خمسون عاماً مضت: ما الذي كانته “الثورة الثقافية” في الصين؟

أحمد بيضون

Oct 31, 2016

أطلق ماو تسي تونغ ثورته الثقافية، إذن، (واسمها الكامل «الثورة الثقافية البروليتارية العظمى») في الربيع من سنة 1966، أي بعد سنوات قليلة كانت قد انقضت على فشل «الوثبة الكبرى إلى الأمام» وما خلّفته من خراب مهول في الاقتصاد الصيني، وعلى تراخي القبضة الماويّة، من جرّائها، على الحزب وعلى البلاد.
وعلى غرار ما هو مألوف من أحوال الأنظمة المُعْتمة التي تزعم تنوير العالم، لا يُعرف عدد الذين قضوا في «الوثبة الكبرى» التي تكشّفت عن وثبة نحو المجاعة، فيتراوح تقديره ما بين خمسة عشر مليوناً وخمسة وخمسين مليوناً. وكانت الغاية المعلنة من «الثورة الثقافية» ضرب البرجزة أو الانحراف الرأسمالي والتحريفية ذات المشرب السوفييتي والبيرقراطية في الحزب والدولة والقضاء أيضاً على «الأشياء الأربعة البالية» أي على الفنون والآداب التقليدية وعلى التراث الفكري القديم وعلى معالم تاريخية مختلفة أخصّها المعابد إلخ. وكان من الشعارات: «النار على القيادة العامّة». وكانت القوّة الضاربة بضعة ملايين من «الحرّاس الحمر» أكثرهم من الطلاب والتلامذة، رفعوا «الكتاب الأحمر» وفيه نصوص مختارةٌ من أعمال ماو وأطلقت أيديهم مدّة من الزمن في التشهير والمعاقبة والعزل والاستبدال، وفي القتل عند الاقتضاء وكانت القيادة مجسّدة في الرئيس ماو الذي بدأت تدركه الشيخوخة وفي من سُمّوا لاحقاً «عصابة الأربعة» من خلفه وأهمّ عناصر «العصابة» زوجته. وكان في الصدارة أيضاً لين بياو، وزير الدفاع المرشّح لاحقاً لخلافة ماو، وقد قُتل سنة 1971 (أي بعد الانقلاب على الثورة الثقافية) في حادث طائرة مشبوه. وقد كرّر الرئيس وأركان حربه الظهور على المنصّة في ساحة تيان آن من، يستعرضون طوابير الحرّاس الحمر عند مدخل «المدينة المحرّمة»، بيجنغ الأباطرة القدماء.
وفي رأس من طالهم العزل والعقاب ليو شاو شي، رئيس الجمهورية، الذي كان قد حلّ محلّ ماو في هذا المنصب مع تحوّل «الوثبة الكبرى» إلى كارثة عظمى. وقد عُزل ليو واعتُقل في حمّى الثورة الثقافية ولم يلبث أن قضى في المعتقل حيث كان يلقى أسوأ المعاملة. وفي وقتٍ ما، اهتزّت الأرض تحت قدمي رئيس مجلس الوزراء شو إن لاي، رفيق ماو القديم والمسؤول المخضرم الذي كانت الصين تستعير لسانه لمخاطبة المجتمع الدولي. ولكن شو إن لاي صمد. وفي ما دون هذه الدائرة العليا، عصفت الثورة الثقافية بأوضاع بشر لا يحصون على كلّ مستوى. حصل ما كان منتظراً فراح الابن يشي بأبيه والطالب برفيقه والموظّف بزميله إلخ. وفضلاً عن ضحايا المقاومة التي لقيها «الحرّاس الحمر» من خصومهم، لم تلبث الشيع المختلفة أن ظهرت بين صفوف الحرّاس أنفسهم ودبّ العنف بينهم ومال بعضهم إلى السلب والنهب فيما بدا أن الانتهازية وريث محتمل للبيرقراطية وأن البلاد كلّها – وهذا هو الأهمّ – وصلت إلى شفير الحرب الأهلية. ولعل المختصّ الفرنسي ميشال بونّان يحسن تقديم جوهر الماويّة حين يقول إنها تختلف عن الستالينية التي كان العنف والقمع فيها شأن أجهزة متخصّصة بِكَوْن العنف والقتل في الماويّة قد أصبحا «ديمقراطيين» يسع كلَّ من ينتحل دعوى الضرب بقبضة «الشعب» أن يُقْدم عليهما.
مع هذا كلّه، بقيت القيادة الضيّقة ممسكة بالزمام. فبعد أن أزاح «الحرّاس الحمر» خصومها في الحزب والدولة، أطلقت الجيشَ على «الحرّاس الحمر» ومع استمرار الإشادة بدورهم «الثوري»، انتهى أمر هؤلاء إلى الترحيل بالملايين من المدن التي كانوا منتشرين فيها إلى الأرياف التي شهدت نهايتهم بما هم قوّة سياسية. فيما كان المؤتمر التاسع للحزب يردّ لأجهزة هذا الأخير وظائفها ويثبّت القيادة الماويّة في سلطانها. وعلى غرار ما سبق ذكره بصدد «الوثبة الكبرى»، يتراوح العدد المقدّر لمن سقطوا في «الثورة الثقافية» ما بين بضع مئات من الألوف وبضعة ملايين وهؤلاء ضحايا ينبغي لحظُ توزّعهم ما بين «أعداء الشعب»، على اختلاف الأنواع، وبين الشيع الثورية التي دبّ بينها الشقاق.
ثبَّتت «الثورة الثقافية» الرئيس ماو وأعوانه في السلطة، إذن، ورفعت شخصه إلى مستوى من العبادة غير مسبوق. على أن هادم اللذّات وافاه سنة 1976.. وكان رئيس مجلس الوزراء شو إن لاي قد سبقه إلى الدار الآخرة بأشهر. فلم تصمد «عصابة الأربعة» بعد رحيل ماو سوى أسابيع أصبحت بعدها نزيلة السجن… حُمّلت «عصابة الأربعة» عبء المسؤولية عمّا اعتبرته السلطة الجديدة «كارثة وطنية كبرى» (وما هو غير «الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى»). أمّا مسؤولية الرئيس ماو عن هذا الأمر الجلل فغلب ميلٌ إلى طمسها سبقت الإشارة إليه واستُبقيت صورة الرئيس عنواناً للصين الحمراء ولو ان البلاد سلكت بعده طريقاً ما كان ليرضى أن يضع فيها قدمه.
في كلّ حال، حيلَ دون دخول الصينيين في مراجعة جادّة لما جرى لهم. ولفّت العتمة أعوام الثورة الثقافية في الجامعات وفي إعلام الحزب والدولة وفي سائر المراكز ذات الصلاحية. فلم ينفذ من هذا الستار سوى أصواتٍ صينية نادرة وجدت سبيلاً إلى الساحات العامّة هنا أو هناك ، في الصين، أو نَشرت – وهذا هو الأهمّ – شهادات أو جردات بعضها مروّع تناولت الثورة الثقافية أو شخص ماو أو المرحلة الماوية كلّها. في الصين، لم يزل الصمت سائداً اليوم ولو ان أهل الخبرة يلاحظون عند الجيل الجديد من الحاكمين مَيْلاً مستجدّاً إلى نوع من ردّ الاعتبار للثورة الثقافية ويرون في هذا الميل وجهاً من وجوه مَيْلِ أوسع إلى مزيد من التضييق لهوامش الحرّية في البلاد.
أمّا ما جرى في الصين وللصين، بعد أعوام الثورة الثقافية، فقصّته طويلة ولها رواتُها. وفي القصّة عبرٌ وفيرة، لا شكّ، إذا هي رُوِيت في ضوء وقائع «الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى» وحصائلها. وقد لا تقع هذه المهمّة على عاتق المؤرّخ العربي. ولكن الماويّ العربي – السابق أو الحالي – عليه حسابٌ نقدي يجب أن يؤدّيه. وهذا واجب لا تبطله المذابح أو المحارق الجارية بين ظهرانينا، بل هي قد تزيده إلحاحاً. ففي الثورة الثقافية نقع على جميع أبطالنا الذين نتداول ذكرهم في هذه الأيام: على الثورة نفسها وانحطاطها وتوزّعها شيعاً وعلى الجيش بما هو قوة احتياط للنظام وعلى الحزب واستحالاته وعلاقته بالدولة وعلى القيادة وسلطتها وطاقة التخريب التي ينطوي عليها جنوحها إلى الانتهازية وعلى كارزما القائد ووجودها في جهة وافتقادها في أخرى وعلى دورة العنف بين هذه الأطراف كلّها ومفاعيلها ودلالاتها إلخ.
نقف أيضاً أمام التباين الرهيب في تقدير أعداد الضحايا وبيان الوقائع، وهو مألوفٌ في المجتمعات الموصدة. وهو يشبه مثلاً (على ما بين الحالتين من تفاوت شاسع في الأبعاد) ما نعرفه من تراوح مستمرّ حتى يومنا في العدد المقدّر لضحايا مجزرة حماه سنة 1982: ما بين بضعة آلافٍ وبضع عشراتٍ من الآلاف. فوق ذلك، يحمل مصير الماويّة والثورة الثقافية على طرح السؤال الكبير عمّا يُسقِط من المخيّلة التاريخية الراهنة وجهاً وحركةً وفكراً ومصطلحاً كانت كلّها تتصدّر هذه المخيّلة في وقت غير بعيد. وما نصيب العناصر الساقطة من التسبّب بهذا السقوط وما نصيب الأطوار التي تقلّب فيها مذ ذاك أصحاب المخيّلة؟
واجب النقد هذا مستحقّ على الماويّين العرب وعلى ورثتهم من زمن طويل. والظاهر أن انهيار الحركة الشيوعية العالمية برمّتها لم يسهّل ركوب هذا المركب بل زاده عُسْراً. والنقد مستحقّ أيضاً على كلّ قادر عليه من كَتَبَتنا في هذه الأيّام أكثر ممّا كان قبلها. وقد كانت الذكرى الخمسون للثورة الثقافية مناسبة لوضعٍ الحاضر الذي هو لنا على محكّ ماضٍ هو لغيرنا. ولا يبدو أن هذه المناسبة حرّكت همماً. غير أن الأوان للقيام بهذا النوع من المهامّ لا يفوت أبداً وإن يكن تبدُّلُ السياق يبدّل كثيراً أو قليلاً من جداول الأعمال ومن التوجّهات.
كاتب لبناني

أحمد بيضون

Advertisements

نحن و”الثورة الثقافية البروليتارية العظمى” بعد نصف قرن

أحمد بيضون

Oct 24, 2016

يكاد أن ينقضي العام الخمسون على اندلاع «الثورة الثقافية» في الصين من غير وقفة عربية تذكر عند وقائع هذه الثورة ودواعيها وما حلّ بذلك كلّه، في الأعوام والعقود اللاحقة، في الصين نفسها وفي العالم.
يعتبر التاريخ الرسمي لانطلاقة هذه الثورة اليوم السادس عشر من مايو سنة 1966. والحال أن هذا اليوم وما تلاه يخلو فيهما الإنترنت العربي من أيّ تناول تحليلي أو تقويمي لهذا الحدث في ذكراه الخمسين. فيبدو همّ الإعلام الناطق بالعربية شبه مقصور على التنويه بامتناع السلطات الصينية عن أيّ نوع من أنواع الاستذكار الرسمي للحدث، ثم باقتصار تناوله في الصين على مقالة في جريدة «الشعب» الرسمية تستبعد نشوب ثورة ثقافية جديدة. بعد التنويه في الإعلام العربي بهذا الاستنكاف الصيني ثم بالمقالة التي خرقته (وهو تنويه منقولٌ عن الوكالات العالمية) يَرِينُ ما يشبه السكوت عن أيّ كلام مباحٍ آخر يتناول الثورة الثقافية وذكراها. يرين السكوت في الإعلام العربي.. وفي الصين.
تلك إذن حالٌ استقرّت في مدى الأشهر المنقضية منذ مايو الفائت. وكانت مهلة هذه الأشهر كافيةً مبدئيّاً لعودة متأنية إلى الحدث الصيني وإلى ما كان له من تجلّياتٍ عربية وما قد يكون بقي من ذلك كلّه في أيّامنا العاصفة هذه. وما نقوله في الإعلام الناطق بالعربية لا يقال مثله في ذاك الناطق بلغات عالمية أخرى من قبيل الإنكليزية أو الفرنسية، وقد حظيت منه الذكرى بعناية أوفر بكثير (وإن لم تكن «فائضة» فعلاً) من تلك التي حظيت بها في الصين.
والحالُ أن الثورة الثقافية كان لها في ديارنا أنواع مختلفة من الأصداء. فهي إذ دفعت إلى مزيد من الاحتدام التنازعَ الصيني السوفييتي حملت بعض الماركسيين العرب على اللوذ بالماويّة سواءٌ أانتسبوا إلى جماعات منظّمة قالت بهذا الانتماء أو عبّروا عنه فرادى في ما كان لهم من إنتاج ثقافي. وفي أعقاب هزيمة 1967 العربية، على الأخص، اعتمد هؤلاء شعارات ماويّة كبرى أهمّها «حرب الشعب» أو «حرب التحرير الشعبية» و»خطّ الجماهير» و»الثورة الثقافية» نفسها بما هي نقد نظري-عملي للممارسة الثورية الجارية وتطهير مستمرّ لصفوف الثورة المستمرة يسترشد بتعيين التناقض الرئيسي والتناقضات الثانوية وما يتبع ذلك من تعيين متحرّك للأصدقاء وللأعداء. إلخ. وقد لبث الماويّون العرب، على الإجمال، في هوامش المسارح السياسية لبلدانهم. ولعلّ مثقفين أفراداً من هذه الديار استرشدوا بالماوية، على أنحاء مختلفة، قبل أن يغادروها مع المغادرين، كان لهم من الأثر الباقي ما لم يكن لمنظمات أَلِفت هذا الفكر أو لغته مدّة من الزمن ثم انسلّت منه، هي أيضاً، بلا كلمة وداع. وفي وسط الشباب، العربي وغيره، أبدى وجه أرنستو تشي غيفارا صموداً على القمصان وعلى الجدران (وفي القلوب ايضاً، بلا ريب) لم يتسنّ مثله، في طول المدّة وفي نوعيّة الانفعال، لوجه الرئيس ماو… ولا – أيضاً – لوجه هوشي منه.
وما يجب التشديد عليه هو أن الحركات الثورية غير الماركسية في أقطار عربية مختلفة استلهمت النموذج الماوي، على وجه الإجمال، مدرجةً فيه مكوّناً فيتناميّاً في وقتٍ لاحق، من غير إعلان لتبنّيه باسمه إذ هي رغبت في الاحتفاظ بعنوان إسلامي أو قومي لم يكن ليأتلف وهذا الإعلان. فضلاً عن ذلك، كانت هذه الحركات من فلسطينية أو يمنية أو عراقية، إلخ، حريصةً على استبقاء «غطاء» سوفييتي لها أو غطاءٍ عربي لم يكن مستبعداً، في بعض الحالات، أن يكون، بمصطلح تلك الأيّام، «رجعي» الموئل والهوية. وهو ما كان يجعل تحويل المقترضات الماويّة إلى ماويّة معلنة أمراً مستبعداً.
ولعل أكثر النسخ العربية عظاميّة من النماذج الماويّة غير المقِرّة بأصلها كانت «جماهيرية» معمّر القذافي. فهي قد وضعت «الكتاب الأخضر» بإزاء «الكتاب الأحمر» وادّعت تسليم الشعب ممثّلاً بمؤتمراته ولجانه مقاليد السلطة كلّها بعد إلغاء المسمّيات التقليدية لأجهزة الدولة ومؤسّساتها. وهو ما أسفر عن وجهِ شَبَهٍ رئيس بما جرى في الصين (فضلاً عن تركّز السلطة الفعلية في يد شخص واحد) هو تعليق طلاب على مشانق نصبها رفاق لهم في الجامعة: رفاقٍ أخذوا على عاتقهم مهمّات المحاكمة والحكم والتنفيذ! حصل ذلك حين كان ماو تسي تونغ يرحل عن الدنيا ويلقى القبضُ، بُعيد رحيله على «عصابة الأربعة» وتحمّل «العصابة» – دون الراحل الفذّ – مسؤولية الخراب والإجرام اللذين جرّتهما في ركابها «الثورة الثقافية».
لا بدّ أن نذكر أخيراً من بين تناسخات الثورة الثقافية أن الثورة الخمينية في إيران أنشأت بُعيد سيطرتها على البلاد ما سمّته «المجلس الأعلى للثورة الثقافية»، وهو مؤسسة رسمية جدّاً، اعتنت، على الخصوص، بتطويع التعليم والقائمين به ومتلقّيه وبرامجه ومناهجه لمنطق الولاء الخميني. وهي لا تزال قائمة إلى اليوم، إشارةً بين إشارات إلى وجوه الشبه الكثيرة ما بين الثورة الإسلامية وأخواتها الشيوعيات.
ولكن ما الذي كانته، في الصين أوّلاً، هذه الثورة الثقافية التي استوت قدوةً لتنظيماتٍ ولأفراد في طول عالمنا وعرضه وفي ما يليه فغلب على تلك وعلى هؤلاء الميل الماويّ في الأعوام التي شهدت أطوارها، على وجه التحديد؟ تحتاج الإجابة ولو بأقصى السرعة عن هذا السؤال إلى وقفة خاصّة منّا نكرّس لها عجالتنا المقبلة.
كاتب لبناني

أحمد بيضون

بيْنَ اللبنانيّين: أيُّ ميثاق؟

أحمد بيضون

Oct 17, 2016

عاد «الميثاق الوطنيّ» وما يمليه وما لا يمليه من قواعد وتصرّفات يشغل ساحة السياسة في لبنان مع تمادي الفراغ في كرسيّ الرئاسة الأولى وتطوّر الصراع الدائر في أفق هذا الفراغ.
وكان قد حَمَلني الاشتغالُ بسيرة سياسية ضافية لرياض الصلح (نشرتُها قبلَ بضع سنوات) على التدقيق مليّاً في ما يسمّيه اللبنانيون «الميثاق الوطني». فإن هذا العهد المفترض الذي يقال إنه بقي غير مكتوب قد داخله، في ما يقارب ثلاثة أرباع القرن مضت على استقلال الجمهورية، كثير من التخليط في المضمون والتغيير في الفحوى من مرحلة إلى مرحلة وبين فريق وفريق.
ولا غرو أن يكون غياب النصّ المكتوب (أو زعْمُ هذا الغياب) قد أسعف في اختلاف الروايات وسهّل لكلّ فريق تحميل «الميثاق»، بما افترض له من جلال التأسيس، ما قد يحتمل من المنطويات وما قد لا يحتمل. وأمّا أن يوجبَ النظرُ في سيرة رياض الصلح السياسية إعادةَ نظر في حقيقة الميثاق فأمرٌ لا يحتاج إلى تسويغ. ذاك أن «الميثاق» الذي يفترض أنه اختَتَم، بمعنىً ما، مساقاً للعلاقة بين مسيحيي لبنان ومسلميه وافتتح مساقاً آخر، يُفترض أنه أبرم بين شخصيتين هما بشارة الخوري، الذي أصبح أوّل رئيس للجمهورية في عهد الاستقلال ورياض الصلح الذي ألّف أوّل حكومة في العهد نفسه. يفترض أيضاً أن «الميثاق» وحّد نسبيّاً جبهة المعركة التي خاضها الرجلان وأقرانٌ لهما وكثرةٌ من اللبنانيين معهما بُعَيد تولّيهما مقاليد الحكم وانتهت بهما إلى اعتقال قصير المدّة ثم انتهت بالبلاد إلى نيل الاستقلال.
عليه تبيّن لي من فحص ركامٍ من النصوص السياسية المعاصرة لولادة «الميثاق» المفترضة والمفروض فيها ذكره لو كان موجوداً أن هذه التسمية لم تشع (بل لم تعتمد أصلاً) لأيّ عهد من النوع الذي افتُرِض إبرامُه لا في سنة 1943 ولا في السنوات الثلاث او الأربع التي تلتها. وقعتُ على مقالة يتيمة في جريدة «النهار» علّقت على البيان الوزاري لحكومة رياض الصلح الأولى لدى تقديمه إلى مجلس النوّاب فرأت فيه «عهداً أو ميثاقاً أخذَتْه البلادُ على نفسها بإجماع نوّابها على قبوله، لتُثْبِتَ وجودها كأمّةٍ مستقلّة تأخذ حقوقَها في الحكم الذاتيّ أخْذَ عزيزٍ مقتدِر».
ولقد كان على الباحث أن يجتاز ستة اشهرٍ أخرى تقريباً ليقع على ذكرٍ آخر (أو أوّل، بالأحرى)، لا يُستبعد أن يكون صدىً لسابقه، لـ»لميثاق الوطني» باسمه الكامل هذا، وذلك في خطبتين ألقى أولاهما المفتي محمّد توفيق خالد وردّ عليه بالثانية رئيس الجمهورية الذي كان قد حضر، ومعه رياض الصلح، للتهنئة بعيد المولد النبوي. وما سمّاه المفتي «الميثاق الوطني» ونال موافقة على التسمية من الرئيس لم يكن سوى البيان الوزاري (المكتوب والمنشور) لحكومة رياض الصلح، هذا البيان لم يكن مكتوباً وحسب، بل كانت شكواه من الصيغة الطائفية وتوجّهه إلى «معالجتـ»ها والقضاء على مساوئها» معلنَيْن فيه. وقد زادهما إعلاناً تصريح البيان بأن «الساعة التي يمكن فيها إلغاء الطائفية هي ساعة يقظةٍ وطنية شاملة مباركة في تاريخ لبنان». ولم يكن هذا الكلام لغواً، بل كان له ما بعده. ففي رواية فيرلونغ، ركنِ البعثة البريطانية القديم العهد ببيروت، أن الصلح «صرّح لنا مراراً بنيّته إعداد مشروعٍ لإلغاء الطائفية قبل انعقاد المجلس النيابي في اكتوبر 1944. ولكن الرئيس (الخوري) وسائر أعضاء الحكومة يرون جميعاً أن هذا الإصلاح، وإن يكن مرغوباً فيه، يفضي إلى اضطراب».
يسعنا إذن، بعد التنويه بأن ما سمّي «الميثاق الوطني» في حينه كان نصّاً مكتوباً، أن نؤكّد أن هذا الميثاق لم يكن يتعلّق من قريب ولا من بعيد بتمثيل الطوائف في مؤسّسات الدولة والحكم، على اختلافها، ولا بالقواعد التي ينبغي اتّباعها في هذا التمثيل. هذا التمثيل وقواعده كان له، في تلك الأيام، اسمٌ بسيط هو الطائفية وكان ينسب – إذا نُسب – إلى تقليد مستمرّ، من عهد القائمقاميّتين في وسط القرن التاسع عشر، ولم يكن أحد ينسبه إلى ميثاق من أيّ نوع. يشهد لذلك أن الرئيس الخوري الذي لم يكن يضمر عداءً مبدئيّاً للطائفية يسمّيها باسمها مراراً في خطبه ويسمّي منها نوعاً يرفضه هو «الطائفية العمياء» ولا يزعم قطعاً أنه كان طرفاً في «ميثاق» نظّم «المبصرة» أو «العمياء». كان بعض هذه الصيغة الطائفية قد أصبح منصوصاً على إنفاذه «بصورة مؤقّتة» في دستور 1926 وبعضٌ آخر قد أدرج في قانون الانتخاب، قبيل ذلك، اي منذ أنشئ للبنان الكبير مجلسٌ منتخب، وبعضٌ أخير (هو المتعلّق بالرئاسات الثلاث) قد تبينت ملامحه مع تكوين السلطات التي خاضت معركة الاستقلال، ولكنه لبث، بما هو «عرفٌ»، قابلاً للخرق وخُرِق فعلاً، ولو استثناءً… ولم يكن لهذا كلّه شأن بـ»ميثاقٍ» ما أبرمه الخوري والصلح في سنة 1943.
ما الذي جاء إذن في بيان حكومة الاستقلال الأولى واستحقّ أن يسميه معاصروها «ميثاقاً»؟ هو – بشهادة نصّ البيان وما أشرنا إليه من نصوص أخرى وبشهادات كثيرة لاحقة – ممكن الحصر في مقايضتين: الأولى هي مقايضة المسيحيين الحمايةَ الأوروبية (أو الفرنسيةَ بالأحرى) بوطنٍ منفتح «على الخيّر النافع من حضارة الغرب». والثانية مقايضة المسلمين الوحدةَ العربية (أو السوريةَ، بالأحرى) بوطن «ذي وجهٍ عربي» لا يكون للاستعمار «مَمَرّاً» ولا «مَقَرّاً». وأمّا محصّلة التوافق بين هاتين المقايضتين فهي أن يكون الوطن المذكور «وطناً عزيزاً مستقلّاً سيّداً حرّاً»، وهذا باعتراف الدول العربية وأطراف «التعاون الدولي». (كتابي: «رياض الصلح في زمانه»).
خلاصة هذا كلّه أن مدار «الميثاق» (إذا أصررنا على هذه التسمية!) ليس سوى الاستقلال نفسه. فلا شيء يضاف هنا إلى المعنى الأعمّ للاستقلال سوى الإيحاء بهويّة الطرفين «المتعاقدين» عليه (أي مسيحيي لبنان ومسلميه) وتعداد الأبعاد الخاصّة بالاستقلال اللبناني من عربية وغربية، في النطاق الحضاري، ومن عربية ودولية في النطاق السياسي. فأين تراه «الميثاق» الذي يقال اليوم أنه حدّد مبدأً لاختيار رئيس الجمهورية (أو أيّ رئيسٍ غيره) من بين أعيان طائفته؟ ومتى أبرم هذا الميثاق؟
تبقى إشارتان. أولاهما إيضاحٌ لما لمحنا إليه من أن توزيع الرئاسات الثلاث على الطوائف خُرِق مراراً بعد سنة 1943. حصل الخرق في حالتي الرئاستين الثانية والثالثة. وهو خرق يمكن نسبته إلى الظرف الاستثنائي في حالة الرئاسة الثالثة ولكنه حصل، غداةَ الاستقلال، في ظرفٍ عادي جدّاً في حالة الثانية. الإشارة الثانية هي أن تسمية «الميثاق الوطني»، على الرغم من حالات أحصيناها وبقيت عابرة، لم ترسخ، بالمعنى الذي حدّدناه، في الكلام الرسمي إلا بعد سنوات من الاستقلال وبيانه الوزاري.
كانت عبارة «الميثاق الوطني» مألوفة، من قَبْلُ، في المحيط السوري اللبناني. فهي قد أطلقت على عهد أبرمه قادة الثورة السورية الكبرى في سنة 1926 ثم أصبح مرجعاً لما عرف باسم «الكتلة الوطنية» في سورية. وفي الثلاثينيات، تكرّر في لبنان إطلاق اسم «الميثاق الوطني» على نصوص وضعها أصحاب أقلامٍ موزّعو الهمّ بين الصحافة والسياسة. وأما ميثاق 1943 فبقيت خطب رئيس الجمهورية والبيانات الوزارية المتعاقبة خالية من ذكره بالاسم (وإن لم تخلُ من فحواه) حتى سنة 1948. في تمّوز من تلك السنة، ألقى رياض الصلح بيان حكومته الجديدة في مجلس النوّاب جاعلاً فيه «الميثاق الوطني» مرجعاً صريحاً لسياسة الحكومة. وكانت التسمية قد وردت في كلام للصلح نفسه (في مجلس النوّاب أيضاً) في السنة السابقة. وكان رئيس الجمهورية قد عاد، بدوره، إلى حديث «الميثاق الوطني» للمرّة الأولى بعد فلتة عام 1944 التي ذكرنا مناسبتها. حصل ذلك في الخطبة التي ألقاها في مجلس النوّاب يوم 27 مايو 1948 لمناسبة انتخابه لولايةٍ رئاسية ثانية.
بعد ذلك (وليس قبله!)، أصبح ذكر «الميثاق» منتظماً في خطب الرئيس. وهو، إذ أصبح يجعل مرجعاً لهذا الميثاق خطبته يوم انتخابه في 21 سبتمبر 1943، لم يكن يجد، في معظم الحالات، حاجة إلى تعريفه إذ كان السياق واضح الدلالة على فحواه: ذاك إجماع الطائفتين على الاستقلال، بإعراضهما عمّا كان ماسّاً به في الماضي: أي عن الوحدة مع هؤلاء، من جهة، وعن وصاية أولئك من الجهة الأخرى. على هذه وعلى تلك، آثر اللبنانيون – في اعتبار الرئيس – توطيد الوحدة والسلام فيما بينهم. ولعلّ ما يرسّخ هذا المعنى الاستقلالي للميثاق اعتبار الرئيس (في خطبتين من خطبه) عاميّة انطلياس التي وحّدت ممثّلي الطوائف في وجه الاحتلال المصري سنة 1840 «ميثاقاً» هو نفسه الذي تكرر عقده بعد مئة سنة.
عليه يتبدّى أن جورج نقّاش، حين ندّد في افتتاحية مشهورة نشرها في 10 مارس 1949 بالـ»نَفْيين» اللذين «لا يصنعان أمّة»، إنّما كان يندّد بشيء عاد إلى التداول باسمه الجديد، «الميثاق الوطني»، قبل مدّة غير طويلة. وإذا كان للدارس أن يعيّن سبباً او أكثر لتلك العودة فإن نظره يجب أن يذهب – في ما أرى – نحو الانقسام الذي أخذ يستشري في البلاد مع تزوير الانتخابات النيابية في مايو 1947 ثم مع نشوب الحرب الفلسطينية وتجديد الولاية لبشارة الخوري (بعد شكري القوّتلي) في أوائلها ومع بدء تدفّق اللاجئين الفلسطينيين على لبنان وما صحبه من هواجس طائفية. كان في ذلك كلّه ما يستدعي تحصين «العهد» المضطرب الأركان بالعودة إلى «الميثاق الوطني» ولكن بالمعنى الاستقلالي الذي كان في يد الخوري والصلح أن يبرزاه في وجه المعارضة المتحفّزة.
«الميثاق الوطني» شيء إذن و»الصيغة الطائفية» شيء آخر. وكانت نية الأوّل، في سنة 1943، متّجهة إلى إطاحة الثانية! ذاك ما يصرّح به بيان حكومة الاستقلال من غير لَبْس! ولا عجب يبقى في هذا الأمر إذا انتبهنا إلى أن الطائفية كانت وما تزال رأس أمراض الاستقلال… يصحّ هذا المعنى الاستقلالي للميثاق (ولا يصحّ غيره) ما لم يكن جبران باسيل قد ارتأى أن يضع يده على ميراث كمال الصليبي بعد أن أبطأَتْ عليه تَرِكةٌ أخرى هي محطّ آماله!
كاتب لبناني

 

أحمد بيضون

لبنان وسوريّة: الغريبان الحميمان (حاشيةٌ نقديّة على كتاب)

http://www.alquds.co.uk/?p=61093

أحمد بيضون

Oct 10, 2016

بذلت وسعي، في عجالات سبق نشرها هنا، لإنصاف العمل النفيس الذي أهدته إلينا الباحثة الفرنسية أليزابيث بيكار في موضوع العلاقة السورية اللبنانية. فاجتهدت في تقديم خلاصات لما وجدته أهمّ مندرجات كتابها الصادر مؤخّراً بالفرنسية، وهو ما لا يغني عن قراءته قطعاً.
وإذا كان لي من نقد إجماليّ للكتاب يتجاوز عن مآخذ تفصيلية (نادرة في كلّ حال) فلعلّ هذا النقد يقبل الاختزال في نقطة واحدة. لا تجهل المؤلّفة أن «على المسيرة أن تساير الطريق» بل هي تذكّر بهذه الضرورة حيث يلزم التذكير. وهي تخصّ لبنان وسوريا بمقارنة عامّة، سبق أن وقفتُ عندها، تستغرق صفحات من الكتاب. تظهر هذه المقارنة ما بين البلادين من تفاوت جسيم، متعدّد الوجوه، يجعل الكفّة السورية راجحةً جدّاً عند المغالبة. على الرغم من عناصر تعويض ينطوي عليها المجتمع اللبناني بما تحصّل له من تقاليد تمنحه قدرة على مداورة التفاوت.
على أن المؤلّفة لا تفعّل ـ في تقديري ـ هذا التفاوت بمقدار حقّه من التفعيل في ما تعالجه من فصول المواجهة والتداخل بين البلادين. وهي لو فعلت لظهرت حصائل هذين، المواجهة والتداخل أقلّ فرادةً ممّا يبدو لقارئ الكتاب وأوثق ملازمة لقانون القوّة المألوف في الأخذ والردّ بين الدول المتجاورة، وبين المتفاوت القوّة منها على التخصيص. وهذا بالطبع إذا لم يكن في الموقع الإقليمي للدولتين المتجاورتين أو في النظام الدولي ما يحدّ كثيراً أو قليلاً من مفعول التفاوت.
ولا ريب أن ما نراه جديراً بالاعتبار، في هذا المساق، لا يختصر في مساحة كلّ من القطرين السوري واللبناني وعدد سكّانه وما جرى هذا المجرى من معطيات وصفية أولى. فإنّما تجزئة المجتمع اللبناني وما تنطوي عليه من عوامل التنازع، القائمة أو الممكنة الاستثارة، واقعة شديدة الوقع على مسار العلاقة اللبنانية السورية. ويقال الشيء نفسه في طبيعة النظام السياسي الذي فرض نفسه عقوداً مديدةً في سوريا وهو نظام مونوقراطي يسفر عن وحدة في القيادة تسجّلها المؤلّفة فيبدو مؤهلاً تلقائيّاً للسعي الدائم إلى وضع يدٍ متعدّد الصيغ على الدولة المجاورة.
لا ريب أن التقابل بين هاتين الحالين لا يستنفد صورة التفاعل غير المتكافئ بين سوريا ولبنان في نصف قرن مضى أو يزيد. فثمّة مطالب ومقتضيات للنظام الدولي في حركته الدائبة وثمّة قوىً أخرى في الإقليم يحسب لها القوي والضعيف في المواجهة حساباً يطمئنّ إليه أو يقلق له. هذا كلّه تعرفه المؤلّفة حقّ العلم. ولكن الأساس المتمثل في معطيات التقابل الذي أبرزناه للتوّ يبقى هو المستحقّ الظهور في تحليل مسار العلاقة ويبقى الكفيل بإظهار امتثال هذا المسار لعوامل «عاديّة» تبعد محلّله أو واصفه عن الإيغال المفرط في منطق «الخصوصية» ناهيك من «الفرادة».
ولقد كان يكفي المؤلّفة الالتفات إلى بعد الشقّة بين ما كان قد حصل حين جرى الانفصال الاقتصادي لسوريا عن لبنان في سنة 1950، بعد إجراءات مهّدت له، وما حصل حين دخلت القوّات السورية لبنان من باب الحرب الأهلية في سنة 1976. ففي الحالة الأولى، لم تفلح السلطات السورية في تفعيل واحد من امتيازاتها الإستراتيجية، وهو استئثارها بمنافذ التجارة البريّة اللبنانية، على نحوٍ يلزم السلطات اللبنانية بقبول شروطها. وذاك أن تكوين السلطة في سوريا لم يكن ليطلق يدها في اتخاذ ما ترتئيه من إجراءات. ولا كان السياق الإقليمي يبيح لها ذلك. هذا فيما كان تطويع المنظّمات الفلسطينية وتحمّل المسؤولية عن مسلكها من جانب دولة خاضعة للمساءلة يمنح النظام الأسدي فرصةً معتبرة، أمريكية وإسرائيلية على الخصوص، لوضع يد مشروطٍ على معظم لبنان. تحت هذا الفارق، كان التفاوت الأساسي بين البلادين معطىً ثابتاً لا يقبل الإبطال وإن يكن يقبل اللجم والإطلاق وفقاً لاتّجاه محصّلة تستعلي عليه بما لها من قوّة الإلزام.
مقارنة أخرى نرى لها وجاهة لا يستهان بها حين نريد الإفضاء إلى تقديرٍ لما هو مستمرّ الفاعلية (وإن لم يكن يتّصف بالخلود أبداً) في توجيه العلاقة السورية اللبنانية. تلك هي المقارنة ما بين مجرى هذه العلاقة، من جهة، ومجرى العلاقة السورية الأردنية، من الجهة الأخرى. ولا نجاوز هنا لفت النظر إلى هذا الإمكان. فنكتفي من ذلك بالتنويه بأن سوريا، على ما بينها وبين الأردن من تفاوت لصالحها قد لا يقلّ مقداره عن مقدار ما بينها وبين لبنان، ولو اختلفت العناصر، كانت في السنوات الأولى التي تلت استقلالها تخشى، على نحوٍ ما، أن «يَضُمّ»ـها الأردن فيما يُفترض حصول الخشية من جانب هذا الأخير.
وحين حاول نظام البعث، في زمن لاحق، إرسال دبّاباته إلى الأردن، في أثناء المواجهة بين السلطة هناك والمنظمات الفلسطينية، كان ذلك، في مطلع السبعينيات، نوعاً من التمرين على ما فعله النظام الأسدي، في وسط العقد نفسه، في لبنان. ولكن الحصيلة كانت مختلفة غاية الاختلاف. وهو ما يفسّره اختلاف الأردن التكويني، سلطةً ومجتمعاً، عن لبنان. ذاك اختلاف زوّد الأردن موقفاً عامّاً من التدخل السوري مختلفاً عن ذاك الذي لقيه التدخل نفسه في لبنان، حيث لم يكن يوجد موقف عامّ من أيّ أمر.
مرّةً أخرى، كان من شأن الإقدام على هذا النوع من المقارنة، لو عمدت إليه بيكار، أن يسعفنا في التوصّل إلى توزيع حسن للفاعلية بين ما هو ثابت لجهة قوامه المادّي، طويل الأجل، لجهة مفعوله، وما هو متغيّر، بهذا القدْر من السرعة أو ذاك، من معطيات العلاقة اللبنانية السورية…
بات رتيباً، في الختام، كلما عرضت كتاباً ذا قيمة، موضوعاً بغير العربية، أن أوصي بنقله إلى لغتنا. ولكن أجد سروراً في ارتكاب هذا الأمر الرتيب مرّة أخرى بصدد كتاب إليزابيث بيكار الذي نحن موضوعه.

كاتب لبناني

أحمد بيضون

بين سورية ولبنان: ما تحتَ الوطني وما فوقَه

أحمد بيضون

Oct 04, 2016

تعتمد إليزابيث بيكار مداراً للقسم الثالث (الأخير) من كتابها الجديد مسألةَ «التمايز» ما بين طرفي «الثنائي» الذي يمثّله سوريا ولبنان. وهي تركّز هنا على ماجريات المرحلة التي بدأت نحو سنة 2000 وشهدت انقلاباً في مجرى العلاقة سنة 2005، في أعقاب اغتيال رفيق الحريري، ثم شهدت انقلاباً آخر مع اندلاع الثورة السورية في سنة 2011.
وهي تنفذ إلى البحث في هذا «التمايز» من مدخلين أ- إشكال الديمقراطية التي فرضت نفسها، مع أفول القرن الماضي، على أنها الصورة الشرعية للعلاقة بين الحكّام والمحكومين. ب- وإشكال المنازعات الإقليمية واختراقها حدود الدول وما يسفر عنه ذلك من تغيير في صيغة العلاقة السورية اللبنانية.
ويستوقف المؤلفة ما شهدته هذه السنوات من أخذ وردّ بين مثقفين من البلادين. فترى في ذلك عبارة من العبارات عمّا تسمّيه «التذاوت» – وسبق أن أشرنا إليه – أي عن بلوغ التبادل حدّ التداخل أو التخالط بين «الذاتين» بخلاف ما يكون عليه الأمر في ما قد يعرض من حالات حوار أو تبادل يجري بين ذاتين ناجزتي الاستقلال. وهي تشير ههنا إلى ظواهر الانفعال في أوساط من المثقفين اللبنانيين بما أطلق عليه اسم «ربيع دمشق» وإلى استمرار هذا الانفعال (الذي أصبح تفاعلاً) بعد خروج القوّات السورية من لبنان في ربيع 2005 وتجسيده على الخصوص في نوع من التصوّر المشترك للعلاقة السورية اللبنانية جسّده «بيان بيروت دمشق – دمشق بيروت» الذي صدر في أيّار/مايو 2006 وانتهى إلى حمل مئات من التواقيع.
وإذ تتوقّف بيكار عند ما تسمّيه «التفارق الديمقراطي» بين النظامين اللبناني والسوري تنكر، متحدّية الشائع وبعض الظاهر، أن يكون النظام القائم في لبنان نظاماً ديمقراطيّاً، موضحة أن انتفاء هذه الصفة عنه تَعمّق في عهد الوصاية السورية واستمرّ بعد جلائها. وهي قد كانت اعتمدت لتعريف الديمقراطية سمتين أخذتهما عن راي هنبوش وهما «التنافس المفتوح» و»الاستيعاب». وهي تأخذ عن هنبوش أيضاً حصر الثقافة السياسية، بالمعنى الاجتماعي، في دور «المتغيّر المتدّخل» فتوضح أن أثر هذه الثقافة يكون مدرجاً على الدوام في أنظمة زمنية وسياقات تحوّل محمولاتها وتوجّهاتها بلا انقطاع. لذا كان من غير المناسب أن تعزى للتمثلات الدينية أو العائلية للسلطة ولما تبديه الولاءات ما دون الوطنية أو ما فوق الوطنية من مجافاةٍ لنظام الدولة فاعليةٌ مستقرّة من طور إلى طور. وأما ما يبدو للمؤلفة مفقوداً من شرائط الديمقراطية فهو ما يسمّيه ميشال كامو التكامل ما بين المجتمعين المدني والسياسي، إذ لا يستقيم بغيره الاستيعاب ولا التنافس المفتوح. وذاك أن «النخبة السياسية» في لبنان تنفذ إلى الهيمنة على الجمهور من البنى الأهلية. وهو ما يترك الباب مفتوحاً لتسلّط الحاكمين. وهو ما يترك أيضاً فراغاً ما بين الدفاع عن الخصوصيات والقبول بنظام سياسي مشترك.
هذه الخانة الفارغة ليست سوى الرابط المدني الذي ينشئ أساساً معنوياً لاحترام الأقلية في اختلافها وللاعتراف، في الآن نفسه، بحدود هذا الاحترام في الممارسة السياسية. عليه أمكن أن تنقل «لوموند» عن لبنانيين ما مفاده أنه ليس عندهم ديكتاتور واحد بل حوالي عشرين!
عليه أيضاً أمكن أن ينقلب الزعماء اللبنانيون بمنتهى السرعة على الحركة التي شهدها آذار/مارس من سنة 2005 ليتبادلوا، في انتخابات ذلك العام، تأمين بقائهم في مؤسسة السلطة. مع ذلك لا تغفل بيكار خصائص للحركة الشعبية في لبنان تفتح لها أفقاً ديمقراطيّاً. فإن كان لا يستقيم ادّعاءُ اللبنانيين أبوّةَ ما سمّي «ثورة الأرز» لما سمّي «الربيع العربي» فإنه يبقى أن مروحة المطالب التي تتسع لها الحركة اللبنانية (بما فيها، مثلاً، إقرار المثليين على حقوقهم) لا يوجد نظير لها في أيّ من المجتمعات العربية الأخرى.
وأما في سوريا فإن علمانيةً مزعومة تحجب نظام تفضيل واستبعاد أكثر حدّة من الطائفية المؤسّسية إذ هو بمنجاة من التنظيم الدستوري. ولا تعدو المؤسّسات السياسية أن تكون أدوات لتأبيد هذا النظام الذي يصحّ وصفه بـ»الشعبوي التسلّطي» إذ يبقى تعريفها القانوني أدنى أهمّيةً من سلوك المستأثرين بها في الممارسة. ولقد أمكن لـ»ربيع دمشق» الذي تخصّه المؤلّفة بتقدير رفيع أن يمثّل، بديناميّاته وبإخفاقاته أيضاً وبصموده «الدفين» طوال العقد الأوّل من القرن، منطلقاً لتعبئة مدنية مستعادة كان يصعب تخيلها بعد إبعاد السوريين مدّة عقدين عن السياسة شرطاً لاتّقاء دولتهم «اللاوثانية». قليل جدّاً أن يقال، والحالة هذه، أن التبادل السياسي بين دائرتي الحكم والمجتمع كان معطّلاً شأنه في الحالة اللبنانية.
لا يستقيم، بعد هذا، أن يعدّ التزامن ما بين التحرّك السيادي في لبنان والتعبئة من أجل الديمقراطية في سوريا محض اتّفاق، بل هو يدلّ على توافق في الأثر لتحوّلات مختلفة أهمّها الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان وموت حافظ الأسد ومبادرات «التدمير الخلاق» الأمريكية. فضلاً عن تطوير الوسائط الجديدة للتواصل وهي قد رفعت نسب التلقي في كلّ من البلادين لما يجري في الآخر. وهذا في ظرف بات فيه التفاعل أكثر تسيّساً بالنظر إلى وحدة السلطة مما كانت عليه حال التأثّر العائلي أو الطائفي المألوف.
على أن أهمّ ما في هذا القسم الأخير من كتاب بيكار اختيارُها تفريدَ ما تراه حاصلاً من توتّر مباشر بين طرفَي الثنائي المتشكّل من «المحلّي»، أي ما دون الدولة، و»الإقليمي»، أي ما فوق الدولة، وجعلَ علاقة التوتّر هذه موضوعاً للتحليل تُنحّى منه الدولة نفسها وسلطتها. وهي تنتقي لهذه الغاية حالتين طرفيتين هما حالة مزارع شبعا وحالة وادي العاصي ومرتفعات القلمون. ويقتضي هذا البحث إعداد صفّين من الأدوات: أنثروبولوجي للنطاق المحلّي واستراتيجي للمستوى الإقليمي. فالحالة الأولى تنصب في مواجهة المثال الوستفالي وشرع الدول كسوراً في السيادة وفجوات في الوثائق وتناقضاً في تأويل الوقائع. وهي تنصب، وهذا هو الأهمّ، التعدّد في انتماء الجماعة وما في هذا الانتماء من سيولة تميّزه في هذا المشرق. وإلى الشمال، تنمّ حالة بلدة عرسال، مثلاً، بما في العلاقة السورية اللبنانية من اختلاط يُحصى بين مفاعيله التعدّد في تصوّر الحدود وتبعية هذا التصوّر للبعد الاجتماعي للنظرة. ذاك يشهد، في آن، لقوة الانتماءات الأوّلية وللمرونة الممكنة في معالجتها. ذاك يردّنا أيضاً إلى ما جرّته قسمة 1920 من لَبْس لا يزال يتجدد بصور شتى. وحين نضع بإزاء هذا النطاق المحلّي عمقَ الأفق الإقليمي يسعنا الافتراض، في ما ترى بيكار، أن دول الشرق الأوسط ومجتمعاته متّحدة في تشكيل إقليمي ذي صفة تنازعية. وهو ما يسوّغ القول أن الحرب الجارية في سوريا لم «تَفِض» على لبنان بل بدأت، بهذا المعنى، في البلادين معاً.
مع ذلك، تبقى بيكار بعيدة عن إنكار حقيقة «الدولة» في البلادين إذ أثمرت هذه في نحو من مئة سنة بنى ومرتكزات هي من الضخامة والتعقيد بحيث يتعذّر تخطّيها. وفي الراهن، لا تحول الدولة دون نموّ الشبكات الإسلامية، وهذه تقرن المحلّي بالإقليمي مباشرة. ولكن الدولة قد تسخّرها وقد تقاومها بمقادير من النجاح متباينة. هكذا خرقت الاستخباراتُ السورية شبكاتٍ سنّية لبنانية بينها التنظيم المنتسب إلى «الإخوان» ومن أُطلق عليهم اسم «الأحباش» وعَقدت صلاتٍ في المخيّمات الفلسطينية مع سلفيين منهم «عصبة الأنصار» و»جند الشام» واجهوا زعامة رفيق الحريري… إلخ.
في خاتمة الكتاب، تعود بيكار إلى الدولة ورسوخ مقامها في ما يتعدّى ما ذكرنا من صور اللَبْس والسيولة. فترى أن تعوّدَ الجماعات المحلّية نظامَ الدولة وتَدرُّبَ «النخب» على تدبيرها ليسا مساقاً تقانيّاً ومكتسباً مادياً وحسب، وإنما آلا إلى استدخالٍ أثمره الإكراه في كثير من الأحيان لصيغ من العلاقة بالآخر وللتصرّف في الفضاء العمومي ولتمثّل ما هو جماعي بما يعرّفه من حدود وقواعد ومراتب. ولا موجب، بعد ما سبق كلّه، للتذكير بأن هذا كلّه، في ما ترى بيكار، قد تعرّض، على ما له من رسوخ نسبي، وما يزال يتعرّض اليوم لتحدّياتٍ مزلزلة… وعلى ما يمليه الزلزال الجاري من توقّعاتٍ متشائمة أوضحُ أسبابها حركاتُ السكّان الحاصلة والمتوقعة في ظروف الحرب وما بعدها، فإن المؤلّفة تجد ما يكفي من العزيمة لصياغة مبدأ توصي برعايته وهو يترتب على تناولها للنظامين السوري واللبناني برمّته. ذاك هو جعلُ المحلّي بما يتمخّض عنه من تطلّعات ومبادرات بمثابة القاعدة لشرعية السلطة وإحلالُ المجتمع في قلب السياسة. وهو في نظر المؤلفة ما يمثّل ردعاً لاستئثار الحكّام وزبانيتهم ويعيد «من الأسفل» تأسيس «الجماعة السياسية»…
لم يبق بعد هذا سوى حاشية نقديّة نعلّقها على هذا الكتاب في عجالتنا المقبلة…
كاتب لبناني

أحمد بيضون