كتاب التاريخ أم فكر التاريخ؟

أحمد بيضون

في الدرس الذي بات استخلاصه واجباً من الإخفاق المتمادي للجان اللبنانية المتعاقبة على معالجة مادّة التاريخ المدرسي ووضع كتابها الواحد المنتظر (وهو الإخفاق الذي جعلتُه مداراً لعجالتي الماضية) رأيتُ أن على النظر أن يتجه إلى البحث عن السبب الأعمق (وهو لا يستبعد وجود أسباب أقرب إلى الظرف) في تصوّر بعينه للتاريخ. يعمد هذا التصوّر إلى إخراجٍ للزمن أو لفاعليّته من التاريخ بما هو البعد الذي تتعاقب فيه الحوادث فيكون فيها قبلٌ وبعدٌ وتتغيّر فيه الأشياء والقيم والمواقف والأحكام، إلخ. يجري إخراج الزمن ليُعمد إلى رصف الوقائع أو الحوادث جنباً إلى جنبٍ في بعد وحيد ذي صفة مكانية. فإذا كان لقيمة الواقعة أو الحادثة مقياس فليس هو قربها أو بعدها في الزمن بل أهليتها لتكرار البنية المعنوية لحادثةٍ أو واقعةٍ تستوي، بما هي أصل، مقياساً للقيمة. هذا التعبّد للأصل والاشتهاء لتكراره ينحوان إلى تجميد الجماعة في صورةٍ خالدة يمليها الأصل وإلى جبه الجديد الذي يأتي به الزمن حكماً بالنكران أو نعته بالانحراف عن الجادّة التي يرسمها رسماً مزعوم الثبات إلهام الأصل وصورة الجماعة.
في هذا النكران زيفٌ مثابر… إذ الواقع أن الجماعة تتغيّر في التاريخ، بنىً ومواقف وقيماً، وأن تصوّرها للأصل ولفحواه يتغيّر أيضاً فلا يستقيم اعتباره مقياساً ثابتاً للقيمة أيضاً. ولكن نكران التغيير أو رفض الاعتراف به ديدناً للتاريخ يبقى دأباً ثابتاً ومعه زعم القياس على أصلٍ ثابت. وذاك لأن هذا النكران أو الرفض هو درع الجماعة يحميها من التفكك والاندثار إذ يرتجل لها باستمرار هويّةً واحدة مستمرّة.
ما الصلة بين نكران الزمن أو نبذ التغييرِ والجديدِ هذا وبين استعصاء الإفضاء إلى وفاقٍ بين أطرافٍ لبنانيين على روايةٍ موحّدة لتاريخهم المشترك؟ يحول افتراض الهوية الثابتة والمعنى الواحد لتاريخ الجماعة إلى امتناع حركة المؤرّخ الملتزم برؤيا جماعته التاريخية بين حوادث ذلك التاريخ أو إلى التقييد الشديد لتلك الحركة، في الأقلّ. فهذا المؤرّخ يصبح مسوقاً، بوعيٍ منه أو بلا وعيٍ، إلى شدّ حوادث الماضي نحو ما تتخيله الجماعة اليوم على أنه صورتها وتبتغي قسر الماضي على الشهادة بصحّته وتعزيز الملامح المرادة له. وقد يستبقي المؤرّخ في ماضي الجماعة حالاتِ «خيانةٍ» لهذه الصورة. يستبقيها مرغماً ويريد لها أن تبقى محصورة، ضيّقةَ النطاق بكلّ معنىً ممكن. وهو يجالد «الأغيارَ» أو «الخصوم»، بما أوتي من حذق وهمّة، للحؤول دون طغيان «الخيانة» أو استشراء الشذوذ بحيث يزعزع القاعدة أو يطيحها. عليه يُفهم أن يعصي على لبنانيين معاصرين بلوغُ التفاهم المروم على معنى مواجهةٍ قديمة أو حديثة بين جماعتين لبنانيتين بعينهما أو حلفين متعارضين عقدتاهما أو أصلين مفترضين لهما، إلخ. فإن الناطق الحالي باسم الجماعة أو زجّالَها المفوّه سيستعيد محاولتها وضعَ القيمة في جانبها أو في جانب حليفها مستوحياً في ذلك ما تراه الجماعة صورةً راهنة لها يستدعى التاريخ لتعزيزها. وهو ما لا يسع الجماعة الأخرى أن تنصاع له لمعارضته سعيَها المناظر لهذا السعي… فيتعذّر الوفاق. هذا التعذّر ما كان ليحصل لو حصل الاستعداد للاعتراف بواقع الحال التاريخية: وهو أن فحوى الأصل نفسه أو دلالتَه (بل ورواية وقائعه نفسها، أحياناً) كانت تتغيّر كلّها أو جلّها في مدى تاريخ الجماعة… وأن هذا التاريخ إنما هو، فوق كلّ شيء، تاريخ التحوّلات في تصوّر الجماعة لنفسها أي تاريخ إعادات الابتكار لهويّتها ومعها توالي الأسانيد المتعارضة لثبات هذه الهوية.
فلو كان في مستطاع المؤرّخ «الملتزم» أن يتبيّن حركة الهويّة هذه في التاريخ وأن يرصد وقائعها من مرحلة إلى مرحلة لما وجد نفسه محمولاً، في مواجهة الواقع التاريخي، على تعيين حالة واحدة للقيمة (بما فيها قيمته الشخصية): ما لم يكن، في واقع الأمور، إلا حالةً من حالاتٍ للجماعة متغايرةٍ في ما بينها حتى احتمال التناقض. قبول التغاير هذا في تاريخ الجماعة، بما فيه تغاير الوجهات المنسوبة إلى الواقعة- لأصل، وهو قبولٌ يعادل الانفكاك الرمزي من أَسْر الجماعة دون حاجةٍ إلى الوقوع في خيانتها ولا إلى الخروج العملي منها، إنما هو شرطٌ لتحرير حركة المؤرّخ في التاريخ كلّه وشرطُ الوفاق على التاريخ إن لم يكن بين الجماعات فبين المؤرخين لها.
على هذا القبول بالتغاير (وعلى حقيقة حصوله) ضربتُ، في الندوة التي أشرتُ إليها في عجالتي الماضية، مثال الحرب اللبنانية. قلت أن الاعتراف بأن موارنة اليوم وسنّته وشيعته ودروزه، إلخ، أصبحت كلّ جماعة منهم، بتمثيلها السياسي الغالب، في موقع مخالف جدّاً لذاك الذي كانت فيه أثناء الحرب الماضية: مخالف له في «القضايا» وفي الأحلاف وفي المسلك… فما الذي يلزم المؤرّخ، لو ساغَ له الاعترافُ بهذا التغيير والصُدوعُ بمفاعيله، أن يُلزم الجماعة في صعيد القيمة بموقعٍ غادرَته وبدت مسلّمة بالخلل فيه، في صعيد الواقع؟ ولكن المؤرّخ يجنح عن هذا الاعتراف حين يلحظ ورود المطالبة به من جانب من يراه منافساً أو خصماً ويلحظ رغبة هذا الغير في جني فوائد من هذا الاعتراف للجماعة- الغير. هذا سبب لرفض الاعتراف بالتغيير وبالزمن. ولكن السبب الأعمق يبقى دأب الجماعة، في سعيها المتجدد للبقاء، إلى تصوير تاريخها (بمعناه كلّه إن لم يكن بوقائعه كلّها) على أنه حالةُ وفاءٍ راسخ لهويّةٍ عصيّة على التقادم عَصاوتَها على التجديد.
كاتب لبناني

أحمد بيضون

Advertisements

عَبَثُ التاريخ بمشكلة كتاب التاريخ

أحمد بيضون

في ندوة بيروتية أخيرة، عادت إلى بساط البحث مسألة كتاب التاريخ المدرسي، وهي، في لبنان، مسألة تكرارية تَبْرز لنا بين حين وحين من حيث نحتسب أو لا نحتسب. وهي تشبه بهذا بنية ما يسمّى التاريخ عندنا: إذ هذه قائمة أيضاً على استعادة الأحداث كلها حدثاً بعينه لا تني تردّد معناه الفعلي أو المزعوم. لم يكن كتاب التاريخ موضوع تلك الندوة إذن ولكن مسألة الكتاب المذكور وجدت لنفسها موطئ قدم في الندوة.
وحين أزمعتُ التدخّل في المناقشة باعتباري من أصحاب السوابق في هذا المضمار، وجدتُني أنتبه إلى أن الزمن الذي مرّ على بقاء هذه المسألة بلا حلّ (وهو ربع القرن الذي انقضى على الانتهاء المفترض لحرب لبنان) بات يوجب تجاوز الزاوية التي كنت أعتمدها لكلامي في كلّ مرّةٍ طرقتُ فيها هذا الباب.
كنت أُوضح، عادةً، أنني أعارض توحيد الكتاب وأؤيد توحيد المنهاج وأؤيد معه رقابة علمية وتربوية تزاولها هيئة مختصة رفيعة المستوى في وزارة التربية يناط بها اعتماد الكتب المعروضة عليها أو رفضها أو طلب تعديلها. وكنت أبيّن أن توحيد الكتاب مشروع يبطن وهماً مريحاً للسلطة الضعيفة هو وهم القضاء على مشكلة من المشاكل بضربة واحدة لا تقوم بعدها للمشكلة قائمة بعد عامٍ ولا بعد قرن. فالسلطة اللبنانية تخاف ألا تجد نفسها قادرة، إذا تركت الباب مفتوحاً لاستقبال الكتب الجديدة، على رفض أيّ كتاب يظهر له دعم من جانب جهة سياسية أو مذهبية مهمّة، وهذا مهما يكن الكتاب تافهاً أو خطراً. وذلك أن هذه السلطة – سلطة الدولة – باتت ترى نفسها الأضعف بين سلطات أخرى كثيرة عاملة في البلاد وخصوصاً حين يتعلّق الأمر بمسائل تعني جماعة من الجماعات الطائفية أو تتواجه بصددها جماعات مختلفة.
فترى السلطة إذن أنها إن واتاها الحظّ ووفّقت في هذا النوع من المسائل إلى صيغة ترضي أهل الحلّ والعقد كافّة فإن عليها أن تسجد شكراً للعناية ثم لا تعود إلى فتح الموضوع أبداً. وهي قد أصبحت تجد في يدها الدليل الساطع على صواب موقفها هذا: وذاك أن ربع قرن من الجهد الموصول تارةً والمتقطع أخرى لم تفض بها إلى نشوة الخلاص المرتجى. هذا واللجان التي شُكّلت تباعاً لوضع المنهج والكتاب لم تكن خالية من الكفاءة المهنية وإن تكن الواحدة منها قد بدت، بتشكيلها الطائفي، أقرب إلى مجلس للملل منها إلى لجنة للتخطيط التربوي والتأليف المدرسي. وكانت العادة أن كل وزير جديد يجد نفسه مغرىً بأن يعتبر أنه قد عفا الله عمّا مضى فيرتأي تشكيل لجنة جديدة ليحقّ القول أنه كلما دخلَت لجنةٌ لعَنَت أختَها.
ولكن هذا التسليم بالضعف من جانب سلطة الدولة لا يوهم بالخروج من مأزق إلا ليفضي إلى اثنين. فإن التلميذ سيبقى محاصراً بمصادر غير الكتاب للمعرفة التاريخية، بينها معلّمه نفسه، تخالف التسوية البائسة التي مثّلها الكتاب ولا يقوى على مجاراتها هذا الأخير، وهذا أوّلاً. وإن المعرفة التاريخية معرفة متحرّكة يكثر فيها الجديد بشأن وقائع الماضي ويفترض أن تلمّ بالحاضر أيضاً وهو ما يقتضي إعادة نظر دورية في الكتاب… خصوصاً وأن حركة التاريخ الحاضرة، فضلاً عن الكشوف الجديدة في ميدان المصادر، كثيراً ما تملي هي نفسها مراجعة التقويم المعتمد لهذا أو ذاك من حوادث الماضي وأشخاصه، وهذا ثانياً. يدلّ على هذا، مثلاً، أن الحاجة إلى الكتاب الموحّد إنما غلّبتها الحرب (وإن يكن الشعور بها سابقاً لهذه الأخيرة) وأن التسليم حاصل بأن الرواية المدرسية للتاريخ بعد الحرب لن تكون هي نفسها الرواية الرائجة له قبلها وأن الحرب نفسها بما هي حدث مركّب حديث العهد قد استوى تقديمها وروايتها وتقويمها مصدراً بارزاً من مصادر العسر الذي ابتلي به مشروع الكتاب الموحّد من أصله.
ذاك تقريباً ما كنت أقوله حين يطرح على بساط ما موضوع التاريخ المدرسي الموحّد. في الندوة الأخيرة التي أشرت إليها شعرت أن كلامي هذا، وإن لم أكن أجد فيه اليوم ما يجانب الصواب، قد أصبح غير واف بالغرض. وذاك أن الزمن الذي انقضى من غير أن يفضي السعي المشكور إلى الحجّ المبرور قد جاء بجديد يمسّ أساس المشروع لا تفاصيله وحسب وأن تمادي الإعجاز عن الإنجاز يكشف، في ما أرى اليوم، جذراً للمشكلة يضرب في رؤية للتاريخ ولزمنه هي رؤية موحّدة فعلاً ولكنها، بوحدتها هذه، تنشر على الأفرقاء جملةً هذا العجز عن تحصيل الوفاق في مسائل تفصيلية مختلفة. ففي أطوار الواقع التعليمي، بمقدار ما ترسم معالمه مصادر المعلومات وأساليب الوصول إليها، أن الكتب المدرسية، بمعناها المعتاد، ومنها كتاب التاريخ، قد تفاقمت هامشيتها كثيراً بما هي حاملٌ من حوامل المعرفة، بالقياس إلى ما باتت تقدّمه الشبكة من كتل المعلومات ومن سبل البحث فيها والوقوف على ما تحويه من روايات للحدث الواحد متعارضة وتقويمات للواقعة الواحدة متغايرة، إلخ. فهذه كتل يتصاغر بإزائها محتوى الكتاب المدرسي ويعترض تنوّعُها كلّ جهدٍ لفرض ترسيمة واحدة تحكم نظر التلامذة في شؤون التاريخ وشجونه. وقد بلغ من سيادة هذه الوفرة في المادّة وهذا التنوع في وجهات النظر أن تعليم المادّة أصبح اليوم تعليماً لكيفيات التعلّم وتوجيهاً بين مسالك التقويم ولم يعد يسعه بحالٍ أن يكون فرضاً لرواية وحيدة أو لرأي فردٍ في أيّ شأن.
هذا يفرض على أصحاب المشروع اللبناني أن ينقلوا همّهم من الكتاب الموحّد وروايته العسيرة الولادة للتاريخ إلى طريقة في تدريب التلامذة على البحث وعلى نقد الروايات وعلى تقويم الأحكام التقويمية واكتشاف زوايا النظر ومفاعيلها. وهذه أمور يحتاج تعليمها، فضلاً عن إتقان طرائق البحث، إلى أمثلة تاريخية متحرّكة بين الموضوعات ومتراتبة لجهة البساطة أو التعقيد ويحتاج بطبيعة الحال إلى مناهج في التحليل النقدي للمادة التاريخية. يحتاج هذا التعليم إلى هذا كله ولا يحتاج إلى رواية ناجزة تغطي عهوداً شاسعة وبلاداً كثيرة وتقدّمها سلسلة كتبٍ مدرسية. هذا تغيير لا يسع لجنةً تعمل في التخطيط لتعليم مادّة من الموادّ وفي توفير ما يلزم له أن تتجاهله بعد اليوم.
يبقى أن ثمّة، في الحالة اللبنانية، أمراً خاصّاً يبقى كامناً تحت هذا التحوّل العامّ في طرائق التعليم وموادّه وأهدافه. ثمة مشكل أشرنا إلى وجوده في صورة التاريخ والزمن وفي الغاية التي تُفترض لهما هو المانع الأعمق لإفضاء اللبنانيين إلى رواية مدرسية يتقبّلونها لتاريخ بلادهم. إلى هذا المشكل نعود في العجالة المقبلة.
كاتب لبناني

أحمد بيضون

الشيخوخة

  • November 15th, 2014

احمد بيضون

يزداد واحدنا إيغالاً في الشيخوخة كلّما تكاثرت الأشياء التي يتعذّر تكرارها أو يصبح غير محتمل في ما نفترض أنه قد تبقى لنا من العمر.
قبل سنة من اليوم، كنت أتمشّى مصحوباً ببعض الأهل على ضفّة بحيرة ميشيغان في مدينة شيكاغو. كان كلّ شيء يبدو رائعاً حين خطرت لي خاطرة متّصلة بي وبالمكان. فطنت إلى أنني زرت شيكاغو مرّتين في ما مضى من عمري وجئت في كلّ منهما إلى هذا المكان نفسه أو إلى موضع قريب منه. تدلّ على ذلك ناطحاتُ سحابٍ ومعالم أخرى كانت لا تزال أخيلتها ماثلةً في ذاكرتي. كانت الزيارة الأولى في سنة 1965 والثانية في سنة 1988. ولما كنت أستعيد صوراً من تينك الزيارتين وأنا أتنزّه على الضفّة نفسها في سنة 2013، فقد كان سهلاً أن أنتبه إلى أن ربع قرنٍ تقريباً قد فصل بين كلّ من زياراتي لهذه المدينة وتاليتها. هو إذن ربع قرن! فمن أين لي، وقد بلغت السبعين في سنة 2013 الميمونة، أن أتدبّر ربع قرن مقبلاً يغدو محتملاً بعده أن أعيد نزهتي هذه؟ وهل يبدو محتملاً إذا طال بقائي حتى سنّ الخامسة والتسعين (وهذا أمرٌ تستبعده نُذُرٌ مختلفة) أن أجعل همّي في ما يفترض أن تكون عليه حالي وأنا في تلك السنّ المتقدّمة أن أُحْمَل إلى ذلك الموقع لأدبّ فيه على العصا أو يجري بي على رصيفه كرسيّ درّاج؟ لا الهمّة ستسعف إذّاك، على الأرجح، ولا الرغبة ستتجه بي نحو هذه القبلة ولا الوسائل ستكون متاحةً إذا أسعفت الهمّة وواتت الرغبة.
الشيخوخة، في واحدٍ من وجوهها، هي هذا: أن يصبح الزمن فجأةً غير كافٍ لأشياءٍ كثيرة: لأشياءٍ تروح تتكاثر سنةً بعد سنة.
أدهى ما في الأمر أن هذا الشعور باستبعاد التكرار تتسرّب منه نكهة حزينة إلى حوادث ووقائع تعتبر «فريدة» في بابها فلا يفترض تكرارها أصلاً. في صيف السنة الجارية، كنت في سياحةٍ (عائلية أيضاً) في البرتغال. وكان للبهجة مصادر كثيرة: جَمْعُ الشمل وجمال الطبيعة وثراءُ التاريخ وجودة الطعام والشراب ولطف الأهلين… ولم أكن قد افترضت أو افترض أحد من صحبتي أن علينا أن نعود إلى هذه البلاد مرّةً أخرى. كانت هذه الزيارة، بطبيعتها، فريضةً تؤدّى مرّةً واحدة. فإذا رغبنا في السياحة، في عامٍ مقبل، فلن يصعب علينا أن نجد بلاداً أخرى، رائعةً أيضاً، يقترحها بعضنا على بعضٍ ونكتشف أننا نجترّ الرغبة في زيارتها من أعوامٍ كثيرة. على الرغم من حالة «الفرادة» هذه التي اتّشَحت بها، من تلقاء نفسها، زيارة البرتغال، تَسرّبَ إلى شعوري بوقائعها حزنٌ هادئ غريب: حزنٌ لم يعترض المُتْعة ولكنه خالَطَها بـأُلْفةٍ غير منتظرة. كان منظر الأمكنة وحوادث الرحلة من القصر الملكي في سِنْترا إلى العشاء في مطعمٍ لشبونيّ قريب من الفندق، مصدراً لشعورٍ بالوداع… مصدراً لإدراكٍ مباغتٍ لماهية الزمن بما هو محلّ لتعذّر التكرار. لن يحصُل هذا نفسه مرّةً أخرى. حين نتقدّم في العمر، يصبح الوداع الذي هو مستحقّ لكلّ حدثٍ أمراً مقترناً بغيابٍ آخر هو غيابنا نحن. صورة الغياب هذه، إذ تصبح خلفيةً للحوادث، بما فيها، على التخصيص، تلك التي لا نرجو استعادتها أصلاً، هي منفذ من المنافذ التي يغزونا منها الشعور بالشيخوخة.
منفذٌ آخرٌ لهذا الشعور نفسه أختَبِرُ وقْعَ ما ينبثق منه من سنين كثيرة هو أن تدرك أنك أصبحت أكبر سنّاً من أهل السلطة كلّهم تقريباً على اختلاف المواقع. حين تكون موظّفاً وتبلغ سنّ التقاعد يفرض الأمر نفسه: أنت مذّاك فصاعداً أسنُّ من كلّ من يتوجّه إليك بمطلبٍ أو أمرٍ باسم السلطة العامّة. هذه واقعةٌ لها أهمّيتها في مجتمع لم ينبذ الاقتران بين التقدّم في السنّ والهيبة ووجوب الطاعة. وما هو أدهى من تقدّمك في السنّ على الموظّفين أن تجد نفسك وقد أصبحت أسنَّ من الكثرة الكاثرة من الوزراء والنوّاب وحتى من رئيس الجمهورية… إذا وُجِد! فبِقَطْع النظر عن أخْذِك بصدور السلطة العامّة، وما تتّخذه من أنظمة وقوانين، عن الإرادة الشعبية، ستشعر، عند التأمّل، بغبنٍ عميق الغور في موروثنا الجماعي وأنت تلاحظ أن من عليك طاعتهم إنما هم أناسٌ في سنّ أولادك أو هم، في أحسن الأحوال، في سنّ إخوتك الصغار.
فإن كانت هذه حال المسنّ مع الدولة وأركانها فما بالك بحاله مع مولجين بتنفيذ النظام والقانون شبابهم بيّن إلى حدٍّ يبدو لك مبالغاً فيه: شرطة السير مثلاً أو العسكريين الذين يدقّقون في الهويّات عند الحواجز؟ وما بالك أن يكون المدقّق وحاجزه مجرّدين من كلّ سند من نظام أو قانون؟.. أن يكون عنصراً في ميليشيا غير موافقةٍ لمزاجك قطعاً. لا يستبعد إذّاك أن تشعر بالشيخوخة تجتاحك اجتياحاً وبتقاعدك يتضاعف إذ تدرك أن الأمور قد أفلتت من يدك: كلّها دفعةً واحدة.
الجسم أيضاً – بل أوّلاً – مصدر شعورٍ بالشيخوخة. تدنّي الثِقْلِ الذي يسَعُك حَمْلُه والصعودُ به إلى بيتك وقد شَلَّ المصعدً بسبب انقطاع التيار، قدرتك على الجري أو على مجرّد السير مقارنةً بما كانت عليه، هي نفسها، قبْلَ عشرين سنة، حُسْنُ بلائك في الفراش، إلخ.، إلخ. ولكن هذا المصدر يكون مخاتلاً أحياناً فيجعل الكثير قليلاً والقليل كثيراً تبعاً لموازين تدخل فيها الإرادة والطبع والعادة والمحيط، إلخ. ولا أرجو الإتيان بجديد من طرق هذا الباب. فأكتفي بالقول، مستوحياً ما سبق بيانه، أن ذكر السياحة والسلطة في معرض التأمل في انكشاف الشيخوخة لم يكن أمراً عارضاً. فإذا كانت الشيخوخة لا تستبين بهذا الجلاء في محلّ إقامتنا ومسرح حياتنا المعتادة وإذا كان انكشافها تسهّله السلطة أو الغربة أي ما هو متفوّق على أشخاصنا أو مُخِلٌّ بنظام حياتنا فمردّ ذلك إلى كون الشيخوخة، وإن تكوّنت عواملها على مهل، إنما هي، لجهة الشعور بها واستبطانها، قطيعةٌ واقتلاع وليست حالاً يستبقي لنا سويّتنا التي نعهدها لأنفسنا.
مع ذلك، يبقى سبيل العناد سالكاً لمن ارتضاه إلى أن يقطعه الموت.
كاتب لبناني

احمد بيضون

عدالة لبنان الانتقالية: الخصم والحَكَم

أحمد بيضون

بخلاف الحالات التي انطلقت منها مسيرة العدالة الانتقالية في العالم، وهي حالات الدول الخارجة من الكتلة الشيوعية لتعتمد أنظمةً جديدة، وجد المركز الدولي المختص بهذا الشأن في لبنان خلافاً مستمرّاً على تشخيص النزاع الذي جرى ووجد حالةً من الشكّ في أن يكون الخروج من هذا النزاع قد تمّ فعلاً. فعلى مستوىً أوّل بقي التنازع جارياً بين صفتين عامّتين للحرب ترى الأولى فيها حرباً أهليةً مدارها النظام السياسي وموازينه وخياراته السياسية وترى الثانية فيها حرباً أو حروباً بين قوىً خارجية، إقليمية ودولية، خاضها اللبنانيون أو اشتركوا في خوضها بالوكالة عن أصحاب المصلحة. وعلى مستوىً أدنى من هذا، انطوت الحرب على بؤر ملتهبة يرفض الخائضون فيها أن يعودوا إلى حقيقة أدوارهم فيها وأن يتمعّنوا في دلالاتها. من ذلك، مثلاً، ما سُمّي «حرب المخيّمات» في وسط الثمانينات من القرن الماضي ومنه أيضاً الحروب الداخلية القبيحة التي شهدتها هذه أو تلك من الطوائف.
على أن الأدهى إنما هو استيلاء قوى الحرب على الدولة، بعد اتّفاق الطائف، واستصدارها قانونَ عفوٍ ينجو بها من المحاسبة. والحال أن هذه القوى هي من ينبغي مثوله في قفص الاتّهام حين تأخذ العدالة الانتقاالية مجراها. ويقتضي ذلك أن تكون قد نشأت دولة متماسكة المؤسسات يوثَق بحياد القضاء المنتمي إليها. هذا فيما نقع في لبنان على دولةٍ لم تكن طرفاً في النزاع بقدر ما أصبحت أطرافاً مصادرةً أو متعدّى عليها من جانب أطرافه. هذه الدولة خرجت من الحرب مستضعفة غير مستقلّة بسلطة القانون عن أطراف النزاع ولا عن سلطة الوصي السوري الذي استوى، لخمسة عشر عاماً لاحقة، قيّماً على سياسة الموازين بين تلك الأطراف بما في ذلك الموازين بينه وبين أوصياء آخرين على بعضها. وضع سلطة الدولة هذا لم يزدد إلا سوءاً بعد سحب الوصي قوّاته وجهاز عمله من الداخل اللبناني في سنة 2005 إذ ظهر تفسّخ المجتمع السياسي اللبناني وعجزه عن استيلاد قوّة داخلية فاعلة للتحكيم بين أطرافه.
في مناخ الأزمة المستعصية هذه، بدا أن على التيّار العامل لوضع العدالة الانتقالية على سكّة الفعل أن يحصر جهوده في نطاقٍ بالغ الضيق بالقياس إلى التصوّر المبدئي للمهمة وإن يكن قيّماً في حدّ ذاته. كان وضع قوى الحرب يدها على الدولة قد جعل مجرّد المطالبة بالتحقيق لتحديد مصائر المفقودين من الضحايا يرتطم طويلاً بالقول أن فتح هذا النوع من الملفّات يرتدّ بالبلاد إلى مناخ الحرب. وهذه مطالبة كان أهالي المفقودين ونفرٌ من مؤازريهم قد باشروها في سنوات الحرب ثم واصلوها بعد ذلك بلا كلل.
وجد مركز العدالة الانتقالية نفسه يجعل من قضية المفقودين هؤلاء وجلاءِ مصيرهم محوراً لعمله… في ندوتين عقدهما المركز هذه السنة كان بيّناً أن نطاق العدالة المفترض أوسع بكثير من هذه القضية على أهمّيتها. جرى التشديد على أن المسار الذي يبدأ بطلب «الحقيقة» المتعلّقة بالضحايا يفترض أن يفضي إلى إجراء العدالة الجزائية في حقّ المرتكبين وإلى جبر الضرر الواقع على الضحايا بالتعويض عليهم أو على ذويهم. كان بيّناً أيضاً ان هذا النوع من العدالة ينتهي إلى اقتضاء إصلاح مؤسسي، متعدّد الوجوه، يراد منه درء التكرار الوارد للنزاع.
لم تُظهر المناقشات سبلاً مفتوحة أو ميسورة الفتح إلى هذه الغايات. فاقتصر السعي على ما هو قريب المنال. شكّل المركز ما سُمّي «ائتلافاً» لهيئات لها سابق إسهام في هذا النوع من المطالبة. وهذا إنجاز كان المركز أحسن من يتولاّه بحكم «خارجيته» وما تحت يده من وسائل وخبرات. هذا «الائتلاف» استوى، في الواقع، منتدىً لمناقشةٍ مشتركة للمهمّات التي يضطلع به الأطراف كلّ من جهته. وبالنظر إلى ما لقضية المفقودين من سابقة في السعي والمتابعة، استوت هذه القضية تلقائياً همّاً واضح التصدّر، وإن لم يكن وحيداً، للـ»ائتلاف». وقد سُجّل التوصّل إلى محطّة فيها هي تسلّم ملفّ التحقيق الذي كانت قد أجرته حكومة سليم الحص في حدود سنة 2000. وهذا أمرٌ تنشئ جهود المركز من خلال «الائتلاف» وسطاً تضامنياً حوله وإن يكن الإنجاز نفسه ثمرة جهود بذلها أهالي المفقودين والحقوقيون الناشطون معهم.
ما مصير العدالة الجزائية من بعد وجبر الضرر؟ وما مصير الإصلاح المؤسسي؟ توجّه «الائتلاف» بـ»توصيات» تتعلّق بهذه القضايا إلى «الدولة». وهذا توجّهٌ موافق للمبدإ ولكن حالَ الدولة وموقعها في هذا المضمار هما ما أشرنا إليه. وفي جهة المطالبين، تبدو هذه القضايا فائضة عن طاقة الجماعات الصغيرة والأفراد من أعضاء «الائتلاف». وهي فائضة أيضاً عن الحضور اللبناني الخجول لمركز العدالة الانتقالية. ففي مواجهة هؤلاء لا تزال تقف قوى الحرب العاتية وهي قابضة على مفاصل المجتمع وعلى الدولة وعلى العدالة. وهي تبدو متوجّهة، لا نحو إجراء العدالة بشأن الحرب الماضية، بل نحو حشد القوى وتوفير المنطلقات لحربٍ (أو حروبٍ) جديدة.
كاتب لبناني

أحمد بيضون

عدالة لبنان الانتقالية: أيّ انتقال؟

أحمد بيضون

قبل نحوٍ من ستّ سنوات، أنشأ المركز الدولي للعدالة الانتقالية مكتباً له في بيروت. كان المركز يصل إلى الديار اللبنانية متأخّراً نحواً من ثماني سنواتٍ عن تأسيسه في نيويورك ونحواً من عشرين سنة عن انطلاق العمل بفكرة العدالة الانتقالية في دول مختلفة من العالم أخذت تنتقل إلى الديمقراطية… وكان «انتقالـ»ها هذا تخلّصاً من أنظمة ونزاعات خلّفت إرثاً شاسعاً من انتهاك الحقوق وضحايا يحصون بالملايين وخراباً عميماً. أجدَر بالإشارة من هذا التأخير عن ولادة السعي إلى هذا النوع من العدالة أن هذه الولادة نفسها كانت قد زامنت، على التقريب، نهاية الحرب اللبنانية الطويلة أو سلسلة الحروب التي اصطلح على القول أنها بدأت سنة 1975 واختتمت سنة 1990.
اصطُلح على الأخذ بهذين التاريخين بسندٍ من وقائع وجيهةٍ، لا ريب، ولكن وجاهتها لا تمنع الجدل في أمر البداية التي لا يتعذّر تعيينها بحرب حزيران 1967 أو بانتخابات 1968 النيابية في لبنان أو بأيلول 1970 المعروف بـ»الأسود» في الأردن… ويتعذّر القطع بانتهائها في بلاد عرفت جولات من العنف المدمّر بعدها وشهدت ولا تزال تشهد نذراً باستئناف حرب قد يصحّ وصفها بالأهلية ولكنها، مع ذلك، تبدو، شأنَ سابقتها، عصيّةً على الحصر في تعريفٍ واحد. أمرٌ أخير يستحقّ التنويه ههنا هو أن المركز العالمي الذي نتناول سعيه اللبناني عمل أو هو لا يزال يعمل في نيّفٍ وعشرين دولة من دول العالم وجدها محتاجةً إلى جهوده. بين تلك الدول واحدةٌ عربية غير لبنان هي تونس: ويبدو مستقبل العمل فيها واعداً إذ هو يحصل بتآزرٍ ما بين المركز وحكومة البلاد وتدور فصوله في أعقاب ثورة مشهودة وانتقال جارٍ فعلاً.
أنتج المركز بعد حلوله في بيروت بضعة تقارير لا تخلو من الفائدة العملية حين يراد استذكار ما كانته الحرب اللبنانية وما أوقعته من أذى مقترن بتواريخ وحوادث ومنتهٍ إلى ضحايا وأضرار لا يستغني السعي إلى العدالة عن تعيينها وحصرها إذا أريد له أن يكون ذا ثمرة. من ذلك «مسحٌ للانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني ما بين عامي 1975 و2008» وقد جعل لهذا التقرير عنواناً «إرث لبنان من العنف السياسي». من ذلك أيضاً تقرير عنوانه:»عدم التعامل مع الماضي: أيّ تكلفةٍ على لبنان؟» هذا التقرير الأخير تناول بالنقد ما اتّخذته الدولة اللبنانية من تدابير وإجراءات قانونية وعملية لمعالجة آثار الحرب، على اختلافها، فأبرز ما انطوت عليه من وجوه النقص والخلل والتناقض. من ذلك، أخيراً، دراسة ميدانية لصور الحرب وكيفيات ظهورها في كلام عيّنة من اللبنانيين موزّعة إلى «مجموعات تركيز»، وهي أُجْريت في بيروت الكبرى ولا تزال في قيد النشر…
تعاون المركز في وضع هذه التقارير مع ذوي خبرة ينتمون إلى مؤسسات قائمة في لبنان وبعضهم من غير اللبنانيين. ولا يقع القارئ، في هذه التقارير على ما يصحّ اعتباره جديداً فعلاً على مستوى المعرفة. فقد كانت الحروب اللبنانية، على مرّ السنين، مثاراً لاهتمام دارسين كثر. ولم يعوز مراحلها ومحطّاتها المختلفة موثّقون انصبّوا على حصر وقائعها ولو ان قيمة ما قدّموه تجوز المجادلة فيها بطبيعة الحال. وهذا جواز يسري بلا ريب على تقارير المركز الدولي للعدالة الانتقالية لجهتي الدقة والشمول. ولكن هذه التقارير تتميّز بكونها موجّهة، من حيث المبدأ، لخدمة عملية أو إجراءات متعلّقة بالعدالة. وهي، حين تنتقد، لا بدّ من أن يعتمد مقياساً للنقد صلاحها أو عدمه لهذا الاستعمال أو للتمهيد له في الأقل.
ههنا تطرح الأسئلة الكبيرة: علامَ وقَع المركز في لبنان وما الحظوظ المرجّحة في هذه البلاد للعدالة الانتقالية، بالمعنى الذي اكتسبته هذه الأخيرة من مراسها العالمي؟ أفلا يفتَرض إجراءُ العدالة إفضاءً إلى تصوّر يُعتمد لطبيعة النزاع؟ وهل يستقيم، من غير هذا التصوّر، تحديد مقبول لضفّة المتّهمين أو المجرمين ولضفّة الضحايا ومن ثمّ لضفّةٍ ثالثةٍ هي ضفّة السلطة التي يستظلّها القضاء المعهود إليه بإجراء العدالة؟ وهل تجرى عدالة انتقالية من غير انتقال معلوم الأوصاف حصل أو هو يحصل بعد الخروج من النزاع؟
إلى هذا الأسئلة نعود في عجالتنا المقبلة.
كاتب لبناني

أحمد بيضون