلاً إلى هذا القبض. وقد كان إفراط الرئيس في ممارسته هذه السلطة، في بعض الدورات، واحداً من عوامل أفضت إلى خلل كبير في الوضع السياسي العامّ في البلاد. ثم أصبحت هذه الممارسة متعذّرة بعد الحرب وأخذ يباشرها، على ما سبقت الإشارة إليه، المفوّض السامي السوري. وحين رحل هذا الأخير، لم تعد سلطة التحكيم إلى يد الرئاسة الأولى. فإن عودتها باتت محالاً، لا بحكم الدستور وحده (وهو يقبل التعديل)، بل بحكم ملازمة الصفة الطائفية للرئاسات الثلاث، أوّلاً، وما باتت تمثّله هذه الصفة، بعد الحرب، من تثليث أو تربيع طائفي، رجراجٍ وغير مؤسّسي، معلنٍ أو مكتوم، للسلطات كلها.
وفي انتخابات 2005 التي تبعت خروج القوّات السورية من البلاد مباشرة، اعتُمد في ذروة الاستقطاب بين التكتلين الشهيرين علاجٌ عجيب هو الحلف الرباعي الذي عامل هذين التكتلين وكأنهما غير موجودين في الانتخابات. كانت لا تزال توجد، إذ ذاك، جسورٌ في المجال الإقليمي تبيح، وإن تكن مهتزّة، سلوكَ مثل هذا المخرج.  وفي سنة 2009، جرى الارتداد إلى ما يسمّى “قانون الستين” بفعل إرادة خارجية جامعة مثّلها مؤتمر الدوحة. هذه الإرادة هي التي تبدو اليوم عزيزة المنال جداً، في ظرف الصراع في سورية والصراع عليها. فيبدو أطراف الساحة اللبنانية أهون شأناً وأضيق حيلة من أن يقووا على اتّخاذ قرار بمفردهم في شأن يفترض، في المبدإ، ألا يخصّ سواهم. هذا كله لا يحمل على التفاؤل بخير لمستقبل المؤسسات السياسية في البلاد. ولا نقول شيئاً الآن عن مستقبل البلاد نفسها دولةً ونظاماً.

– See more at: http://www.almodon.com/opinion/2013/4/4/%d9%85%d8%b9%d8%b6%d9%84%d8%a9-%d9%82%d8%a7%d9%86%d9%88%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%86%d8%aa%d8%ae%d8%a7%d8%a8#sthash.WGJRPOYv.dpuf