القيصر وهندسة العدوّ المناسب

أحمد بيضون

ما يريده بوتين في داخل سوريا لا يفوت فطنة الفطين: إنه اختصار الحرب الدائرة إلى مواجهةٍ بين النظام الأسدي والإرهاب الداعشي. لبوتين أغراضٌ أخرى تتعلّق بالعودة المظفّرة إلى شرق المتوسّط وبتدمير الوحدة الأوروبية، على الخصوص. وذاك أن القيصر الجديد لم يهضم، على ما يبدو، انقلاب الاتّحاد السوفياتي أثراً بعد عين وما كان سبق ذلك بزمن من تضعضع نفوذه في الشرق العربي، وما تبع انهيار جدار برلين من انحسار ذاك النفوذ عن أوروبا الشرقية جملةً. وهو يرى فرصةً في تضعضع قوى النظام الأسدي لتحقيق ما يتجاوز بكثير مجرّد الحفاظ على قاعدة كانت له على المتوسّط إلى السيطرة المبرمة على سورية. وهو ما يبيح له أن يعود لاعباً راجح الحضور في مصائر منطقة قريبةٍ إلى حدوده بما لموقعها من أهمّيةٍ إستراتيجية معلومة بين قارات العالم القديم الثلاث.
يعود سيد الكرملين متخففاً تخفّفاً كلّياً من تقدّمية الاتّحاد السوفياتي واشتراكيته السالفتين. يعود وهو ظاهر المودّة لإسرائيل بحكومتها اليمينية. وهو قادرٌ على الجمع، في المفاوضة على الصفقات الكبرى، ما بين حاكم مصر المرتدّة على ثورتها وبين حاكم السعودية المتوجّسة لا من التقارب الإيراني الأمريكي وحسب بل أيضاً من بوادر الانكفاء الأمريكي عن الشرق الأوسط كلّه، وإن يكن انكفاءً نسبيّاً بالضرورة. وفي مرحلة الانكفاء المتدرّج هذه يجد القيصر الجديد فرصته للعودة مستثمراً إلى الحدّ الأقصى موطئ قدمه السوري.
من سوريا أيضاً ـ وهو ما يبرز أهمّية موقعها ـ يباشر سيّد الكرملين زعزعة غريمه القريب الأكبر وهو الاتّحاد الأوروبي. يضع نصبَ عينيه، بطبيعة الحال، كسب الصراع على أوكرانيا والتحرّر من العقوبات الغربية أوّلاً. وهو يعلم أن استواءه طرفاً رئيساً في الصراع على المشرق العربي بابٌ إلى تكثير احتمالات المقايضة في الصراع الآخر. ولكن أمامه، في ما يتعدّى هذه المحطّة، خريطة أوروبا الشرقية بما ضمّ الاتّحاد الأوروبي إليه من دولٍ فيها كانت حديقةً أماميةً للاتّحاد السوفياتي. فإن الاتّحاد الأوروبي يستشعر اليوم نهوض ما فيه من قوى اليمين الأقصى محمولة على أكفّ عدّة بين أهمّها موجة اللجوء العارمة التي أضعفت القوى الحاكمة في أهمّ دول الاتّحاد. وهي موجةٌ يتعهّد نموّها الطيران الروسي معاضداً في ذلك النظام الأسدي وسائر مؤازريه على الأرض. وأما اليمين الأقصى، الذي يشتدّ أزره في غرب أوروبا فيقيم القيصر أحسن العلاقات مع أبرز قواه ويتّفق أن هذه القوى تتحرّق بدورها شوقاً إلى إطاحة الاتّحاد الأوروبي. في المساق نفسه يُضْعف طوفانُ اللجوء تركيا، وهي طرفٌ إقليمي مرموق في مواجهة الزحف الروسيّ الإيراني. هذا فضلاً عن امتحانه تماسك دولتين صغيرتين حافّتين بسورية هما لبنان والأردن.
في الداخل السوري يتبع الطيران الروسي سياسة الأرض المحروقة ويفتك فتكاً ذريعاً بالمدنيين للقضاء، بأيّ ثمنٍ كان، على كلّ خصمٍ للنظام يتعذّر زجُّه في خانة الإرهاب. هذا ما كان النظام نفسه يحاوله، بنُصْحٍ ومعونة إيرانيين، قبل دخول الروس. وهو ما عناه إطلاق سراح الإسلاميين المتشدّدين بالمئات من السجون الأسدية في أوائل الثورة. وهو ما عنته، في المدّة نفسها، مواجهة التظاهرات السلمية بالنار وبالاعتقال بلا حدّ وبتعذيب الألوف من المعتقلين حتى الموت… وهذا مع تعميم القتل والدمار على المناطق الثائرة بلا حدّ أيضاً. ذاك أيضاً ما عناه لاحقاً إخلاء الرقّة لفصائل مقاتلة لم تلبث أن تصدّرتها جبهة النصرة التي أخلت المدينة لداعش ثم إخلاء تدمر لداعش بلا قتالٍ يُذْكر، بعد أن كان جيش نوري المالكي، حليف الحكم الإيراني والأسد، قد أخلى لها الموصل بلا قتالٍ يُذكر أيضاً.
أفضل وصفٍ يسعنا اقتراحه لهذه الاستراتيجية، في طوريها الأسدي الإيراني والأسدي الروسي، هو أنها «هندسةٌ للعدوّ المناسب». لا يناسب نظام الأسد أن يدع عدوِّه يظهر على حقيقته لينكشف وقوفه بالحديد والنار في مواجهة شعبه. يناسبه أن يكون الإرهاب هو العدوّ المتصدّر لأن الإرهاب عدوّ العالم كلّه ولأن تصدّر الإرهاب يتيح استصراخ العالم كلّه عِوَض مواجهة معظمه إذا بقي العدوّ ثورةً شعبية. لذا يجهد النظام وحلفاؤه في سحق كلّ معارضةٍ باستثناء الإرهاب… هذا الأخير لم يلق منه، ومن حلفائه، في ما يتعدّى المناوشةَ والمناغشة، سوى التساهل والتشجيع الاستراتيجيين والدفع إلى صدارة المواجهة.
وبخلاف ما قد يتوهّمه المتعجّل، ليس لهذا «التشخيص» أدنى قرابة بـ»نظرية المؤامرة». وإنما نبرز ههنا مبدأً إستراتيجياً اعتُمد واقتضى المضيّ في تطبيقه قُدُماً أفعالاً مكشوفة بعضها هائل الضخامة. ولكنّه اقتضى أيضاً تمويه التراجع المراد من جانب النظام بالقتال المحدود. ولا يستقيم القول، على الأرجح، أن ما جرى كان مخطّطاً له من اليوم الأوّل أو من السنة الأولى. ولكن المبدأ المشار إليه ينتظم، بلا ريب، أفعالاً ومحطّات، روعي في كلّ منها، إلى الحدّ الممكن، مقتضى الظرف وحاجات المهمّة المطروحة. هذا المبدأ، بما يرمي إليه اعتماده من «هندسة للعدوّ المناسب»، كان لزومه يقضي، أوّل ما يقضي بإباحة العنف إلى حدّ التوحّش وبالتجاوز عن كلّ حسابٍ قد يحسب لمصائر المدنيين المقيمين في مواقع القتال أو لسلامة البيئة أو لثروة البلاد العمرانية أو الأثرية. فجاز القصف بالطيران من دون حدّ، وجاز استخدام السلاح الكيميائي والبراميل العشوائية في مدن وبلدات مأهولة، وجاز، لأوّل مرّةٍ منذ أن وُجِدَت الصواريخ البالستية، توجيهها عبر البلاد من جنوبها إلى شمالها لضرب أحياء مدينية، لا في مساق حربٍ «خارجية»، بل في مساق القمع الجاري لتمرّدٍ داخلي.
ما الذي يلوح خلف هذا السلوك الأسدي، حين يدعى إلى تصدّره، بعد أن أخذت قوى النظام الأسدي تخور، دولة كبيرة لها مطامح إيران، بما لها من أذرع، ثم دولة كبرى لها مطامح روسيا؟ من هذا السؤال نبدأ عجالتنا المقبلة.

٭ كاتب لبناني

أحمد بيضون

Advertisements

نسبية المعرفة ومصير العقل

أحمد بيضون

في كتاب سوكال وبريكمونت، إذن (وقد بدأنا حديثه في عُجالتنا الماضية) ما يتعدّى المآخذ الموضعية على بعض ما انطوت عليه أعمالٌ لأركان «ما بعد الحداثة» من المفكّرين الفرنسيين، وعلى استعارتهم نماذج من الرياضيات والفيزياء المعاصرتين، على الخصوص.
في الكتاب تناولٌ نقدي للموقف الفكري الذي ينتظم هذه الأعمال ويمثّل منطلقاً لها ومصبّاً في آن. ذاك هو القول بـ»النسبية المعرفية».
لا يجعل سوكال وبريكمونت نفسيهما خارج «النسبية المعرفية»، على نحوٍ قطعي. ولا هما يدّعيان دحضها، بل هما يقولان بتعذّره. هذه النسبية (وهي واحدة من نسبيات ثلاث لا يعرض المؤلّفان لاثنتين منهما: وهما النسبية الأخلاقية والنسبية الجمالية) موقف فلسفي لم يجترحه أركان ما بعد الحداثة الفرنسيون، بل هم بنوا عليه وذهبوا به مذاهب شتّى: بعيدة وقريبة. وإنما هي تجد مرجعها في الفلسفة الكلاسيكية عند ديفيد هيوم، مثلاً، وفي عهد أقرب إلينا عند نيتشه وفي عصرنا عند كارل بوبر وأقران له مختلفين وعند مارتن هيدغر أيضاً. فهي تفيض كثيراً عن نطاق «الأعيان» الفرنسيين الذين كُرّست لهم فصول من الكتاب ويعرض المؤلفان، في مساق نقدها، لمؤلّفين عديدين مختلفي الجنسيات. وحين يقال إنها لا تُدْحض يسري ذلك على صيغ قصوى منها: من قبيل القول بـ»التوحّد» أي بكون القائل بها موجوداً وحده في الوجود ولا وجود لسواه. فكيف يُدحض موقف عالمة بارزة من علماء المنطق، تدعى كريستين لاد فرانكلين، كتبَت إلى برتراند راسل تقول إنها «توحّدية» وتَعْجب أنها لا تجد من يعتمد يقينها هذا بين الناس؟!
على أن سوكال وبريكمونت يلفتان إلى أن تعذّر دحض القول ليس دليلاً على صوابه البتّة. وهو ما يفتح من جديد أبواب المناقشة في مناحي النسبية المعرفية ودرجاتها، مُبيحاً بَسْطَ الحجج للمفاضلة بين ما ينتسب إليها من طروحاتٍ مختلفة المشارب… ولكن ما هي «النسبية المعرفية» أصلاً؟ هي القول إن المعرفة لا تتعلّق بالموضوع وحده، بل بعلاقته بالعارف وإن ما ينتهي إليه هذا الأخير، في أي موضوع، ليس حقيقة موضوعية بل صيغةً للمعرفة مُلْزَمةً بالتقدّم في قوالب لغةٍ بعينها، وبما تعكسه هذه الأخيرة من اصطلاح اجتماعي يكيّف بدوره التكوين الشخصي للعارف. ولعلّ أبرزَ مثالٍ يستهدي به هؤلاء في إيضاح موقفهم هو «مبدأ اللايَقين» الذي جاء به الفيزيائي فيطرنر هيزنبرغ. ومؤدّاه أن درس مكوّنات الذرّة يقتضي إضاءتها… وأن تسليط الضوء هذا، بعناصره التي «يقصف» بها الدارس عناصر موضوعه، يفضي إلى تغيير في حالة الموضوع تجعل المعرفة المتواقتة لأي اثنين «متكاملين» من المتغيّرات الواصفة للموضوع أمراً محالاً. لا «يقين» إذن يبيح أن يوسم بـ»الموضوعية» وصفنا لعناصر الذرّة المدروسة. هذا «المبدأ» الذي يشير المؤلّفان إلى إساءة نقله المتكرّرة إلى مجال علوم الإنسان والمجتمع ونظرية المعرفة الخاصّة بها مبدأ مقرّ في المنظومة التي إليها ينتمي. وفي مناقشتهما لأمثال كارل بوبر وتوماس كون وبول فيرَبند، يبقى سوكال وبريكمونت بعيدين عن إنكار النقصان في المعرفة العلمية والتبدّل في أمثولاتها وسوء التأويل للمعطيات الذي يبقى العلماء عرضة له، ويجهد لتقريبه من جادّة الصواب علماء لاحقون. هذه نسبية يريانها مقبولة ويقبلان ما يعادلها في علوم الإنسان والمجتمع. وكان كلود ليفي- ستروس، مثلاً (ومؤلّفانا يجادلانه في بعض فرضيّاته) قد أظهر وجود منظومات متباينة للمعرفة تتوزّعها المجتمعات من «وحشية» وغيرها ولا تعدو منظومة الفكر العلمي الذي تأخذ به المجتمعات الحديثة أن تكون واحدةً منها.
على أن «نسبيةً» يقرّ بها العلم ويؤكّدها تقدّمه نفسه ويسعى العلماء، بلا توقّفٍ أو كَلَل، إلى نقد آثارها وتصويب ضلالاتها هي غير «النسبية» التي تذهب إلى إنكار وجود العالم الموضوعي من أصله، وإلى اعتباره بناءً اصطلاحياً تنشئه المجتمعات بلغاتها وتقاليدها… هي غير نسبية «البرنامج الشديد» في فلسفة المعرفة، وهو يجهد لردّ المعارف العلمية إلى بواعثَ اجتماعية يرى أنها تستنفد مضامينها. هي أيضاً غير «النسبية» التي تضع المعارف كلّها على قدم المساواة، مسوّية ما بين العلم وما يدحضه العلم من فكرٍ سابق له. فيكون منها، مثلاً، أن تفترض الصواب لعلم الفلك الحديث وللمعرفة التقليدية بالنجوم والأبراج سواءً بسواء. وترى أن حركة الشمس الظاهرة في أفق الأرض حقيقة، في نطاقها المعرفي، مساوية لدوران الأرض حول الشمس ولمعرفتنا الحالية بالنظام الشمسي، في نطاقٍ معرفيّ آخر. فعند هذه النسبية أن أمر الحقيقة مودَعٌ عند الجهة العارفة فلا يختصّ بالموضوع المعروف ولا ينسب إليه.
يوضح سوكال وبريكمونت أن هذا الجدال يتعلّق، في نهاية مطافه، بمكانة العقل، وأن «النسبية» حين تُنْصب حدّاً لعمل العقل ولا تعدّ حافزاً لمسيرته إنّما هي أَمارةٌ لانقلاب أساطين «ما بعد الحداثة» الفرنسيين على فلسفة «الأنوار» الفرنسية، أي على الإسهام الفرنسيّ الأهمّ في تأسيس العالم الحديث أو بعضِ ما هو قابلٌ لخدمة التفتّح الإنساني فيه، على الأقل. ويعجب المؤلّفان، وقد سبق القول إنهما من أهل «اليسار»، أن يكون خصوم العقل المحْدَثين في فرنسا من أهل «اليسار أيضاً. وهما يريان بعضاً من تفسير هذه المفارقة في انهيار اليسار التقليدي وخواء وفاضه، من فكريّ وغيره، وفي تعيين هذا الجيل من أهل الفكر مواقعهم في مواجهة تراثه. وهو ما قد يحمل على إطاحة الصالح والطالح، خصوصاً عند النظر في أفق يبدو متفاقم الانغلاق منذ أن فشل السعي إلى تجديد اليسار في حركة 1968 وفي غدواتها. على أن هذا لا يمنع المؤلّفين من التشديد، عند التطرّق إلى الجانب السياسي من فكر «ما بعد الحداثة»، على كون العداء للعقل والظلامية كانا دائماً عُدّة شغلٍ يمينية وأن في هذه الواقعة ما يحمل على ردّ العقل إلى مقامه السامي في جهة «اليسار».
لا يفوت سوكال وبريكمونت أيضاً أن يدرجا هذا الجدال الذي يخوضان فيه في مداه التاريخي. فيعيدان إلى الذاكرة نقدَ برغسون المشهور لنسبية آينشتاين في كتاب سمّاه «المدّة والتواقت» ولم يلبث أن اضطرّ إلى وقف إعادة طبعه فلم تصدر له طبعة جديدة إلا بعد وفاة المؤلّف بمدّة مديدة. يرى المؤلّفان في كتاب برغسون هذا كتاب فلسفة، بطبيعة الحال. ولكنهما يضيفان أنه كتاب فيزياء أيضاً وأنه كتاب فيزياء رديء مشحونٌ بالمغالطات، بصدد آينشتاين ونسبيته، وجديرٌ، من هذه الجهة، بموقع يتبوّأه في الصفّ الذي ينتظم فيه رعيل «ما بعد الحداثة» الفرنسي.
لا تبيح لنا معرفتنا بحدّنا إبداءَ رأي إجماليّ في قيمة هذا الكتاب: كتاب سوكال وبريكمونت. فهو، في الجانب الأهمّ منه، يستقي حججه من علومٍ ليس لنا منها نصيب يذكر. هذا مع أن الكتاب شديد الوقع على قارئه، في كلّ حال. فهو يغيّر النظرة إلى مؤلّفين عشناً مع أعمالهم وبها حيناً من الدهر. ثم إن عرضاً سريعاً للردود عليه يُظْهر بيسر كم كانت سقيمةً بل منحطّةً أحياناً ولو وقّعها أمثالُ جاك درّيدا وميشال سير. على أن الكتاب لا ينبغي له (ولا هو يريد، في ما نرجّح) أن يُدْرِج في جرابٍ واحد دعيّةً من طراز كريستيفا وفيلسوفاً له قُماشة دولوز.
نبقى على يقين، في الختام، أن العالم الموضوعي موجودٌ بقوانينه التي يواصل العلم تبديلَ نفسه ليُحْسِن استقصاءَها… وأن من يعتبر هذا العالم وقوانينه مجرّدَ «اصطلاحٍ» لغوي- اجتماعي ليس عليه سوى أن يلبّي دعوةَ سوكال (الذي يبدو، فضلاً عن سعة معارفه، رجلاً ظريفاً يحبّ اللعب) إلى تحدّي هذا الاصطلاح من نافذة شقّته الكائنة في الدَوْر الحادي والعشرين!

كاتب لبناني

أحمد بيضون

بين أُبّهةٍ وغِشّ: العلوم في فكر «ما بعد الحداثة»

أحمد بيضون

بين أحداثٍ في الثقافة العالمية شهدها العقدان الفائتان وخلّفت صدىً وأثراً بعيدين، ثم لم يكد يحفل بها النقّاد العرب المختصّون ولا هي استوقفتهم فعلاً، واحدٌ جليل الخطر، حافلٌ بالمغازي أحبّ أن أعود إليه اليوم. أما الدليل على أن المعنيين العرب به جهلوه أو تجاهلوه وواصلوا بعده سيرتهم حيال المسائل التي طرحها من غير تعديل ولا تبديل، فهو شبه الغياب الذي كان نصيب هذا الحدث عن الذاكرة العربية لغوغل، دامَ ظلّه الوارف! فأنت تضع، بالعربية، في نافذة البحث اسمَيْ المؤلّفَيْن اللذين أحدثا هذا الحدث، ومعهما مفاتيحُ أخرى مناسبة وتجدك قد رجعت بما هو أدنى قيمةً من خفّي حنين…
بدأ هذا الحدث بمقالةٍ أرسلها، في سنة 1996، آلان سوكال وهو أستاذٌ للفيزياء الرياضية في جامعة نيويورك إلى مجلّة «سوشل تكست» السامية المقام، التي تصدر عن جامعة ديوك الأمريكية، وهي مجلّة محتسبة لـ»يسار» أكاديمي يساير توجّهات «ما بعد الحداثة». كانت المقالة موشّاة بعدد كبير من الشواهد المقتبسة من أعمال الأركان الكبار لتيّار «ما بعد الحداثة» في فرنسا والمتعلّقة بالرياضيات وبعلوم الطبيعة وبفلسفة العلوم. اختار سوكال هذه الشواهد وهو لا يصدّق منها حرفاً، وهو على يقين بأنها تراوح ما بين الخطأ الصريح والخلوّ من المعنى. ولكنّه بنى عليها مقالته مطنباً في امتداحها والإشادة بأصحابها ومرتّباً عليها ما يرتّبه المصدّق بها من نتائج…
كانت المقالة عبارةً عن «ملعوبٍ» أو فخّ نصبه سوكال (وهو يساريّ أيضاً) للمجلّة اليسارية النهج. وقعت المجلّة في الفخّ ونشرت المقالة بنصّها التامّ. وكان من أثر ذلك، بعد أن صرّح سوكال بحقيقة فعلته، لغطٌ واضطرابٌ في الوسط الأكاديمي المعني وتنبيه إلى التخليط الواسع النطاق الذي يَصِم استخدامَ الفرنسيين من «نجوم» الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع، الذائعي الصيت في الولايات المتّحدة، على التخصيص، لمقتبسات ينتقونها من الرياضيات ومن علوم الطبيعة (من الفيزياء، على الأخصّ) فيسيئون فهمها وعرضها ويتصرّفون بها، في أعمالهم تصرّف من يهرف بما لا يعرف… من ثمّ ذاع الأمر وشاع فأفردت له «نيويورك تايمز»، مثلاً، مكاناً على صفحتها الأولى…
لم يكن سوكال قد استخدم، في المقالة، سوى جانب يسير من مخزون «الدُرَر» الذي كان قد اجتمع في أدراجه وهو يذرع بالطول والعرض أعمالاً كثيرة خلّفَتْها كثرة من أعيان «ما بعد الحداثة» الفرنسيين في العقود الثلاثة أو الأربعة الأخيرة من القرن العشرين. فما كان منه، بعد أن عاين ما أثاره صنيعه من استهجان صحّي، إلا أن قرّر التوجّه إلى جمهور المهتمّين الأوسع بكتاب ضافٍ يفي المسألة ما وجده حقّاً لها. فكان أن ضمّ جهوده إلى جهود جان بريكمونت، وهو أستاذ في جامعة لوفان البلجيكية، يبحث في الفيزياء النظرية وفي فلسفة العلوم وهو يساريّ الهوى أيضاً، نشر أعمالاً متّصلة بقضايا عامّةٍ كبرى، فائضةٍ عن نطاق تخصّصه العلمي. من هذا التعاون خرج كتابٌ كبير صدر في صيغتين فرنسية وإنكليزية تختلف واحدتهما عن الأخرى بتفاصيل محدودة. وللكتاب الإنكليزي عنوانان: «هُراءٌ ذو رَواج» و»تُرّهاتٌ فكرية» وقد اعتُمد العنوان الثاني هذا للكتاب الفرنسي.
في فصولٍ منه، يتناول الكتاب بعضاً من مشاهير «ما بعد الحداثة» الفرنسيين واحداً واحداً: قطب التحليل النفسي جاك لاكان، نجمة نظرية الأدب جوليا كريستيفا، الفيلسوف المعتبر جيل دلوز، قائدة النقد النسوي للغة والمعرفة لوس إيريغاري، النظري السياسي المشهور ريجيس دوبريه، الاجتماعي البارز جان بودريار، إلخ. وهو يوضح بالشواهد الكثيرة كيف أن كلّ واحدٍ من هؤلاء استعار من الرياضيات أو من الفيزياء نماذج نظرية مختلفة وافترض لها صلاحية معالجة أو حلّ لمسائل منتمية إلى دوائر علوم الإنسان والمجتمع أو فلسفة المعرفة. افترض لها هذه الصلاحية بعد أن ارتكب في عرضه لها سقطات بائسةً في فهمها وتقدير ما يمكن بناؤه عليها من نتائج. أسوأ من هذا أن الاستعارة لم يصحبها، في كثرة كاثرة من الحالات، جلاءٌ لوجه التوافق الذي افترضه المستعير بين ما استعاره من الرياضيات أو من العلوم الصلبة وما يعالجه في علوم الإنسان والمجتمع.
لاكان مثلاً لا يدلي بشيء يوضح كيفية التوصّل إلى افتراض ما يفترضه من صلاحية النموذج الطبّولوجي الذي يزعم استعارته من الرياضيات الحديثة لوصف بنية اللاشعور. هو يعامل هذه الصلاحية وكأنها معطاة بلا حاجةٍ إلى دليل ثم يروح يبني عليها كلاماً كثيراً يمنحه المصطلح الرياضي أبّهةً ظاهرة وينزع استغلاقُه إلى ردع كلّ إغراءٍ بالشك أو بالنقد قد يشعر به قارئه… هذا وما يصحّ في لاكان يصحّ مضاعفاً في جوليا كريستيفا، وهي، إذ تبسط نظريتها في لغة الشعر، تتبدّى أكثر جهلاً بما تستلهمه من الرياضيات من لاكان وفي لوس إيريغاري وهي أكثر خفّة في نعت الرياضيات وعلوم الطبيعة بـ»الذكورية» وأمْيَلُ إلى المبالغة الهزلية في استماتتها لتأنيث المعارف كلّها، إلخ.
هل تؤدّي هذه الفضائح والتعميمات إلى إطاحة هذا الصف من «المراجع» الفرنسيين قَضَّه بقَضيضه وإنكارِ كل قيمة لأعمالهم؟ عن هذا السؤال يقدّم المؤلّفان جواباً حذراً. يقولان إن ما جاءا به من نقد وما عرضا له من مسائل في أعمال هؤلاء الأركان لـ»ما بعد الحداثة» الفرنسية لا يفيد شيئاً سلبياً ولا إيجابياً بصدد الجوانب الأخرى من تلك الأعمال، بل إن نقدهم لا يرمي إلى ردع استعارة النماذج من منظومة معرفية إلى أخرى، إذا هي استجابت لشروط بعينها هي بمثابة تحصيل الحاصل. هو لا يرمي أيضاً إلى محاكمة النصوص بمقياسي السهولة والصعوبة مجرّدين من تقدير الضرورة التي يولّدها الموضوع ويسوّغها النصّ نفسه بدرجة تماسكه وعمقه وبمخرجاته.
على أن ما أظهره المؤلّفان يفترض في رأيهما أن لا يعتبر الغموض وتلاطم المصطلحات النادرة، بحدّ ذاتهما، دليلاً على جلال المعالجة، أي على عمقها وجودتها. ذاك، في كلّ حال، بعض ما كان أظهره «الملعوب» الذي وقعت ضحيّته، بهمّة سوكال، مجلّة «سوشال تكست». أهمّ من هذا أن ثبوت تهمٍ تتراوح بين الجهل أو سوء الفهم وبين الغشّ الصُراح على أعيان «ما بعد الحداثة» أولئك، يوجب مطالعة الجوانب الأخرى من أعمالهم بعين الحذر.. هو يفرض، على الخصوص، أن يجعل القارئ نفسه بمنأىً مبدئيّ من أنواع الاحتجاج بالسلطة: أكانت السلطة سلطة «مَرْجِعٍ» في بابٍ من أبواب المعرفة أم سلطة مصطلحٍ ومنظوماتٍ من المعارف ذاعَ لها صيتُ الضبط والربط.
على أن في كتاب سوكال وبريكمونت ما يتعدّى هذا التناول لأشخاص بأعيانهم بهذا النقد الموضعي الذي يصطاد «دُرَرَ» هفواتهم في معاملتهم علوماً لا تَضَلُّع لهم منها يبيح ائتمانَهم على بعض منجزاتها النظرية أو المنهجية. في الكتاب شيءٌ آخر يسوّغ لمؤلّفَيه القولَ إنه كتابان في مجلّد واحد. هذا الشيء هو التعرّض لفكر «ما بعد الحداثة» في أُسُسه، أي، على الخصوص، للقول بـ»نسبية المعرفة» وللذهاب بهذا القول مذاهب شتّى تختلف قيمةً وجدّةً باختلاف الباحثين والمسائل. هذا الجانب الآخر من الكتاب، نكرّس له عجالتنا المقبلة.

كاتب لبناني

أحمد بيضون

جسدُ الهوية وخواء السياسة

أحمد بيضون

أُكْمِل إذن حديث بَكَواتٍ لبنانيين شَغَلوا مواقعَ في عالَم الطفل الريفي الذي كنتُه.
كان رشيد بك هو البك «النادر» الآخر الذي اعتمدته في مخزوني الاحتياطي من البكوات. وأقول «نادر» لأن اسمه، شأن اسم حسن بك، بقي قليل التداول حولي. كان هذا البك من عائلتنا نفسها ولكنه كان ينتمي إلى الفرع البيروتي منها. وكان قد أصبح بيروتي الملعب بعد أن نقل كرسيّه النيابي من الجنوب إلى العاصمة. وكانت بكويته مؤكّدة بحكم أدوارٍ بارزة لعبها قبل أن أولد. وهذا بخلاف والدي الذي كان أصغر منه سنّاً وأَبْعد عن مركز السلطة، وكان لا يزال يسعى إلى التكريس النيابي. ولم تكن علاقة والدي برشيد حسنةً دائماً، لا بسببٍ من منافسةٍ لم تكن واردة، بل بسببٍ من تقلّب التحالفات الواسعة الذي كان ينتهي بالرجلين، أحياناً، كلّاً إلى صفّ من صفّي الزعامات الشيعية المتقابلَيْن. مع ذلك كانت مكانة رشيد بك ودوره مبعث اعتزاز إجماليّ لعائلتنا، مشوبٍ ببعض عتَبٍ مصدره أن هذ البك لم يكن يولي اهتماماً لتعزيز الفرع المقيم في جبل عامل من العائلة ـ أي نحن ـ بل كان يبدو أقرب أحياناً إلى خصوم هذا الفرع البلديين.
أهمّ من هذا كلّه عندي كان أن البك المذكور طارت له سمعةُ وسامةٍ باهرة شهدَت بها صورة انتخابية ظهر فيها شابّاً بطربوشه وشاربيه العقربيين ونظرته المتشاوفة. وذات يومٍ حضر رشيد بك لزيارة الوالد في بلدتنا، وكنت لا أزال دون العاشرة أيضاً. وكان العِلْم بالزيارة قد وصل قبل أيّام من حصولها وأعدّت العدّة لاستقبال البك. هذه العدّة انطوت على قصيدة قصيرة كتبها لي معلّم في مدرستي، كان أوّل من دخل سلك التعليم الرسمي من العائلة. وكان عليّ أن ألقي القصيدة بين يدي البك ومطلعها: «هذا كلام صغارنا / أَكْرِم بفعل كبارنا»… ثمّ أرشق البكَ بباقةٍ من الزهور بعد ان أعلنَ عن نيّتي الإقدام على هذا الفعل في البيت الأخير من القصيدة. وهو ما فعلتُه وكوفئَ بتصفيق الحضور الغفير.
لاحقاً سمعتُ والدتي تروي أن البك دمعَت عيناه حين قبّلني بعد انتهائي من إلقاء القصيدة. لم أكن لاحظتُ هذه الدمعة، من جهتي، ولكن لا ريب أن بعض الحضور ذكروا أمرها للوالدة. وقد علّلَتها الوالدة بأن البك غلبه التأثّر من ألمَعِيّتي لأنه، مع تقدّمه في السنّ، لم يكن قد أنجب! عليه كثرت دواعي شكّي في استحقاق هذا البك بكويّته، مع أنه كان، على الأرجح، أوّل بكٍ يشعر بوجودي فيشهد بحُسْن إلقائي ويخُصّني بقبلة شكرٍ سامية! كان تامّ الأناقة، لا غضون في سترته، ويعزّز امتياز مظهره شيءٌ من الذهب عدتُ لا أذكر اليوم إن كان خاتماً أم سلسلة! ولكنّ التجاعيد ومعها الشيب كانت قد باشرت ظهورها في وجهه فبدا لي أن وسامته الأسطورية آخذةٌ في التراجع. كان الرجل أقصرَ قامة من حسن بك أيضاً… وأمّا قاصمة الظهر فكانت تأكيد والدتي أنه لا ينجب.
ففي صورة الزعيم المثلى، كانت ماثلةً عناصر الوسامة والشباب والقوّة العضلية وكلّها معزّزة للسلطة. وكانت الفحولةُ مفترضةً أيضاً ولم يكن وارداً التمييزُ بينها وبين القدرة على الإنجاب. فإذا ظهر من البك عجزٌ عن هذا الأخير أوشك ذلك أن يستوي علامة موحية بانقراض العائلة، والعياذ بالله! أو بخلوّها من الزعامة وخمول ذكرها، في الأقلّ.
استوى لقاء رشيد بك إذن امتحاناً آخر يجريه مجتمعنا الضيّق، بتوسّط مخيّلتي، لما كان يجب أن تكونه البكوية أو الزعامة. وكان ما سبق ذكره من الأوصاف الجسدية شروط الحدّ الأدنى لاستحقاق الموقع. بعد هذا، كانت تضاف أوصافٌ أخرى قد تتّصل بالخلق: بالشجاعة والكرم، بالتواضع والإقبال على الخدمة، بالأمانة ولكن أيضاً بالثراء ما أمكن، وعلى الخصوص بسعة الأملاك. ولكن كان يبدو أن هذا كلّه محتاجٌ إلى بنية تحتية مناسبة هي جسم الزعيم ببهاء طلعته ومتانة بنيته. وما من ريب أن هذا كلّه لم يكن يتيسّر، في الزعماء المتاحين، أو لم يكن يدوم. ولكن ذلك كان مفترضاً في مخيّلتي الفتيّة وكانت مخيّلتي تلك بنت بيئةٍ بعينها ولم تكن مخيّلتي وحدي.
وأمّا الداعي إلى هذا التجسيد للزعامة، أي إلى مثولها في جسدٍ تملي أوصافه المثلى، فهو امتلاؤها بالهويّة وخواؤها من السياسة بما هي مقاصدُ لجماعاتٍ متحوّلة ومُثلٌ لا ترسمها جماعاتٌ جاهزة بل تتشكّل للاضطلاع بها الجماعات. والهويّة ههنا هي هويّة العائلة والزعامة فيها شخص ذو صورة. ولكن يسع الهويّة أيضاً أن تكون هويّة جماعة من صنفٍ آخر وتبقى أو تصبحَ معزّزة لهذا النوع الشخصي، بل الجسدي، من الزعامة.
لا ريب أن الهويّة كانت متّصلةً بحفنةٍ من المصالح. ولكن المصالح كانت هي نفسها تقريباً مشتملة على الجهتين المتخاصمتين. كان الفائز يصبح قادراً على المزيد من المساعدة الشخصية للطالبين: لموظّف يرغب في نقل مكان عمله، لصاحب معاملة يخشى إهمالها في الإدارة، لمرتكبِ مخالفة أو جنحة يأمل تخفيفاً لعقوبته، إلخ. كانت «الندرة» صفةً مفترضةً ضمناً لهذه الممكنات كلّها… فلا يصحّ، بالتالي، أن يفترض تيسّرها للعائلتين المتخاصمتين معاً. على صعيد أعمّ، كان الخصوم يتداولون الحديث نفسه عن الإهمال الحائق بالمنطقة: عن سوء حال الطرقات وغياب شبكات المياه والكهرباء، عن ندرة المدارس وخواء الوفاض من المستوصفات، ناهيك بالمستشفيات. فإذا اتسع نطاق الأحلام المطلبية إلى صعيد الطائفة ذُكِرت، على الخصوص، قلّة نصيبها من الوظائف الحكومية… هذا الصنف من المطالب كلّه كان يُدّخر، على الأغلب، للمفترقات الكبرى: لموسم الانتخابات النيابية أو لتسَلّم رئيس جديد للجمهورية، إلخ. وأما ما يدعى «خطّاً سياسيّاً» فكان، في صيغته العملية، لا اللفظية، يقفز بخفّة عن الداخل اللبناني ومعضلات نظامه إلى المجال «القومي». وعلى هذا الصعيد كانت هوامش الاختلاف ضيقة بين الخصوم ولكن كان التقلّب وارداً مع اختلاف السياسات «العليا» والعهود.
يبقى أن أشير إلى أن أحمد بك لم يعمّر طويلاً فلم أشاهده وهو يشيخ. ولكنني التقيت حسن بك مراراً، عبر السنين، لا في لباس الفارس، بل في بذلة عادية وبلا حصان. وكان بالغ اللطف يجاملني كثيراً وقد عاينت ترهّل جسمه وتغيّر سحنته قبل أن يذهب به المرض. كذلك زرت مع والدي رشيد بك قبيل وفاته وكان شيخاً ضعيفاً أنهكه الباركنسون. وعايشت أخيراً تقدّم والدي في العمر وذهاب السكّري بعافيته ثم مرض قلبه الذي انتهى بمفارقته إيّانا.
ليس هذا وحسب، بل إنني أنا نفسي قد بلغتُ الكبر ودخلتُ، من غير حاجةٍ إلى البكوية، في الشيخوخة. فأخذت أفقد تباعاً ما كان في طلعتي وفي بنيتي يشبه من قريبٍ أو بعيد ما كنت أجعله شرطاً للبكوية. هذا ما يحصُل في كلّ حال! وآخر دعوانا أن من يجعل «الصبا والجمال»، ومن ورائهما الهويّة، كلّ «قضيّته» خاسرٌ لا محالة، في آخر مطافٍ ما، فرداً كان أم جماعة!

كاتب لبناني

أحمد بيضون