في السلام اللبناني واللاجئين السوريين

أحمد بيضون

Aug 10, 2016

… وأمّا السرّ الأكبر في الاستثناء النسبي للبنان من الحريق الجاري في المحيط فيبقى، في اعتقادنا، كامناً في مسألة اللاجئين. في الداخل اللبنانيّ، توزّعت الأفواج اللاجئة في ثنايا بلاد ترزح المرافق الأساسية والخدمات العامّة فيها تحت وطأة قصورٍ فادح يزيده الفساد ثقلاً.
هبطت هذه الأفواج أيضاً على ظرف تراجع في النموّ اللبنانيّ مظهره الأبرز ازدياد نِسَب الفقر والبطالة وهجرة الشباب. وقد كان لأزمة النظام السياسي نصيبٌ معتبر من المسؤولية عن هذا التراجع. على أن الأصابع اللبنانية استسهلت الإشارة إلى اللاجئين على أنهم منافسون ذوو خطر لطالبي العمل من اللبنانيين… وهذا فضلاً عن رزوح الكتلة اللاجئة الثقيل بالضرورة على خدمات ومرافق أشرنا إلى تهالكها. والحال أن المنافسة السورية (ومعها الفلسطينية وغير اللبنانية الأخرى، على اختلاف المصادر) قائمة من زمن بعيد، في القطاعات التي يُسمح لغير اللبنانيين بالعمل فيها. وهي منافسةٌ مفتوحة على الدوام لأن البلاد مفتوحة، فلا حدّ لها سوى حجم الطلب ولا تحتاج إلى موجات اللجوء لتبلغ مداها.
مع ذلك كلّه، كان لا بدّ من مواضعَ في سوريا وفي محيطها يتجمّع فيها ضحايا النكبة السورية ويتيسّر منها صدّ موجاتهم عن بلاد أخرى بعيدة تخشى تدفّق جحافلهم عليها. وهو ما يكفي ليحظى السلام اللبناني، أسوة بسواه ممّا يشبهه، بعناية الدول الغربية كلّها ومعها دول موالية لها في الجوار وضالعة في المقتلة السورية وقادرة على التأثير في الموازين اللبنانية. ومعها أيضاً أطرافٌ طائفية لبنانية تدين بولاء مباشر أو غير مباشر لهذه او تلك من دول الفئتين. على أن الطرف المواجه في الحرب السورية، أي الدولة الإيرانية وحليفها النظام الأسدي، على الخصوص، يرجّح، حتى إشعارٍ آخر، إحجامُه عن السعي إلى إشعال حربٍ أهلية عامّة في لبنان وسعيُه هو أيضاً إلى استبعادها. وهذا مع حرصه على إبقاء مؤسّسات الدولة السياسية تتخبّط في تهالكها الحالي. فإن القوة اللبنانية الرئيسية لهذا الطرف، أي حزب الله، مستغرقة بما بات يفوق طاقتها، على الأرجح، في الحرب السورية ولا تزال الحاجة قائمة إليها هناك… بل هي تتزايد شدّةً، على ما يظهر.
فضلاً عن ذلك، تؤدّي الحرب الأهلية، بالضرورة، إن هي وقعَت، إلى زلزلة قوى الدولة اللبنانية وأجهزتها من عسكرية وأمنية، وهي التي لا يزال يعوّل عليها هذا الطرف المساند للنظام الأسدي في ضبط الأخطار التي يزكّي دوره السوري تعرّض من يواليه من الكتل الطائفية لها في لبنان. وهي أخطارٌ ستكون الكتلة اللاجئة الضخمة مصدراً لبعضها حتماً إذا حلّ منطق النزاع الأهلي محلّ منطق الضبط الأمني وأصبحت هذه الكتلة، أو بعض أوساطها، في الأقلّ، بما يميّزها من سمات الهشاشة، غرضاً للاستقطاب المثابر ولإغراء الضلوع في النزاع.
هذا الحذر من حربٍ لبنانية لا يسري، بطبيعة الحال، على أطراف في الصراع السوري هي أكثر أطرافه شراسة وتوحّشاً وهي الأطراف الجهادية. فهذه لها حسابات تخصّها هي ما يعيّن اختيارها الأهداف لضرباتها. وهي لم تستثن الساحة اللبنانية من هذه الضربات وقد تزيد، تحت وطأة الضغط المتزايد عليها في سوريا، من وتيرة الضربات المسدّدة إلى بلاد أخرى أقربها لبنان، إذا هي وجدت سبلاً إلى الزيادة. وهو ما يبقي الأمن اللبناني هشّاَ ويعرّض اللاجئين السوريين، من جهتهم، لتصرّفاتٍ وردودٍ لبنانية تنكيلية التوجّه، منحطّة الأساليب، لا تعدو، في الواقع، أن تُوَسّع من مسارب المنطق الجهادي إلى صفوفهم. ولكن لا يتجاوز ما تثمره هذه الشبكة من العوامل، حتى تاريخه، حدَّ الضربات الموضعية التي يراد لأذاها أن يكون فادحاً… ولكن لا توحي وتيرتها وخريطة مواقعها ببلوغ المواجهة حدّ النزاع الواسع الانتشار.
لا يقرّ معظم السياسيين اللبنانيين بهذا الفضل للاجئين السوريين، لا هُم ولا أبواقهم على اختلاف الفئات. ولا يقرّون لهم بأفضالٍ أخرى منها أنهم لا يقيمون جميعاً في تجمّعات عشوائية بل يقيم الميسورون منهم، وهم غير قلائل، في شقق استأجروها أو اشتروها ممتصّين جانباً من الكساد في القطاع العقاري ومن عطالة السياحة ومنعشين تجارات خاملة. لا يقرّ السياسيون ولا الأبواق أيضاً بمصائر ما يصل من معونات دولية للاجئين ولا يُعرف ما يصل منها إلى هؤلاء فعلاً وما يقطع عليه الطريق فسادٌ لبناني متمرّس، بعضُه سياسي وبعضه غير سياسي…
على هذا الإقرار بالفضل، يؤثر هؤلاء الساسة والأبواق مجاراةَ حاجة اللبنانيين العاجزين عن ردّ الضربات إلى أكباش محرقة: أكباشٍ يستسهلون الوقوع عليها في صفوف اللاجئين. يتملّق الساسة هذه الحاجة التي تموّه مسؤوليّتهم عن الأمن اللبناني ومسؤولية بعضهم في القتال السوري وفي ذيوله اللبنانية. هذا التملّق يستثير، على الضفّة الأخرى من الهوّة الطائفية، إنكاراً مفرطاً لوجود جانب متعلّق بالأمن في عبء اللجوء الضخم. ولا يعالِج هذا الإنكارَ ـ بل يعزّزه في الواقع ـ ما تجنح إليه أجهزة الأمن اللبنانية من أساليب الإيذاء والإهانة عند مداهمتها تجمّعاً للاجئين أو تعقّبها المخالفين المفترضين من بينهم. ولا تسهم في درء مخاطر الجنوح الجهادي ظروفُ توقيفٍ واعتقالٍ لألوفٍ باتت مشهورة الرداءة، موصومةً بالتعسّف، وتأجيلٌ متمادٍ للمحاكمات يحصى بين ضحاياه لبنانيون وسوريون وفلسطينيون…
أي أن ما يُفترض أن يكون مدعاة تقاربٍ واسع النطاق، بما هو إرهاب تغلب الخشية منه ما عداها، يستوي، بفعل ضعف الزعامة والمسؤولية، وقوداً لنار طائفية قد يعود وقودها الناس والحجارة. وما يُفترض أن يكون قمعاً للجنوح إلى الإرهاب يستوي توسيعاً لحواضنه المحتملة وإغراء لبعض من لم يكونوا في وارده بالانضمام إلى بؤره.
وكان النظام الأسدي قد دأب، طوال سنين، على تعزيز الجهاديين والبطش بالمعتدلين من معارضيه، مبتغياً وصم كلّ معارضةٍ له بالإرهاب وتأليب العالم على مناوئيه لا معهم. وفي لبنان تتضافر عوامل مختلفة لإضعاف المعتدلين السنّة القابعين في السلطة لا في المعارضة. ولا تردّ هذه العوامل إلى إرادةٍ واحدة على ما هي عليه الحال في سوريّا. وذاك أن «وحدة الإرادة» صفةٌ يصعب تحقّقها في النظام اللبناني وتبقى بعيدةً عن منطق عمله.
عليه فإن بعض هذه العوامل مرجعه إلى سيرة أولئك «المعتدلين» أنفسهم في الحكم وبعضها إلى سياسة الوصيّ السعودي عليهم ومسلكه معهم. ولكن رأس العوامل ما يفرضه من شعور بالتفاوت في القوة بين الطائفتين سلاحُ حزب الله وتفلّته، بدعم مثابر من إيران وبلا إمكان داخلي لمقابلته بالمثل، من موجبات التوازن اللبناني وممّا يفرضه هذا التوازن من قيودٍ نسبية على كلّ من أطرافه. ينتهي هذا، من بابٍ آخر، إلى خلخلة التمثيل السياسي اللبناني للسنّة فينذر بطمس النطاق الوطني لهذا التمثيل وبتعزيز التداخل على الأرض، تحت الراية الجهادية، ما بين أوساط سنيّة لبنانية وسورية وفلسطينية يجمع بينها الشعور بالمهانة ورفض ما هو لاحق بها من استضعاف.
هذا والمساق الذي يفرضه الظلم والاستضعاف من جنوح المضطهدين أو المغبونين من المسالمة إلى العنف معلوم الأوصاف والتفاصيل. فهو معروفٌ من أيّام الجزائر وفيتنام بل من قبلهما، على الأرجح. ولكن لا أحد يتعلّم من أحد! أم أن ثمّة ما يبرز كلّ مرّةٍ هنا أو هناك ليجعل التعلّم غير ممكنٍ أصلاً؟…

٭ كاتب لبناني

Advertisements

فكرة واحدة على ”في السلام اللبناني واللاجئين السوريين

  1. نعم هناك توازن طائفي يلعب اللاجيء فيه دورا اساسيا..ولكن الدور الاساس يبقى للجيش اللبناني الذي يتردد موقفه بين المتفرج المحايد والمنحاز بعض ابشيء الى حزب الله، على هذا الموقف يتوقف ميزان التوازن فاذا اختل لصالح حزب الله فعلى لبنان السلام

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s