في كُلْفة النقد الذاتي

أحمد بيضون

في كثير من بلاد العالم، يُعتبر شهرُ نيسان/ابريل شهر الكذب. في لبنان، أصبح نيسان، في العقود الأخيرة، شهر التوبة. عند إمعان النظر، يتبين أن التفارق بين اللبنانيين وسواهم ليس مؤكّداً لهذه الجهة، ليس مؤكّداً أن توبة التائبين في بلادنا هذه ليست توبة كاذبة.
عمَّ يعلن اللبنانيون توبتهم؟ يقولون إنهم تابوا عن الحرب الأهلية. ويتّخذون مناسبة لهذا الإعلان ‘عيد’ ميلاد حربهم الضروس الفائتة وهو الثالث عشر من نيسان/ابريل. ففي هذا اليوم من سنة 1975، وقعت حادثة اغتيال في ضاحية بيروت ثم حصل الردّ عليها بمجزرة كبيرة. بعد ذلك… كان ما كان مما لست اذكره…
يعلن لبنانيون كانوا قد بلغوا السنّ المناسبة للقتال في غضون تلك الحرب وولغوا في فظائعها أنهم نادمون على خوضهم إياها، وأنهم لن يعودوا إلى مثلها أبداً. ويعلن لبنانيون آخرون من الذين بلغوا أشُدّهم بعد انتهاء الحرب، أنهم سيقاومون العودة إلى ما يشبهها من قريب أو من بعيد. وفي الكثرة الكاثرة من الحالات، يمتنع التوّابون هؤلاء، إن كانوا من الذين شهدوا فصولاً من الحرب، عن استرجاع ما فعلوه معيّناً بما يناسبه من أسماءٍ وأوصاف ويمتنعون، على الأخصّ، عن البحث في ما دعاهم إلى فعله. وأما الشبّان فيبقى تعهّدهم اجتناب الحرب الأهلية، باعتبارها رِجْساً، تعهّداً مبدئياً أيضاً: إذ هم لا يضعون هذا التعهّد على محكّ موقعهم في السياسة وما يمليه من مواقف وما يستجرّه الموقع والمواقف من ردودٍ ينبغي النظر فيما إذا كان القتل والقتال الأهليّان واردَين بين احتمالاتها.
في حالتي الشِيب والشبّان، إذن، تأتي التوبة مجْمَلةً لا تدخل في التفاصيل، أي في ما كان حاصلاً وما هو ممكن الحصول حسّياً. هي تختار الانقطاع عن صورة الواقع أو المساق السياسي، في الماضي والحاضر، مؤْثرةً التحليق فوق الصورة زاعمة، ضمناً أو صراحة، أنها قادرة على ضمان الوفاء من جهتها بعهد المسلك السلمي، أيّاً يكن ما يسفر عنه المستقبل من تحدّيات. هكذا يسعى التوّابون أن يكتفوا، في أكثر الحالات، بإشارات عارضة تفيد التوبة، تَرِد في معرِض كلامٍ آخر واشيةً بالاستنكاف عن اعتبار النقد الذاتي همّاً قائماً برأسه له قواعدَ وأصولٍ إن لم يَرْعها لم تَقُم له قائمة وعُدّ غِشّاً للشاهدين.
في ساحة الواقع، كان القول في السنوات الأولى التي تبعت الحرب أن خروجنا منها لا يكون ناجزاً إن لم نعالج مصادرها في تكوين النظام السياسي-الاجتماعي وفي ممارسة السياسة. وكان مؤدّى هذا الكلام الاعتقادُ أننا خرجنا منها ولكنه خروج غير مضمون المصير. في العقد الأخير تغيّرت حالنا: فقد أخذ يرجح أن لنا مع العودة إلى الحرب ميعاداً قد يكون قريباً وأن بين الذين يزعمون استبعاد هذه العودة من بين رغباتهم من يحثّ الخطى بالبلاد نحو أفق لا يلوح فيه غير الحرب.
في كلّ حال، يشير أدنى تذكّرٍ لِما أفضى إلى الحرب اللبنانية ولِما كانته هذه الأخيرة، على الفور، إلى أسئلةٍ موجعة جدّاً لا يسع مُزاولَ النقد الذاتي أن ينحّيها جانباً:
هل كان جائزاً للقوى السياسية المنسوبة إلى المسيحيين أن تَسدّ المسالكَ إلى ما كانت مراجعُ مسلمةٌ ذات وزن تسمّيه ‘المشاركة’، أي إلى إعادة نظر جادّة في موازين السلطة تتبع ما كان المجتمع قد شهده من تحوّلات في موازين طائفية أخرى؟ هل كان جائزاً للقوى السياسية المنسوبة إلى المسلمين أن تعتبر المنظّمات الفلسطينية المسلّحة جيشاً لها وأن تغلّ يد الدولة عن مواجهة النشاط الفدائي على حدود البلاد الجنوبية وعن الحؤول دون تحويل المخيمات الفلسطينية وغيرها من نواحٍ قريبة أو بعيدة إلى قواعد محرّمة على قوى الدولة؟ هل كان جائزاً لما سمّي ‘القوى الوطنية’ من يسارٍ وغيره أن تواجه بالسلاح لبنانيين آخرين مبادِرةً بمقاتليها إلى هذه المواجهة أو مؤازِرةً فيها منظّمات الفلسطينيين، قاصدة المستهدفين إلى ديارهم في بعض الحالات، باعتبارها مواقع ‘إستراتيجية’ لا دياراً لمواطنين في الوطن نفسه؟
هل كان يجوز لقادة المسيحيين أن يدعوا حاكم سوريا إلى مواجهة المنظمات الفلسطينية وحليفتها اللبنانية، بالنيابة عنهم وهو ما أورث احتلالاً سورياً للبلاد لم ينفع الانقلاب المسيحي عليه في وضع حدّ له؟ هل كان يجوز لهؤلاء القادة من المسيحيين أنفسهم أن يواجهوا العمل المسلّح الفلسطيني بطلب النجدة من إسرائيل مؤازرين احتلالها شطراً من الجنوب في سنة 1978 ثم اجتياحها نصفَ البلاد وعاصمتَها سنة 1982 وما تخلّل ذلك من مجازر ودمار فظيعين؟
هل كان للتنظيم الشيعي الأكبر في الثمانينات أن يستحيل أداةً للحاكم السوري فيخوضَ لحسابه حرب المخيمات السيّئةَ المنظرِ والمَخْبَرِ ويَقْمعَ ابتغاءَ رضاه حلفاءَ الفلسطينيين من المقاتلين السنّة ويقتسم مع التنظيم الدرزي نصفَ بيروت الغربي بعد أن يُخرج منها الجيش اللبناني؟ هل كان يجوز التهجيرُ المتبادل بين الجماعات في الساحل والجبل والقتلُ بحسب الهوية الطائقية ونهبُ الأحياء والقرى وتركُها قاعاً صفصفاً لعلّةِ الاختلاف الطائفي؟
ليس هذا سوى غيضٍ من فيضِ الأسئلة الجارحة، التي يتعيّن على كلّ تائب عن الحرب الأهلية أن يتجشّم عناء الإجابة عنها. فإذا وصلنا إلى الحاضر وَقَعْنا على أسئلةٍ تختلف فيها أسماءُ الأطراف والمواقع، أحياناً، وتختلف عناوينُ المسائل ولكنها من الصنف الموجع أيضاً. ولنَكْتَفِ بسؤالٍ واحد جامع: هل يجوز للقوى السياسية الرئيسة في البلاد أن تجعل مواردها، على اختلاف المجالات، موزّعة بين مصادر خارجية متعادية تشتري بالدعم الولاءَ السياسي وتفترض الطاعة وإجراءَ ما تقتضيه في الداخل أو في الخارج مصلحةُ كلّ منها في مواجهة الآخر؟
فيا له من كذبٍ أن يعلن المرء توبةً عن الحرب الأهلية ويبقى موالياً لما يجعل الحرب أمراً مرجّحاً أو قَدَراً محتوماً: ممالئاً له أو ضالعاً فيه.
نيسان باقٍ على حاله إذن: في لبنان وفي غيره!

‘نوح’ ومُشْكِل البراءة

أحمد بيضون

يحظى جمهور السينما في بيروت، هذه الأيام، بمشاهدة ‘نوح’، فيلم دارن آرونوفسكي الضخم. مُنِع الفيلم في البلاد العربية الأخرى وتقدّم الأزهر الصفوف مستعيداً الحجّة القائلة إنه يجوز لنا النظر إلى صور الحكّام والمُفْتين ولكن يَحْرُم علينا تمثيل الأنبياء في صُوَر. في لبنان، تحاشت الرقابة الحَرَج بسطرين على الشاشة يسبقان انطلاق العرض ومفادهما أن الفيلم يروي قصةً ‘تاريخية’ لا علاقة لها بالعقيدة الإسلامية. فظهر أن مرجعيةً مسلمة (أو أكثر من واحدة) هي التي شاءت أن تستبعد تبنّيها القصّة بالصيغة التي اعتمدها (أو ابتكرها) الفيلم. هذا فيما بقي الموقف المسيحي، في صيغته اللبنانية، مكتوماً.
والحال أنه لا يوجد ما هو مجانب للواقع مجانبةَ وصف هذا الفيلم بالقصة ‘التاريخية’. فحتى تاريخه، لم يعثر فوق جبل أرارات على بقية لسفينة نوح التي بناها عمالقة كانوا ملائكة عوقبوا بالتحجّر. وكان لهذه البقية، لو وجدت، أو لما يقوم مقامها، أن تستوي وثيقةً تسند نسبة هذا النبي وقصّته إلى ‘التاريخ’، بالمعنى المعلوم لهذا الضرب من المعرفة. لا تزال القصّة إذن قصّة دينية مائة في المائة. وإذا جاز أن يداخلها بعض الخيال فإن تصديقها يبقى مسنداً إلى الإيمان لا إلى دليل حسّي يصحّ وصفه بـ’التاريخي’.
ولكن ما لنا وللبحث في مبلغ التبحّر الذي بلغه الأمن العامّ اللبناني في أصول المعرفة التاريخية. فإن ثمّة في الفيلم نفسه ما يستبعد الرجوع إلى التاريخ بما هو وقائع موقوتة أي مقترنة بزمن. وفيه ابتعادٌ بيّنٌ أيضاً عن قصّة هذا النبي في الصيغة التي أوردها العهد القديم. بل إنه يمكن القول في ما يتخطّى كلّ مفارقة أن الافتراق المتعمّد عن معالم النصّ التوراتي جاء مزكّياً لنوع من التحليق عبر التاريخ مبتغياً تمكين القصة السينمائية من الدخول في مواجهة شفّافة لمشكلات قائمة في عالمنا المعاصر.
أو ان الأصحّ أن نرى الصفة المعاصرة لهذه المواجهة ممكنة، على وجه التحديد، بسبب فرضية رئيسة استقاها الفيلم من مصدره الديني: تلك هي الفرضية القائلة بوجود مشكلات غير محدودة الوجود بزمن، وذلك لتأصّلها في حال الدنيا والبشر تأصّلاً تتبدّل صيغه من زمن أو مكان إلى غيره ولكنّه يبقى عصيّاً على البطلان. هذه المشكلات، في حالة الفيلم، هي مشكلات الشرّ المقيم في نفوس البشر وما يتبعه من خطيئة وما يبدو مستثنى منه من حالات البراءة وما يفترضه هذا الاستثناء من اختلاف في معاملة السماء للأبرياء بحيث لا يؤخذون بجريرة الأشرار الخطأة. حتى إذا بدا أن المعاملة بقيت واحدة على الرغم من اختلاف الحالات، طُرح السؤال الكبير المتعلّق بإمكان وجود الشرّ، لا في نفوس البشر وحدها، بل في نظام العالم بعمومه.
ولعلّ هذه القابلية لاستخراج أسئلة تقع في ما يتعدّى التاريخ هي ما جعلني، وأنا أشاهد فيلم آرونوفسكي، أفطن إلى ‘الطاعون’، رواية ألبير كامو، وإلى مشهد منها، على وجه التحديد، هو ذاك الذي ينفجر فيه الطبيب ريو في وجه الكاهن بانيلو وهما يشهدان معاً موت طفل القاضي أوتون بالوباء، بعد عذاب مهول… يصرخ الطبيب في وجه الكاهن الذي كان محمولاً بإيمانه على اعتبار الطاعون عقاباً إلهياً لخطايا المدينة:
‘هذا، على الأقلّ، كان بريئاً. أنت تعلم ذلك حقّ العلم’.
أمكن إذن أن أَسْبَح ألوفاً من الأعوام لا يعلم عددها أحد: بين طوفان نوح الذي هو أصلٌ جديد للخليقة كلّها وطاعون وهران الذي يتخيله كامو في أربعينات القرن العشرين (أي في أعوام الحرب العالمية). فالواقع أن المسألة التي تنعقد حولها عمارة الفيلم كلّها إنما هي مسألة البراءة التي تلقي بظلّها على وجاهة العقوبة المنزلة بأبناء قايين، أي بمعاصري نوح جميعاً من جنس البشر: وهي عقوبة الطوفان الذي يجهز على بشرية ذلك الوقت برمّتها.
والبراءة التي يمثّلها الطفل الميت في رواية كامو يمثّلها في فيلم آرونوفسكي شخص ‘نائل’، الصبية المنتمية إلى شعب الأشرار والتي أغرم بها حام بن نوح وحاول أن يبلغ بها أمان السفينة ولكن والده حال بينه وبين تحقيق بغيته. ذاك ما حمل حاماً، وهو في غمرة النقمة على أبيه، على الضلوع إلى حين… في مؤامرة لقتل هذا الأخير أعدّها ملك الأشرار الذي تمكّن من التسلل، وهو جريح، والاختباء في السفينة.
كان نوح مصمّماً على تنفيذ خطّة الخالق القاضية بالإبقاء على الحيوانات وحدها لعلّة براءتها وبوضع حدّ لوجود البشر بعد أن أفسدوا الأرض وبجعل نوح وأبنائه آخر من يبقى على البسيطة من هذا الجنس إذ يمتنع عليهم أن يتناسلوا. وكان الصدوع بهذه الإرادة يقضي ألا تدخل السفينة امرأة يسعها أن تلد. فاقتُصِر الأمر، لهذه الجهة، على امرأة نوح وعلى صاحبة ابنه سام وهي فتاة كانت العائلة قد تبنّتها بعد أن عثرت عليها مصابةً بجرح حكم عليها بالعقم.
والحقّ أن امتناع التناسل هذا على عائلة نوح وبقاءَ اثنين من أبنائه الثلاثة بلا نساء والثالث مع امرأة عاقر إنما هي تفاصيل نقع عليها في الفيلم ولا نقع لها على أثر ولا عين في نصّ العهد القديم. بل إن هذا النص يشير، بخلاف ذلك، إلى دخول نسوة بني نوح السفينة مع أزواجهن وهو بطبيعة الحال ما أتاح تجدّد البشرية بعد الطوفان.
عوض الأخذ بالحلّ التوراتي هذا، تُشفى الصبية العاقر في الفيلم وتحمل من سامٍ بن نوح. وهو ما يضع نوحاً أمام مشكل البراءة على نحوٍ أشدّ فظاعة هذه المرّة. فهو يقرّر أنه إن وضعت امرأة ابنه ذكراً فلن يكون ثمة بأس في تركه يكبر ويموت على غرار كلّ حيّ. فلا تكون إرادة الخالق قد عُصيت لأن هذا الوليد لن يتناسل بدوره. وأما إذا كانت المولودة أنثى فسيكون على نوح قتلها. والحال أن امرأة سام تضع أنثيين لا واحدة. وفيما يرى حام ويافث المستوحدان أن الخالق أرسل إليهما طلبتهما، يدرك نوح الوليدتين شاهراً سكينه ليقتلهما وهما بين ذراعي أمهما. هذا المشهد الرهيب ينتهي إلى عجز نوح الذي تدركه الرقّة عن إنفاذ الإرادة الإلهية هذه المرّة… وحين تنحسر مياه الطوفان ينصب الخالق قوسَ قزح علامةَ رضاً منه وأَمارة عهد جديد يعقده مع بني الإنسان متخلّياً عن رغبته في إفنائهم. فيسع نوحاً أن يدعو أولاده إلى التكاثر والانتشار في الأرض.
هي البراءة إذن. يفلح الحبّ أو الرحمة في الكشف عنها حيث توجد وفي نصبها ضدّاً للشر المنتشر ومانعاً، على الأخصّ، من شمول الجماعة كلّها بالخطيئة دون رويّة أو تمييز. في آخر مطافه، يبدو هذا الفيلم عمل رفض للعنف المعمّم الذي يُحْمَل على أنه استجابة لإرادة أو لقيمة عليا وتمثّله، في عالمنا، حملات الفتك الاستبدادية والحروب. تُكْتشف البراءة حين يقرُب العنف من أقرب البشر إلى القيّم عليه: من حفيدتي نوحٍ ههنا أو من ابن إبراهيم في فصل لاحق من الكتاب نفسه. ولكن هذا القرب لا يعدو أن يكون ذريعةً لاكتشاف البراءة وهو لا يستنفدها ولا يُبْطِل ضرورة البحث عنها حيث توجد بل يشير إلى هذه الضرورة.
والحال أن هذاالفيلم مليء بإشارات إلى عالمنا الحاضر، بما فيه من عنفٍ وتمييز يضربان الجماعات بلا تمييز بين أفرادها. ويركب بعض هذه الإشارات مركب المزاح. هكذا نرى جدّ نوح العجوز يعرض على مُجالسيه مشاركتَه كأساً من الشاي! ولا ينقص النكتة، بما تعلنه من مغايرة للزمن، إلا أن يسألهم هل يفضّلون تويننغ أم لبتون؟
‘ كاتب لبناني

إقرأ…

أحمد بيضون

بات معتادأً في جلسات البيوت أو المقاهي فتح المناظرة بين أنصار الكتاب أو الجريدة الورقية وأنصار القراءة على الشاشة. يشبه هذا ما يستدعيه الزجّالون في ندواتهم من أشياءٍ ينشئون بينها علاقةَ ضدّيةٍ ويروح أحدهم يشيد بواحد من الضدّين وينتقد الآخر فيما يشيد خصمه بالآخر ويحمل على الأوّل. من ذلك اقتراح مناظرةٍ بين القلب والعين علق بذاكرتي من زمنٍ قديم:
ما بين قَلْبْ وعَيْنْ نَقّي من التْنَيْنْ / اللي بتعجبكْ والتانيي سِيبا إلي!
يشدّد أنصار الورق على ما تجلبه العلاقة به من متعة حسّية: على ملمسه وحتّى على رائحته ويذكرون مقام الكتاب بما هو ‘جليس′، على قول المتنبّي، أو بما هو مقتنىً تتّصل به قيم عظيمة عمرها قرون. الصحيفة الورقية أيضاً رفيقة طقوس تُسْهم في تعيين موقع لمن يعتادها في الجماعة. وأما المسلّمون بسيادةٍ لا رجعة عنها للحواسيب، على أنواعها، فيدافعون عن طاعتهم للمدّ الجارف بذكر مزايا ذات طبيعة عملية للمادّة الرقمية لم تكن متاحة لسلَفها الورقي. من ذلك إمكان التنقّل بمكتبة فيها ألوف الكتب ومعها أشرطة وصور وتسجيلات شتى ومداخل إلى عدد لا يحصى من الصحف بلغات شتى وإلى محطات الإذاعة والتلفزة أيضاً وإلى شبكات ومواقع وصفحاتٍ لا تحصر، وهذا كله على حاسوب لوحيّ لا تتجاوز زنته بضع مئات من الغرامات.
وينوّه أنصار المقروء الافتراضيّ، على الخصوص، بوظيفة البحث التي تتيح للقارئ أن يحصر، في الموقع الواحد أو في المواقع كلّها، ما ينفعه، مهملاً النظر في ما لا ينفعه ومقتصداُ ما كان يصرفه من وقت في التقليب المحموم لصفحات الكتاب أو لأعداد المجلّة مثلاً وهو لا يحتاج منها كلّها إلا إلى فقرة أو جملة. وهذا إذا لم يفته كلّ ما يحتاج إليه أو جلّه وهو يسرع في التصفّح وإن لم تلجئه الضرورة إلى معاودة الكرّة. وأما وظيفة البحث الحاسوبية فتجد له ما يحتاج إليه من المطبوعة، كثيراً كان أم قليلاً وتنجز له بأجزاء من الثانية ما كان سيستغرق منه ساعاتٍ أو أيّاماً. وإلى البحث تضاف القدرة على نقل ما يلزم وجمعه في موضعٍ واحد وتنسيقه بحسب المرغوب…، إلخ. هذا كلّه لم تكن تتيح ما يدانيه الكتب المتقنة التأليف، المزوّدة فهارسَ مختلفة ومكتباتِ بحثٍ جامعة.
من هذا يبدو أنصار الشاشة وكأنهم يتوفّرون على مزايا عمليّة يستطيعون الاستفاضة في عرضها، فيما لا يجد أنصار الورق سوى مشاعر يمكن حشرها كلّها في خانة الحنين تسويغاً لوفائهم لما يصطفّ على الرفوف أو يتراكم فوق المكاتب. ويزيد موقع الورقيين ضعفاً أن تقدّمهم الغالب في السنّ يُظهرهم وكأنّهم صائرون إلى الانقراض. فإن أكثر هؤلاء، بطبيعة الحال، هم ممن جاوزوا سنّ الثلاثين بكثير أو قليل فعرفوا عالماً كان الورق فيه سيّد الساحة واتخذوه عالماً لهم إذ لم يجدوا في متناولهم سواه. هذا فيما يجنح الشباب ناهيك بالأطفال إلى ملازمة الشاشة ولوحة المفاتيح ويسلسون لهما قيادهم إلى حدّ يجعل ملمس الورق يوغل في غربة متزايدة عن عوالمهم. فيظهر أن الافتراضي بات قاب قوسين من وراثة أرض الواقع ومن عليها.
هل يصحّ فعلاً اختتام البحث بالملاحظة القائلة إن لما تعرضه الشاشات مزايا عملية يقصّر دونها الورق؟ أم أن ثمّة بين الطريقتين فوارق تتناول فعل القراءة نفسه فتجعل معناه ومؤدّاه مختلفين بين حالة وحالة اختلافاً يصل إلى طبيعة القراءة نفسها. هل نفعل الشيء نفسه حين نقرأ كتاباً على الشاشة وحين نقرأه في حلّته الورقية؟
الراجح أن الجواب عن هذا السؤال يصحّ بالإيجاب حين يتعلّق الأمر بكتاب واحد محدّد. ولكن يظهر أن الأمر يمسي مختلفاً جدّاً حين ننظر في المعنى العامّ للقراءة على النحو الذي يشكّلها فيه المعروض الافتراضي بعمومه ونقارنه بذاك الذي تشكّله المكتبة الورقية. فإن ثمّة تعمّداً في اختيار المطبوعة، كتاباً كانت أم صحيفة، ينطوي على رغبة في المغامرة تأتي مكتفية بضوابط تقريبية جدّاً منها، على سبيل المثال، المعرفة السابقة بالمؤلّف أو المتابعة المعتادة للصحيفة. في ما يتعدّى هذه المزكّيات للاختيار يترك القارئ نفسه لما تحمله إليه المطبوعة مستنفراً ملَكةَ انتباهٍ عوّدها الإصغاء، مكتفياً من الأسئلة بأعمّها: ما الأخبار اليوم؟ ما رأي فلان في ما جرى هناك؟ ما جديد هذا المؤلّف بالمقارنة مع ما هو مأثور عنه؟ إلخ. الذهن المفتوح للمنتظَر ولغيره والصبر… الصبر، خصوصاً، والتفكّر هي ما يميّز المقاربة المنتظرة من قارئ المطبوعة الورقية.
الشاشة، والشبكة وراءها، شيء مختلفٌ جدّاً والمستغرق في عوالمهما بشريّ مختلف جدّاً. عادةً يدخل المستطلع مجاهل الشبكة العنكبوتية ومفتاحه إليها سؤال قد يكون اسماً علماً أو كلمة أخرى. فقد أصبحنا حين يشكل علينا أمرٌ من الأمور لا نقوم إلى مجلّد على رفّ قريب ولا إلى آخر أبعد منالاً في مكتبة الجامعة بل نبثّ شكوانا إلى آية الله غوغل الذي يوافينا بلا انتظار بما يفيض كثيراً عن الحاجة وما هو جدير بالتقدير والشكر وما هو حريّ بإثارة الشك أو الإنكار في نفوس العارفين. معنى هذا أن معاملتنا الأساسية للشبكة توحي باعتبارنا إياها قاموساً عرمرماً أو موسوعة بلا ضفاف. هذه الشساعة نفسها تملي تضييقاً متصاعداً لنطاق المطلوب يفرض مزيداً من التحديد لما نختار قراءته ضنّاً بالوقت. ولكن الوصول بهذا التحديد إلى مدىً مناسب قد يقتضي هو نفسه وقتاً غير قليل نمضيه في ما يشبه التجربة والخطأ. في كلّ حالٍ، تغلب ههنا صيغة العلاقة المألوفة بالقاموس أو الموسوعة على تلك المألوفة بأنواعٍ أخرى من الكتب: بالعمل الفلسفي، مثلاُ، أو بالرواية.
غير أن التضييق المشار إليه يستحيل غرقاً وتخبطاً في خضمّ هائج حين نترك استطلاع الشبكة ما عندها من أجوبة عن سؤال محدّد إلى نوعٍ آخر من التصفّح هو ذاك الذي يمليه علينا اقتناؤنا بريداً الكترونياً أو صفحة في الفيسبوك أو في غيره من شبكات ‘التواصل’. إذ ذاك نجد انفسنا عرضة لمسالك في المغامرة أكثر تشعّباً بكثير من تلك التي يعرّضنا لها كتاب مختار أو صحيفة مألوفة. فما من منطق يضبط ما يمكن أن يحمله إلينا البريد، وبعضه مرفقات فيها كلام مستفيض أو فيها أصوات وصور تترى بغثها الكثير وسمينها القليل ونراها تقتنص وقتنا، أحياناً، بلا طلب منا ولا قرار اتخذناه. ومثل هذا وأكثر منه يقال عمّا يحمله الفيسبوك، مثلاً. فها هنا لا تني تتفاقم ورطة المتصفّح وهو يعاني تدفّقاً بلا آخر لموادّ لايسأل رأيه في وصولها إليه، يستوقفه بعضها وكثيراً ما يندم لأنه ترك لها أن تستوقفه. ولعلّ أحسن خلاصة للشعور بهذه الورطة قول ذلك الفسبوكي المفجوع بوقته: ‘العمر بيخلص والـنيوز فيد ما بيخلص’.
على أن أجدر ما في هذا كلّه بالانتباه هو أن غزارة العرض تجعل المتصفح لا يمضي في قراءة مادّة (أو في سماعها أومشاهدتها) إلى آخرها. بل هو لا يزال يتقلّب وهو يقلّب فيكاد لا يستقرّ لانتباهه ولا لذاكرته قرار ولا يخرج ممّا يسمّى’الإبحار’ إلا بصيدٍ لا يسمن. فالقراءة هنا ترسي عادة التجوّل البصري بين أطراف النص بحثاً عن ‘زبدة’ مفترضة للمادّة واسترشاداً بألفاظ- مفاتيح. و يكون المطلوب عادة أن يخلص المتصفّح، على جناح السرعة القصوى، من المادّة إلى ما يليها.
ذاك ما يحمل، في الواقع، على إعادة النظر في أفضلية المقروء الافتراضي الذي نؤخذ بما يكال له من مديح يبدو واضح الأسانيد. فالحال أن النظر المتأني ينتهي، في ما يتعدّى التسليم بالتفوّق ‘النفعي’ لذاك المقروء، إلى الطعن بهذا الوضوح. من ذلك أن باحثين أمريكيين وجدوا أن ألفتنا الشاشة والشبكة أخذت تغيّر دماغنا نفسه، فنصل من ذلك إلى وقت تصبح فيه قراءة رواية، مثلاً، أمراً يفوق طاقتنا العقلية.

بيروت في 11 نيسان 2014
‘كاتب لبناني