المكتبة الإمبريالية

أحمد بيضون

مارس 28, 2015

كلما همَمْتُ بتنزيل كتابٍ من كتب التراث الإسلامي عن الشبكة: سواءٌ أكان الكتاب أدباً أم تاريخاً، علومَ قرآنٍ أم علومَ حديث، فقهاً وأصولاً أم كلاماً وفلسفة، إلخ، إلخ، تبيّن لي أن الموقع الذي أهتدي إلى التنزيل عنه قد أخذ الكتابَ بدوره عن الموقع الأمريكي المعروف بـ»إنترنت أركايف» أو بـ us.archive.org .
يعلن هذا الموقع طموحاً أقصاه التوصّل إلى خزن نسخة عن الإنترنت بقضّها وقضيضها… وعلى هذا الموقع الذي تبيح هيمنته العالمية نعْتَه بالإمبريالي، نقع (بين ما نقع عليه، وهو لا يُحْصَر!) على كتب التراث الإسلامي بعشرات الألوف. ومنه يتزوّد السَلَفيون والخَلَفيون، الأُصوليون والفُصوليون، أهلُ الظاهر وأهلُ الباطن، أشياعُ السُنّة وأسنانُ الشيعة، الخوارجُ والدَوارجُ، المعتزلةُ والأَشاعرة، أهلُ النقل وأهلُ العقل، حُماةُ التنزيل ودعاةُ التأويل، المتصوّفة والمتخوّفة، إلخ، إلخ.
فيظهر لي أن الذي يُغْلَق في وجهه هذا الموقع (وهو لا يُغْلَق في وجه أحد) ترتدُّ فرصُه في نشر كتبه وتعميم دعوته إلى ما يشبه العصرَ الحجري.
ذاك جانبٌ لا يُنْتَبَه إليه كثيراً من جوانب اعتماد العداء للإمبريالية على أسلحةٍ تقدّمها الإمبريالية بطيبِ خاطر: منها الأسلحة النارية طبعاً، من الطلقة إلى الصاروخ الثقيل، ومنها الهاتف الخلوي والتلفزيون الفضائي والبريد الإلكتروني… ومنها المواقع على الشبكة وبعض هذه الأخيرة ما يحمل كنوزَ المكتبات إلى الحواسيب الشخصية ناهيك بالألواح والهواتف.
ووراءَ كنوز المكتبات يقبع «مستشرقون» استقدموا المطبوعات بعد أن كان أسلافهم قد اهتدوا – وهذا هو الأهمّ – إلى كثير من أهمّ المخطوطات. فحقّق المتقدّمون وقدّموا وذيّلوا وقابلوا النُسَخ ونَقَدوا النصوصَ ونَشروا المؤلفات. وحين حلّ العهد الرقمي راح الفنيون ينقلون بإشرافٍ من بعض المتأخّرين هذه الكنوزَ ويضعونها بين أيدي أصحابها من أصدقاء وأعداء.
هذا ولا بدّ من التنويه بأن من يفعل معظمَ هذه الأشياء ليس الحكومات وإنما هي مؤسساتٌ مستقلةٌ عنها أو هي تابعةٌ لها ولكن العاملين فيها يحظون بقدر من الاعتبار لحرّية البحث. فلا يمنع مانعٌ أن يكون الواحد منهم معادياً جدّاً لسياسة الحكومة ولا أن يعبّر عن هذا العداء في نطاق مؤسّسته البحثية. ولا ينقض هذا الوضعَ المبدئي وجودُ آخرين في الوسط نفسه يعتمدون مواقفَ أخرى. ولا يُبْطِله أيضاً تعرّضُ هذا أو ذاك من العاملين لتضييقٍ أو حصار.
لا بدعَ أن تبقى الأبواب مفتوحة، على الرغم من هذا كلّه، للتنويه بأن اليسوعي البلجيكي هنري لامنس كان مجنّداً نفسه لخدمة الجنرال غورو وجيشه أو بأن الفرنسي لويس ماسينيون كان ضابطاً سياسياً مكلفاً توزيع الرشاوى على المطلوب تأييدهم للانتداب الفرنسي أو بأن البريطاني المتأمرك برنارد لويس نصيرٌ متحمّسٌ للصهيونية. ولا بأس أبداً في تتبع آثارٍ خَلَّفتها هذه الانتماءات أو الميول في مؤلفات هؤلاء. ولكننا نخسر كثيراً إذا أشحنا عمّا يسعنا تعلّـمه من لامنس بصدد العصر الإسلامي الأوّل ومن ماسينيون بصدد الحلاج ومن لويس بصدد نشأة تركيا الحديثة أو بصدد نظام الرقّ في الإسلام.
وفي كلّ حال ليس المستشرقون موضوع حديثنا هنا إلا من زاوية محددة. نذكرهم أولاً بمقدار ما ضلعوا في جهود آلت إلى نشر ما نعرفه من كتب التراث الإسلامي-العربي وذلك، في أكثر الحالات، في طبعاتٍ نقدية محققة. ونذكرهم ثانياً – وخصوصاً – بمقدار ما يسهم بعض الجيل الحاضر منهم (ومعهم خبراء في المكتبات وخبراء في الإنترنت) في رقمنة هذا التراث ووضعه في أحدث صيغ النشر وأوثقها تحت أبصارنا دون قيدٍ ولا شرط.
ولا أملك، في ما يتّصل بشخصي، ألاّ أعترف للموقع الإمبريالي المشار إليه بأنه أتاح لي أن أعيد، في شهور معدودة وبلا كلفة مالية، بناء مكتبة إسلامية-عربية مرقمنة كان اقتناء نظيرتها الورقية (وهي أضأل منها حجماً وأقلّ تنوعاً) قد كلّفني نحواً من أربعين سنة من الجهود ومبالغ من المال لا يستهان بها.
وقد كان ردّ الثقافة إلى السياسة، وهو قد اشتمل عندنا على وجوهها كافـّةً بما في ذلك حواملها المادية، أي الكتب مثلاً، قد جنح بكثيرين، مع إدوارد سعيد وبعده، إلى غمط المستشرقين حقوقاً مستحقة لهم وأخذ الصالح من أعمالهم بجريرة الطالح. وقد كنت أحد قلائل من النقاد العرب استوقفهم هذا الشطط، وهو ذو وجوه عدّة، فأبديت تحفّظي عمّا ساقه سعيد في كتاب أساسي من كتبه هو «الثقافة والإمبريالية» وذلك بعيد صدور الكتاب.
على أن الضرر الأكبر جاء، لا من المضمون الفعلي لأعمال سعيد ولكتابه «الاستشراق»، على الخصوص، بل من جوّ الاستسهال الذي أنشأه مريدون له ومقتدون به لاتخاذ الاستشراق تهمة أو شتيمة لا يقذف بها المستشرقون وحدهم بلا تمييز بين واحد وواحد أو بين عمل وعمل بل تتخذ سلاحاً في المواجهات الأهلية بين مثقفينا أيضاً. فيوصف بالمستشرق كل من حاول الإفادة من بعض مناهج الغربيين في تناول البشر والمجتمعات أو من تعرّض بالنقد لمواريث إسلامية أصبحت ترزح رزوحاً خانقاً على صدور المسلمين ومجتمعاتهم.
هذا مع أن رأس ما يجب تقديره في حالة سعيد إنما هو استواؤه ناقداً لمدوّنة غربية أصيلة بلغة من لغات هذه المدوّنة وبمنهاجٍ نقدي شكّله بأدواتها مستلهماً، على الأخصّ، منحىً فرنسياً معاصراً له في النقد التاريخي. فلا أذلّته لغةُ تآليفه وموروثها ولا كان يسعه التبرؤ من دَيْن لها في عنقه مؤكّد الجسامة. وأوّل وجوه هذا الدين أن ما كسبه الرجل من ثقافة تلك اللغة أو من ثقافاتٍ رصيفةٍ لها كان عدّته في التحرّر من نظرةٍ إليه وإلى بني قومه وجدها في تلك الثقافة وفي رصيفاتها.
إدوارد سعيد مثقف فلسطيني المنبت والنشأة الأولى أبرز هو نفسه ما كان في وسَطَي نشأته الفلسطيني والمصري من لَبْسٍ لغوي – ثقافي. وهو، بعد ذلك، مهاجر تعلّم في بعضٍ من أهمّ الجامعات الأمريكية وأمضى الشطر الأهمّ من حياته المهنية مدرّساً في الجامعة الأمريكية التي أتمّ فيها دراسته. وهو قد رفع صوته وألّف باللغة الإنكليزية كتباً ناقدة لمواقف غربية من فلسطين ومن الإسلام ومن بشَر الشرق ومجتمعاتهم في إبّان انتمائه إلى تلك الجامعة الأمريكية نفسها.
أقول هذا عالماً أن هذه العجالة لا تجاوز ملامسة موضوعٍ شاسع النطاق، متداخل الوجوه. وإنما حملني على هذه الإشارات معاينتي الموارد الرقمية لكثرةٍ من الأعمال المنتمية إلى ما نطلق عليه اسم التراث العربي الإسلامي. وقد ردّتني هذه المعاينة إلى اقتناعي بأن نقد منتجات الثقافة لا يستغني – على التعميم – عن النظر في مقدار ما لها من استقلالٍ لا تقوم لها قائمة بغيره عن أهواء منتجيها أنفسهم ناهيك بمصالح دولهم. لا يستغني هذا النقد نفسه أيضاً عن النظر في حال الناقد وموقعه بما في ذلك الإقرار بجلوسه على ركبتي الثقافة التي ينتقد وباستوائه، إلى هذا الحدّ أو ذاك، عالةً عليها أو على بعض وجوهها، في الأقلّ، إذا كان ذاك الجلوس وهذا الاستواء واقعاً محقّقاً.
كاتب لبناني

أحمد بيضون

Advertisements

النسيان

أحمد بيضون

مارس 21, 2015

أرغب في لفت الأنظار إلى موضوع ما يزال الخوض فيه سابقاً لأوانه. لا أتجاوز التنبيه إلى وجاهته وليس في جعبتي كلام كثيرٌ أقوله فيه. تحملني على التطرّق إلى هذا الموضوع عودتي – لسببٍ عارض – إلى كتابٍ يصحّ أن يعتبر افتتاحاً فكرياً لهذا القرن الذي نحن فيه اقترحه، في أواخر حياته الطويلة، فيلسوفٌ كان قد وجد الوقت للنظر النقدي في مدارسَ تصدّرت ساحات الفكر الفلسفي وعلوم الإنسان في القرن العشرين: من الظواهرية والوجودية إلى التأويلية إلى التحليل النفسي إلى الألسنية ونظرية الرواية… وكان قد جهد في مدّ الجسور بينها وفي البحث عمّا يمكن أن يرفد به كلّ منها جهد الفلسفة والعلوم لتكوين صورة متكاملة الأبعاد للإنسان المعاصر كما يظهر في سائر أوضاعه وأفعاله.
الفيلسوف الذي أشير إليه هو الفرنسي بول ريكور وكان لي شرف التتلمذ عليه مدّةً قصيرةً في باريس، في وسط الستينيات من القرن الماضي. وأما الكتاب فواحد من أواخر كتبه الأخيرة نشره سنة 2000 قبل رحيله بخمس سنوات. وكان قد بلغ السابعة والثمانين عند ظهور الكتاب ولكنه وجد وقتاً، بعد ذلك، لنشر بضعة كتبٍ أخرى قد يصحّ اعتبارها دون ذلك الكتاب طموحاً أو أهميّةً بين مؤلّفاته.
جعل ريكور لكتابه ذاك عنواناً استعاد بأمانة مدارات أقسامه «الذاكرة، التاريخ، النسيان». ولأقُلْ، على الفور، أنني لا أزمع عرضه هنا. فتلك مهمةٌ لا تتسع لها هذه السطور المعدودة دائماً ولا مناسبةَ تسوّغ الإقدام عليها ههنا. وإنما أحبّ ان أسترشد الصفحات الأخيرة من الكتاب في صوغ سؤال أو أسئلة تلحّ عليّ – وعلى غيري – في أيام الشقاء الذي نحن فيه.
جعل ريكور النسيان موضوعاً للقسم الأخير من كتابه فحصلنا في موضوع النسيان على صفحاتٍ لا تنسى! وهو، بذلك، قد قرن هذا العنوان الذي يبدو، أول وهلة، محتاجاً إلى ما يثبت وجاهته، بعنوانين تفرض أهمّيتهما نفسها من غير سؤال وتفرض معها أهمّية البحث في الجدل المصيري بينهما وهما الذاكرة والتاريخ. والحال أن ريكور يفلح في إبراز النسيان على أنه شرط للتذكّر ولتكوين النص التاريخي معاً. ولكنه يتتبّع النسيان أيضاً بما هو ممارسة قائمة برأسها، بمعنىً ما، كثيرة الوجوه والتجليات تنتشر من سرّ الذاكرة الفردية إلى علن الذاكرة الاجتماعية أو التاريخية. هذه الممارسة تنشعب إلى فرعين رئيسيين يسمّي المؤلف أوّلهما النسيان بمحو الأثر، وهو الضياع القطعي للذكرى، ويسمّي الثاني النسيان الاحتياطي وهو، بخلاف الأوّل، بمثابة الكنز الذي تستقي منه الذاكرة مادّتها محققةً «معجزة التعرّف الصغيرة» لكلّ وجه أو حدَثٍ أو شيء تفلح في استعادته.
وإذ يسوس النسيان الذاكرة ويفرض نفسه في ممارسة التاريخ أيضاً يدخل في أبعد مناطق الشخصية غوراً أي في تشكيل خريطة المواقف المؤسِّسة وما يداخلها من أهواء وعواطف وانفعالات ويدخل في لعبة الهويّات المتحرّكة التي يتداولها السلوك الشخصي. على المستوى الاجتماعي أيضاً، توجد سياسة للنسيان قد تتشعّب إلى سياساتٍ تتواجه عبر الصدوع والخنادق التي ترسم خريطة المجتمع بمستوياتها المتداخلة أو المتراكبة. على هذا المستوى نفسه، أيضاً، يداخل النسيان هشاشة الهويّات التي تصبح هويّاتٍ لجماعات إذ يستوي بعداً من أبعاد الروايات التي تنشأ الهوية أو تتحوّل بالتواطؤ عليها. هذا النسيان الأخير له سياسة أيضاً، بطبيعة الحال. بل إن سياسته أقربُ إلى المعنى العامّ الذي نعرفه للسياسة.
يستأنس ريكور بمبدأ الكبت الفرويدي لإبراز ما يطلق عليه اسم «الذاكرة المعْتَرَضة». فها هنا يحلّ تكرار الفعل في محلّ تذكّره. وهذا مشروطٌ بنوع النسيان الذي يفرضه الكبت بما هو أبعد أنواع النسيان عن محو الذكرى إذ هو يجعلها غير قابلة للمحو. أقْرَبُ من هذا النوع من النسيان إلى النسيان الاجتماعي ما يراه ريكور مقترناً بـ»الذاكرة المتلاعَب بها» وهي تلك التي ينحو إلى تشكيلها عمل الأيديولوجية بما يقضي به من تخيّر لعناصر تناسبه من الماضي (بل من الحاضر أيضاً) ونسيانٍ لأخرى. أخيراً يصل بنا ريكور إلى «الذاكرة المأمورة» وهي ما يصبح النسيان فيها موضوعاً لقرارات تتّخذها السلطة ذات الصلاحية. هذه الذاكرة الأخيرة تجد تجسيداً بارزاً لها في «العفو العامّ» الذي يُجْعَلُ خاتمةً للنزاع الأهلي. وهي تنشئ بهذا المعنى جسراً يبدأ منه جدل معقّد بين نوعٍ من النسيان يصفه ريكور بـ»المفيد» وبين العفو بأقرب معانيه وأعمّها.
في هذا كله ما يصلح التفكير فيه لتلمّس ما قد يفضي بنا إليه مستقبل الأزمات المريرة التي تعصف بمنطقتنا ومجتمعاتنا. ذاك تلمّسٌ يبتغي ردّنا من التأمّل في حاضر هذه الأزمات وفي ما يبدو قريباً من احتمالاتها إلى ما قد تنطوي عليه من احتمالاتٍ بعيدة. وقد يكون في الأمر طموحٌ سابقٌ لأوانه ودعوى تنبّؤٍ تعوزها الأسانيد المستقاة من الواقع. ولكن يكفي أن يكون لما نتنبّأ به حظّ مقبول من السلامة المنطقية (وإن تكن استدلاليةً لا غير) ليستثيرَ أشدّ القلق.
كيف سيتمثّل أولاد هذا الجيل وأحفاده في أقطارنا التي تشهد ما تشهده من الفظائع ما سيروى لهم وصفاً لها وتعليلاً وما الذي سيُذكر وما الذي سيُنسى؟ وهل ستوجَد روايةٌ يحصل التواطؤ (أي ما يسمّى «الإجماع») عليها أم ستتشعّب الروايات فتَسْتذكر هذه ما نسيَته الأخرياتُ وترسم كلّ رواية حدوداً جديدة لجماعة واقفة عند ثاراتها؟ وهل سينفع «عفوٌ عامّ» ما في هذه البلاد أو في تلك في تعيين ذاكرة مأمورةٍ للمعنيين؟ أم أن تكرار الفعل سيترتّب على رفض تذكّره أو على تعذّره كما في الذاكرة المعترَضة؟ وهل سيُتاح لأجيالٍ تخلفنا أن ترتقي إلى سويّةٍ من الإنسانية تمنح العفو معنىً في ما يتعدّى هول ما يرتكب اليوم وما قد يرتكب غداً من الفظائع؟ أم أن جيلنا قد بلغ مبلغاً من الوحشية يُلْزِم أجيالاً مقبلة بالتفوّق عليه في الوحشية ليكون لها أن تقبل أبوّتَه لها؟
من ذا ينظر اليومَ، بين ظهرانينا، في هذا القبيل من الأسئلة قبل أن يَقْتُل أو يُقتل؟
كاتب لبناني

أحمد بيضون

الشهيد والشخص

أحمد بيضون

في تناولنا «ألاقي زيّك فين يا علي»، عمل لينا أبيض المونودرامي الذي كتبت نصّه وأدّته رائدة طه، وهي ابنة شهيدٍ فتْحاويّ سقط سنة 1972 عند اقتحام طائرة كان قد اختطفها إلى مطار اللدّ، وقعنا على نوع من اللعب لا ينتقص من الفجيعة أبداً. وإنما هو أداءٌ لأدوارٍ يستولي أداؤها على حياة رائدة وأمّها وشقيقاتها: أدوار أملاها عليهن استشهاد رأس العائلة واستواؤهنّ عائلة لشهيد…
هذا الحضور للَعبٍ في صلب الفجيعة يظَهِّر شيئاً أصيلاً في حال البشر كان فلاسفة الوجود، على الأخصّ، قد توقّفوا عنده مليّاً. وهو أن الآدمي لا يماثل نفسه أبداً كما يماثل الحجَرُ نفسه. بل هو يبقى مصدوعاً يحزن أو يفرح، مثلاً، وينظر إلى نفسه وهو يحزن أو يفرح. فيلابس الجدُّ اللعبَ في حالته ويمضي في أحواله واحداً ومزدوجاً في آن. والواقع أن رائدة طه إنّما تتنزّه في أدائها بين شِعاب هذا الصدع الذي يشطرها بما هي «ابنة الشهيد» بين مزدوجتين، من جهة، وابنة علي طه، بلا مزدوجتين من الجهة الأخرى. فهاتان صفتان تكادان أن تكونا نفسين لشخصٍ يلبثُ واحداً. في هذا التنزّه الصعب بين النفس والنفس وفي مسرحته تكمن روعة الإخراج وروعة الأداء اللذين تمكنت منهما لينا أبيض ورائدة طه.
وذاك أن رائدة لا تفلح في التنَزُّل عن والدها لصالح الشهيد الذي أصبَحَه ولا هي تريد ذلك. والحال نفسها حال فتحية والدتها وحال سهيلة عمّتها الرائعة. ذاك تنزّلٌ مُحالٌ في حالة هذا العليّ الذي يصحّ فيه السؤال: «ألاقي زيك فين يا علي؟». من إشارات متفرّقة نعلم كم كان مبدعاً في الأبوّة هذا الأب الذي يقول لابنته أن «العصفورة» حكت له شيئاً عنها وحين تردّ عليه منكرةً أن تكون العصفورة تحكي يأتيها في اليوم التالي بعصفورة… تحكي! ومن حكاية قفلِ الباب الذي اضطرّت فتحية إلى تغييره وراحت بعد ذلك تستيقظ مذعورةً خشية أن يعود عليّ ويتعذّر عليه أن يدخل بيته نعلم ما كانه هذا الرجلُ في قلب زوجته. ونعلم من قصّة الجثّة التي لبثَت زمناً مديداً في البرّاد الإسرائيلي ومن النَذْر الذي نذرته سهيلة ألا تتغطّى صيفاً ولا شتاءً إلا بعد أن تدفن أخاها ما كانه هذا الأخ في قلب أخته.
تحتلّ هذه الشقيقة شطراً صالحاً من نصّ رائدة تظهر فيه فلسطينيةً مقدسية معتدّة بحقّها إلى الدرجة التي تبيح لها أن تبقي السؤال الذي قد تطرحه بشأن جارٍ لها على حاله لا تعدّل فيه حرفاً واحداً حين تطرق باب غرفة في فندق مقدسيّ قائلةً لمن فتح لها الباب: «كيسنجر هون؟»! تستردّ سهيلة بتوسّط كيسنجر جثمانَ أخيها وتدفنه في الخليل، إذن، وتستردّ أيضاً شعورها بالحاجة إلى غطاءٍ بعد أن عاد إليها في ذلك الصيف القائظ بردٌ ينخر العظام كانت قد كبتته في حمّى سعيها إلى استرداد الجسد العزيز من ذلك البرّاد.
يبقى أن اللعب الذي يداخل كلّ شيء ههنا، من جهة آل طه، بما في ذلك جريُ سهيلة وراء الجثمان، يخالطه كثير من الغشّ من الجهة التي أملت على العائلة قواعدَ دورها وألزمَتْها به. يجيء الغشّ، على الخصوص، من حيث يحتسب مجيئه: أي من مدخل الأنوثة التي هي الصفة الجامعة لمن خلّفهن علي طه وراءه. وفي بوادر الاستباحة التي تشير إليها رائدة بصدد والدتها الفتية، على الخصوص، دواعٍ للتقزّز الشديد، خصوصاً وأن المتحرّشين لا يتحرّجون من توظيف «القضية» و»المسيرة» في طلبهم لمبتغاهم. غير أن المؤدّية، بما هي عليه من خفّة ظلّ في كل ما تفعل وتقول، تفلح في تحويل هذا كله إلى نوعٍ من اللعب أيضاً تسعفها في ذلك أنفة والدتها وتشبّثُها بكرامتها.
هذا كلّ شيء تقريباً. هذا ما يجعل هذا العمل نقداً نفّاذاً لأطنانٍ من الكلام تخصّ الثورة والشهادة. وهو ما يبقيه بعيداً كلّ البعد عن إهانة الثورة أو الشهادة. وإنما هو إخراج للثورة من سحرها الاختزالي إلى نور بشريتها المعقّدة. وهو أيضاً ردّ للشهيد إلى أهله. تبقى إشاراتٌ إلى موقع العمل من وَسَطه ومن وقتِ إعداده وظهوره…
يتّصل عمل لينا أبيض ورائدة طه بخيطٍ مؤكّد المتانة، وإن لم يَسْهل تبيُّنُه، بأعمال فلسطينية أخرى ترسي معالم حقبة جديدة من الإبداع الفلسطيني وتشير بذلك، على الأرجح، إلى طور جديد من أطوار الوجدان الفلسطيني أيضاً. ينشئ هذا العمل، مثلاً، نوعاً من القرابة بينه وبين النَفَس الذي مثّله كتاب سعاد العامري «شارون وحماتي»، وقد صدر بالإنكليزية أوّلاً قبل أزيد من عقد. ويوجّه العمل نفسه أيضاً تحيةً خفية إلى «عمر» رائعة هاني أبو أسعد السينمائية التي شاهدناها في بيروت قبل وقتٍ يسير.
تصل بين رائدة طه وسعاد العامري روح الفكاهة النفّاذة التي تفلح في تحويل السخرية من النفس ومن أصحاب الحقّ باباً إلى ترسيخ للحقّ لا تقوى على مثله الخُطب وإلى إبلاغ أهله ذرىً لا يسهل بلوغها على أيٍّ كان. ليس أمراً هيّناً أن تبدو «ابنة الشهيد» على هذا القدْر من المرح وأن تستثير هذا الضحك الكثير في قاعة المسرح فيما هيتتناول شهادة والدها وحال الفقدان التي خيمت بعد هذه الشهادة عليها وعلى عائلتها.
وأما عمل أبو أسعد فتصل بينه وبين عمل أبيض – طه جرأةٌ في تقحّم المحرّم أو ما يشبه المحرّم ما كانت لتفضي إلى غايتها بلا رهافة التناول وبلا النُبْل الشخصي الذي يجعله تأصّلُه في هؤلاء الفنّانين متّسِعاً لكلّ صعب. يعالج أبو أسعد العمالة، بمعنى التعاون مع العدو، فيضرب صفحاً عن التحقير السهل للعملاء ويدخل إلى الظاهرة من باب الجُرْم المتمادي الذي يمثّله «تصنيع» العدوّ للعملاء. وهو «تصنيع» يتشكّل من ضروبٍ قصوى من الحقارة يلجأ إليها الجهاز الإسرائيلي. تقابل هذا الأسلوبَ مقاومةٌ من جانب الشبّان الفلسطينيين تُظْهر ما يحتاج إليه من بطولةٍ لا يمكن افتراضُ توفّرِها في المعرّضين جميعاً تجنّبُ السقوط. هكذا يدخل أبو أسعد من جهة العمالة إلى الحرم نفسه الذي دخلته أبيض وطه من جهة الشهادة. لا العميل يُختصر في عارِه ولا الشهيدُ يَقْبل الاختزالَ في مجده. وإنما يبقى النظر إلى البشري واجباً في الحالين وجوبَه في كلّ حال أخرى…
تشي هذه الأعمال بنضجٍ في هذه الموجة الجديدة من الفنّ الفلسطيني هو، على الأرجح، نضج من جرّب كلّ شيء: في السياسة وفي الحياة عموماً. يَعْرض هذا النضجُ الفنّيّ نفسه في وقتٍ تبدو فيه أبوابُ السياسة مغلقةً أمام الفلسطينيين، سلماً كانت السياسةُ أم حرباً. فلعلّ هذه الأعمال إشاراتٌ إلى حقّ الفلسطينيين الأصيل في أن تُفتح لهم أبوابُ الحياة. وهذا حقّ للأشخاص قد تضيّق السياسة، على اختلاف مصادرها، من حظوظ ترجمته ولكنها لا تقوى على الطعن فيه.

كاتب لبناني

«ألاقي زيّك فين يا علي؟»

أحمد بيضون

شعرتُ أن حظّي أسعدني بحضور هذه المسرحية… وكان ممكناً جدّاً أن يصرفني عن حضورها ازدحام العروض أو كثرة المشاغل. بل إنني شعرتُ أن كلّاً من المشاهدين الذين اكتظّ بهم مسرح بابل البيروتي قد شاطرني هذا الشعور حين وقفنا، في نهاية العرض، مصفّقين بحماسة مدوّية للينا أبيض ورائدة طه… كنّا نختتم أمسية باهرةً حقّاً.
يبدو العمل عمل أخذٍ باليد تولّته لينا أبيض لاستعادة رائدة طه السيطرة على حياتها. ولا غروَ أن تكون هذه العملية قد استغرقت زمناً طويلاً واقتضت جهوداً ومعاناة مضنية. ولا ريب أنها بدأت بمعنىً ما في وقتٍ سبق تعرّف كاتبة النص ومؤدّيته على المسرح رائدة طه إلى المخرجة لينا أبيض. وحيدةً تبقى رائدة، مدّة العرض. تبقى جالسة، معظم الوقت، بثوبها الفيروزي البسيط على الأريكة البسيطة، لا تسعفها إلا صوَرٌ متقشّفة أو مقاطعُ فيديو قصيرة تستقبلها الشاشة التي خلفها بين حينٍ وآخر.
ومن المشهد الأوّل الذي تستعيده رائدة، وهي تباشر، وقد بلغت الخمسين، تمريناً عسيراً هو أداء سيرتها الفعلية على مسرح، يظهر بُعْدا العمل الشخصي والسياسي في حال الاتّحاد المدهش التي ستبقى حالهما مدّة العرض كلّه.
المشهد الأوّل مشهد اغتصاب. لا منجاة من الإحالة على اغتصاب فلسطين فهذا اسم الحدث العامّ الذي اغتصب حيواتٍ كثيرة منها – بمعنىً ما – حياةُ رائدة. ولكن في هذه الإحالة سهولةً زائدة. فكأن في الاغتصاب الذي يستعيده المشهد نوعاً من الغمز الساخر من قناة ما آل إليه الاغتصاب الأصلي. وذاك أن الفلسطينية رائدة تبقى هي من يتعرّض لمحاولة اغتصابٍ في شقّتها في تونس ولكن صاحب المحاولة ليس إلا واحداً – لن نعرف اسمه – من ذوي السطوة في قيادة الثورة الفلسطينية التي كانت قد استقرّت هناك، حولَ ياسر عرفات، بعد خروجها من بيروت…
هي إذن ضربة معولٍ أولى في سحر الثورة تباشر بها رائدة حكايتها إذ توحي إلينا أن في وسعها أن تقول كل شيء (تقريباً!) فيما سحر الشيء يقوم على كتمان جوانب منه بالضرورة. والحادثة نفسها مدخل أوّل تعرضه علينا رائدة إلى حال الفقدان التي بقيت فيها منذ منيت باليُتْم وعجز ياسر عرفات نفسه (وكان قد تكفّلها وأخواتها وكانت تعمل في مكتبه في تونس) عن رأْبِ صُدوعها.
شعرت الشابّة أن والدها وحده كان القادر على ردّ هذه الغائلة عنها… ولم يلبث شعورُها أن تأكّد حين بدا أن أبا عمّار الذي شكت إليه أمرها لم يبدُ، في ما يتعدّى التهديد والوعيد، أنه زحزح المعتدي عن موقع نفوذه. ستبقى رائدة مستوطنةً فقدان الأب هذا. ستبقى في الالتباس الضخم الذي مثلته لها خسارة والد سقط في سبيل فلسطين ولكنه – إذ سقط – وقعت شهادته في وسطٍ أخذت أهواؤه تتقاذف معانيها وترك زوجته وبناته لثورةٍ كان فيها من يرعاهنّ لقاءَ أدوارٍ استولَت على حياتهن وكان فيها أيضاً من رأى إلى الوالدة فريسةً محتملة قبل أن يوجَد من يحاول اغتصابَ البنت معتدّاً بنفوذه وافتقادها إلى السنَد.
وذاك أن رائدة طه هي ابنة علي طه. وكان والدها المنتمي إلى منظّمة أيلول الأسود (المشتقّة من منظّمة فتح بعد الخروج من الأردن) قد سقط في عملية قادها، ومعه شابٌّ آخر وصبيّتان، تمثّلت في خطف طائرة لسابينا البلجيكية في سنة 1972 إلى مطار اللدّ الإسرائيلي سعياً إلى إطلاق أسرى فلسطينيين. قُتل الشابان وأُسرت الفتاتان عندما اقتحمت الطائرةَ قوّةٌ إسرائيلية قادها إيهود باراك وكان فيها بنيامين نتانياهو… وقد لبثت الفتاتان في الأسر عشر سنوات ثم أفرج عنهما في مبادلة.
كانت رائدة في السابعة عندما أصبحت ابنة شهيد: الكبرى بين بناتٍ أربع، وكانت والدتها فتحية في السابعة والعشرين…
في موضع الالتحام من بعدَي الأداء الذي تقوم به رائدة لنصّها يقع ثنائيّ «الشهادةـاليُتْم» ويلابسه ثنائيّ «الشهادة-الترمّل» الذي يستولي على والدتها استيلاءً يقوم بإخراجه مَن حولَها إخراجاً طقسياً موسوماً بالعنف وشدّة الإيلام.. والاستيلاء هو المصطلح المُحْكَم لتسمية هذه الحالة. وذاك أن الشهيد لا يقدّم حياته وحسب وإنما يتخلّى للجماعة عن الكثرة في أبعاد وجوده بما هو شخص وعن الشبكة البشرية المنعقدة حول شخصه، أي عن عائلته أيضاً. وإذا كانت العائلة تلفي من يرعاها في مؤسّسات الثورة ومن يخصّها بالعطف في دوائر ضيقة وواسعة من محيط الثورة البشري فإن لذلك مقابلاً هو أن تتقبّل العائلة اختزال الشخص الذي فقدته إلى صورته المؤمّمة وأن يختزل كلٌّ من أعضائها نفسه إلى الدور الذي تمليه علاقته بصورة الشهيد تلك لا بفقيده-الشخص. هكذا يملي استشهاد علي على فتحية أن ترى إلى نفسها امرأةَ شهيد أوّلاً وآخراً ويملي على الصغيرة رائدة وعلى شقيقاتها أن يكنّ بنات الشهيد الذي هو صورةٌ متجمّدة الملامح والذي يدلّ اسمه العلم على صورته تلك لا على شخصه الذي كان…
يملي هذا التحويل المباغت بما فيه من قسوةٍ وبما له من إغراءٍ أيضاً أدواراً عامّة تكاد أن تستغرق أشخاص الأحياء وتأخذهم من أنفسهم. في هذه الأدوار شكليّاتٌ كثيرة وفيها ممنوعات بينها كلّ ما يشي بالانكسار وفيها، فضلاً عن التكفّل، بوجهيه الماديّ والاعتباري، تعويضاتٌ شتّى من بينها الانخراط في شبكة العائلات الشبيهة والتصدّر في مناسبات شتّى والرقص «الثوري» والأسفار التي يستدعيها تمثيل الثورة ولا تخلو من ترفيه، إلخ.
على أن إبداعَ رائدة طه إنّما يتمثّل، في شطرٍ جسيمٍ منه، في كشف اللعب الذي ينطوي عليه هذا النوع من الأدوار من أقصاه إلى أقصاه وفي كشف ما يتخلل اللعب من غشٍّ في اللعب أيضاً. في حالة الطفلات يبدأ اللعب فور وصول خبر الاستشهاد إذ يستمتعن، مثلاً، بالخلاص المؤقت من ممنوعات صغيرة رفعَها انشغالُ والدتهن بمصابها. وفي حالة الوالدة يبدأ اللعب فوراً أيضاً إذ تجد نفسها محاصرةً بما ومن يملي عليها بلا هوادة قواعدَ الحزن والحداد الموائمة لحالتها. هذا اللعب يستمرّ طويلاً طويلاً. فمع أن العائلة تستعيد بعد حينٍ خلوتها إلى نفسها وإلى خسارتها فإن شهادة الشهيد تبقى ماثلةً في أفق قريب تحكم حركات الإناث الخمس اللواتي خلّفَهُن وسكناتِهن. عليه يتواصل اللعب. ما الأفق الذي يفتح عليه هذا اللعبُ علاقةَ رائدة بدورها بما هي «ابنة الشهيد»؟ وأين يقع عمل أبيض – طه من الفنّ الفلسطيني، في طوره الأخير؟ وهل من جديد يشير إليه في وجدان الفلسطينيين هذا العمل وأشباهه…إذ نحن نرى – أو نفترض – له وجوهَ شَبَه بسواه من الأعمال الحديثة العهد؟
تستحقّ هذه الأسئلةُ (بسببٍ من قيمة العمل كلّه، بالدرجة الأولى) أن نخصّها بعجالتنا المقبلة.
كاتب لبناني

أحمد بيضون