دولةٌ ضعيفة ونظامٌ قويّ؟ مناقشةٌ لبنانيّة

أحمد بيضون

Dec 31, 2016

في أشهرٍ قليلة، سمعت أو قرأت مراراً ما مفاده أن الدولة اللبنانية «ضعيفة» ولكن النظام (الطائفي) في لبنان «قويّ» جدّاً.
صدر هذا الكلام في ندوة من هنا ومقالة من هناك من ذوي أقلام معتبرة يتدبّرون عادةً ما يكتبون في الشأن اللبناني وفي غيره. ولا أعرف أيّهم كان الأسبق إلى اقتراح هذا التشخيص ،ولا إن كان قد جاء به قبلهم من لم يبْلُغني كلامُه. ولكن بدا أن العبارة، بتنقّلها بينهم، مرشّحةٌ لتستوي «محطّ كلام» أو «لازمة» فتوحي كلّما تكرّرت بالوقوف على تفسير أو على عنوانٍ لتفسير لما يتخبط فيه لبنان، من سنين باتت كثيرة، من استعصاءٍ وتردٍّ سياسيّين. وفي العبارة ما يؤهّلها للاستواء محطّاً أو عنواناً: ظاهرُ الوضوح… والتقابلُ في كلامٍ وجيز للغاية بين قطبين متلازمين… وهذا مع الإيحاء الذي يبدو مبتكراً بإمكان التمييز بينهما في القوّة والضعف.
أرى وجاهةُ، من جهتي، لمناقشة التشخيص الذي تقترحه هذه العبارة. وأوّل ما عندي سؤال عن إمكان فصل النظام عن الدولة: يجوز لنا إن اعتمدنا لـ»الدولة» معنىً بعينه أن نرى النظام فائضاً عنها، مشتملاً عليها. الدولة هنا لا يستقيم فهمها إلا بما هي سلطة منوطة بأداة مؤسّسية ذاتُ أجهزة ومراتب. وذاك أن المقصود، بديهةً، ليس الأرض والحدود والسكّان والسلطة ذاتَ السيادة. بالمعنى المحصور ذاك، يصحّ اعتبار النظام فائضاً عن الدولة. إذ هو يشتمل على قوىً لا يستنفدها جهاز السلطة، وإن يكن بعضها مشتركاً فيه، وهي ما يصطلح على تسميته باسم «المجتمع السياسي». بل إنه يجوز اعتبار النظام مشتملاً على قوىً أخرى متنوّعة جدّاً، إن افترضنا أن المشار إليه هو النظام الاجتماعي لا السياسي حصراً. وهذا افتراضٌ جائزٌ – بل محبّذ – حيث يجري الحديث عن «النظام الطائفي». فهذا – أي النظام اللبناني – نظامٌ لا يستقلّ فيه الشأن السياسي إلاّ لماماً عن شؤون وأوضاع من قبيل التشبيك المذهبي وعصبيّة العائلة والاستقطاب الجهوي للعصبيات والخدمة الاجتماعية والقوّة الماليّة والاستخدامية، إلخ.
على أن الأمر المشكل فعلاً هو التسليم بدرجة من الاستقلال للنظام عن الدولة (ولهذه عن ذاك) يجيز للنظام أن يكون «قويّاً» فيما الدولة «ضعيفة». ومنطلق الإشكال الأعمّ أن الدولة هي منعَقَدُ فاعلية النظام، بما هي الملتقى المركزي لأطرافه والمدبّر الأعظم للعلاقات بينها. الدولة هي الأفق الذي تندرج هذه الأطراف في وحدة سياسية أو تستبقي هذه الوحدة بسبب من وجوده، فلا تتفرّق شَذَرَ مَذَر… وهي المنفذ الأهمّ لهذه القوى إلى الفعل في محيط الدول وهي السبب الأوجه لإفضاء هذه أو تلك منها إلى علاقة بدولة أخرى، إذ انتساب هذه القوّة إلى الدولة اللبنانية يمنح هذه العلاقة دلالة ووجاهة لم تكن لتحوزهما لو كانت منفصلة عن حومة الدولة المذكورة. فحتى الحالة القصوى التي هي تبعية حزب الله الشيعي لنظام إيران المذهبي، يتغير معناها وتنتقص فاعليتها كثيراً إن هي جُرّدت من هدف الاحتواء السياسي للدولة اللبنانية وتعزيز المكانة المتاحة للجماعة الإيرانية الولاء في نطاقها. والأمر نفسه يقال، ولو كان الولاء أدنى عمقاً ههنا، في تبعية التيّار الغالب في السياسة السنّية للمملكة السعودية. ذاك يطرح سؤالاً متعلّقاً بالدرجة التي يسعى النظام أن يصل بـ»ضعف» الدولة إليها مع بقائها قويّاً من جهته: أي مع الاحتفاظ بقدرته على صون وحدة الشبكة الجامعة لمكوّناته وعلى الإفادة من مزايا الانتساب إلى دولة في محيط مشكّل من دول: دولٍ يضمّها ما يسمّى «مجتمع الدول»…
ولكن ما معنى القوّة في قولنا «نظامٌ قويّ» وما معنى الضعف في قولنا «دولةٌ ضعيفة»؟ واضحٌ أن كلّاً من العبارتين تنطوي على تردّد بين معنيين في الأقلّ. فالنظام القوي يسعه أن يكون ذاك الذي يقوى على سياسة أنواع المصالح الخاصّة ببعض أطرافه والعامّة لجميعها وعلى تدبير أسباب النزاع بينها بحيث يأتي توزيع المكاسب فائقاً توزيع الخسائر، فيزيد النظام أو يحفظ ما تمحضه إيّاه أطرافه المعوّل عليها من ولاء. وهو لا يقوى على هذا الإنجاز، في الواقع، إلّا بقيادة الدولة التي هي منعقد الصلات الأوّل وساحة التفاوض الأرحب بين الأطراف، والمدبّر الأهمّ لموازين القوى ولمدارات النزاع. بهذا المعنى تبقى قوّة النظام مشروطةً، لا بـ»قوّة الدولة» بمعنى لـ»القوّة» سنعود إليه، بل بما نستحسن تسميته «فاعليّة الدولة» بمعنى قدرتها على أداء وظائفها الاجتماعية – السياسية في جماعة وطنية تريد البقاء واحدة.
والحال أنّنا إذا قصدنا بـ»ضعف الدولة» لزومها حدّاً من التدخّل في حياة المجتمع لا يحتاج المجتمع إلى تجاوزه، إذ تحفّ بهذا التجاوز شبهة الطغيان أو الرغبة فيه، فإننا نكون مسيئين التعبير. فإن دولةً هذا شأنها ليست ضعيفة ما دامت تؤدّي وظائفها بكفاءة وتَلْزم (أو يُلْزمها نظامُها الدستوري ومجتمعها السياسي) حدّاً تقريبيّاً لسلطتها لا تتجاوزه. أما الدولة اللبنانية (وغيرها كثير…) فضعيفة بمعنى الفشل في الأداء والعجز عن التدبير. هي دولةٌ «طائفية» ولكن الطوائف «تفيض» عن حدود سيادتها من كلّ حدبٍ وصوب. وهي تجيز مكرهةً لأطرافٍ فيها ما لا يسع دولةً أن تجيزه من غير تعريض صفتها هذه للتهاوي؟ فهل يبقى النظام «قويّاً» وأطرافُه في أشدّ التجاذب والتنازع بينها، والدولةُ المفترض تحكيمها في منازعاته متهالكة عاجزة؟
النظام «قويّ» فعلاً بمعنىً لا يتعلّق بأهليته للدوران «السويّ» بما هو نظام وإنّما يتعلّق بـ»القوّة» الخاصّة بكلّ من أطرافه في وجه أطرافٍ أخرى وبتلبية الأطراف المتزايدة شروطَ استحقاقها لهوية النظام العامّة، أي الهوية الطائفية، وبميلها المتزايد إلى مجابهة بعضها بعضا بصفاتها الطائفية أيضاً. أي أن «القوة» هنا قوّة نابذة لا جابذة. فالحال أن ما اشتدّ في عقود مضت، ولا يزال يشتدّ، إنّما هو «طائفية» أطراف النظام وميل الجماعات الطائفية إلى التشرنق على كل صعيد تقريباً وإلى تجهيز نفسها بكلّ ما يلزم في هذا السبيل، مستفيدةً في ذلك ممّا عرضته الدول القادرة في المحيط ومقايِضةً بالولاء لهذه الدول ما حصّلته منها من منافع لم تكن مادّيةً وحسب، بل كانت سياسية ومعنويّةً على الأعمّ، أي متعلّقةً بالمكانة أيضاً. وعلى هذا احتدمت العصبيات الطائفية وارتسمت للمجابهة بينها خريطة هي خريطة الصراع الدائر بين الأوصياء عليها في المحيط، ولو اقتضى اختلافُ الميدان تعديلاً هنا أو تلطيفاً هناك.
فأيّة قوّة هي «قوّة» هذا النظام الذي يُلْزم دولتَه بعجز مترامي الأطراف لا يعفّ عن كبيرة ولا عن صغيرة والذي يعجز، بعد أن انهار ما انهار، عن الاحتياط الفعلي من الانهيار الشامل – بما فيه انهيار الجبهة الاقتصادية – المالية، وانهيار الأمن المحمول على الأكفّ الدولية حاليّاً – وقد باتت أصواتٌ كثيرة (بينها ما هو رسميّ دولي) ترجّحه وتحذّر منه؟ يبقى معنىً واحد مؤكّد الدقّة لـ»القوّة»، في هذا المعرض، هو معنى قوّة العصبيات التي تتجاذب النظام ورسوخ مرتكزاتها الاجتماعية السياسية وتبعياتها للخارج. ولكن هذه القوّة ليست «قوّة النظام» الطائفي. هي قوّة شيء آخر له اسمٌ قديم أليف سبق اشتغالَنا بحديث «الأنظمة» ورطانتَنا، على الأعمّ، بمصطلح علم السياسة. هي قوّة الطائفية، لا أكثر ولا أقلّ، وهي شلل الدولة وتهالك النظام.
كاتب لبناني

أحمد بيضون

Advertisements

الدولة والثروة

أحمد بيضون

Dec 19, 2016

لا يظهر أثرٌ، في كلّ من العصرين الحجري القديم والحجري الوسيط، لمن سمّاهم آلان تستار «موتى المرافقة» (وهم الذين كانوا يُنحرون أو ينتحرون لـ»يرافقوا» سيّدهم في ضريحه).
وهو ما يحمل هذا الأنثروبولوجي على استبعاد وجود «الولاءات الشخصية» بما تنطوي عليه من أصناف التبعية أو على افتراض الضآلة في وجود هذه الولاءات بحيث لم يخلّف وجودها أثراً يذكر. فما عساه يكون المجتمع الخالي من الولاءات الشخصية؟ يقول تستار إن هذا المجتمع الأخير هو الذي تستغرقه علاقات القرابة ويرى مثالاً ساطعاً له مجتمع الأستراليين الأصليين (الأبوريجين). فإن ضروب الممارسة كلّها عند هؤلاء (من اقتصادية ودينية وتزاوجية، إلخ.) تنتظم بمنطق الشبكات القرابية. وذاك أن كلّ أبوريجيني يرى نفسه قريباً من جهةٍ ما لكلّ من يلتقيه.. بما في ذلك الباحث الإثنوغرافي الذي يحاوره مثلاً.
هذا يورثُ عُصَباً قرابية تبقى موسومة باللامساواة فتحتمل التبعية من شخص لشخص ولكن باسم القرابة دائماً. ومن ذلك أن الحرب عندهم تتخذ صورة الثأر. فإذا سقط قتيل، مثلاً، عمدت أرملته إلى مضاجعة رجالٍ تُلزمهم، على هذا النحو، بطلب الثأر للمغدور، ولكن هؤلاء يدخلون في فئة قرابية مقرّرة سلفاً تجمعهم بالقتيل. ويتّسم نظام القرابة في هذا المجتمع بتشعّب وتعقيد بالغين يجعلان قدرته على الاستيعاب غير محدودة. أما القاعدة العامّة التي يشير إليها هذا المثال فهي أن المجتمع المؤسّس كلّياً على القرابة يصبح مقاوماً مبدئيّاً لنموّ ما يسمّيه تستار «العلاقات الشخصية» ولما يتبع ذلك من خصائص بينها احتمال ظهور الدولة.
فكيف ولماذا تولد الولاءات الشخصية حيث لم تكن موجودة؟ يحلّ تستار هذا اللغز بكلمة واحدة حاسمة: الثروة.. فحيث تظهر الثروة تظهر الولاءات وفي ركابها التبعيات.
ففي المجتمعات التقليدية (أفريقيا، ميلانيزيا، أمريكا الشمالية)، لا ينتج نظام ملكية الأرض ريعاً ولا يفضي إلى تراكم ولا وجود للعمل المأجور. وما يتحصّل من منتجاتٍ لا يمكّن من التحكّم بوسائل الإنتاج ولا بالبشر غير المالكين لهذه الأخيرة، بل الثروة مهمّةٌ هنا لصفٍّ آخر من الأسباب. فإن كثيراً من المبادلات الماديّة تقع على منتجاتٍ مشغولة بعناية، ولكن لا «نفعَ» فيها. وإنما تظهر ضرورتها في المبادلات الاجتماعية وأهمّها ما تعلّق بالزواج. تلك وظيفة الثروة «الأعمّ» ههنا، ولكن هذه القاعدة لا تسري في تلك المجتمعات كلّها، ففي بعضها، يدفع الرجل من شخصه، لا من ثروته، للحصول على زوجة. من ذلك، مثلاً، حصة من ناتج صيده يؤدّيها لحماته المفترضة، حتى قبلَ ولادة الزوجة الموعودة، ويثابر على أدائها مدى الحياة، أو هو يتعهّد بخدمة حميّه المقبل مدّةً من الزمن تطول أو تقصر. لا نفع اجتماعيّاً من الثروة ههنا (في أستراليا، في أمازونيا): القتيل، مثلاً، يقابله قتيلٌ أو امرأة ولا تقبل له ديةٌ مادّية.
أمّا النقلة الحاسمة فأورثتها ولادة الزراعة، وهي النقلة من اقتصاد الخدمة إلى اقتصاد الثروة، فحيث راح يمارَس التخزينُ وتربية البهائم، أصبح الزواج يقتضي «ثروةً» منقولة. وأمّا عواقب ظهور الثروة هذا فجسيمة، وأهمّها ظهور التفاوت بين الأغنياء والفقراء. مع العلم أن «مجتمع المساواة» لم يوجد، في قول تستار، تحت أيّ سماء. فحتى الجماعات التي لا ثروة فيها تعرف ضروباً أخرى من التفاوت.
في أيّ حالٍ، لا يسع الفقير الزواج، حيث تصبح الكلمة للثروة، إلا بإنعامٍ من ذوي الاقتدار: ذاك هو منطلق العلاقة بين «المعلّم» و»المحسوب». في مجتمعات أستراليا الأصلية، يتوفّر والدُ الفتيات على سلطة، ولكنها تبقى محدودةً بإملاءات القرابة وبعدد الفتيات القابلات للتزويج. هذه الحدود تضمحلّ حيث تصبح الثروة، لا القرابة، أساس المحسوبية. النقلة – أو القطيعة – الثانية، في مجتمعات اللادولة، هي ظهور الرّق. وذاك، قبل كلّ شيء، أن العبد لا نَسَبَ له، فحتّى المسترَقّ بالدَيْن يجري إخراجه من نَسَبه، هذا أمرٌ يتعذّر تصوّره في مجتمع أستراليّ أصليّ. في مجتمعات المحسوبية، يستقيم أن تنشأ علاقات خارجَ نطاق القرابة مع أناسٍ يبقون ذوي قرابةٍ بآخرين. أمّا الرّق فيمنح سلطةً تامّةً على الواقعين فيه لا تَمنح المحسوبية مثيلاً لها. فهي سلطة على أتباعٍ لا أقاربَ لهم يتكشّفون عن ولاءٍ راسخ. ولا يندر أن يُلحَق العبد بنسبِ سَيِّدِه إذا أصبح عجوزاً أو كان مولوداً من محظيّة. يحصل هذا حتى في المجتمعات الأمومية. ولا يفوت تستار التنويه بما تثيره طواعية العبد من استغراب في زمننا الأليف لمثال التمرّد. تلك طواعية لا تحجب وجود العبيد «السيّئين» – «الأنجاس المناكيد»، بعبارة المتنبّي – وقد وُجِدت للخلاص من هؤلاء طرقٌ مختلفة: «الأضحيةُ»، مرافَقةُ السيد في ضريحه وتجوز على «الحَسَن» وعلى «السيّئ»، الحربُ ويُفْتك فيها بالذكور البالغين، عادةً، ويستبقى الصغار والنساء أسرى، وتبقى الحرب مصدرَ الرقيق الأوّل وهي، فَوْقَ ذلك، تشدّ العُرَى، في كلٍّ من جهتيها، ما بين القائد وأتباعه.
ونحن لا نعلم متى وُلد الرّق. ولكن نعلم أنه يولد في مجتمعات تعرف «الثروة» وأن ولادته سابقةٌ لولادة الدولة. يولد حيث يوجد زرّاعون أو صيّادون- قطّافون يمارسون التخزين. لم يأتِ المسلمون ولا المستعمرون الأوروبيون بالرقّ إلى أفريقيا مثلاً. ولم تتوسّع رقعته بـ»الانتشار» من المجتمعات ذات الدول إلى غيرها. فإنما الرقّ مؤسّسة ضاربة في القدم عرفتها أفريقيا الدول وأفريقيا اللادول، وعرفها جنوب شرق آسيا وأمريكا الشمالية. فيما امتنع ظهوره في مجتمعاتٍ من الصيّادين ـ القطّافين هي تلك التي لم تعرف التخزين، وهي نفسها المجتمعات التي لم تعرف الممالك.
يعزو تستار وجود الرقّ في مجتمعات بعينها، وغيابه عن أخرى تنتمي إلى الفئة عينها لجهة نمط الإنتاج، إلى انشعابٍ في مسار التطوّر. فيرى أن المجتمعات ذات «الثروة» يبقى محتملاً فيها قبول الرقّ ورفضه. ولكن الإقبال عليه يرجّح اشتداد بأس السلطة. ويوحي المجموع الفرعي الذي يمثّله الاسترقاق بالدَيْن بانشعاب في تصوّر الجماعة لنفسها يجعل بعض الجماعات تتقبّله فيما تأنف منه أخرى. ولكنّ الرقّ بالدَيْن، إذ يقترن بسيادة الثروة وبالرقّ الخارجي، يرفع درجةً أخرى شدّةَ بأس السلطة. ولا غروَ أن المجتمعات التي يحصل فيها هذا الاقتران هي نفسها التي تزدهر فيها أنواع الولاء الشخصي كلّ الازدهار. وما ينشأ من ذلك، صيغةً للسلطة، ليس سوى دولة الاستبداد. على أن هذه لا تلبث أن تنحو نحو تنظيمٍ آخر للولاء ينتهي إلى إحلال جيش من البيرقراطيّين محلّ أهل الولاء الشخصي. يستوي هذا الاستبدال، حيث يمكن، شرطاً لتماسك سلطة الدولة التي تكون عوامل الولاء الشخصي قد أخذت تخلخل أركانها بعد أن كانت عواملَ لإرساء استبدادها.
وجدتُ لكتاب تستار هذا فوائدَ يمكن أن يجنيها منه منتمون إلى «قارّتنا» الفكرية، وقد طَبَع جهود كثير من مثقّفيها لتمثّل بنى مجتمعاتهم وتفسير حركتها، ووصف القوى الضالعة في هذه الحركة تصوّرُ «العصبية» المقترض من ابن خلدون مباشرةً، على اختلاف في وجوه استعمالهم هذا التصوّر، وهذه جهودٌ تُستأنف اليوم، معتمدةً المقاربة نفسها، فيما نرقب صمودَ بنى الاستبداد هنا وهناك لصدمات قوى التغيير واستيلادَ البنى ضروباً من الاستبداد تَخْلف أخرى. فنحن نستدعي لتفسير ما نعاينه عصبيّة الطائفة أو عصبيّة القبيلة أو صيغَ مزجٍ بينهما قد يداخلها بُعْدُ العصبية القومية أو شبه القومية أيضاً. لا ريب في وجاهة هذا الاستدعاء. ولكن ما تنبّه إليه قراءة تستار هو إمكان أن يكون الاستغراق في مشاهد يبدو انفجار العصبيات طاغياً عليها قد حجب عنّا تكاوين وعوامل أخرى هي وحدها القادرة على سدّ عجز العصبية التفسيري الذي يسهل الوقوف عليه، عند طرح مسائل عدّة ذات وجاهة، إذا نحن لجمنا شيئاً ما غوايةَ هذا التصوّر. هذا مع العلم أن ابن خلدون يستوقف تستار مليّاً… ولكن من الجهة الأخرى للعصبية: من جهة العوامل الضالعة في ضرب العصبية وإبعادها عن ساحة السلطة وليس من جهة استوائها أساساً لهذه الأخيرة.
ذاك أن تستار يعرض حالاتٍ يتّضح معها أن الأساس العصبيّ للاستبداد لا هو واجب الوجود ولا هو كافٍ إذا وُجد. استطراداً يجعل وجودُ الأسس الأخرى إمكانَ «صمود» الاستبداد، في وجه خصومه، بعصبية ضعيفة أو ضئيلة أمراً لا يعصي على الفهم… ويوجب التفاتَ الخصوم إلى الأسس الأخرى أيضاً.
ما يبرزه تستار ليس مثولَ الدِين (أو الطائفة) ولا مثولَ القرابة أو النَسَب في واجهة الفعل بل إيثاقَ المصائر الشخصية إلى شخص المستبدّ. وهو أمر تبقى السلطة الشخصية قادرةً عليه حتى في الدولة المركّبة إذ هي تنحو نحو إحالة العلاقة المركّبة أو التسلسلية بالسلطة إلى علاقة شخصية. وفي الدول العصرية، يمنح استبقاء التركيز في سلطة التصرّف بموارد الدولة ومقدّراتها وأجهزتها شخصَ الحاكم قدرةً مهولة على شخصنة الاستتباع. فيسع «العنفَ المحتكَر»، بناءً على قاعدةٍ من هذا القبيل، أن يتفلّت من كلّ عقال. وذاك أن استتباب الشخصنة في قمّة الدولة تسْهُل معه أشياء كثيرة: تهميشُ الضوابط السياسية والقانونية بتهميش القانون نفسه أو باستسهال خرقه كلّما لزم الأمر، تهميشُ المؤسّسات القائمة بحكم الدستور والعاملة بموجب القانون، بالتالي، تهميشُ السياسة بما هي تنظيمٌ مستقلّ للقوى الاجتماعية وتقابلٌ وتفاعلٌ بينها يتمخّضان عن تدبيرٍ للشأن العامّ، إلخ… عِوَضَ هذا كلّه، وهو كلّه أصولٌ وهيئاتٌ وأعمالٌ معرّضة لفعل الزمن، يظهر «الأبد» على أنه صفةٌ طبيعيّةٌ للمستبدّ.
من جهة «الرعيّة»، يُبرز تستار ما يسمّيه الرقّ الطوعي عنواناً عريضاً لا نراه يُخرج من دائرته الرقَّ الآخر فعلاً إذا انتبهنا إلى تشديده على غلبة الولاء في سلوك العبيد وعلى رسوخه. ولكن الازدواج الماثل في عبارة «الرقّ الطوعي» قد يشي، متى خرجنا من دائرة الرقّ المؤسّسي، بترجّح رعايا الاستبداد ما بين التسليم بالاستبداد خوفاً وتجاوز الخوف إلى الولاء لشخص المستبدّ والتعلّق الشديد به. في كلّ حال، يوحي تصوّر الرقّ الطوعي، إذ يندرج في مساق بحثٍ في «العلاقات الشخصية» ودولة الاستبداد، بوجود قوّة إسنادٍ للاستبداد تقع في خارج النطاق العصبي، ولكن لا يحول حائل مبدئي دون اختراقها هذا النطاق وطبْعِه بطابعها أيضاً. على أن دائرة «العلاقة الشخصية»، وهي واسعة جدّاً في حال من يحتكر التصرّف بمقدّرات دولة، تبقى نابذةً مهما اتّسعت. فتنحو إلى استبعاد كثرةٍ من الرعايا وتشكيكهم في صلاح الحال، التي هم وبلادهم فيها وإلى تهيئتهم للتمرّد حالما تجتمع شروطه. ولكن هذه حكاية أخرى هي حكاية «الدولة والثورة» لا حكاية «الدولة والثروة» التي يخلص إليها كتابُ تستار.
تبقى ملاحظةٌ أخيرة: وهي أن انتهاء تستار إلى تنصيب «الثروة» شرطاً لظهور الدولة يردّنا إلى نقده نظرية الدولة الماركسية (أو الإنجلزية، على التحديد) في الصفحات الأولى من كتابه. فهذا التنصيب يبدو للناظر المتعجّل عودةً إلى الاقتصاد بما هو صاحب القول الفصل في توجيه الحركة التاريخية للمجتمعات، وإلى الطبقة الاجتماعية بما هي ركنٌ ركين لبنية المجتمع. ولكن هذا الفهم لتستار تعتوره العجلة فعلاً. وذاك أن «الثروة» تبدو له مسخّرةً في المجتمعات التي هي مدار بحثه، لتحصيل السلطة وحفظها ونمائها لا العكس. وهو قد كان أوضح أن الموازنة الحسّية بين دور السلطة ودور الثروة في مجتمعاتٍ مختلفة التكوين لا تفضي بالضرورة إلى اعتبار أيّ منهما وسيلة مؤبّدة يقتصر دورها على طلب الأخرى المجلـّلة، من جهتها، بأبّهة الغاية وعلى نمائها وحمايتها. ذاك أيضاً أن مثال «العلاقة الشخصية» نفسه، وهو ما هو في تصوّر هذا الباحث لأصل الدولة، مثالٌ صعب الإدراج في المنظور الطبقي. ولكن هذا كلّه حديثٌ (طويلٌ) آخر أيضاً.
كاتب لبناني

 

أحمد بيضون

الدولة بين أهل الولاء وأهل النسب

أحمد بيضون

Dec 12, 2016

في المنظور الذي يرسمه صاحبنا الأنثروبولوجي الفرنسي آلان تستار، تولّد «العلاقات الشخصية»، بحكمٍ ممّا يميّز أهمّ صيغها من تفاوت، تبعيّةً وولاءً من التابع للمتبوع. ويسع هذه العلاقات أن تظهر في مجتمعات اللادولة، أي في جماعات النسب، مثلاً، ولكنها تكتسب في الممالك موقعاً ذا ميزة.
فلأتباع الملك مهابة وشرعية يفتقر إليهما غيرهم. هم، بلا فصلٍ، أتباع الملك وخدم المملكة. ويصبح «عبيد التاج» في الممالك الأفريقية، مثلاً، ذوي سلطة ونفوذ ويبلغون أرفع المراتب ولكن لا بأسمائهم إذ هم بلا أنساب. وعلى التعميم، يغلب هذا الضرب من العلاقة الشخصية بصاحب السلطة في دولٍ تكون فيها البيرقراطية غير نامية وتكون القاعدة التقانية للمجتمع أميلَ إلى البساطة.
ويسترجع تستار ذكر ابن خلدون ولكن من وجهٍ غير الوجه المتداول للرجل. فما يجري إبرازه هنا ليس النسب والعصبية، بل ما يُخالف هذين: أي ميل السلطان إلى إرساء سلطانه على العبيد الغرباء الذين هم صنائعه المتعلّق مصيرهم كلّياً بمصير سيّدهم. وكانت مؤسّسة «الولاء» قد أرسيت لغير العرب في العصر الأموي فأصبح غير العربي «مولىً» لعربي يلحقه بخدمته ويدعى هذا الأخير بدوره «مولىً» لتابعه أيضاً. ثم راح العبّاسيون يولون من الثقة لمن يعتقونهم من مماليكهم ولخدمهم الأخصّاء ما لا يولونه لخدم الدولة المعتمدين. هكذا استحال «الولاء» من صيغة لتقريب غير العرب ودمجهم في الجماعة، في العهد الأموي، إلى قاعدة للحكم في العهد العبّاسي.
وكانت هذه، على الخصوص، حال القطعات العسكرية من المماليك إذ كانت، في منطلقها، قائمة على نوعٍ من العلاقة الشخصية بصاحب السلطان، تتبعه وتدين له بكلّ شيء. وهي كثيراً ما واجهت لحسابه من كانوا يعتدّون بنسبٍ موروث ومثّلوا، بهذه المثابة، خطراً معلناً أو مبطناً على سلطانه. هذا قبل أن يتحوّل هؤلاء العسكر إلى «طوائف»، بمعنى الكلمة القديم، تنافح عن امتيازاتها في وجه الدولة ثم تستولي على مقاليدها فيصبح لها أن تعزل خليفةً وأن تنصّب غيره وأن تحيله، في كلّ حال، إلى واجهة شرعية، لا غير، تلي باسمه الأحكام. هذه الظاهرة التي وقع ابن خلدون على أطول صيغها عمراً، وهي دولة الماليك، في مصر والشام امتدّ بها العمر إلى أزمنة لاحقة واتّخذت صيغاً أخرى. فعرفت الدولة العثمانية، مثلاً، فرقة الإنكشارية، وكان عناصرها، في معظم تاريخها المديد، يُخطفون أو يُشترون صغاراً من بيئاتٍ غير مسلمة ويتلقّون تربية خاصّة مرادها الإفضاء بهم إلى التبعية المطلقة لشخص السلطان. وعلى غرار المماليك، راح أمرهم يستفحل إلى أن قضى عليهم السلطان محمود الثاني الذي كان متّجهاً في العقد الثالث من القرن التاسع عشر إلى بناء جيش حديث على الغرار الأوروبي. قبيل ذلك، كان والي مصر محمّد علي قد فتك بوجوه المماليك الباقين في البلاد إلى ذلك الحين في مجزرة القلعة المشهورة.
يُدرج تستار هذه الحالات الإسلامية، لجهة مبانيها ودلالتها العامّة، في بيئة عالمية شاسعة يقع فيها على حالاتٍ كثيرة توافقها في المبنى والدلالة على تنوّع مؤكّد في المداخل والأساليب. يقلّب صفحات منها، مثلاً، «ميثاق الدم» الذي يجده منتشراً في قارّات العالم القديم حيث كان الأمراء يلجأون إليه (أي إلى خلط بعض دم التابع ببعض دم المتبوع، بطرقٍ مختلفة) لربط الأتباع بأشخاصهم برباط لا ينفصم. وتتّسم بأهمّيةٍ واضحة ملاحظتُه أن المدن الإغريقية لم تكن تعرف هذا «الميثاق» باستثناء حالة العصاة الخارجين على نظامها وحالة البرابرة المرتزقة. أما المواطنون فكان يغنيهم عن هذا «الميثاق» القسَمُ على دستور المدينة أو على مجموع شرائعها وهو قسَمٌ يُلزم المواطن حيال المدينة، لا حيالَ شخصٍ أو أشخاص.
من هذه الأمثلة، يتخلّص المؤلّف إلى تعيين دوائر ثلاث للسلطة في هذا الصفّ العريض من الدول. الأولى دائرة أتباع السلطان من أرقّاء أو أحرار نشأت بينهم وبينه علاقة تبعيّة مؤبّدة. والثانية فيها المرتبطون بالسلطان بميثاق الدم أو بقَسَم الولاء ويجري بينهم وبين السلطان نوع من التبادل، وإن يكن التفاوت بين طرفيه فادحاً، إذ تقابَل الخدمة بإنعامات أو جزاءات. والدائرة الثالثة احتياط عامّ قوامه اللاجئون والمهجّرون والمنبوذون من ذويهم والحاظون بعفوٍ كان ولا يزال يختصّ به إلى أيّامنا الملوك والرؤساء. ويدخل في هذه الدائرة الأخيرة أيضاً المدينون الذين يقضي الملك دينهم..
من «موتى المرافقة»، إذن، وهم يظهرون في القبور الجماعية غير المتناظرة، إذ تشير أوضاع نزلائها إلى تراتب بين هؤلاء، تبدأ الأدلّة على مكانة «العلاقات الشخصية» بأنواعها من رقّ وغيره، وهي مشتركة بين مجتمعاتٍ لا تحصى سابقةٍ للدولة وبين الدول غير البيرقراطية. ويظهر في هذه البيئة الاستعداد للموت في سبيل «السيّد» فيكسب به هذا الأخير ثقة بالنفس لا حدّ لها سوى عدد المستعدّين ويسعه استعمالها على هواه. لا أقربَ، والحالة هذه، من تخيّل نزوعه إلى الاستئثار بالقوّة المسلّحة وبالحقّ في بتّ النزاعات الداخلية وفي شنّ الحملات في المحيط وفي ضبط حالة الحرب المعشّشة في كلّ مجتمعٍ بلا دولة، بحيث يفرض السلم ويصبح هو السيّد المطلق. هكذا تورث الولاءات الشخصية سلطة الشخص حُكْماً منتهيةً إلى ولادة الدولة في صيغتها الاستبدادية.
من هذا كلّه يخلص تستار إلى اقتراح قانونين: الأول أن المونوقراطيّات التي يكون تراتب الوظائف في بنيتها هزيلاً، تتكوّن فيها فئةٌ ما من موالي الأمير الشخصيين يعتمد عليها في ممارسته سلطته. بخلاف ذلك، لا تظهر هذه الفئة في الممالك البيرقراطية من قبيل مصر الفرعونية والصين الإمبراطورية. والقانون الثاني، وهو يجعل البعد الزمني في الصدارة، مؤدّاه أن استشراء الولاء الشخصي لأطراف خاصّة متعدّدة يفضي، بعدَ حينٍ، إلى إضعاف سلطة الدولة وتحلّلها وخرابها أيّا كانت، فيسري ذلك على الدول البيرقراطية وعلى الديمقراطية منها أيضاً. والخلاصة أنه ما دام الولاء الشخصي، بما يمنحه من سلطة، قادراً على تنصيب ملوك وعزل ملوك فلِمَ لا يكون هذا الولاء في أصل الدولة؟ يزيد هذه الفرضية قوّةً أن نستذكر، مع تستار، ميل الأنثروبولوجيا إلى المبالغة الشديدة في إبراز علاقات القرابة، بحيث تحجب هذه العلاقاتُ غيرها.
من أمثلة ذلك مجتمعاتٌ لا يظهر فيها دور لنظام القرابة في خوض الحرب وفي قيادتها التي تنتهي إلى فردٍ ترشّحه اعتباراتٌ غير قرابية. ومنها أن الرقّ يُبْخس حقّه (شأنُه شأن ضروبٍ أخرى من العلاقات الشخصية) عند البحث في تكوين السلطة. والحال أن الرقّ، على قول تستار، أحسن الأشياء توزيعاً بين المجتمعات البدائية. هو واسع الانتشار في مجتمعات اللادولة يؤمـّن الولاءات الشخصية الأولى أو التمهيدية. وهو مهمّ لأنه يتيح الاستكثار من التابعين من خارج نطاق القرابة ولأن ولاء العبد المبتوتِ من نَسَبه والمتعلّق بسيّده في كلّ أمر، ولاءٌ استثنائي المتانة عادةً.
لا تفوتُ المؤلّف الإشارة إلى كون استيلاء الشخص على السلطة يتعلّق دائماً بظرفٍ مركّب يتشكّل من عناصر مختلفة. ولكنّه يرى عموميّةً، مع ذلك، للقاعدة القائلة بأن الولاءات الشخصية التي تحمي سلطة الشخص يسعها أن تقود إليها أيضاً. وبين العوامل المهيّئة لذلك واحدٌ حاسم هو الرقّ الداخلي وبين أبرز تجلّياته الرقّ بسبب الدَين، وكان منتشراً جدّاً في العالم القديم وقد منعه الإسلام وحظرته مجتمعاتٌ أخرى. وهو أوقع دلالةً من الرقّ الخارجي لما يدلّ عليه من تصدّع في الجماعة، فحيث يسترقّ المرء بحكمٍ قضائي أو يبيع نفسه وامرأته وأولاده بقوّة الحاجة، يكون التضامن الداخلي في الجماعة منخوراً وتبدو الحرّية (بما هي خلاف العبودية) قابلةً للسلب. وهو ما يُضعف المقاومة المحتملة لبروز صاحب السلطة. ولكن ظهور الدولة سرعان ما يؤول إلى إزالته. أزاله المصلح الإغريقي صولون، مثلاً، وخفّفت منه، قبل ذلك، شريعة حمورابي إذ فرضت له مدّة زمنية قصوى… ذاك يجيز الافتراض أن الدولة تنحو إلى لجم التفتّت في الجماعة وتوزّعها بين تبعيّاتٍ كثيرة لما في هذا اللجم من توكيد لوحدة السلطة.
وفي قراءة لتوزّع ظهور الدول على خريطة العالم، يلاحظ مؤلّفنا أن الاسترقاق بالدَين كان منتشراً جدّاً في أرجاء العالم القديم وضئيل الانتشار جدّاً في العالم الجديد (بما فيه أوقيانيا)… وأن هذه حال الدولة أيضاً. وهو ما يعزّز كثيراً فرضية الاقتران بين نموّ الرقّ (بما هو نوعٌ متصدّر من أنواع «العلاقات الشخصية»، بمعناها في اصطلاح تستار) وبين ظهور الدول وانتشارها.
فهل نجزم، والحالة هذه، بكون الدولة وُجدت أوّلاً بصيغتها الاستبدادية؟ ينوّه تستار بغلبة هذه الفرضية في مدى القرن العشرين، وهي قد اعتدّت فيه بكشوف أثرية ألقت بعض الضوء على بضعة آلاف من السنين سابقة للمسيح، ورجّحت غلبة الاستبداد حتى «المعجزة اليونانية» التي جسّدت قبل المسيح ببضع مئاتٍ من السنين، ما عرف باسم الدولة الديمقراطية، وكان عمرها إذّاك قصيراً نسبيّاً. هذا فيما كان القرن الثامن عشر الأوروبي يرجّح العكس معتدّاً بما افترضه من أصالةٍ للميل في إنسان «الطبيعة» أو «الفطرة» إلى الحرّية. والحال – يقول تستار – أن «إنسان الطبيعة» هذا خرافة لا نقع على من يجسّدها في أيّ عصرٍ أو مكان.
ينتهي المؤلّف إلى الطعن في فرضية الأسبقية العامّة لصيغة بعينها من صيغتي الدولة العامّتين من أصلها. ومع ترجيحه أن تكون التجارب الديمقراطية (وبينها ما يظهر في جماعات اللادولة أو في أشباه الدول التي لا يتحقّق فيها احتكار العنف) قد بقيت محدودة الحضور في العالم إلى هذا العصر، فإنه يرى أن الوقائع تسند فرضية التنوّع الأصلي للدول بتنوّع المجتمعات وأن التعلّق بالحرّية موجود في المجتمعات البدائية وموجود الاستسلام للعبودية أيضاً. وذاك أن فرضية «البساطة» في التشكيل السياسي للمجتمعات البدائية فرضية ضالّةٌ أصلاً مردّها إلى الجهل بما هي عليه هذه المجتمعات من تعقيد في الأنظمة وتنوّع في صيغها العامّة. ما ترجّحه المعطيات إذن أن تكون صيغ ظهور الدول هنا وهناك قد تنوّعت من البداية وألّا يستقيم إلزام تطوّرها بسكّة واحدة.
ولكن ما الذي ينشئ الولاء والتبعيّة الشخصيّين في المجتمعات بما رأينا لهما، عند تستار، من فاعليّة عظيمة (وإن لم تكن حصريّة) في إرساء الدول… وفي زعزعتها أيضاً؟ يتطرّق هذا الباحث إلى هذه المسألة الكبرى في «ذيل» طويلٍ لكتابه نلمّ به في عجالةٍ أخيرة مقبلة نجعل ختاماً لها حصادَ ما وجدناه لهذه القراءة من فوائد استأهل جَنْيُها العناء..
كاتب لبناني

 

في أَصْلِ الدولة

أحمد بيضون

Dec 05, 2016

لا أقاوم شهوة الوقوف عند الجزء الثاني من «الرقّ الطوعي»، كتاب الأنثروبولوجي الفرنسي آلان تستار، وقد اختار عنواناً لهذا الجزء: «أصل الدولة». وذاك أن هذا الجزء يعجّ بإيحاءات بعيدة أراها – على بعدها – مسعفة لنا في تناول مسألة الدولة والاستبداد، وهي المسألة التي نتخبّط حاليّاً في إخفاق مواجهتنا لتجسّدها الحسّي – التاريخي، بسائر أمثلته، وكنّا قد غفلنا عن كلّ نظر جادّ في طبقاتها العميقة أو في أصولها.
أي أننا أهملنا – بالعبارة البسيطة – بناء نظريّة لها تنفذ من وصف المظاهر إلى تعليلها والقبض على جملتها المنطقية العامّة، أي على الصورة المجرّدة لبنيتها الواقعية. وكنت قد توقّفت هنا عند الجزء الأوّل من كتاب تستار، وعنوانه «موتى المرافقة»، وهو ينطوي على مدخل إلى مسألة الاستبداد، ولكن يدّخر جلاءها وتمحيصها إلى الجزء الثاني. ويحملني اليوم على تفحّص الجزء الثاني اقتصار تناولنا المعاصر لدولة الاستبداد على الوصف الخارجي لجهازها وسلوكها واستعاضتنا الإجمالية في ذلك بالتنديد عن استقصاء عوامل التماسك… أو ارتضاؤنا – إذا حاولنا شيئاً من هذا الاستقصاء – استنزاف تصوّر العصبية المقترض من ابن خلدون الذي نُلبسه، انصياعاً لاختلاف الحالات، لبوسه الإثني أو القبلي الأصلي تارةً ونفرض عليه طوراً لبوساً قوميّاً، بالمعنى الحديث، أو مذهبيّاً. فإذا غادرناه فإلى تصوّرٍ لصراع الطبقات ينسب إلى هذه الأخيرة أدواراً لم تكن لها ويلبسها أزياء يراها متنكّرةً فيها وهذا حين لا يخترع هذه أو تلك منها صدوعاً بافتراض وجود لها لا يرى منه بدّاً.
قبل تناول الدولة، يلاحظ تستار خللاً فادحاً (لا بدّ لنا من الانتباه مباشرةً إلى ما يخصّنا من عواقبه) في بنية الأنثروبولوجيا الاجتماعية برمّتها يراه في طغيان علاقات القرابة على مقاربتها ما تناولته من مجتمعات أو جماعات. وهو يرى أن المدرسة البنيوية قد زادت هذا الطغيان فداحة. تفضي هذه المقاربة إلى إهمال أنواع أخرى من العلاقات يُدرجها تستار تحت اسم «العلاقات الشخصية» (وهذه تسمية قد لا توحي بأهمّيتها البالغة) ويتابع حالات حضورها وحالات غيابها في جماعات ومجتمعات كثيرة ويرصد بناها العامّة وتحوّلاتها ومفاعيلها. يتمثل المفعول العام لهذا الضرب من العلاقات بـ»الولاء» أو «الوفاء» من شخصٍ لشخص. وعليه يسعها أن تتّخذ صورة «الصداقة» المألوفة، مقترنةً كانت بعهدٍ صريح أو قَسَم أو شعيرةٍ أخرى أم غير مقترنة بشيء من هذا القبيل. ولكن ما يولج العلاقات الشخصية في تكوين السياسة، بما هي إعمالٌ للسلطة وتدبّر لها، إنما هو غلبة اللاتكافؤ وما يليه من تبعية في صورها الأبرز، القابلة لتشكيل القوّة السياسية والاستواء قاعدة وأداة للسلطة ولصاحبها. تلك، في أشدّ صيغها أسراً، علاقة العبد بالسيّد حيث وُجدت. ولكنّها أيضاً علاقة «المحسوب» بـ»وليّه» في روما القديمة أو علاقة «المولى» أو المملوك المُعْتَق بمولاه في المجتمعات الإسلامية أو علاقة القنّ أو التابع بصاحب الإقطاع أو بمن يقوم مقامه في أوروبّا العصر الوسيط، إلخ.
ولكن ما الدولة؟ ولِمَ وجب أو جاز أن يقترن البحث في أصلها بالبحث في أصل الاستبداد؟ وكيف يصحّ أن تعتبر العلاقات الشخصيّة أصلاً للدولة وللاستبداد معاً؟ يقبل تستار التعريف الفيبري المشهور للدولة وهو تعريفها بـ»احتكار القوّة الشرعية» في المجتمع، وهو ما يفترض أن يكون، بالدرجة الأولى، احتكاراً للحقّ في إعلان الحرب وخوضها وللحقّ في إجراء العدالة. ويشير وصفُ القوّة أو العنف بالشرعية إلى الاختلاف ما بين الدولة والمافيا مثلاً. ولمّا لم تكن الدولة قد وجدت في كلّ مجتمع أو جماعة ولا في كلّ عصر من عصور التاريخ وما قبله فإن السؤال عمّا يجعل وجودها محتوماً أو راجح الاحتمال، في الأقلّ، يصبح متوجّب الطرح. وهو ما يُدخل تستار في مناقشة أرادها وجيزةً ولكنّها جاءت ثاقبة لأشيع النظريّات في أصل الدولة.
لا يقبل تستار نظرية العقد الاجتماعي، على اختلاف مصادرها، إذ يرى فيها همّ إسباغ الشرعية على الدولة لا همَّ البحث في أصلها. وذاك أن أصحابها أنفسهم لا يزعمون أن هذا العقد أُبرم فعلاً، في يوم من الأيّام، بين أطراف فعليّين. وإنما يرى روسّو ومشايعوه في الدولة «خدعةً» فرضها أهل الثروة على المجرّدين منها مع استتباب الملكية الخاصّة. وهو يزعم أسبقيةً للدولة الديمقراطية فيقع في ضلال وقَع أكثرُ نظريي القرن العشرين في الضلال المقابل له، فيما لا تأذن المعطيات المتاحة اليوم ببتّ هذه المسألة لا في هذا الاتّجاه ولا في ذاك.
ولا تنأى النظرية الماركسية عن هذا المنطق كثيراً، وقد حظيت بعبارتها الأوفى في كتاب مشهورٍ لإنجلز. وخلاصتها أن الدولة مقترنة الوجود بالصراع الطبقي تضبطه بـ»النظام» حائلةً دون اتّخاذه صيغة المقتلة المفتوحة وتسهر على سيطرة الطبقة المسيطرة. والحال أن إنجلز إذ يفترض ظهور الدولة مع ظهور الملكية الخاصّة والرقّ في اليونان القديمة، يزاول – في ما يرى تستار – «تاريخاً خياليّاً» يدحضه الوجود الثابت للدول قبل هذا العهد بدهر سحيق. ويخالف «نمط الإنتاج الآسيوي» الذي عرض ماركس لبعض مميّزاته هذه النظرية مخالفة قاطعة. ففي مصر وفي الصين القديمتين، كان «السياسي» مهيمناً على «الاجتماعي» بأسره وكانت السلطة (أو الوظيفة) مصدر الثروة، لا العكس. ولا يقول أيّ دارس جادّ اليوم بتولّد الممالك الأفريقية التقليدية من صراع الطبقات. أوقع من ذلك أن التصوّر الماركسي للدولة يبقى «وظيفيّاً» فلا يعالج مسألة الأصل. هو يتابع صورة «الدولة – الشرطي» التي جاء بها بعض نظريّي الثورة الفرنسية. وهذه صورة مستقاةٌ ممّا كانته الدولة الأوروبية في مرحلة تاريخية بعينها، ولكن الماركسية تعمد إلى تعميمها، فيما لا يقوم دليل على اطّراد حماية الاستغلال وظيفةً للسلطة، بحيث يصحّ ردّ هذه إلى مجرّد وسيلة لذاك، بل يكثر أن تتواءم الثروة والسلطة بما هما غايتان تسعى كلّ منهما في تحصيل الأخرى وحمايتها. والدولة إنّما ولدت من الرغبة في السلطة فيما كانت الرغبة في الثروة منتشرة قبل الدولة.
بعد هذا يبدي تستار إعجاباً متحفّظاً بإسهام روبرت لوفي في استنطاق السؤال نفسه. فهذا الأنثروبولوجي يجرؤ على الخروج من نطاق القرابة ليجد دوراً في منطلق التحوّل إلى الدولة للّقاء الحرّ بين إراداتٍ مقرّة بأفضلية هذا النوع من تدبّر القوّة وليقرّ أيضاً، مقتفياً أثر سلفه الكبير جيمس فريزر، بدور للعامل الديني أو للسحر في تأسيس السلطة. ولكن تستار لا يقبل قولَ لوفي بعمومية الدولة، أي افتعالَه إيّاها حيث لا توجد. وهو إلى ذلك لا يرى العامل الديني فاعلاً في هذا الاتّجاه ما لم يدخل وعوامل أخرى مختلفة في تشكيل موافق. وأمّا مبالغة الأصول القديمة في إظهار البعد الديني للسلطة فيردّها تستار إلى صلاحه لتمجيد الحاكمين.
هذا وقد يكون كارل فيتفوغل، صاحب كتاب «الاستبداد الشرقي»، أشهر المعتنين بـ»أصل الدولة» بعد إنجلز، وهو منسوب، في كلّ حالٍ، إلى الحومة الماركسية (وإلى المروق منها أيضاً!). ولنظريّته جاذبية مصدرها السهولة إذ هو يعرض لنشوء الدول في أحواض الأنهار فيرى في الحاجة إلى تنظيم الريّ أصلاً للحاجة إلى سلطة مركزية يذهب بها اقتضاءُ الفاعلية مذهبَ الاستبداد. ردّاً على هذا ينوّه تستار (الذي يذكر أن فيتفوغل لم تكن له معرفةٌ بالآثار) بكون الريّ، في مصر القديمة مثلاً، لم يكن يحتاج إلى إنشاءات أو إلى تنظيم من النوع الذي لا يقوى عليه غير الدولة. ويضيف أن مقياس النيل الذي كانت تتميّز به السنوات السمان من السنوات العجاف كان يوطّد هيبة الفرعون، ولكن لم يكن يردّ غائلة المجاعة. أمّا ما خلّفته الدول الفرعونية من منشآتٍ مهولة، أي الأهرام والهياكل مثلاً، فهو «عديم النفع» بمعنى أنه لا يطعم خبزاً ولا يجاوز أن يظهر عظمة السلطة ووقوعها فوق متناول العامّة من البشر. ثم إن ضرورة التنظيم لا تملي الاستبداد إن لم يكن هذا الأخير سابقاً لها.
بهذه الألمعية وبما تقتضيه من إحاطة عزيزة النظير بالمعطيات وبالنظريات، يواصل تستار التصدّي لنظريّات لا ينكر وجاهتها ولكن يأخذ عليها أنّها، إن فكّت لغز فئةٍ من الحالات (أي من الدول) فهي تخلّف فئاتٍ من غير حلّ، وإن أبرزت عاملاً تراه حاسماً فاتتها حاجته إلى عوامل أخرى لا يوجد دليلٌ على أنها كانت أدنى منه فاعلية. ذاك ما يعمد إليه مؤلّفنا، مرّةً أخرى، عند التعرّض لنظرية كارنيرو «البيئية» في أصل الدولة. وهمّه في مختلف الحالات، بعد أن يعيّن المعطيات التي يترتب على نظريّةٍ في أصل الدولة إيضاحُها، أن يشير إلى ما توضحه كلّ من النظريات المعروضة وما تهمله أو تغادره معلّق الدلالة. هكذا يعيّن فئةً من النظريّات (هي «الآثارية») تلقي ضوءاً على أصل الدول الأولى وفئةً أخرى (هي «الاجتماعية») تعتمد بصدد ما استُجدّ من الدول في عصورٍ أخرى فرضيةً «انتشارية» يراها تستار متهالكة. يُجْمع الآثاريون على خلوّ العصر الحجري القديم من الدول. وذاك أنهم يقرنون ظهور الدولة بظهور الحضارة أي بظهور الكتابة والمدن وعمارة الصروح والطبقات الاجتماعية. أما تستار فيبرز كون الدول الأفريقية القائمة على الرعي لم تخلّف «آثاراً» تذكر، مؤكّداً وجودَ ممالك لا مدنَ فيها، نافياً ضرورة ظهور الدولة في الحفريّات وإمكان الجزم بتاريخ لظهور الدول هنا أو هناك، متخلّصاً من ذلك إلى القول إن فيتفوغل وكارنيرو إنما يقترح كلّ منهما نظرية لولادة الحضارة لا لولادة الدولة. ذاك أن نظرية أصل الدولة عليها أن تعلّل ما تنفرد به الدولة أي «احتكار العنف الشرعي» وهو ما لا يفلح فيه تفسير نشوئها بالحرب أو بالبيئة أو بالدين والسحر. فهذا كلّه يستقيم بدولة وبلا دولة. وحده إنجلز – يقول تستار – ردّ وجود الدولة إلى ماهيّتها هذه إذ اعتبر لها «وجوداً فوق المجتمع». ولكن تستار يرى في النظرية الماركسية، من وجه آخر، قصوراً أشرنا إليه.
هذا يردّنا إلى «العلاقات الشخصية»، وهي الأثيرة عند تستار بما هي منطلقٌ لنشوء الدولة ولغلبة الاستبداد عليها معاً. فإن الدولة، وإن تكن دولة أقبح المستبدّين، تبقى محتاجةً إلى أجهزةٍ على حدةٍ وبشرٍ على حدةٍ، بالتالي. وليس هؤلاء هم «البيرقراطية» بالضرورة. فإن للعلاقة وللتنظيم البيرقراطيَّين أوصافاً لا نقع عليها متحقّقة في كثيرٍ من الدول. فلم لا يكون «الأوفياء» الذين وقع عليهم تستار في منظومات «العلاقة الشخصية» قد سبقوا البيرقراطية إلى تكوين أجهزة الدول وكيف كان لهم ذلك؟ لهذه المسألة نكرّس – ملازِمين عملَ تستار الجليل – عجالتنا المقبلة.
كاتب لبناني

 

أحمد بيضون