الشعبويّات وجوهاً واحتمالات

أحمد بيضون

Feb 06, 2017

يميّز الباحث الفرنسي لوران بوفيه بين «صوَرٍ» ثلاث يتّخذها «الشعب» في المجتمعات المعاصرة وهي «الشعب الديمقراطي» و»الشعب الاجتماعي» و»الشعب القومي».
ويوضح أن الشعبوية يسعها أن تكون تحويراً لكلّ من هذه الصور فتبسّط ملامحها ولا تأنف من الشطط في إبراز خطّ الانقسام الناشئ من هذا التبسيط، ولكن يُفترض أيضاً أن تستوي حافزاً لإصلاح السياسة السائدة في كلّ من هذه الأبواب الثلاثة. ذاك توزيع يبدو متمّماً لذاك الذي وقفنا عليه، في عجالتنا السابقة، عند بيار روزنفالون ومضفياً عليه مزيداً من التماسك. فيردّنا «الشعب الديمقراطي»، في تصوّره الشعبوي، إلى المواجهة بين الشعب والنخب، وإلى الإزراء بالديمقراطية التمثيلية وإبراز أفضلية الاستفتاء وضرورة العودة المتكرّرة إليه. وتُبرز الشعبوية ههنا أيضاً صورة القائد مفترضة في هذا الأخير «تجسيد» الشعب لا تمثيله. على الإجمال، تمثّل هذه الشعبوية وجه «الدستورية» الآخر. كلاهما ترفع من شأن الكثرة وتجيز حلولها محلّ الكل. ولكن الدستورية تحفظ للقلّة حقوقاً قد يستهين بها الشعبويون إذا ارتأوا إخراج هذه القلّة أو تلك من الصورة التي يعتمدونها للشعب. وهذا مع العلم أنهم يرون هذا الأخير واحداً على الدوام، لا ينال من وحدته خطّ الانقسام الذي يفصله عن ممثّليه.
وأما ما يسمّيه بوفيه «الشعبوية الاجتماعية» فيحرّكه ثباتٌ يعود لا يُحْتَمَل للخطّ الفاصل بين «الصغار» و»الكبار» وإزراءٌ بالكفاءة يحدّ من الحراك الاجتماعي أي ممّا يُفترض أن يكون في متناول الضعفاء من فرص الترقّي. وينسب الشعبويون هذه الحال إلى تواطؤ ينشأ بين فئات النخب يجعلها تتبادل الخدمة ويعزّز انعزالها وميلها الإجمالي إلى الاستئثار. ولكن «الشعب»، بهذا المعنى، لا تستنفده الطبقة ولا تتلخّص حركته في الصراع الطبقي ولا هي تتّخذ صيغة الثورة، بل يجب أن يتّفق استئناف الحَراك والحفاظ على النظام الاجتماعي بما فيه الملكية والتراتب. عليه يفضّل الشعبويون الرطانة الأخلاقية، في خطابهم، على المصطلح الاجتماعي – السياسي فلا ينكرون نمط الحياة «الشعبي»، بتواضع مقوّماته، بل يصرّحون باستحسانه، فيما يتعدّى التفاوت الذي يمليه، مكتفين، لهذه الجهة، بما كان جورج أورويل يسمّيه «الحشمة المشتركة»…
أخيراً، ينوّه بوفيه بغلبة الصورة الثالثة للشعبوية، وهي صورتها القومية، في مجتمعات أوروبا اليوم. هذه الشعبوية تقع على عدوّها، لا في حلف «النخب» من سياسية وغيرها ولا في «الأقوياء» المستأثرين (وهؤلاء «منفصلون» جميعاً عن شعب ينتمون إليه أصلاً) بل في «الآخر» المغاير على نحوٍ لا ينفع في معالجته طبّ! يعرّف هذا الآخر بهوية ثابتة له عرقية أو دينية ويُنظر إلى مغايرته للشعب على أنها مغايرة هويّةٍ لهويّة لا مغايرة موقع أو دور لما يفترض فيه أن يكون.
هذا المقت للآخر يثمر، بطبيعة الحال، رفضاً للاعتراف بالتعدّد الثقافي في مجتمعات بلغ فيها هذا التعدّد مبالغ جسيمة وإن تفاوتت من مجتمع إلى آخر. وهذا واقع يجعل التراجع عن الاعتراف بالتعدّد وعن السياسات المترتّبة عليه أمراً باهظ الكلفة، لا على ضحايا التراجع وحسب، بل على المجتمع برمّته. وحين يكون لعدوّ الداخل هذا امتداد يجانسه في الخارج تتكفّل العنصرية بالمزج بينهما في عداوة واحدة.
تتفق هذه المقاربات وسواها للشعبوية في أمور عدّة. من ذلك تسجيل اقترانها بالديمقراطية أو بأزمتها، على الأصح، وتعذّر انفصالها عنها، وهو ما كان المفكّر الأرجنتيني أرنستو لاكلو سبّاقاً إلى تسجيله، قبل أن يشدّد بيار أندريه تاغييف على ازدياد الميل إليه في شعبويات معاصرة أصبحت متّسمة بتقبّل إجمالي لمؤسّسات النظام الديمقراطي، وبالاستغناء المنتشر عن دور القائد الفرد. من ذلك أيضاً استبعاد حصر الشعبوية في طرازها السلطوي أو الديكتاتوري وتسجيل اندراجها الممكن في المثال الديمقراطي عبر صيغ المشاركة الشعبية. ذاك، على وجه التقريب، ما يقوله النموذج السويسري، وهو أيضاً مؤدّى ما يوصي به روزنفالون في وجه «خطابة» الشعبويين الديماغوجية، مطلقاً عليه اسم «تعقيد الديمقراطية» أي تجاوز صيغتها الصورية أو المختزلة. وإذا كانت الشعبوية يسعها أن تزكّي تسلّط القائد ولا تأنف من العنف، بل تترك الباب مفتوحاً لجنوح الحركات الشعبية إلى الخروج العفوي عمّا ترسمه قياداتها، فإن ذلك لا يجيز الخلط بينها وبين الكلّانيّات ذات الطراز الفاشي أو ذات الطراز الشيوعي. وذاك أن الشعبوية، بخلاف الكلّانيّات، لا تنطوي على نظريّة للدولة وللحكم، ولا على مثالٍ صريح للنظام الاجتماعي، بل هي تؤول إلى تطلّب لسيادة الشعب المباشرة يعوزه التعيين المحدّد لصيغه العملية وأدواته الإجرائية. وهذا افتقار يسعى التبسيط الخطابي إلى ستره، فيزكّي الميل المنتشر إلى الخلط ما بين الشعبوية والديماغوجية.
تتفق الدراسات أيضاً على التنويه بتوزّع الشعبويات بين يمين ويسار توزّعاً لا يلابس بالضرورة تفرّقها ما بين سلطوية أو عنفية وديمقراطية.. ولا ريب أن تمييز بوفيه بين هذه الصور الثلاث يستقيم إذا افترضنا غلبةً، في كلّ حالة، لواحدة منها على الأُخْرَيَين فلا يوجب اقتصاراً على واحدة. وهذا مع أن الاستقلال النسبي لدوائر الحياة الاجتماعية بعضها عن بعض تنحو إلى تغليب مضمونٍ بعينه في كلّ حالة. هذا ما حدا بتاغييف مثلاً إلى إطلاق صفة «القومية الشعبوية» على الحركة الشعبوية الحالية في فرنسا. وهذه تسمية تبدو محيلة إلى صفة «القومية الاشتراكية» التي اتّخذها الحزب الهتلري اسماً له ولكن من غير نزوعٍ، عند تاغييف، إلى ردّ الأولى من هاتين الحركتين إلى الأخرى. وإنّما رمى إلى إبراز ما تغلّبه الحركة الفرنسية في شعاراتها من عداءٍ للمسلمين وللمهاجرين.
ولعلّ الحركات التي أُطلقت عليها أحياناً صفةُ الشعبوية في البلاد العربية تمثّل حالات امتزاج متوازن، إلى هذا الحدّ أو ذاك، ما بين «صور» بوفيه الثلاث، وهو ما يصحّ أيضاً في الأنظمة التي نشأت من هذه الحركات أو أنشأتها. فقد جاهر النظام الناصري في مصر، مثلاً، بمقته الأحزاب والتمثيل النيابي المقترن بها وتناوبها على الحُكم قبل حركة 23 يوليو. وهو ما مثّل موقفاً من النخب السياسية التي وُصمت بالرجعية أو بالعمالة للأجنبي ومن تداولها السلطة، فأُخلي محلّها لمنظّمات وُصفت بـ»الجماهيرية» واعتُمد التوجّه المباشر إلى الشعب واستنفارُ الجماهير عند كلّ محطّة سياسية وتحويلُ الممارسة الانتخابية إلى استفتاء متكرّر يُظهر الإجماعَ على القائد والنظام. وكان النظام يعبّر في هذا كلّه عن رفض شعبوي لنموذج الديمقراطية التمثيلية. وهو قرن هذا الرفض بإعلانه مناهضةَ الاستعمار وقواعدِه العسكرية وهيمنتِه على مرافق اقتصادية في مصر وفي محيطها ودعمِه للسيطرة الصهيونية على فلسطين، وبالدعوة إلى التحرّر والوحدة القوميين: وهو ما جعل البعد القومي للشعبوية ماثلاً في حركة النظام السياسية، وفي الصورة التي أرادها لنفسه. أخيراً، اعتمد النظام الناصري سياسةً اجتماعية – اقتصادية كان ركناها الإصلاح الزراعي والتصنيع، وقد استلزما «اشتراكية» استدعت تأميم الملكيات الكبيرة وتوزيعاً للأراضي وتوسيع قطاع الدولة باسم مصالح العمّال والفلّاحين، إلخ. وقد كان هذا التضافر نفسه بين أبعاد الشعبوية الثلاثة ماثلاً، ولو تنوّعت صيغه ومساراته، في أنظمة عربية أخرى نشأت، على غرار النظام الناصري، من حركات عسكرية وادّعت لنفسها نوعاً من التجسيد الصوفي، بشخوص قادتها، لـ»الشعب» ولـ»الأمّة».
في كلّ حال ينتهي النظر عن كثبٍ في الشعبوية إلى تسجيل التنوّع البارز في الحالات مع بقاء التصنيف والنمذجة سائغين انطلاقاً من سماتٍ مشتركة. على أن ما لا يجيزه التنوّع إنما هو اطّراد الحكم السلبي بلا احتياط في استثارة الهلع بلا تمييزٍ ما بين حالات يختلف بعضها عن بعض دلالةً ومآلاً.
والخلاصة، في هذا المطلب، أن الشعبوية يسعها أن تذهب مذهب الشطط فتستوي خطراً على الديمقراطية: على حقوق المواطنة وعلى الحرّيات. فتجنح، باسم وحدة الشعب، إلى إنكار التنوّع في المجتمع وإلى إخراج من تراهم مغايرين من بنية الشعب والدوس على حقوقهم. وهي قد تجمع إلى التعصّب إخفاقاً سريعاً في تحقيق الوعود إذا استتبّ لها الأمر. فإن علوّ النبرة في الخطاب الديماغوجي يميل بالقيادة الشعبوية إلى التستّر على أخطار تلازم ما تقطعه من وعود يعوزها التحوّط. فيؤدّي الإخفاق إلى انقلاب لا يستبعد فيه العنف من جانب الموعودين على قيادة يأخذون عليها المراوحة بين إنجازٍ مفرط الكلفة وعجزٍ عن الإنجاز يظهر معه الكذب.
ولكن الشعبوية جرس إنذار أيضاً ينبّه إلى اعتلال الديمقراطية وفقدان التخيير الفعلي بين سياسات معروضة وخواءِ التمثيل واستئثارِ النخب. ويشير تقديمها، بلا أخذ ولا ردّ، في صورة الكابوس المتربّص إلى عزوف النظام القائم عن إصلاح نفسه أو عجزه عن الأخذ بناصية الإصلاح. ومع أن الخوف من الشعبوية لا تخفى وجاهته فإن تطوّرها في زماننا نحو تقبّل الديمقراطية بمؤسّساتها وتقاليدها واستغناءها عن زعامة الفرد يوجبان الاعتراف، فيما يتعدّى المخالفة السياسية، بشرعية الموقع الذي يقتطعه ممثّلوها لحركتهم على المسرح السياسي وبإمكان إسهام المعارضة التي يعبّرون عنها في الرفع من سويّة الديمقراطية. هذا، بطبيعة الحال، حيث توجد الديمقراطية.
كاتب لبناني

أحمد بيضون