«مذكّرات أمير مُبْعَد»

أحمد بيضون

في وسط الكتاب غير المسبوق الذي نشره، قبل أسابيع، الأمير هشام العلوي ابن عمّ ملك المغرب الحالي، يذكر المؤلّف أمراً بعينه يوضح أنه فهمه بعد حديث مع عمّه الحسن الثاني جرى في وقتٍ ما من تسعينات القرن الماضي. وذاك أن النظام الملكي في المغرب يمزج مزجاً جوهرياً ما هو ديني وما هو عائلي وما هو سياسي فيجعل من هذا الثالوث أقانيمَ متحدةً ومنفصلة في آن. والحقّ أن هذا المزج يخترق الكتاب من أوّله إلى آخره ملقياً ما يكفي من الضوء على سيرة هذا الأمير التي يتحكّم فيها تنازع بدأ باكراً بين شخصه الآخذ في التكوّن وبين مقتضيات منبته. وهو تنازعٌ أدخل الأمير في مواجهة استغرقت معظم حياته حتى الآن وبقيت لا تعرف المهادنة مع مَلِكين تباعاً هما عمّه وابن عمّه. تلك مواجهة اختلفت طبيعتها من الملك السابق إلى الملك الحالي وجعلت نفَس الكتاب يتغيّر كثيراً تبعاً لهذا الاختلاف فينقسم عمليّاً إلى نصفين تهيمن على كلّ منهما شبكة من الهموم والمشاغل مغايرة لتلك التي تفرض نفسها على النصف الآخر.
فمع أن الشأن المغربي العام يحضر باكراً في مبادرات الأمير المولود سنة 1964 وأحاديثه، فإن سيرته مع الحسن الثاني تبقى، من حيث الأساس، سيرة تحرّر شخصي من القبضة التي يطبقها هذا الملك الجبّار على حياة ابن أخيه حيثما وُجِد. هذا الإطباق فرعٌ، بدوره، من تحكّم الملك، بما هو رأس العشيرة، بأخيه عبد الله، حتى وفاة هذا الأخير، وبأسرة أخيه كلّها، زوجة وأولاداً. والزوجة هي اللبنانية لمياء، ثانية بنات رياض الصلح الخمس، والأولاد صبيّان وبنتٌ بكرهم «مولاي هشام».
في هذا الصدد، يكشف هشام العلوي، بإقدام عزيز النظير، صوراً من حياة البلاط الحَسَني تكاد لا تبقي ستراً على شيء أو أحد. فالملك جادّ في إفساد أخيه وإضعافه إذ هو يخشى تفلّت عبد الله من سلطانه ويتوجّس من بعض القنوات المفتوحة بين هذا الأخير وشخصيات من المعارضة. ولا يستثنى من وسائل الإفساد توجيه الملك أخاه نحو إدمان الخمرة ولا تسهيل ميله إلى الجري وراء نساء مشوبات السيرة بتيسير خروجه من القصر بلا علمٍ من زوجته. حتى أن لمياء الصلح تضطرّ إلى بذل جهود حثيثة معقّدة لإبعاد اثنين من قوّادي البلاط عن القصر في سعيها لاسترداد زوجها إلى بيته. في قصر «أمير المؤمنين» الذي لا يفوته فرض صلاة قوّادون إذن. وفيه «مجانين» يسرّي الملك عن نفسه بتوجّههم إليه بضروب من الكلام والتصرّف لا يُتوجّه بمثلها إلى الملوك. وهي ما يمنح الملك فرصة التحرّر الطوعي للحظة من استواء وجهه قناعاً يفرضه عليه موقعه. وهذا تحرّر يقبض الملك على مقاليده ويرسم له حدّه ومدّته سلفاً. في البلاط حكواتيون أيضاً كانوا لا يزالون مقيمين فيه بعد وصول التلفزة إليه.
هذا وفي القصر «وزير» مكلّف إحصاء أنفاس العباد ووقف كلّ امرئ عند حدّه إن لم يكن بالقمع فبالإفساد. بالقمع الذي بلغ ذرىً مهولة في المرحلة الوسطى من عهد الحسن الثاني المديد، أي في أعقاب محاولتي الانقلاب اللتين قاد أولاهما، في مطلع السبعينات، الجنرال مدبوح، أحد كبار القادة العسكريين، وقاد الثانية، في العام التالي، «وزير» الملك نفسه، أي رأس معاونيه وأقربهم إليه، الجنرال أوفقير. تلك مرحلةٌ أصبح رمزاً لاحقاً لها سجن تزمامرت الرهيب في جنوب البلاد… بالقمع إذن… أو بالإفساد الذي هو الوجه الغالب على حياة «المخزن» كلها أو هو أسلوب «المخزن» في الحياة.
وما أدراك ما «المخزن». «المخزن» شبكة أخطبوطية من الأجهزة والمؤسسات والموارد هي آلة السلطة والحكم المصاحبة للنظام الملكي في المغرب عبر تاريخه. وهي، على التحديد، آلة المُلْك المطلق يقبع المَلِك على رأسها ويتحكّم في موازينها، فيقدّم ويؤخّر ويوزّع المنافع والصلاحيات لقاء الولاء المطلق أوّلاً، بما فيها الاستثناءات من موجبات القوانين، بحيث يحفظ سلطانه المطلق ومن ورائه مؤسسةَ المُلْك. وبالوسائل التي يضعها المخزن بين يدي المَلِك وبما للمَلِك من سلطان على الأسرة العلوية برمّتها، يتحكّم الملك بأفراد أسرته أيضاً. ومن هؤلاء سيدي محمّد، وليّ العهد ومولاي هشام صاحب الكتاب اللذين تُظْهر حالتهما انتباه الملك التفصيلي إلى سيرة كلّ فردٍ من أفراد البيت العلوي، لا يغفل عن شيء منها. فهو يعلم مثلاً أن هشام أمضى سهرة طويلة، في برنستون حيث استقرّ للدراسة بعد معركة خاضها. أمضى السهرة خارج مرمى النظر الملكي فأصبح على الملك أن يبني على الأمر مقتضاه أي أن يحكم طوق المراقبة… ذاك نوع من المراقبة أمضى هذا الأمير فتوّته ومعظم شبابه مجاهداً للتملّص منه. وهو قد توصّل إلى كثير من ذلك مما تملأ تفاصيله النصف الأول من الكتاب.
يشدّد المؤلّف كثيراً على تحكّم المخزن في سياسة البلاد واقتصادها ويرى في «إفراغ المخزن» شرطاً أوّل لإصلاح النظام والتوجّه به نحو الديمقراطية. ويدفعه هذا التوجّه إلى كفاح متعدّد المواقع والمحطّات لبناء وضع مهنيّ لنفسه وموقع في مجال الأعمال يخرجه من التبعية للمخزن، أي من حال التعيّش والطفيلية التي هي الحال المعتادة لأفراد الأسرة المالكة ولرجال الحاشية وسائر الدائرين في فلك الملك. تتواصل جهود البناء الشخصيّ هذه بين عهدي الحسن الثاني ومحمّد السادس. ولكن مولاي هشام يشغله أيضاً، في العهد الجديد، شاغل عامّ هو شاغل النظام المغربي وكيفيّات إصلاحه. وهذا شاغل يستحقّ أن نفرد له عجالتنا المقبلة.

أحمد بيضون

Advertisements

الدراية والوشاية

أحمد بيضون

لا يحتاج المراقب إلى أكثر من نظرة يلقيها على مكتبات البحث في أفضل الأعمال التي كرّسها باحثون مرموقون للمرحلة المعاصرة أو الراهنة في البلاد العربية التي كانت أو هي ما تزال خاضعة لأنظمة سياسية موصومة بالاستبداد ليعلم أن حالة القمع الرازح على الحرّيات، من عامّة وخاصّة، تشتمل آثارها أيضاً على ما ينتجه  الباحثون المكرّسون من أعمال تعرّف المجتمع المدروس بنفسه وتظهّر له إمكاناته ومشكلاته وترسم له سبلاً يسلكها في حركته نحو المستقبل.
فإن هؤلاء الباحثين يكونون موضع متابعة مركّزة من جانب الأجهزة المولجة بالسهر على نفاذ المعايير الرسمية في إنتاج المعرفة بالمجتمع وبالنظام السياسي الاجتماعي. فيظلّون عرضةً لما هو أشدّ ممّا يتعرّض له تلامذتهم، مثلاً، إذا هم حاولوا الدخول إلى الدوائر المسوّرة لاستطلاع الوقائع المفضية إلى طرح المسائل المحظورة وتعزيز الحجج الآيلة إلى طلب التغيير السياسي.
عليه تبدو الأبحاث التي يمكن الرجوع إليها والبناء عليها نزرةً حين يتّصل الأمر بدواخل المجتمعات الخاضعة للاستبداد وبتوجهات النظام السياسي في تصريفه شؤونها وسعيه إلى حفظ هيمنته عليها. وأكثر ما يظهر الشحّ في كلّ ما يقتضي استقصاءً مباشراً للمعطيات المؤثّرة في موازين المجتمع وأعرافه واستطلاعاً موسّعاً للمواقف من حركة هذه المعطيات ومن وقع السياسات المعتمدة في قطاعٍ أو فئةٍ أو جهة أو في ما هو أوسع من ذلك.
ولا يرادف الشحّ الملحوظ في هذا النوع من الأبحاث، أي في ما يتناول حاضر المجتمع، على الأعمّ، شحّاً إجماليّاً في إنتاج الباحثين بالضرورة. فإن الباحثين لا يتوانون في البحث عن مهارب يوجّهون إليها إنتاجهم بحيث لا يستفزّون عيون السلطة وأذرعها (بل هم قد يسترضونها). من ذلك اللجوء إلى البحث المعياري المستغني عن كلّ استطلاع حسّي لأحوال المجتمع الفعلية والمتّجه إلى مناقشة النماذج المجرّدة والمناظرة بشأنها للدعوة إلى هذا أو ذاك منها وللتوصية بالبعد عن غيره. عليه يحلّ الكلام على الديمقراطية بصيغها المجرّدة، مثلاً، محلّ البحث الحقلي الرامي إلى تبيّن الحال الفعلية للتوجه الديمقراطي في بيئة بعينها من بيئات المجتمع الوطني، مثلاً أيضاً. فالباحثون الذين يلبسون لبوس المرشدين يبدون وكأنهم لا يعرفون شيئاً يذكر عن حصائل اللقاء بين ما يلقونه من كلام وبين ما تثمره الأوضاع الحسّية المختلفة في بيئات المجتمع من تطلّعات.
هذا وليس الاستغراق في النماذج المجرّدة: من مضمرات المدارس الإسلامية المختلفة ومعلناتها إلى صيغ الديمقراطية إلى العلمانية وحدودها إلى الأصالة والحداثة إلى مهامّ المثقّف وأصناف المثقّفين إلى أفاعيل الإمبريالية إلى الدولة الوطنية والأمة، إلخ..، هو المهرب الوحيد الذي تتراكم في مسالكه المجلّدات. وإنما يمثّل الماضي، بما هو ماضٍ، مضماراً آخر، يوافق سابقه في كثيرٍ من الحالات، لبحثٍ لا يستفزّ ذوي السلطة أو يبقى ما ينطوي عليه من احتمالات غير محبّذة من جانبهم بعيداً عن دائرة انتباههم.
وبقدْر ما يحضر البحث الاجتماعي السياسي في المكتبات المتعلقة ببلاد هذا المحيط، يُلْجأ، لإجراء الأبحاث، إلى المقابلات الفردية، غالباً،  وإلى كتب المذكّرات وإلى التقارير الدولية أو الرسمية، فيستعاض بها عن أعمال المسح المباشر والاستقصاء الميداني واستطلاع المواقف، إلخ. ذلك كلّه، على فوائده المؤكّدة، رهينٌ لحاجات واضعيه وغاياتهم وبعيد عن الوفاء بحاجات المعرفة المضبوطة لأحوال المجتمع المدروس. ومن آيات ذلك، أن المقابلات تجرى مع أناس أصبحوا في المنفى، على الأغلب، وينشرُ كتبَ المذكّرات منفيون آخرون ويكون البعض من أجود الباحثين إنتاجاً منفيين أيضاً أو يكونون أجانب أصلاً… فهذا كلّه لازم لحرية البحث، موضوعاً ومضموناً. ولكن هذا كلّه يحدّ من قدرة الباحث على ضبط النتائج والخلاصات والنفاذ بها إلى حيث يجب أن تصل.
هذا ولا نحتاج إلى القول إن ما يعتبر تناوله بالوصف والقياس والتحليل والتعليل محظوراُ أو بمثابة المحظور لا يُقْتصر على حركة المواقف السياسية للجماعات، على اختلافها، أي على ما قد يضمر مسّاً مباشراً بسطوة النظام وشرعيته. وإنما تردع أجهزة النظام الساهرة أيضاً كلّ تناول جادّ لمسائل من قبيل بطالة المتعلمين وذواء الأرياف ونسب البطالة فيها، وصيغ النموّ المديني ومشكلاته… وهذا ناهيك بأطوار المسألة الطائفية، في تجلّيها المؤسّسي، على اختلاف القطاعات، وبحركة البنى العشائرية وبآليات الضبط المعتمدة لحماية السلطة: مصادرها وصيغ عملها وحدودها، إلخ. وإلى محاصرة المواضيع المختارة للبحوث، لا يندر أن يصطدم الباحث بمحاصرة النظام دخائل المستجوبين وضمائرهم. ففي المناخ المهيمن، يرجّح أن يميل من يمكن استجوابهم إلى المقبول من الأجوبة وأن يحذروا التصريح بالرأي إذا كان يعرّضهم لشبهة المعارضة أو للمساءلة، وهذا أيّاً يكن ما قد يجرؤ الباحث على التعهّد به من حفاظ على سريّة هويّاتهم.
صفوة القول أن المُقْدم على البحث الاجتماعي السياسي، في ظلّ الاستبداد، يُلْفي نفسه منصرفاً إلى ما هو أشبه بالتجسّس على مجتمعه منه بدرسه. فهو مضطرّ إلى تسقّط الأخبار وجمع نُثار المعطيات عوض التحقيق المنهجي للظواهر. ولا غرو أن محفوظات الاستخبارات تبقى  هي المصدر الرئيس لمعرفة المجتمع  ولو انها لا تكون منظّمة لخدمة الباحثين ولا متاحةً لهم… ذاك ما تنبّه إليه، مثلاً، من اعتبر اطّلاع حنّا بطاطو على محفوظات مديرية الأمن العامّة في العراق الملكي ميزةً بارزة للسِفْر الجليل الذي كرّسه بطاطو للعراق المعاصر. أي أن الوشاية – على ما أشرنا إليه ذات مرّة –  هي، في ظلّ أنظمة الاستبداد، أهمّ مصادر الدراية.

كاتب لبنانيأحمد بيضون

الاستبداد بالمعرفة

أحمد بيضون

أيّامَ راحت تتعاقب حركاتُ التغيير في أقطارٍ عربية مختلفة بين أواخر العام 2010 والأشهر الأولى من تاليه، ردّدَت أقلام كثيرة أن هذه الموجة المهولة التي تصدّرت، إلى حينٍ، مسرحَ السياسة العالمية قد جاءت مباغتة. فلم يكن قد توقّعها أحد من الدارسين أو من متابعي أحوال المنطقة بمن فيهم الضالعون في العمل السياسي، في هذا أو ذاك من المجتمعات المعنية. يستوي في ذلك الناطقون من داخل مجتمعهم والناطقون من المنافي. ولا يخرج عن السويّة نفسها أجانبُ منسوبون إلى الخبرة بشؤون المنطقة من سياسية وغيرها.
على أن الذين أشاروا إلى هذا الفشل في توقّع حركات كان لها هذا العمق وهذه السعة اكتفوا بالإشارة أو شفعوها، في أحسن الحالات، بشيء من التعجّب من ظاهرة الفشل تلك من غير أن يطلبوا لها تفسيراً.
حين ننظر اليوم في ما شهدته السنوات الثلاث التي تلت تلك المرحلة الأولى، يتعين علينا أن نلاحظ أن الفشل في التوقّع لم يكن خاصّاً بظهور الحركات المشار إليها وحده وإنما شمل أيضاً ما آلت إليه كلّ منها وما اجتازته قبل ذلك من أطوار. والواضح أن الميدان الأثير لهذا الفشل إنما هو دواخل المجتمعات والتفاعل المتسلسل الذي شهدته هذه الدواخل وليس المجال الجغراسي أو الخارجي الذي اندرجت فيه حركات التغيير.
فإن توقّع المواقف والإجراءات التي بدرت من القوى الخارجية الضالعة في شؤون المنطقة ومما يسمّى المجتمع الدولي حظيت بالعناية المنتظرة من المحللين، على اختلاف منابتهم، وصحب هذه العناية، على التعميم، قَدْر مقبول من التوفيق في التوقّع المتعلّق بتصرّفها في كلّ ظرف أو طور من تلك التي اجتازتها، حتى اليوم، هذه أو تلك من حركات التغيير العربية. الفشل الأكبر كان وبقي في توقّع أطوار الداخل بأعمّ مصاديقه، أي المجتمع، وما يتمخّض عنه من بوادر ومواقف.
لا يمكن ألا نحمّل المسؤولية عن شطر جسيم من هذا الفشل للعهود البائدة من الاستبداد بشؤون هذه المجتمعات بما هي عهود جهل واسع النطاق بكلّ منها لا من جانب ذوي الاختصاص المزعومين وحدهم بل من جانب المجتمع نفسه الذي حرص النظام المستبدّ بشؤونه على إبقائه جاهلاً بنفسه، لا يستجمع معرفة بما يدور في جنباته ولا يصوغ أو يعلن مواقف صريحةً من تعاقب الأحوال فيه.
بمعنى ما، كانت هذه المجتمعات مجتمعات سرّية: بمعنى أن أحوالها كانت تبقى سرّاً عليها فلا تجتمع لها معرفة بنفسها حيث ينبغي لهذه المعرفة أن تجتمع: أي في المراكز المنوط بها، عرفاً، مهمّات تحصيل المعرفة بالمجتمع وجمعها وتنظيمها ثم نشرها حيث يلزم.
يشدَّد، عادةً، على قمع الأنظمة المستبدّة حرّيات الرأي والتنظيم والعمل السياسي والانتخاب، إلخ. ولكن هذه الأنظمة تقمع أيضاً حرّية تحصيل المعرفة بنفسها وبمجتمعاتها وحرّية نشرها وتداولها. فلا يُتصوّر أن طالباً يعدّ رسالة لنيل شهادةٍ عليا يسعه أن يُجري، بحسب ما يراه ملائماً من أساليب، ما يحتاج إليه بحثه من تحقيق في المحيط الذي يتناوله البحث. ليس منتظراً أن تكون عين الاستخبارات غافلة عمّن يتجوّل في طول البيئة المدروسة وعرضها موزّعاً الاستمارات أو مجرياً المقابلات.
ولا يمكن ألا يتبع تشدّدُ الاستخبارات طَرْداً اقترابَ الباحث من الأمور ‘الحسّاسة’ أي ممّا يمكن أن يدلّ على وقائع في المجتمع تكذّب دعاوى النظام أو على مواقف الأفراد والجماعات من تصرّفات الدولة أو النظام بمختلف جهاته وأجهزته. يرجّح أيضاً أن تحمل أجوبة المستجوَبين شيئاً كثيراً أو قليلاً، بحسب الموضوع، من آثار القمع الذي كان قد لجم أسئلة الباحث أصلاً ورسم نطاقاً لحركته وعيّن له، بمعنىً ما، ما يؤذن له بالوصول إليه من خلاصات وما يتعين عليه تحاشيه.
هذا الذي يتعرّض له مُعِدّ الرسالة الجامعية يصبح أشدّ وضوحاً وأثقلَ وطأةً، على الأرجح، في حالة الباحث المكرّس. قطاع الباحثين هذا وما ينشرونه من أبحاث تتشكّل منها المكتبة المتداولة، المتعلّقة بقطرٍ من الأقطار، يقتضي الإلمامُ بحاله في ظلّ الاستبداد وقفةً خاصّة.
لهذا البحث صلةٌ إذن!
كاتب لبنانيأحمد بيضون

بين الكَنْز ورأسِ المال

أحمد بيضون

من زمنٍ بعيد، تُغْويني مقارنةٌ بعينها يوحي بها الاختلاف في النظر إلى الماضي، وإلى الزمن بأبعاده كافّةً، على ما أعاينه في نظرة العرب المعاصرين إلى تواريخهم وما أقع عليه من نظرٍ مغاير في فلسفات غربية للتاريخ ظهر أكثرها اكتمالاً في العصور الحديثة ولكن لها أصولاً في بعض الفلسفة اليونانية القديمة. تلك هي المقارنة ما بين اعتبار الماضي، والزمن كلّه بالتالي، كَنْزاً (يُنْظَر إليه، عادةً، على أنه مفقود) واعتباره رأسَ مال.
ولعلّي أجد ما يوضح هذه المقارنة في التذكير بأن الرأسمالية، بحسب تجلّيها في الممارسة الدائمة لا في الصياغة النظرية وحسب، تبدي كرهاً شديداً للـ ‘كَنْز′ بمعنى المَصْدر الفعليّ (كَنَزَ كَنْزاً): أي للفعل الذي هو الاستكثار من جمع المال أو ما هو بمثابته من موجودات أخرى قيّمة مع الاستنكاف عن استثماره، بمعنى الكلمة الحرفي، أي عن جعله يُخْرج ثماراً. وتحرص القيادات الاقتصادية للدول أو للمجاميع الدولية على تثبيط الميل الذي يظهره المودعون إلى إبقاء أموالهم بمثابة الأمانات لدى المصارف، مستنكفين عن الدفع بها إلى مشاريع تجارية أو صناعية أو غير ذلك، ومكتفين بما يجنونه من فائدة على الوديعة. وهو ما يحمل مراكز القرار المالي على خفض الفوائد، بقَدْر ما تأذن به المنافسة.
هكذا يجد المودعون أنفسهم مضطرين إلى الاستثمار إذ يشهدون ذواء ودائعهم التدريجي بداعي التضخم وقصور الفوائد عن تعويض الخسارة. وقد لا يتجاوز إذعان المودع، في هذه الحالة، تجميد الوديعة لأجَلٍ لقاءَ رفع المصرف لنسبة الفائدة المقرّرة لها وهو ما يتيح للمصرف نفسه أن يستثمرها في السوق في صورة قروض لأصحاب المشاريع أو زيادة لمحفظة أسهم يقتنيها، إلخ. هذا كلّه يمثّل نقلاً للوديعة من حالة الكنز (الذي تعتبر المجوهرات المودعة في صندوق صورته المثلى) إلى حالة رأس المال الذي يتجسد في تجهيزات لازمة للإنتاج أو يصبح دوّاراً بما هو أجور وموادّ أوّلية ويؤول إلى سلعٍ مطروحة لنوعٍ ما من أنواع الاستهلاك… ليبدأ دورة جديدة وقد ازداد حجمه مع تحقق القيمة المنتظرة، في السوق، للسلع المنتجة.
يلازم هذا المسارَ، بالضرورة، مخاطرُ يتحمّلها المستثمر ولا يتحمّل مثلَها المودع الذي لا يرجو من المصرف غير الأمان لأمواله. فإذا كان صاحب الوديعة يتقبل تآكل قيمتها الفعلية حين يبقيها تحت الطلب فإن المستثمر قد يواجه، في خضمّ أطوار للسوق لا سلطان له عليها، خسائر أفدح بكثير وأسرع وقوعاً. وأما صاحب الكنز، بالمعنى المطلق للكلمة، فيستبقي لنفسه القدرة على تفقّد كنزه في خزانته كلّ صباح مطمئنّا إلى بقائه في الحالة المادية التي تركه عليها. ولا يعني الثبات المادّي هذا ثباتاً في القيمة او وقايةً للكنز من منطق السوق. فإن الذهب، مثلاً، تصعد قيمته وتهبط وهو حبيس الخزائن لم يطرأ على حاله المادّية أيّ تبديل… مع ذلك، تكره الرأسمالية بقاء الكنوز في خارج الانتاج وتجهد لجذبها إلى دائرته أي لتحويلها إلى رساميل.
للضدّية القائمة بين الكنز ورأس المال وجاهة مؤكّدة، إذن، وفاعلية مستمرّة.
من هذا كله أردنا الوصول بصدد الزمن، في ما نعتبره عوالمنا وفي ما نعدّه عوالم الغير، إلى ملاحظة يسيرة المظهر ولكنّها فادحة العاقبة. وهي أننا ننظر في أزمنتنا رجوعاً مبتغين العودة منها إلى لحظة بعينها نعدّها موئل القيمة أو إلى عصر أو عصور شهدت تكوّن ما نجد له قيمة ممّا نطلق عليه اسم ‘التراث’. هذا النظر الرجعي – بسائر معاني الصفة – إلى الزمن يسلب الحاضر والمستقبل كلّ قيمة يسعهما أن يكونا، بحدّ ذاتهما، مصدراً لها. فلا توجد قيمةٌ في الحاضر أو المستقبل أو لهما ما لم تكن استعادةً للماضي أي ناشئةً، على وجه التحديد، من الشبه بالأصل أو من الاقتداء بـ’التراث’. هذا والحاضر والمستقبل مقصّران حتماً، في منطق هذه النظرة، عن شأو الماضي-المثال الذي هو ‘منقطع النظير’ بالمعنى التامّ للعبارة. هذا الماضي لا ننفكّ نقصّر عن سويّته كلّما مضى بنا الزمن بعيداً عنه.
عليه كان الماضي، بما هو رأسُ مالٍ، زمناً مُدْرَجاً في الحركة الحاضرة نحو المستقبل، يزيد فيه أصحابه بنتيجة كلّ دورة وينقلونه، بعد أن يخاطروا بما وصل إلى أيديهم منه، من حالٍ إلى حالٍ أخرى. وهم يعتبرون الحال الجديدة، على التعميم، موئلاً لقيمة أسمى من القيمة التي كانت في السابقة. وذاك بقَدْر ما توافق هذه الحال حاجاتِ الأحياء الراهنة وبقَدْر ما تبدو مفتوحةً على مُقْبلٍ يعدّونه أمْثَلَ ممّا سلف. وأما ماضينا- الكنز فيستوي موضوعاً للتأمّل والحسرة، تمتزج في النظرة إليه رغبة في التمثّل بصوَرِه المختزنة وشعور بنكوصٍ تفاقَم مع الزمن دون هذه الغاية. نفتح خزائننا إذن كلما ضاقت بنا السبل ونلقي نظرةً على ‘الأصل’ أو على ‘التراث’: على ما يحلو لنا أن نعدّه عصراً ‘ذهبياً’… ننظر إلى كنزنا محتَسِبين لأنفسنا قيمةً ثابتة عظيمة نستمدّها منه أو من صوره المشغولة في مخيّلاتنا. بل إننا كثيراً ما نشفع التعبّد للكنز الذي هو الماضي بالشعور أنه قد سُرِق منّا ولم يبقَ لنا منه سوى الأخيلة. وهو ما يرجّح موقف النَدْب والحسرة على كلّ موقفٍ آخر حيال الزمن.
وعلى الإجمال، لا ننتبه إلى أن الكنوز أيضاً معرّضة، وهي في خزائنها، لأهوال السوق: لأهوال التاريخ والعالم. فما بالك بأصحاب الكنوز إن كانت صُوَرُها كلَّ ما يملكون؟
كاتب لبناني

فوات الوفَيات

أحمد بيضون

معلوم أن حظوظ الجرائد من الإعلانات لا تكون متساوية. ولا كلفة الإعلان تتساوى أيضاً بين هذه وتلك من الصحف. فلكلي الأمرين تعلّقٌ بتوزيع الصحيفة. ولا تشذ إعلانات الوفاة في صحف بيروت اليومية عن هذه القاعدة. فإن اثنتين منها تكادان تستأثران بأخبار الرحلة الأخيرة وما يليها من مراسم. والراجح أن سمعة التوزيع الواسع كانت في أصل هذا الامتياز. ولكن الأمر استحال إلى عُرْف أو تقليد مع مرور الزمن، فلا تغيّره سمعة التراجع في توزيع هذه الجريدة ولا تنال الحظوة نفسها، في هذا المضمار، صحيفة جديدة يشاع أن توزيعها فاق توزيع كلّ من الجريدتين المستأثرتين بهذا الشطر من السوق. وذاك أن مستطلع المواعيد المتعلقة بالمراسم اعتاد أن يجد بغيته في إحدى هاتين وإليهما بقي يتوجّه ذوو الراحلين، بحكم العادة أيضاً.
هذا ولا تخلو صفحة الوفيات هنا أو هناك من إثارة اللواعج الطائفية. وهو ما لا يستغرب في بلادٍ تنفرد بين دول العالم بالامتناع عن إحصاء سكّانها خشية اضطراب الموازين المفترضة بين طوائفها واضطراب نظامها برمّته تبعاً لذلك. فإن مَنْ يُطالع صفحة الوَفَيات في ‘الجريدة اللبنانية الأولى’ يشعر أن المسيحيين صائرون إلى الانقراض حقّاً فيما يبدو نادراً أن يدخل مَلاكُ الموت بيوتَ المسلمين. ولا يغيّر هذا الشعور إلا تفقّد الصفحة نفسها في الجريدة الثانية. فمن هناك يذهب المسلمون إلى الجنّة زُمَراً فيما يبدو المسيحيون شِبْهَ مخلّدين في هذه الفانية. ولمّا كانت الأولى أكثرَ جذباً للقرّاء المسيحيين والثانية أشدّ إغراءً للقرّاء المسلمين فإن قراءة تلك الصفحة في كلّ من الجريدتين تخلو من كلّ مُتْعة ولا تجلب للمقبلين عليها إلا الغمّ.
وذاك أن القارئ يعاين اضمحلال جماعته في كلّ من الحالتين وبقاء الجماعة الأخرى مكتنزة العديد. هذا فيما تحاول كلّ من الجريدتين ترسيخَ شعورٍ مغاير لهذا في صفحاتها السياسية إذ تروّج هناك لأحلام جمهورها الأعظم وتجهد لتلبية طلباته العاطفية.
فلا يبقى مَخْرجٌ من هذا التناقض المرير إلا شراءُ الجريدتين معاً كلّ يوم (في ظرف الأزمة المعيشية الخانقة) ومطالعةُ الموادّ السياسية في واحدةٍ منهما وصفحةِ الوفيات في الأخرى. وهذا مع اتّباع الهوى الطائفي في الاختيار، بطبيعة الحال، وتجنّب الانسياق مع الفضول السيّء العاقبة.
هكذا تغدو قراءةُ صفحة الوَفَيات مَصْدرَ غبطةٍ طائفية للكلّ إذ يصبح كلّ لبناني مطمئنّاً إلى ازدهار جماعته وذواء الجماعة الأخرى ولو فاتَه، في الغالب، أداءُ ما عليه من واجب التعزية. فإن راحة البال هي الأهمّ.
على أن ما سبق كلّه يمسي غير ذي موضوع تقريباً حين نفطن إلى أن خطّ الفصل أصبح يمرّ اليوم بين الشيعة والسنّة لا بين المسيحيين والمسلمين. فأين يجد صاحب الحاجة جريدتين تفني إحداهما السنّةَ لحساب الشيعة وتفعل الأخرى العكس ما دام أن صفحة الوَفَيات في كلّ من الجريدة الرابعة المنسوبة إلى هؤلاء والخامسة المحتسبة لأولئك تبدو قدوةً في الكَساد. إذ قلّما يُقبل على الموت في هاتين الجريدتين أحد.’.. أقصد الموتَ الطبيعي، بطبيعة الحال.
تبقى الإشارة إلى شيء تتشابه فيه خريطة الصفحة الحزينة في الصحيفتين اللتين بقيت فيهما على ازدهارها: وهو فاعلية العامل الطبقي في تشكيلها بخلاف ما هي عليه الحال في تشكيل الحراك السياسي في لبنان. فإن ذوي المال والسلطة يكثر نُعاتهم. فيحظى الواحد منهم بتكرار خبره مراراً مع أن القارئ يصدّق الخبر من المرّة الأولى. هكذا يضطرّ القارئ، غالباً، إلى مطالعة معظم الصفحة قبل أن يعثر على نعي الفقيد المغمور الذي يرغب في تعزية ذويه. وأمّا السَرِيّ الوجيه فيكرّر نعيَه، بعد عائلته، مستخدمو كلّ من شركاته ومجالسُ الجمعيات التي كان يرأسها، إلخ. وهو ما ينشئ قَدْراً من التشابه بين حالات التكرار تلك.
على أن واحداً بعينه من نوّاب الأمّة، اعتاد أن يخرق هذه الرتابة بانتظامٍ لا يخطئه المتابع. هذا النائب عُرف بإيثار الصمت فلا تحظى منه بهمسةٍ بلايا تضرب البلاد وتذهب بأروح كثيرة. ولكنه يطلّ على ناخبيه من صفحة الوَفَيات، في مواعيد متقاربة، لينعى إليهم ‘ركن الاغتراب’، مثلاً، أو ‘عمود الإدارة’ أو ‘أُسْطون العِلْم’ من بين معارفه.
هذا وبين كبريات الصحف اليومية في بيروت واحدة خامسة لا يحظى الموت فيها بحيّز ثابت. ولعلّ السبب أنها لا تعدّ لبنانية، إلا باعتبار الأصل. صحيح أن هذه الجريدة تفقد صوابها فجأة، كلّ مدّة، فتخصّص صفحة تامّة (بل صفحتين في بعض الحالات!) لميّت واحد. على أن هذا الميّت لا يكون أيّ ميّت بطبيعة الحال. عليه أن يكون أميراً سعودياً أو، في الأقلّ، تاجراً خليجياً من أولئك الذين يُحْتسب بين أسباب وفاتهم تعبُهم في إحصاء أموالهم. ويدرك قارئ الجريدة بلا عسر – ولو ان الجريدة لا تنشر تعرفةً لهذه الفئة الإعلانية – أن الورثة أهدوا إلى هذا الميّت مبلغاً طائلاً من حرّ ماله. أو أن من كان للراحل الفضل في تخمة خزائنهم يردّون إليه عُشْر معشارٍ مما أسدى إليهم راجين أن ينسج الورثة حيالهم على منوال الفقيد.
ولكان الأمر يبلغ بالقارئ من ذوي الدخل المحدود أن يفضّل البقاء في قيد الحياة متناسياً ما هو فيه من شقاء العيش لو لم يكن يوجد للإعلان عن رحيله صيغٌ غير هذه الصيغة الباهظة الكلفة.

كاتب من لبنان