طبقتان في الاستعصاء اللبناني

أحمد بيضون

Nov 28, 2016

مراراً نوّهنا، في مدى السنين – بل العقود – الفائتة، بأن اتّخاذ كلّ من الطوائف الرئيسة في لبنان ممثّلاً لها لا بديل منه في أيّ صيغة من صيغ الحكم المتاحة إنما هو الأصل الاجتماعي- السياسي لاستعصاءٍ في النظام الطائفي لا نهاية له.
فإذا عدنا، في ضوء هذه الواقعة الأساس، إلى الشروط التي باتت تُفترض لانتظام عمل الآلة الحاكمة، أمكن أن نتخيّل طبقتين يدور عليهما الاشتراط والاستعصاء. الطبقة الأولى تتمثّل في الثبات المتمادي للأصل المشار إليه: أي في الوجود المستمر لصفّ من التشكيلات السياسية الرئيسة، وجميعُها طائفي، لا مَحيدَ عن مثولها في السلطة التنفيذية. وهو ما يبقي سيف النقض والشطط في التصرّف والمطالبة إلى حدّ الخروج الصريح على الدستور مسلطاً على عنق الحكم، بل على عنق الدولة برمّتها.
مع ذلك، لا يكفي تمثيل هذا الصفّ من القوى في الحكومات لاجتناب الأزمات. فإن كلّ خلاف بين قوّتين من هذه القوى على أمرٍ ذي خطر يُطرح في ساحة الحكم، سرعان ما يستوي خلافاً بين الطائفتين بما لهذه الصفة من منطويات. وهو، أي الخلاف، قابل بهذه الصفة نفسها، أن يتمخّض عن أزمة حكومية أو عن أزمة حكم أعمّ نطاقاً، أو عمّا هو أسوأ إن لم يتيسّر حلٌّ أو يحصلْ رضوخٌ يستعاض به عن حلّ الأزمة بإرجائها. وما يجعل هذا الأمر كثير الورود في الحكومات الجامعة، إنّما هو الاستقطاب المعلوم للقوى الطائفية من جانب دولٍ في المحيط أو في ما هو أبعد منه. وهو ما يمنح المواجهةَ بين هذه القوى ديمومةً وحدّةً ويُمدّها، لا بالطاقة الخلافية وحسب، بل ببعضٍ من أهمّ موضوعاتها أيضاً.
فوق ذلك، ظهر بالاختبار أن مثول قوى الطوائف الرئيسة كلّها في حكومة من الحكومات لا يكفي لمنح هذه الحكومة استقراراً وشرعية يقتضيهما انتظام عملها وتمتّعها بديمومة تكافئ المشقّة المحتملة في استيلادها، بل سرعان ما ينجلي مشهد الطبقة الأخرى من الطبقتين اللتين قلنا إن الاشتراط والاستعصاء المستحكمين بآلة الحكم الطائفية في طورها الأخير يدوران عليهما. تتمثّل هذه الطبقة الثانية في مقارنةٍ لا تلبث ان تفرض نفسها ما بين الأطراف الطائفية الحاكمة لجهة القوّة التي يتمتّع بها كلٌّ منها في طائفته ودرجة تمثيله لهذه الأخيرة. ولمّا كانت مسارات التشكّل السياسي لكلّ من الطوائف تخصّها إلى حدّ ما وتمليها ظروف وأحوالٌ مميّزةٌ لها، ولمّا كانت ظروف تشكيل الحكومات تضيف إلى هذا الاختلاف ما يعزّزه، فإنه يتعذّر، في العادة، أن يكون تمثيل هذه الطائفة في الحكم مساوياً في قوّته تمثيل أخرى أو أخريات. فيمكن مثلاً أن يتمثّل الشيعة بتسعين بالمئة ممّا قد تصحّ تسميته «فاعليّتهم السياسية» الإجمالية فيما يتمثّل السنّة بسبعين بالمئة من فاعليّتهم المماثلة ولا تتجاوز قوّة التمثيل الماروني أربعين بالمئة من الفاعلية المجتمعة للموارنة. ولْننبّهْ هنا إلى أن هذه الفرضية لا تصدر عن محض التخيّل، بل إن وضعاً قريباً إليها قد كان قائماً في بعضٍ من حكومات هذه المرحلة.
أمّا ما تسفر عنه هذه المقارنة فهو رفع القوى المستبعَدة في الطائفة الناقصة الحظوة قميصَ الغبن الطائفي.. وهذا الغبنُ مَطْعَنٌ مضمون الفاعلية، طالَ الزمن أم قَصُر، في الشرعية المبدئية لأيّ حكمٍ لبنانيّ قائم. يزيد من صحّة هذا الأمر أن الحرب اللبنانية جَبَّت ما كان قبلها من تسليمٍ بالأرجحية لطائفةٍ من الطوائف، كائنةً من كانت، ورفعت حسّ المساواة المبدئيّة بين الطوائف إلى أقصى حدّته. وما يتّصل بتأليف الحكومات من هذه الواقعة أن الرغبة في اجتناب مطعن الغبن راحت تزكّي، في نهاية المطاف، إدخال جملة القوى السياسية الطائفية في البلاد (ومعها حواشيها ذات المشرب «العلماني» أيضاً) في الحكومات. ويزيد هذا السعي، بطبيعة الحال، من صعوبة التوصّل إلى ميزانٍ لتوزيع الحقائب، وهي متباينة الأهمّية والمزايا، متعدّدة الفئات، يعدّ مضبوطاً على أنصبة الطوائف وأحجام القوى ومقتضيات المرحلة، إلخ. وهذا، أي الميزان المضبوط، مطلب قد يطيل من أمد التأليف. ولكن الخروج من نفق التأليف بحكومة هذه حالها (ويطلق عليها تفاؤلاً لقب «حكومة الوحدة الوطنية») لا يسعه أن يكون غير تمهيد لا يطول العهد به في العادة لدخول النفق التالي: نفق العمل الحكومي الذي تنذره الأوضاع والتوجّهات نفسها باستعصاءٍ جديدٍ قديم.
وقد يُتوهّم إمكان للنجاة من هذه الدوّامة يتيحُه اعتمادُ صيغة أخرى (أو أكثر من صيغة واحدة) في تأليف الحكومات، مغايرةٍ للصيغة الجامعة التي حازت في السابق (وتحوز اليوم) أفضليّةً بات يمليها التكوين الطائفي الذي استقرّ عليه المجتمع السياسي اللبناني منذ الحرب… وهذه أفضليّةٌ كان يزكّيها المبدأ الطائفي لنظام الحكم أصلاً. ولكن الصيغ المتاحة، في نطاق ذاك المجتمع السياسي وهذا النظام، ضئيلة العدد جدّاً. توقّفنا عند الحكومة الجامعة (أو حكومة الجميع!) وذكرنا عسر تأليفها ومناخ الاستعصاء الذي لا يلبث أن يخيّم على عملها. هي، فضلاً عن ذلك، حكومة تلغي المعارضة (ما خلا معارضةَ بعضها لبعض!) وتسهّل تحويل الوزارات إلى إقطاعات للوزراء وتغري بالفساد. ولكن ماذا عن حكومة الغلبة التي تحشد أكثريّاتٍ طائفية في وجه أكثريّةٍ لطائفةٍ أو لأكثر من طائفة تُلْجأُ إلى البقاء في خارج الحكم؟ هذه جُرّبت أيضاً وظهرت، بسببٍ من مجافاتها مبدأَ الشركة الطائفية، نُذُرٌ لخطرها على السلم الأهلي وظهر أثرُها في رفع منسوب التوتّر بين الطوائف على التعميم.
لا يبقى – إذا استبعدنا الحكومة العسكرية – سوى حكومة التكنوقراطيّين… وكان رئيس الجمهورية، بما كان له من سلطان قبل الحرب وفي أثنائها، قادراً على ارتجال رئيس للحكومة من هذه الشريحة وصفٍّ من الوزراء منها أيضاً يجسّد بهم «خطّه» في الحكم ويحكم من خلالهم… وهذا من غير أن يُشْتَرَط انتماؤهم جميعاً إلى طائفة الرئيس. ذاك زمن مضى وانقضى. في زمن ما بعد الطائف، مثّلت «هيئة الحوار الوطني»، وهي تضمّ أعيان الطوائف الكبار هيئة وصايةٍ معنوية على الحكم. هذه الوصاية تصبح فعلية – في الوضع الحالي للرئاسة الأولى – إذا جيء بحكومة من التكنوقراطيين. وهي – أي الوصاية – ستمارس إذّاك على الوزراء فرداً فرداً من جانب القادة في طوائفهم من دينيين ومدنيين، وهذا بقطع النظر عن وجود «هيئة الحوار» أو عدمها.
هي إذن – مرّةً أخرى – أنفاقٌ نخرج من أحدها لندخل في تاليه. تلك هي الصورة التي بات عليها النظام الطائفي في طوره الأخير هذا. والطائفية طاغية الحضور والقوّة بين ظهرانينا، أمس واليوم. هي تقتات من المخاوف المتبادلة ومن المطامع ومن التبعيّات ومن خشية المجهول. ويمدّها اليوم بقوّة فائضة – بعضها رمزيّ وبعضها حسّيّ مادّي – ما يشهده المحيط من صراع برز له، بين وجوهٍ أخرى، وجهٌ طائفي أو مذهبيّ غليظُ القَسَمات. فيتآزرُ الداخل والخارج في حفظ الصفة الطائفية لخريطة المجتمع السياسي ولخطوط المواجهة بين أطرافه.
ولا يرى الناظر المدقّق في أحوال لبنان، حاضره وماضيه القريب، من مخرج طائفيّ من أزْمة النظام الطائفي، وهي ما حاولنا تعيين معالمه الكبرى ههنا في مستوى الحكم. وصفوة القول فيها أن تداول السلطة قد ولّى عهده في لبنان. فإذا وُجد منه أثر اليوم فموقعه في الهوامش من السلطة لا في المتن. وذاك أن السلطة أصبحت سلطة الكلّ المتلاطم الأطراف والعاجز عن التدبير السياسي الموحّد لشؤون البلاد. ولا تنتقل السلطة من موالاة إلى معارضة إذ لا وجود يذكر لهذه الأخيرة في خارج السلطة نفسها. وإنما تتغيّر موازين السلطة لصالح هذا أو ذاك من أطرافها بالصراع الداخلي المديد نسبيّاً وبقدر من التساوق مع كلّ تغيّر يحصل في موازين المحيط.
لا مخرج طائفيّاً من أزمة هذا النظام إذن. ولكن المتطلّع إلى مخرج غير طائفي يعلم أن لا قيمةَ لمَخرجٍ من هذا القبيل ولا وجاهةَ إن هو لم يكن موضوعاً لسعي جمهور اللبنانيين وثمرةً لنضال هذا الجمهور. وهذا شرط يبدو للعيان بُعْدُه عن متناولنا. هو بعيدٌ، لا يزال، على الرغم من وقفاتٍ نضالية متنوّعة شهدتها السنوات القريبة الماضية وظهرت فيها ملامح سعيٍ شعبي إلى تحقيقه. وأخطر ما في بُعْده أن تفضي الأزْمة المتمادية إلى «حلٍّ» آخر لها أقربَ إلى المتناول: «حلٍّ» يكون أسوأَ من الأزْمة نفسها.
كاتب لبناني

أحمد بيضون

Advertisements

لبنان: حلقة الأنفاق المفرغة

أحمد بيضون

Nov 21, 2016

حتى الساعة، لم يطل العهد كثيراً بالمسعى الذي يبذله سعد الحريري لتأليف الحكومة الأولى في عهد ميشال عون. ولكن كلّ وقت مناسب للتأمّل في البلاء الذي يجعل اللبنانيين لا يخرجون من وضع غير مألوف في دولة سويّة التكوين المؤسسي إلا ليدخلوا في وضعٍ آخر لا يقلّ عنه خروجاً عن المألوف ناهيك بالمأمول.
بل إنه يمكن القول إن اللبنانيّين تبقى أيديهم على قلوبهم ولو خرجوا، مثلاً، من نفقين تباعاً في وقت مقبول، إذ سرعان ما يلوح لهم مدخل نفق ثالث يتوقعونه مظلماً وطويلاً. صحيح أن كلّ خروج إلى ضوء النهار يمنحهم مهلة للتنفّس وللبحث أيضاً في كيفية تحويل الطريق التي تسلكها بهم بلادهم عن النفق التالي، ولكن هذه المهلة لم تطل في أيّ مرّة من زمن بات طويلاً نسبيّاً: من سنة 2005، في أدنى تقدير، ما دامت حوادث تلك السنة قد باتت تعدّ، وهي جديرة، محطّة أو بداية يؤرّخ بها، كما كان يؤرّخ قبلها باتفاق الطائف ونهاية الحرب، وكان يؤرّخ قبل نهاية الحرب بعام نشوبها.
فقد شهدت البلاد في أحد عشر عاماً تقضّت على اغتيال رفيق الحريري وخروج القوّات السورية من البلاد حالات تشبه كلّ منها هذا أو ذاك من أمراض الآدميين: فبعضها يشبه الصرع (مثلاً حرب 2006) وبعضها يمتّ بنَسَبٍ إلى الشلل (مثلاً: الشغور الأخير في كرسي الرئاسة الأولى والتمديد لمجلس النواب) وبعضها إلى داء الكزاز أقرب (مثلاً: الغِلابُ الممتدّ من تأليف المحكمة الدولية واستقالة الوزراء الشيعة في سنة 2006 إلى مؤتمر الدوحة وانتخاب ميشال سليمان رئيساً للجمهورية في سنة 2008) إلخ. وقد طالت هذه المرحلة، بمحطّاتها المختلفة، إلى حدّ جعل البيّنة، خلافاً للقاعدة، لا على من ادّعى بل على من أنكر أنّنا في أزمة نظام مقيمة ولسنا في أزمة سياسية من القبيل الذي يؤمل أن يستوعبه النظام: يستوعبه ولو بعد صراعٍ يقصر أو يطول وبعد إجراءاتٍ موضعية تُتّخذ فتبدو كافية لإقلاعٍ جديد وإن أُخذ عليها دائماً نقصٌ هنا وعِوَجٌ هناك.
من ثلاثة أسابيع، انتُخب، بعد عامين ونصف عامٍ من شغور الكرسي، رئيسٌ للجمهورية. وكانت قد سبقت الشغور الأخير، بين عامَي 2007 و2008، حالة شغورٍ أخرى في الكرسيّ نفسه دامت أشهراً. ولكن رَحَلت الحكومة القائمة (حكومة تمّام سلام)، مع انتخاب الرئيس الأوّل، وهو أمرٌ نظاميّ جدّاً. ولكن نظاميّة الرحيل لا تعفي من تذكّر المدّة التي كان قد استغرقها تأليف تلك الحكومة: إذ هي كانت الأطول في تاريخ شرقنا المعاصر: فبلغَت 316 يوماً متفوّقةً في الطول على أقرب سابقةٍ عراقية إليها وغير مسبوقةٍ، على نطاق العالم، في ما أعلم، إلا بحالة وَاحِدَةٍ، بلجيكية الموطن. وكانت قد سبقتها، في المرحلة نفسها، حكوماتٌ أخرى، طعن في «ميثاقية» وَاحِدَةٍ منها (والصحيح القول في توازنها الطائفي) بعد انسحاب مكوّنها الشيعي وتضامن حلفائه معه في خارجها. وكان أن المعسكر الذي ائتلف في مواجهتها راح يعتبر، بعد أن قاطعها، أن كلّ ما اتخذته من قرارات (بما فيها مشروع الموازنة العامّة) لا شرعيّةَ له بسببٍ من مخالفته «ميثاق» الطوائف. فبقيت البلاد مُذ ذاك تنفق ما تنفق بلا موازنةٍ مقَرّة، وذلك لتعذّر قَطْعِ الحساب وفقاً للأصول. وحين تشكّلت لاحقاً حكومةٌ ارتضاها هذا المعسكر (وهي حكومة نجيب ميقاتي الثانية التي طالَ مخاض تأليفها أشهراً أيضاً) ساغ للمعسكر المقصى (وهو ذاك الذي طُعِن في «ميثاقية» حكمه سابقاً ويتصدّره التيّار الحريري) أن يطعن بدوره في «ميثاقية» الحكومة الجديدة، ولكن بسبب وهن التمثيل السنّي فيها، هذه المرّة. وكان منطلق هذا التحوّل أن المعسكر الذي لم يتمكن من إسقاط الحكومة، في سنة 2006، بسحب وزرائه منها، تمكّن، في سنة 2011، من بلوغ الغاية نفسها بالطريقة نفسها، فافتتح إذّاك أزمة «الميثاقية» الثانية التي ذكرنا للتوّ.
في المدّة نفسها، كان مجلس النوّاب يموت أو يتماوت كلّما نُكبت السلطة التنفيذية بواحدةٍ من عللها المتمادية تلك. فأبوابه تغلق حين يعلن المعسكرُ الذي ينتمي إليه رئيسُه أن الحكومة باتت فاقدة الشرعية. وأبوابه تغلق حين يطول عهد البلاد بفقدان الحكومة أصلاً، ما خلا تلك المستقيلة والمكلَّفة «تصريف الأعمال». وأبوابه تغلق حين يستحيل «هيئةً ناخبة» بسببٍ من شغور كرسيّ الرئاسة الأولى، فتتعذّر مواصلة التشريع باستثناء ما ارتُجلت له تسميةُ «تشريع الضرورة» وهو يشبه كثيراً مداراة الموت السريري بآلة التّنفّس. يتعذّر انعقاد الهيئة الناخبة أيضاً لعلّة الافتقار إلى الثلثين اللازمين لتأمين النصاب، في هذه الحالة، ما دام التسليم بالشخصية المتوقّع انتخابها غير حاصل. تلك حالٌ دامت أشهراً بين عامي 2007 و2008 ثم تمادت سنتين ونصف سنة قبل أن يتيسّر الانتخاب الرئاسي الأخير. على أن الموات التشريعي، بما فيه العجز عن وضع قانون جديد للانتخابات (مجمَعٍ، في ظاهر الحال، على ضرورة وضعه)، لم يحل قطّ دون تمديد مجلس النواب ولايته مرّتين بحيث قاربت الولاية الواحدة، اليومَ، أن تُصبح ولايتين تامّتين.
ولا موجب للتنويه بأن التشريع لا يتعطّل أو يضطرب وحده، في هذه الحالة، وإنما يتعطّل أو يضطرب التسيير المنتظم لمؤسّسات الدولة أيضاً، من مدنيّة وعسكرية، بما في ذلك التعيين الضروري لبدلاء ممّن يتقاعدون وحتى التمويل الدوري لأعمال جارية، إلخ. فإذا ألقينا نظرةً إجمالية على مرحلةٍ بدأت تزيد عن عقد من السنين، وجدنا أن تعطّل الرئاسة الأولى وغياب الحكومة التامّة الصلاحية أو استعصاء العمل المنتظم على حكومة قائمة وتجميد العمل في مجلس النوّاب لعلّة دستورية أو لأخرى سياسية قد تناوبت أو تراكبت كلّها لضرب الأداء المعتاد أو المفترض لآلة الحكم بأسرها. وذاك أن العطل في واحدٍ من هذه المستويات كافٍ لإدخال الخلل الجسيم على عمل الدولة كلّه وللإشعار حين يطول الأمر سنيناً كثيرةً إلى هذا الحدّ بأن العطل قد بلغ صلب النظام واستقرّ فيه وأنه لم يبق مفرّ من البحث عنه والسعي إلى معالجته في مستقرّه العميق ذاك.
والحال أن أصل العلّة واضحٌ جدّاً وقد دأبْتُ على إبرازه من يوم أن أصبح أمراً واقعاً وظهر ثباته أي من زمن الحرب اللبنانية المعلومة. وهو أن الطوائف الرئيسة في البلاد قد اتّخذت كلّ منها، بحكمٍ من الحرب ثمّ من التسوية التي أفضت إليها الحرب ومن أعوام إعادة الإعمار، تمثيلاً سياسيّاً ظاهر الغلبة، بحيث لا يستقيم بديل منه في أيّ صيغة للحكم ويصبح استبعاده مرادفاً، على نحوٍ ما، لاستبعاد الطائفة نفسها من حومة الدولة. هذا الاستبعاد، على ما هو معلوم، يطيح النظام الطائفي من أصله إذ هو ينافي منطقه كلّياً. وأما انتصاب من لا بديل منه لتمثيل طائفةٍ من الطوائف في الحكم فمؤدّاه أن يُمْنَحَ هذا الطرف بالتالي حقّ نقضٍ صارم حيال مطالب الأطراف الأخرى أو مقترحاتها وحقاً في الاستفاضة والشطط في مطالبه أيضاً: يستند في الأمرين إلى علْمه بتعذّر الاستغناء عنه أو، في الأقلّ، إلى قدرته على الطعن في شرعية الحكم كلّه إذا حصل هذا الاستغناء. والعارف بالماجريات اللبنانية، في السنوات الأخيرة، يعلم ان هذا الكلام ما هو بالتحسّب النظري وإنما هو ما تتوصّل إليه المعاينة الحسيّة لعمل آلة الحكم اللبنانية وعمل معارضتها (أو لتعطّل هذه وتلك أيضاً) في المرحلة التي نتناول.
أمّا الوضع المتحصّل من هذا الطور في سيرة النظام الطائفي فهو الاستعصاء الذي نرى أو حلقة الأنفاق التي لا مخرج من أحدها إلا في اتّجاه مدخل الآخر. وأمّا الكيفيات الحسّية التي يتجسّد فيها هذا الاستعصاء ويفرض نفسه فتستحقّ منّا وقفةً على حدة.
كاتب لبناني

 

أحمد بيضون

بين العلاقة الشخصية والاستبداد

أحمد بيضون

Nov 14, 2016

استوقفتنا إذن، في عجالة الأسبوع الماضي، ظاهرة «موتى المرافقة» بما لها من انتشار في مدى العصور ومن توزّعٍ بين القارّات. شدّدنا على الظاهرة الخام: على ما تبرزه القبور الجماعية «غير المتناظرة» من وجود نزلاء فيها قتلوا أو انتحروا ليكونوا في معيّة السيّد الذي هو صاحب القبر في الحياة الأخرى.
على أن الأهمّ، لجهة الدلالة، يبقى المعيار العامّ الذي يحكم اختيار هؤلاء «المرافقين» أنفسهم (إذ يتطوّع كثير منهم للانتحار عند موت السيّد) أو اختيار الغير إيّاهم. لا ريب أن الرقيق طليعة المرشّحين ومع هؤلاء (أو بينهم) النساء من زوجات ومحظيّات. ويلاحظ، في حالة الملوك وفي غيرها، أن أقرب الخدم والأتباع إلى قلب الراحل وجسده هم طليعة المرشحين لـ«مرافقته» في مثواه الأخير. ولا يمنع هذا أن بعض سيّئي السيرة والسلوك من العبيد قد يستفاد من موت سيّدهم للخلاص منهم. ولا يمنع أيضاً أن أطفالاً قد يقتلون إذا مات معيلهم للافتقار إلى من يخلفه في العناية بهم. ولا يمنع أن هذا السبب عينه، أي خسارة المعيل، يفسّر بعضاً من حالات إقدام «الراشدين» على اللحاق طوعاً (أي انتحاراً) بفقيدهم. وبين هؤلاء عبيدٌ هم مثال الوفاء والولاء، لا يتبيّن لهم إمكان حياة تستمرّ في غير ظلّ السيّد الراحل. ولا يمنع أخيراً أن من تضعهم أقدارهم في طريق الموكب الجنائزي قد يقتلون بلا سؤال ولا جواب وأن العمّال ممن يعرفون حكماً مداخل الضريح ومخابئه قد يقتلون خلف بابه أو يدفنون أحياءً فيه. ولكن هذا كلّه لا يفسّر الظاهرة بأسرها ولا معظمها… وإنما يبقى تفسيرها الفعليّ في موضعٍ آخر.
يستبعد الانثروبولوجي الفرنسي آلان تستار كلّ تفسير دينيّ لتقليد «موتى المرافقة» هذا. فهؤلاء الموتى ليسوا قرابين ولا أضاحي إذ لا يراد بموتهم إرضاء قوّة من قوى الغيب، أي نيل حظوةٍ أو غفرانٍ منها للفقيد العزيز. وقد كان من الأديان الكبرى أنها كافحت هذا التقليد وسَعَت في إخماده حيث وجدته. وإنما كان يراد منه الشهادة لمكانة الفقيد وللحرص على رضاه، بالتالي، ويراد حفظ مزايا له في حياته الأخرى كانت له في حياته الأولى. الجاه إذن والحظوة المستمرّة، بعد الموت، بمُتَع الحياة المعتادة: متعة البطن ومتعة الفَرْج وما جرى هذا المجرى، بطبيعة الحال. ولكن أيضاً مُتَعُ الزينة والثروة الظاهرة ومتع الفروسية والقتال وكثرة الحرّاس وما جرى هذا المجرى أيضاً في حالة الملوك والقادة، إلخ. لا شيء هنا يقدّم لإله ما إذن. وإنما هو الراحل يحتفظ بما عنده.
ذاك لا يمنع شعوراً يجافي دعوى تستار غياب الدين عن ممارسة «المرافقة». نقتنع بحجة تستار الآيلة إلى نفي صفة «القربان» عن قتل المرافقين او انتحارهم. ولكن لا نغفل عن افتراض الراحلين حياةً أخرى تلي الموت… وهو افتراض يقع في جوهر الدين (ويلاحظ قارئ تستار كم هو فائض عن حدود ديانات التوحيد… بخلاف ما يظنّ العوام – على الأقل – من أتباع هذه الديانات) وهو – أي هذا الافتراض – شرط لا يتماسك دونه منطق «المرافقة».
على أن المستوى الأعمق الذي يسع جهد التفسير أن يبلغه إنما يتمثّل في ما يسمّيه تستار «العلاقات الشخصية». هذا النوع من العلاقات هو المهيمن بين ما يمكن استطلاعه من روابط تجمع الميت «الرئيس» بـ»مرافقيه». وهو ما يفسّر كون الملك لا يتبعه إلى القبر وزراؤه أو كبار موظّفي دولته. وإنما تتبعه أقرب محظيّاته وطبّاخه وسائسه وندماؤه وآخرون ممّن خالطوه، على أنحاء مختلفة، في جسده وفي معيشه الخاص فكانوا مقرّبين إليه أعزّاء عنده بما هو شخصٌ – ملك لا بما هو ملكٌ وحسب.
في هذه الصفة الشخصية لعلاقة الميت بمرافقيه في الموت يكمن سرّ «المرافقة» بحسب تستار. وهو سرّ يجوز تلخيصه بكلمتين: التبعية والولاء. ففي ممارسة «المرافقة» من أوّلها إلى آخرها وفي ترتيب المدفن المهيّأ لضمّ رفات الفقيد الرئيس ومرافقيه، على التخصيص، تظهر التبعية، تبعيّة العبيد وتبعية الأحرار من «المرافقين»، ممثّلةً في «الإخراج» المادّي لفضاء القبر ومندرجاته. والتبعيّة من جهة التابع إنّما هي التجلّي لسلطة المتبوع… يبقى مع ذلك أن ما يسمّيه تستار «الولاء» هو، في نظره، البعد الأحرى بالتأمّل في هذه العلاقة الشخصيّة الماثلة وراء «المرافقة». وفي الكلمة الفرنسية الدالّة على الولاء (فيدليتي) وفي أصلها اللاتيني (فيدس) تَعَدّدُ أبعادٍ يظهر في مكوّنات الدلالة: من معنى الإيمان إلى معنى الإخلاص إلى معنى الأمانة إلى معنى الوفاء، إلى معنى الملازمة، إلخ. وهو ما يصل به إلى أقصاه اختيار البقاء مع الولي في الحياة وفي ما بعدها واختيار مصاحبته في موته وملازمته في قبره بالتالي.
يلاحظ تستار أن تقليد «المرافقة» هذا كان قائماً في مجتمعاتٍ اعتمدت صيغة الدولة وفي أخرى بقيت مقتصرة على جماعة النَسَب. ولكنّه يلاحظ أيضاً أن الدول المركّبة أو المتقدّمة في التبلّر، وهي التي توصّلت إلى اعتماد بنية بيرقراطية قريبة إلى هذا الحدّ أو ذاك من النموذج الفيبري، بما فيها الإمبراطوريات الكبرى، قد نحت نحو استبعاد «المرافقة» وسعى بعضها إلى اجتراح بدائل لها. ذاك ما يتبدّى، مثلاً، في الحالة الصينية. فالإمبراطور الأول «شين» (وهو الذي منح الصين اسمها) أنشأ لنفسه ضريحاً تبلغ مساحته 16 كلم2 (وما يزال استكشافه جارياً) ولم تصحبه إليه حاشية من المرافقين المقتولين بل وُضع فيه جيش وافر من الجنود الخزفيين حجم كلّ منهم مساوٍ لحجم الجندي الطبيعي. ذاك إذن «بديل» رمزيّ ضخم للمرافقة البشرية.
يبقى أن تقليد المرافقة، بأضخم صوره وأغناها دلالةً، قد ميّز الممالك المطلقة أي دول الاستبداد أو المونوقراطيات التي يحتكر فيها فردٌ واحد جملة السلطة. وفي عرف تستار أن ما يمثّله موتى المرافقة من ولاء يتجاوز جدار الموت إنما هو التجسيد الأمثل للاستبداد أو للسلطة المطلقة. وهو أيضاً أصل الدولة وشرطها في الصيغة التي ظهرت لها أوّلاً وهي صيغة الاستبداد. ففي هذه الصيغة يكون معنى الدولة استعداد الرعايا للموت في سبيل المتبوع وللحاق به إلى القبر. يفترض فيهم استبطان هذا الاستعداد وسدّ السبل امام أيّ شكّ فيه ويفترض صاحب السلطان من جهته حصول الاستعداد المذكور ويعوّل على تفعيله، لا في حياته المحدودة وحسب بل في ما يتعدّى هذه الحياة أيضاً.
يتبع هذا مأخذ نافذ على الأنثروبولوجيا الاجتماعية يعتمده تستار وهو طغيان علاقة القرابة على تناولها بنى المجتمعات. هذا بينما تنطوي الحياة الاجتماعية على أنواع غير قرابية من العلاقات بينها تلك «العلاقة الشخصية» التي يجدها تستار تحت ممارسة «المرافقة» قبل أن يباشر البحث عنها في «أصل الدولة». ولعلّنا نعود إلى نظريّة أصل الدولة هذه، وهي موضوع الجزء الثاني من كتاب تستار. وإنما قصرنا همّنا ههنا على وصف ما يفترضه المستبدّون، بحسب تستار، معنى أقصى لسلطانهم. وهو معنى بذلت البشرية ما لا يبذل للخروج عليه وللحدّ منه، أي لإخراج سلطة الدولة من دائرة «العلاقة الشخصية» بصاحب السلطة إلى دوائر أخرى ذات موضوعات غير شخصية من نُظُم الحياة الاجتماعية. ولكن المستبدّين ما يزالون كثراً هنا وهناك في أرجاء الكوكب، يستغني بعضهم عن الأقنعة ويلبس بعضٌ آخر أقنعة شتّى. وما يزال بعضهم بين ظهرانينا وما يزال كثير منّا يلبّون دعوتهم فيتبعونهم إلى قبورهم أو يسبقونهم إليها.

أحمد بيضون

“موتى المرافقة”

أحمد بيضون

Nov 07, 2016

لا أستبين منطق الصلة التي أنشأتُها، في مخيّلتي، ما بين «حقول القتل» التي حاصرَتْنا، وما تزال، طوال هذه السنوات الأخيرة، و»موتى المرافقة»، وإنما ساقني إلى هؤلاء أن الأنثروبولوجي الفرنسي الفذّ آلان تستار جعَلهم موضوعاً وعنواناً للجزء الأوّل من كتاب اختار لجزأيه معاً عنواناً هو «الرقّ الطوعي».
وهو قد استعار هذا العنوان الأخير من رسالة ذائعة الصيت لسلَفه أتيان دو لا بويسي ثم ارتأى «أصل الدولة» عنواناً للجزء الثاني من كتابه ذاك. وكان منه أنه أراد، على ما قد يبدو في هذا الرأي من إغرابٍ يجهد الكتاب كلّه في تذليله، أن يظهر مثول أولئك «الموتى» في موقع الركن من ذلك «الأصل».
تهيّأ لي إذن أن من قُتِل ويُقْتل من السوريين إنما يشبع رغبة حافظ الأسد، صاحب «الأبد» الشهير، في أن يوافيه الشعب السوري إلى العالم الآخر، ليواصل هو قيادته، وأن بشّار الأسد قد لا يكون سوى منفّذ لوصيّة والده في هذا الصدد. أقول «تهيّأ لي» لعلمي أن الأمر إنما ينتمي إلى دنيا التهيّؤات لا إلى الاستخلاص العقلي، ولكنّه تهيّؤ مكتنَف بانفعال ملحّ لا يستقيم إلا مع تصديق عميق (هو الذي يميّز الأحلامَ في كلّ حال، والكوابيسَ من بينها، على الأخصّ) وهو التصديق بحقيقة المتخيَّل.
ولم أستبعد، حين رحت أتأمّل الحالة السورية، أن تكون هذه أيضاً رغبة معمّر القذافي: أن يستقدم إليه الشعب الليبي إلى حيث انتهى به مطاف لم يحسب نهايته وشيكة إلى هذا الحدّ. ولم لا تكون الرغبة نفسها تساور علي عبد الله صالح وحسني مبارك، ولو ان هذين ما يزالان في قيد الحياة؟ وهو ما يقتضي تعديلاً في الرغبة يقضي بأن يسبق الشعبُ القائدَ إلى الحياة الأخرى، عوض أن يتبعه، على أن يلحق الأخيرُ بالأوّل حالما يتمّ نصْبُ كرسيّ الرئاسة هناك ويكتمل جمهورُ المبايعين بتِسْعاته كلّها.
ولكن من هم أو ما هم «موتى المرافقة» أولئك؟ رحل آلان تستار قبل ثلاث سنواتٍ تقريبا، ولم يصطحب أحداً إلى باطن قبره في تخميني، وكان كتابه الذي أتوقّف عنده قد صدر في سنة 2004.. وينكبّ الجزء الأوّل من الكتاب على ظاهرة ذكرُها قليل الشيوع في ثقافة عصرنا العامّة فيكاد يُقْتصر الإلمام بوجودها وماهيّتها على المختصّين. تلك ظاهرة إلحاق ميّت آخر أو موتى آخرين، ثانوي أو ثانويّين، بميّتٍ رئيس بحيث لا يذهب هذا الأخير وحده إلى عالم ما بعد الموت، بل تكون له معيّة. وبخلاف ما قد يظنّ بهذه الظاهرة من شذوذ أو ندرة، يوضح الكتاب انتشارَها الشاسع في الزمان والمكان والتنوّعَ المهول في صيغ تحصيلها وفي أبعادها وفئات الذين «أفادوا» منها أو كانوا من ضحاياها من البشر.
فأما ما يتعلّق بالزمان فإن كتاب تستار يبدأ بذكر ما يقوله الإغريقي هيرودوتس، المعروف بـ»أبي التاريخ»، في القرن الخامس قبل المسيح، بصدد السيثيّين، وهم قوم من الرحّل انتشروا في السهوب الممتدّة إلى الشمال من البحر الأسود وكانوا، إذا مات ملِكهم، عمدوا إلى خنق واحدة من محظيّاته ونفرٍ مختار من خدمه وحشمه وعدد من جياده، ودفنوا هذا كلّه مع الراحل، على نسق معيّن، فضلاً عن مقتنياتٍ وأوانٍ ثمينة خاصّة بالملك يفترض أنه يحتاج إليها في الحياة الأخرى. ليس هذا فحسب، بل إن هؤلاء القوم كانوا يعيدون الكرّة بعد سنة من وفاة الملك فيقتلون عدداً من أعزّ خدمه ومعاونيه عليه بينهم خمسون من خيرة الفتيان يُرْكبونهم جِيَف خمسين من أحسن جياد الملك متمّمين بذلك المراسم.
إذا كانت شهادة هيرودوتس أقدم ما بين أيدينا من وصف لهذه الممارسة الموسومة باسم «موتى المرافقة» فإن المعطيات التي تكشفها الحفريّات تبيّن أن في وسعنا أن نتجاوز السيثيّين رجوعاً مئاتٍ أو آلافاً من السنين ونظلّ نقع على مدافن «غير متناظرة» فيها ميّت رئيس وفيها (أو في محيطها) موتى آخرون قُتلوا أو انتحروا لمرافقة الراحل، بل إن المؤلّف لا يكتفي بجولة في الحضارات الرئيسة القديمة: مصر وما بين النهرين والصين، على الخصوص، وفيها يقع على الظاهرة عينها في مدافن ترقى إلى مراحل أولى من مسارات دولها. وإنما هو يوغل صعوداً حتى العصر الحجري للوقوف في مدافن المرحلة المتأخرة من ذلك العهد على آثار محتملة لموتى مرافَقة. ولكن ما يباغتنا قد لا يكون مثول هؤلاء الموتى في مدافن ما قبل التاريخ، بل استمرار هذه الممارسة في العالم الحديث، في بعض بقاع أفريقيا الغربية، على التحديد، حتى أوائل الثلث الأخير من القرن التاسع عشر.
هذا عن الصمود الزمني لهذه الظاهرة وهو مهول. أمّا انتشارها الجغرافي فلا يقلّ عن ذاك مباغتة لنا. يعرض تستار ما هو معلوم عن هذه الظاهرة في عدد كبير جدّاً من المجتمعات، موزّع ما بين القارّات كلّها. ثم ينتهي إلى خريطة توضح حدود المناطق التي وجدت فيها آثار كثيفة لهذه الممارسة. فإذا هذه المناطق ثلاثٌ تمتدّ الأولى منها من شرق أوروبا إلى ساحل الصين عبر سهوب القفقاس ووسط آسيا وبعض سيبيريا ومنغوليا. وإذا الثانية تغطّي معظم أفريقيا من مصر في الشرق ومعظم السودان إلى الساحل الجنوبي الغربي بتمام طوله تقريباً… وإذا الثالثة تستغرق معظم الساحل الغربي للقارّة الأمريكية بأقسامها الثلاثة وتُوغِل من هناك في بعض نواحي البرّ الأمريكي. وهو ما لا يعني، على جسامته، أن مناطق أخرى من العالم كانت خالية من الظاهرة نفسها كلّياً. ولكن من هم الذين كان يجب أن يصحبهم آخرون في رحلتهم إلى العالم الآخر؟ لَم يكونوا الملوك وحدهم، ولو أن دفن هؤلاء كان يستوي في مجتمعات كثيرة مناسبة لمجازر مهولة يُفْتَك فيها بكثير من الناس ولا تعفّ عن الحيوانات من خيولٍ وكلاب، على الخصوص، ومن فِيَلة أيضاً حيث توجد في الجوار. على أن من هم أدنى شأناً من الملوك كانوا يَسْتصحبون في موتهم أيضاً موتى آخرين، يحدّد مقامُ الميت هويّاتِهم وعددَهم. فيتراوح الأمر ما بين الأرملة التي تنتحر على محرقة زوجها في الهند أو الساموراي الذي يقتل نفسه عند موت سيده في اليابان (وهذان أشيع الحالات ذكراً في «الثقافة العامّة» ولكنهما من بين أقلّها فتكاً) وبين «الوجيه» الآسيوي أو الأفريقي أو الأمريكي الذي يلتحق به عدد كبير أو صغير، بحسب ثروته ومقامه، من عبيده وأتباعه ومن نسائه أيضاً إلى مثواه الأخير. وفي هذا المساق، لا يستقيم لنا استيعاب الصور التي يرسمها تستار ما لم نكن نعلم أن الرقّ كان ضارباً أطنابه في أفريقيا وأمريكا، قبل وصول «البيض» إلى هاتين القارّتين بزمن مديد.
أما الطرق المتبّعة للقضاء على هؤلاء «التابعين»، وقد ذكرنا منها الخنق، وهو شائع، فكانت متنوّعة. تبقي قراءةُ كتاب تستار، من هذه الزاوية، شعرَ الرأس منتصباً، من بدايتها إلى نهايتها. فالكتاب ليس نزهة في جبّانات مألوفة المنظر، قد يخفّف من وحشتها العشب والشجر. وإنما هو جولاتٌ كثيرة، معزّزة بالرسوم والصور، في بواطن قبورٍ مركّبة متباينة الأبعاد والتصاميم. وهو وقوف تفصيلي على أحوال ما فيها من هياكل لجهات الجنس والعمر والوضع في المدفن وكيفية الوفاة. وهذه الأخيرة، في أحوال موتى المرافقة، غنيّة بأنواع ما نعدّه فظائع وبدرجاتها: فيسعها أن تكون دفْنَ «المرافقين» أحياءً ويسعها أن تكون دفعهم إلى المحرقة التي تنصب لجثمان السيد ويسعها أن تكون سحق جماجمهم أو قطع رؤوسهم ويسعها أن تكون شقّ جسد تلك المرأة بسكّين بعد أن تُسقى خمراً كثيرة وبعد أن يكون ضاجعها، في يوم قتلها، عدد وافر من الرجال إكراماً للسيّد الذي سيضاجعها في العالم الآخر… إلخ.
ما الذي جعل ظاهرة المرافقة تظهر هنا ولا تظهر هناك؟ ما شرط ظهورها أو شروطُه؟ وإذا كان الاستبداد ظاهراً للعيان في ممارستها فكيف تعرّف العلاقة بينها وبين الاستبداد بمعناه الأعمّ؟ نعود إلى هذه الأسئلة في عجالتنا المقبلة.
كاتب لبناني

أحمد بيضون