في تحرير ميشال شيحا والتحرّر منه

<a href=”https://1drv.ms/w/s!AvUcgPIiFRyrg4I2ZTpOoqhKcoIBeA”>https://1drv.ms/w/s!AvUcgPIiFRyrg4I2ZTpOoqhKcoIBeA</a&gt;

في تحرير ميشال شيحا والتحرّر منه

أحمد بيضون

 

أكْرَمَتْني مؤسّسة ميشال شيحا اليوم بتكليفي مخاطبة هذا الاحتفال البهيج بالفائزين في مسابقتها لهذه السنة من أحبّتنا شبّاناً وشابّات. وكانت المؤسّسة قد أكرمَتْني بعضويّتها قبل أعوام كثيرة فتقبّلَتْ معي ومع ترجمتي لبعضٍ من أعمال شيحا ما في علاقتي بالشيحية من علّاتٍ يعرفها قرّائي…

ولأبدأْ بملاحظةٍ تلحّ عليّ كلّما قرأت كلاماً يتعلّق بهذا المفكّر. ذاك أنه من بين الأسماء التي أَلِفَ الاعتزازَ بها سجلُّ الفكر اللبناني المعاصر، قلّ أن تعرّض عَلَمٌ إلى “التصنيم” أي إلى الانقلاب وَثَناً أو صورةً ميّتة، في الأقلّ، مختصرةَ الملامح ومحبوسةً في إطار، بقَدْر ما تعرّض ميشال شيحا. فحالَما يُذْكَرُ الرجلُ تحضر ألفاظٌ أو عباراتٌ محدودة العدد للغاية وحَمّالةُ أَوْجُهٍ يُردُّ إليها فكرُه ودوره: فينيقيا والمتوسّط، الدعوة اللبنانية وصيغة التعايش الطائفية، مديح المبادرة الفردية والحذَر من دور اجتماعيّ اقتصاديّ للدولة والميل إلى تغليب التجارة والخدمات الموجّهة نحو الخارج في النظام الموسوم بالاقتصاد الحرّ… هذا كلّ شيءٍ تقريباً. وأمّا أدوار شيحا في الحياة العامّة، في ما يتعدّى مقالاته ومحاضراته، فيكاد لا يُذكر منها سوى إسهامه البارز في وَضع الدستور اللبناني سنة 1926. وقد تُستذكَر معارضتُه تجديدَ الولاية للرئيس بشارة الخوري، متجاوزاً منطق القُرْبى وطول العشرة، مؤثراً، على وجه التحديد، منطق الامتثال للدستور الذي أسهم في وضعه.

وما أريد قوله ليس أن شيحا لا مسؤولية له عن هذه التوجّهات وما يتّصل بها من مسالك في السياسة ومن وقائع بالتالي في تاريخ لبنان المعاصر، خيراً كانت تلك المسالك وهذه الوقائع أم شرّاً. ولا يفوتني ما ينسجه حول الرجل من هالةٍ اقترانُ اسمه بأمورٍ ذكَرْتُها لها ما لها من وقع متمادٍ على حياة اللبنانيين جملةً وتفصيلاً. وإنما أريد القول أن هذا التعداد يحجب ميشال شيحا نفسه أي المخاضَ التاريخي الشخصي الذي كانته حياتُه الفكرية وما مثّله هذا المخاض من تحوّلاتٍ بين مرحلةٍ ومرحلة. وهذه تحوّلاتٌ لم تكن تخلو أبداً من إعادات نظرٍ يمكن ان يُحمَل بعضٌ منها – وهو بعضٌ ليس بقليل الأهمّية – على مَحْمَل مخالفة النفس والانصراف عن سابق الموقف. هذه التحوّلات كانت تاريخية بمعنى الكلمة المليء: أي أنها مَثّلَت صدوعاً بما كان يكشفه تغيّر الأحوال العامة لهذا الصحافي الدقيق الإصغاء إلى حركة الحوادث. فكان لا يأنف من ترك رأيٍ سبق أن رآه ومن الانعطاف برؤيته نحو ما يشتمل على التحوّل الجاري ويلتمس موقعاً جديداً منه.

بعيدٌ ميشال شيحا بالتالي عن ان يكون تمثالاً قصارى دوره ترداد بضعة عناوين أو وصايا من أوّل زمانه إلى آخره ناهيك بمواصلته تردادها من أوّل زمان هذه البلاد إلى يومها الحاضر وإلى المقبل عليها من عهود.

وفي زعمي أن التحوّلات التي عمِد إليها الرجل أو عاناها إنّما هي، لمن يتقرّاها، ما هو حيٌّ في الفكر الشيحي. وهي أيضاً ما يأذن بموقفٍ من هذا الفكر يتعدّى الامتثال والاتّباع إلى المحاورة والنقد، سواءٌ أكان الشأن شأنَ الأطوار التي عاينها شيحا نفسه أم شأنَ ما استُجدّ بين رحيله وأيّامنا هذه. وهذا مع العلم ان المحاورة والنقد هما خير السبل – بل لعلّهما السبيل الوحيد – للإفادة من إرث هذا المفكّر. ونحن حين نعلم أنّه لم يكن ليقبلَ التجمّد عند رأي أو موقف انقضت مدّة صلاحه نعلم أيضاً أنه ما كان ليرتضي هذا التجمّد لأحد من الحريصين على إرثه ناهيك بسواهم.

هذا ولا تتّسع عجالتي اليومَ لاستذكار تحوّلات شيحية مختلفة سبق أن عرضتُ لبعضها في أعمالٍ لي قديمة. فأكتفي بإشارة أو اثنتين أرى لهما وجاهة محقّقة. في سنة ١٩١٩، كان لبنان لا يزال في نصّ لميشال شيحا “بروفانسا المشرق”.  في عهدٍ لاحق، استحقّ لبنان، عند شيحا لقباً آخر هو “سويسرا الشرق”… وهذا لقبٌ جاء موعوداً بتداولٍ مديد لا يزال مستمرّاً حتى اليوم وإن تكن خالَطَتْه في العقود الأخيرة نبرةُ سخرية.

في اجتهادي أن هذه النقلة تمثّل تحوّلاً ذَا أهمّية في نظرة شيحا إلى البلاد. وذاك أن اعتماد بروفانسا كان فيه التفاتٌ غالبٌ إلى الموقع المتوسّطي وإلى البيئة الطبيعية، وكان فيه، على الأخصّ، إظهار للولاء الشيحي العميق للدور الذي كانت فرنسا مقبلة على الاضطلاع به في المشرق. كان المتوسّط لا يزال، عند شيحا، بحيرةً لاتينية وكان التقرّب من “الغرب اللاتيني” هو المراد، ولم يكن التعدّد اللبناني غالباً بعد على تفكير شيحا. هذا التعدّد هو ما تستحضره الكناية السويسرية. فسويسرا ما هي بالبلاد المتوسّطية، وإنما هي بلادٌ متعدّدة الأقوام وهي بلاد جبلية. عليه أرى في اعتماد الكناية بها استيعاباً واضحاً، لم يكن له حضور في فكر شيحا الأوّل، للجبل اللبناني بتعدُّد طوائفه وبغلبته على خريطة لبنان السياسية وقاعدة نظامه الاجتماعي السياسي. لم يكن هذا من جانب شيحا تخلّياً عن المتوسّطية. فهذه بقيت حاضرةً جدّاً في نظرة الاقتصادي على الخصوص. ولكن التحوّل إلى سويسرا كان استيعاباً صعباً لحقيقة التعدّد. وتعود صعوبة هذا التوسّع إلى ما التفت إليه ألبرت حوراني لاحقاً من عُسرٍ شديدٍ في العلاقة بين معنيَيْ لبنان: البحريّ والجبلي.

إشارةٌ أخرى إلى مخاضٍ آخر في الفكر الشيحي هو مخاض الطائفية السياسية. راح ميشال شيحا يُبْرز المجتمع اللبناني على أنه مجتمع “أقلّياتٍ متشاركة” وقصد بها طوائف البلاد. واقترح شيحا أن يبقى مجلس النوّاب ساحةَ حوارٍ بين الممثّلين السياسيين لهذه الجماعات. فقد كانت تلازم شيحا خشيتان: الخشية من انتقال المسرح السياسي، بما يلازمه من تنازعٍ، إلى الشارع والخشية من أن يحلّ “الهيكل” محلّ المسرح السياسي فتؤول السياسة إلى نزاعٍ ديني يستولي على مقاليده المقلنسون والمعمّمون. عليه كانت الطائفية السياسية، في عرف شيحا، درأةً من النزاع السياسي أو الديني بين الطوائف.

هذا كلُّه صحيح. ولكن لهذه الصحّة، عند شيحا، نطاقَها المرسوم. وما لا يُلْتفت إليه، على الإجمال، هو أن تطييف السلطة التنفيذية كان إجراءً مؤقّتاً في الدستور الذي أسهمَ شيحا في وضعه. وقد بقي هذا التطييف، بما فيه تطييف الإدارة، موضوعَ تبرُّمٍ صريح في غير مقالةٍ شيحية لاحقة. هذا في أيّامٍ كان فيها نظام الطائفية السياسية متّسماً بقدرٍ من التمكّن وقدْرٍ من التعثّر لا يتجاوزان مألوفَ الأنظمة السياسيّة على اختلافها. فما الذي كان سيقوله هذا الرجل في نظامٍ أثمر حرباً طائفيةً مديدة بعد عقدين على غيابه وأثمر قبل الحرب وبعدها تبعيّات طائفيةً لقوى الخارج لا يسهل التمييز بينها وبين ما يُطلق عليه اسمُ “العمالة” وأثمر تعذّراً للمحاسبة السياسية والقانونية يتيح بلوغ الفساد، ومعه التبعية، إلى ذرى مطلّة على الخراب المهول. وهو قد أثمر، إلى ذلك، تعسّراً غير مألوف لتجديد مؤسّسات الحكم، على اختلافها، بحيث أصبح يتأخّر عن مواعيده، بانتظام، أشهراً وسنوات… ثمّ يأتي بهيئاتٍ لا تعدو سيرتُها استئنافَ المآزق… ما كان شيحا إلا ليثابر على ما سمّاه الدستور “التماس العدل والوفاق”. ولكنه لم يكن ليتجمّد، في ما يتعدّى ذلك، عند موقف له أو خيارٍ كائنةً ما كانت أبوّته له.

في عملٍ سابق لي، شدّدتُ على الاستيعاب وتوسّع النظرة بما هما سِمتان لحركة الفكر الشيحي من أطوارٍ له إلى أخرى. فذكرتُ، على الخصوص، كيف أن محاضرة ألقاها شيحا في الندوة اللبنانية قبْلَ غيابه بسنةٍ واحدة، أبرزَت اعتباراً لم يكن متحصّلاً له تحصّلاً جليّاً من قَبْلُ لمعطياتٍ هائلة الحجم والوقع من قبيل الإسلام والعروبة وضفّة المتوسّط الجنوبية. كانت مياه كثيرة قد جرت تحت الجسور، على قول الفرنسيس، وجرى معها الفكر الشيحي بين سنة ١٩١٩ وسنة ١٩٥٣… ولكن هذا الاستيعاب ما كان إلا ليُبرز العسر الذي تلقاه هذه البلاد في عيشها عند تقاطع هذا كلُّه. كان شيحا يُسمَّي هذا العسر “العيش في خطر” ويرى فيه نوعاً من القدَر ويدلي بصدده بآراءٍ لم يَفُتْه أنها كانت هي نفسها في خطر. كانت الحرّية قطباً للفكر الشيحي… فلا يجوز لنا اليوم، وللشباب منّا على الخصوص، أن نقرأ شيحا ولا أن نواجهَه إلّا بعَيْن الحرّية.

شكراً لإصغائكم!

(أُلقِيَت هذه الكلمة في الاحتفال بتوزيع جوائز ميشال شيحا في بيروت، فندق البريستول، يوم 13 أيّار 2017)

 

Sykes-Picot entre Mythe et Histoire

 

 

Sykes-Picot entre Mythe et Histoire[1]

Ahmad Beydoun

 

Depuis juin 2013, Daech – c’est l’acronyme arabe du groupe djihadiste qui s’est autoproclamé ‘État islamique’ – prétend avoir annihilé le tracé Sykes-Picot de la frontière syro-irakienne en prenant de force le contrôle d’un territoire enjambant la frontière effective entre les deux États. Il arrive aussi que des commentateurs hostiles à ce groupe prennent cette déclaration pour argent comptant. Or il serait plus exact de dire que l’exploit de Daech a plutôt rapproché la frontière en question de ce qu’elle devait être selon l’Accord. En effet, le vilayet ottoman de Mossoul que Daech a réuni avec une partie de la Djézireh syrienne de l’Euphrate étaient déjà promis par l’Accord Sykes-Picot à faire partie de la Syrie si tant ce nom désignait exclusivement la zone d’influence française dans l’État arabe alors envisagé. La province désertique al-Anbâr, également sous la coupe de Daech pendant un temps, était intégrée sur la carte Sykes-Picot dans la partie sud du soi-disant ‘État arabe’, partie destinée, selon l’Accord, à être une ‘zone d’influence’ britannique. En fait, au bout de tergiversations qui traînèrent jusqu’en 1926, Mossoul et le vilayet du même nom (de même qu’al-Anbâr) furent annexés au nouveau Royaume irakien, bien au mépris de l’Accord.

 

Dans l’ensemble, la frontière internationale qui sépare l’Irak de la Syrie ne présente guère de ressemblance avec la ligne qui, selon l’Accord, devait diviser l’’État arabe’ en deux ‘zones d’influence’ : anglaise et française. On ne trouve aucune trace sur la carte jointe à l’Accord de l’État jordanien ni de celui du Liban. Ce qu’on peut appeler ‘Palestine’ sur cette carte n’est, en fait, que la moitié nord de la Palestine qui devait bientôt voir le jour : moitié que l’Accord place, d’ailleurs, sous tutelle ‘internationale’!    L’Accord fait de la plus grande partie de l’Irak actuel : soit les deux vilayets ottomans de Bagdad et de Bassora une zone de gouvernement britannique direct. De cet Irak amputé de Mossoul et d’al-Anbâr, il exclue, entre autres, Samarra et Kirkouk qu’il joint à la Transjordanie et au sud de la Palestine pour en faire une ‘zone d’influence’ britannique et non de contrôle britannique direct puisque faisant partie de l’État arabe’ projeté.

 

Très différente de la Syrie actuelle, la Syrie de l’Accord correspondait sans doute à la région nord de l’’État arabe’ en question : région qui, jointe (ainsi que nous l’avons déjà signalé) au vilayet Mossoul, devait constituer la zone d’influence française. Destiné à un sort analogue à celui des vilayets de Bagdad et de Bassora à l’est, le littoral syrien qui comprenait, à l’ouest, les districts du vilayet ottoman de Beyrouth : districts parallèles aux ‘quatre villes de Syrie’, c’est-à-dire à Alep, Hama, Homs et Damas, devait être soustrait, lui aussi, au susdit ‘État Arabe’ pour être assujetti, avec le Mont-Liban, au contrôle direct de la France. Là aussi, ce ne fût pas le cas sur le terrain. Le sort du ‘Grand Liban’, placé sous mandat français, s’avéra différent de celui du ‘Territoire des Alaouites’ soumis à une administration française directe. Finalement, en 1936, un remembrement eut lieu des entités syriennes dont les statuts hétérogènes avaient été jusque-là un facteur de désordre non exempt de velléités centrifuges. Il faut ajouter que la formule du ‘mandat’ était encore inconnue des auteurs de l’Accord Sykes-Picot ; elle ne devait être inventée qu’en 1919 lors de la création de la Société des Nations. Les mandats furent attribués un peu plus tard lors de la conférence de San Remo.

 

Bien plus, la zone d’administration française directe prévue par l’Accord s’aventurait vers le Nord dans l’Asie mineure englobant une partie considérable de l’Anatolie du Sud, approximativement bornée à l’Ouest par les villes d’Adana et de Mersin, au nord par Sivas et à l’Est par Diyarbakir. Sur la carte jointe à l’Accord, aucune ligne ne sépare cette région anatolienne des districts du littoral syrien. Notons, au passage, que cette absence de frontière comble le vœu de comprendre la Cilicie dans la Grand Syrie : vœu exprimé surtout par le Parti Populaire Syrien (PPS) fondé dans les années 1930 par le Libanais Antoun Saadé. Ce qui n’empêche nullement ce parti d’être le porte-drapeau des détracteurs de l’Accord Sykes-Picot. Quoiqu’il en soit, le vœu en question ne put s’incarner sur le terrain. Cette région devint en définitive partie intégrante de la nouvelle République turque, suite à la Guerre de l’Indépendance menée par Mostafa Kemal et à la correction du Traité de Sèvre conclu en 1920 par le Traité de Lausanne signé en 1923.

 

L’intégration de l’Arménie dans la zone d’influence russe ne s’est pas réalisée non plus. Elle était prévue par l’entente tripartite entérinée au bout de négociations parallèles à la gestation de l’Accord Sykes-Picot. Cette entente accordait à la Russie Istanbul même… ou plutôt Constantinople puisque ce nom ‘orthodoxe’ que la capitale ottomane n’avait jamais oublié devait être de nouveau exalté. En effet, la Russie nourrissait, entre autres désirs, celui de s’emparer d’Istanbul et de sa région européenne… De plus, une zone d’administration directe flanquée d’une zone d’influence était réservée à l’Italie dans le Sud-ouest de l’Asie mineure… De tout cela, il ne fut plus question. D’une part, la Russie bolchévique s’était retirée, bel et bien, de la guerre. Elle avait dénoncé l’Accord pour ce qui la concernait et l’avait révélé aux regards du monde entier. D’autre part, les ambitions multilatérales relatives à l’Anatolie avaient été contrées par une résistance turque acharnée et finalement victorieuse…

 

Ajoutons également l’annexion au Liban de districts de la Syrie ottomane : annexion qui a modifié le tracé Sykes-Picot de la frontière entre l’’État arabe’ et la ‘zone d’administration française directe’. À ne pas oublier, non plus, la modification, au milieu des années 1920, de la frontière libano-palestinienne et les changements (infiniment plus importants) advenus au cours des deux décennies suivantes : la cession du district d’Alexandrette à la Turquie en 1939 et la naissance, en 1948, de l’État d’Israël en Palestine : développements que l’Accord Sykes-Picot et la carte qui lui est adjointe ne laissaient nullement prévoir.

 

Il ne semble pas faux de dire que la Déclaration Balfour, survenue en novembre 1917, marquait déjà un retrait britannique par rapport à l’esprit Sykes-Picot. Au sujet de la Palestine, l’Accord était mu par une logique axée sur la notion chrétienne de ‘Terre Sainte’. D’où la recommandation d’une tutelle internationale qui devait traduire l’intérêt porté à ce pays par des Églises et des États de confessions diverses… Cependant l’Accord n’oubliait guère les communications commerciales et militaires : soit le besoin qu’avaient la Grande Bretagne et la France des ports de Haïfa et d’Acre et la nécessité de répartir entre les deux puissances les droits sur les lignes de chemin de fer qui traversaient les provinces arabes de l’Empire ottoman… C’était là une logique qui, dans la mesure où elle tenait compte de la multiplicité des parties impliquées dans l’enjeu palestinien, s’écartait de la logique du ‘Foyer national’ prôné par la fameuse ‘Déclaration’.

 

Où sont donc les ‘États Sykes-Picot’ qu’aujourd’hui on prétend promis à la partition ou à la disparition ? Et où sont ces frontières annoncées par la carte Sykes-Picot qui seraient aujourd’hui transgressées ou gommées ici ou là ? En fait, les uns et les autres n’existent que dans les divagations d’une presse trop pressée et dans la rhétorique de nationalistes dont les rancœurs persistantes se nourrissent de l’idée d’un ennemi qui se reproduirait inlassablement perpétuant, dans chaque génération et dans chaque nouveau cas, son image première. L’Accord Sykes-Picot est surtout un mythe qui convient au halètement de commentateurs emportés autant qu’il réactive la vieille colère des opprimés.

 

Il reste possible, bien évidemment, de mettre en avant le statut de symbole, très convenable à cet Accord, d’une entente des puissances coloniales désireuses de partager le Proche Orient ottoman et d’y répartir entre elles les zones d’influence. C’est là une raison fort légitime pour maintenir vive le souvenir de l’Accord… mais sans perdre de vue le fait, qu’à l’origine, il procédait d’une entente tripartite où la Russie était un partenaire de poids… jusqu’à la Révolution pendant laquelle les soldats ‘votèrent par leurs pieds’, selon l’expression de Lénine, en faveur d’un retrait russe de la Grande Guerre. Or ces trois puissances (la grande Bretagne, la France, et la Russie) étaient précisément celles qui, depuis des dizaines d’années déjà, veillaient près du lit de ‘l’Homme malade’ ottoman dans l’attente de le voir rendre son dernier souffle. Elles furent rejointes dans cette longue veillée par l’Allemagne et l’Italie, surtout, dès que l’unité nationale de l’une et de l’autre fut réalisée… mais aussi par l’Empire Austro-hongrois aussitôt qu’il fut fondé.

 

Les Britanniques s’étaient efforcés pendant une bonne partie du XIXe siècle de maintenir en vie ‘l’Homme malade’ et de le protéger : de crainte que sa mise à mort ne déclenche une immense guerre européenne de succession. Au cours des deux décennies qui ont précédé la Grande Guerre, les Allemands se ménagèrent une place privilégiée dans la concurrence internationale pour gagner les faveurs d’Istanbul.  Ils s’y assurèrent une influence multiforme qui a préludé à l’entrée de l’Empire ottoman, maintenant dirigé par le Comité Union et Progrès, dans le conflit mondial aux côtés des Empires centraux.

 

Il est bien clair dorénavant que Sykes-Picot n’a été qu’une étape vite dépassée dans le processus de partage des possessions ottomanes et surtout de la partie arabe de ce gros butin. La pure inspiration coloniale de l’Accord, d’une part, et son caractère secret, d’autre part, suffisent pour le rattacher bien solidement à ce que nous appelons communément ‘le complot impérialiste’. Toutefois, le cours des événements a eu raison, bien rapidement, de ses stipulations et de la carte qui les illustrait. D’autres formules ont remplacé celles qu’il avait recommandées. Toutes choses qui réduisent considérablement son importance en tant que plan géopolitique destiné à être appliqué. Quoi qu’il en soit, si le rappel de son souvenir en tant que symbole d’un esprit condamnable se justifie pleinement, l’évocation d’’États Sykes-Picot’ et de ‘frontières Sykes-Picot’ en tant que réalités toujours en place aujourd’hui tient plus du délire passionnel que de l’histoire.

 

[1] Intervention destinée à la conférence ‘Medi’, Livourne, 17 et 18 mars 2017.

الشعبويّات وجوهاً واحتمالات

أحمد بيضون

Feb 06, 2017

يميّز الباحث الفرنسي لوران بوفيه بين «صوَرٍ» ثلاث يتّخذها «الشعب» في المجتمعات المعاصرة وهي «الشعب الديمقراطي» و»الشعب الاجتماعي» و»الشعب القومي».
ويوضح أن الشعبوية يسعها أن تكون تحويراً لكلّ من هذه الصور فتبسّط ملامحها ولا تأنف من الشطط في إبراز خطّ الانقسام الناشئ من هذا التبسيط، ولكن يُفترض أيضاً أن تستوي حافزاً لإصلاح السياسة السائدة في كلّ من هذه الأبواب الثلاثة. ذاك توزيع يبدو متمّماً لذاك الذي وقفنا عليه، في عجالتنا السابقة، عند بيار روزنفالون ومضفياً عليه مزيداً من التماسك. فيردّنا «الشعب الديمقراطي»، في تصوّره الشعبوي، إلى المواجهة بين الشعب والنخب، وإلى الإزراء بالديمقراطية التمثيلية وإبراز أفضلية الاستفتاء وضرورة العودة المتكرّرة إليه. وتُبرز الشعبوية ههنا أيضاً صورة القائد مفترضة في هذا الأخير «تجسيد» الشعب لا تمثيله. على الإجمال، تمثّل هذه الشعبوية وجه «الدستورية» الآخر. كلاهما ترفع من شأن الكثرة وتجيز حلولها محلّ الكل. ولكن الدستورية تحفظ للقلّة حقوقاً قد يستهين بها الشعبويون إذا ارتأوا إخراج هذه القلّة أو تلك من الصورة التي يعتمدونها للشعب. وهذا مع العلم أنهم يرون هذا الأخير واحداً على الدوام، لا ينال من وحدته خطّ الانقسام الذي يفصله عن ممثّليه.
وأما ما يسمّيه بوفيه «الشعبوية الاجتماعية» فيحرّكه ثباتٌ يعود لا يُحْتَمَل للخطّ الفاصل بين «الصغار» و»الكبار» وإزراءٌ بالكفاءة يحدّ من الحراك الاجتماعي أي ممّا يُفترض أن يكون في متناول الضعفاء من فرص الترقّي. وينسب الشعبويون هذه الحال إلى تواطؤ ينشأ بين فئات النخب يجعلها تتبادل الخدمة ويعزّز انعزالها وميلها الإجمالي إلى الاستئثار. ولكن «الشعب»، بهذا المعنى، لا تستنفده الطبقة ولا تتلخّص حركته في الصراع الطبقي ولا هي تتّخذ صيغة الثورة، بل يجب أن يتّفق استئناف الحَراك والحفاظ على النظام الاجتماعي بما فيه الملكية والتراتب. عليه يفضّل الشعبويون الرطانة الأخلاقية، في خطابهم، على المصطلح الاجتماعي – السياسي فلا ينكرون نمط الحياة «الشعبي»، بتواضع مقوّماته، بل يصرّحون باستحسانه، فيما يتعدّى التفاوت الذي يمليه، مكتفين، لهذه الجهة، بما كان جورج أورويل يسمّيه «الحشمة المشتركة»…
أخيراً، ينوّه بوفيه بغلبة الصورة الثالثة للشعبوية، وهي صورتها القومية، في مجتمعات أوروبا اليوم. هذه الشعبوية تقع على عدوّها، لا في حلف «النخب» من سياسية وغيرها ولا في «الأقوياء» المستأثرين (وهؤلاء «منفصلون» جميعاً عن شعب ينتمون إليه أصلاً) بل في «الآخر» المغاير على نحوٍ لا ينفع في معالجته طبّ! يعرّف هذا الآخر بهوية ثابتة له عرقية أو دينية ويُنظر إلى مغايرته للشعب على أنها مغايرة هويّةٍ لهويّة لا مغايرة موقع أو دور لما يفترض فيه أن يكون.
هذا المقت للآخر يثمر، بطبيعة الحال، رفضاً للاعتراف بالتعدّد الثقافي في مجتمعات بلغ فيها هذا التعدّد مبالغ جسيمة وإن تفاوتت من مجتمع إلى آخر. وهذا واقع يجعل التراجع عن الاعتراف بالتعدّد وعن السياسات المترتّبة عليه أمراً باهظ الكلفة، لا على ضحايا التراجع وحسب، بل على المجتمع برمّته. وحين يكون لعدوّ الداخل هذا امتداد يجانسه في الخارج تتكفّل العنصرية بالمزج بينهما في عداوة واحدة.
تتفق هذه المقاربات وسواها للشعبوية في أمور عدّة. من ذلك تسجيل اقترانها بالديمقراطية أو بأزمتها، على الأصح، وتعذّر انفصالها عنها، وهو ما كان المفكّر الأرجنتيني أرنستو لاكلو سبّاقاً إلى تسجيله، قبل أن يشدّد بيار أندريه تاغييف على ازدياد الميل إليه في شعبويات معاصرة أصبحت متّسمة بتقبّل إجمالي لمؤسّسات النظام الديمقراطي، وبالاستغناء المنتشر عن دور القائد الفرد. من ذلك أيضاً استبعاد حصر الشعبوية في طرازها السلطوي أو الديكتاتوري وتسجيل اندراجها الممكن في المثال الديمقراطي عبر صيغ المشاركة الشعبية. ذاك، على وجه التقريب، ما يقوله النموذج السويسري، وهو أيضاً مؤدّى ما يوصي به روزنفالون في وجه «خطابة» الشعبويين الديماغوجية، مطلقاً عليه اسم «تعقيد الديمقراطية» أي تجاوز صيغتها الصورية أو المختزلة. وإذا كانت الشعبوية يسعها أن تزكّي تسلّط القائد ولا تأنف من العنف، بل تترك الباب مفتوحاً لجنوح الحركات الشعبية إلى الخروج العفوي عمّا ترسمه قياداتها، فإن ذلك لا يجيز الخلط بينها وبين الكلّانيّات ذات الطراز الفاشي أو ذات الطراز الشيوعي. وذاك أن الشعبوية، بخلاف الكلّانيّات، لا تنطوي على نظريّة للدولة وللحكم، ولا على مثالٍ صريح للنظام الاجتماعي، بل هي تؤول إلى تطلّب لسيادة الشعب المباشرة يعوزه التعيين المحدّد لصيغه العملية وأدواته الإجرائية. وهذا افتقار يسعى التبسيط الخطابي إلى ستره، فيزكّي الميل المنتشر إلى الخلط ما بين الشعبوية والديماغوجية.
تتفق الدراسات أيضاً على التنويه بتوزّع الشعبويات بين يمين ويسار توزّعاً لا يلابس بالضرورة تفرّقها ما بين سلطوية أو عنفية وديمقراطية.. ولا ريب أن تمييز بوفيه بين هذه الصور الثلاث يستقيم إذا افترضنا غلبةً، في كلّ حالة، لواحدة منها على الأُخْرَيَين فلا يوجب اقتصاراً على واحدة. وهذا مع أن الاستقلال النسبي لدوائر الحياة الاجتماعية بعضها عن بعض تنحو إلى تغليب مضمونٍ بعينه في كلّ حالة. هذا ما حدا بتاغييف مثلاً إلى إطلاق صفة «القومية الشعبوية» على الحركة الشعبوية الحالية في فرنسا. وهذه تسمية تبدو محيلة إلى صفة «القومية الاشتراكية» التي اتّخذها الحزب الهتلري اسماً له ولكن من غير نزوعٍ، عند تاغييف، إلى ردّ الأولى من هاتين الحركتين إلى الأخرى. وإنّما رمى إلى إبراز ما تغلّبه الحركة الفرنسية في شعاراتها من عداءٍ للمسلمين وللمهاجرين.
ولعلّ الحركات التي أُطلقت عليها أحياناً صفةُ الشعبوية في البلاد العربية تمثّل حالات امتزاج متوازن، إلى هذا الحدّ أو ذاك، ما بين «صور» بوفيه الثلاث، وهو ما يصحّ أيضاً في الأنظمة التي نشأت من هذه الحركات أو أنشأتها. فقد جاهر النظام الناصري في مصر، مثلاً، بمقته الأحزاب والتمثيل النيابي المقترن بها وتناوبها على الحُكم قبل حركة 23 يوليو. وهو ما مثّل موقفاً من النخب السياسية التي وُصمت بالرجعية أو بالعمالة للأجنبي ومن تداولها السلطة، فأُخلي محلّها لمنظّمات وُصفت بـ»الجماهيرية» واعتُمد التوجّه المباشر إلى الشعب واستنفارُ الجماهير عند كلّ محطّة سياسية وتحويلُ الممارسة الانتخابية إلى استفتاء متكرّر يُظهر الإجماعَ على القائد والنظام. وكان النظام يعبّر في هذا كلّه عن رفض شعبوي لنموذج الديمقراطية التمثيلية. وهو قرن هذا الرفض بإعلانه مناهضةَ الاستعمار وقواعدِه العسكرية وهيمنتِه على مرافق اقتصادية في مصر وفي محيطها ودعمِه للسيطرة الصهيونية على فلسطين، وبالدعوة إلى التحرّر والوحدة القوميين: وهو ما جعل البعد القومي للشعبوية ماثلاً في حركة النظام السياسية، وفي الصورة التي أرادها لنفسه. أخيراً، اعتمد النظام الناصري سياسةً اجتماعية – اقتصادية كان ركناها الإصلاح الزراعي والتصنيع، وقد استلزما «اشتراكية» استدعت تأميم الملكيات الكبيرة وتوزيعاً للأراضي وتوسيع قطاع الدولة باسم مصالح العمّال والفلّاحين، إلخ. وقد كان هذا التضافر نفسه بين أبعاد الشعبوية الثلاثة ماثلاً، ولو تنوّعت صيغه ومساراته، في أنظمة عربية أخرى نشأت، على غرار النظام الناصري، من حركات عسكرية وادّعت لنفسها نوعاً من التجسيد الصوفي، بشخوص قادتها، لـ»الشعب» ولـ»الأمّة».
في كلّ حال ينتهي النظر عن كثبٍ في الشعبوية إلى تسجيل التنوّع البارز في الحالات مع بقاء التصنيف والنمذجة سائغين انطلاقاً من سماتٍ مشتركة. على أن ما لا يجيزه التنوّع إنما هو اطّراد الحكم السلبي بلا احتياط في استثارة الهلع بلا تمييزٍ ما بين حالات يختلف بعضها عن بعض دلالةً ومآلاً.
والخلاصة، في هذا المطلب، أن الشعبوية يسعها أن تذهب مذهب الشطط فتستوي خطراً على الديمقراطية: على حقوق المواطنة وعلى الحرّيات. فتجنح، باسم وحدة الشعب، إلى إنكار التنوّع في المجتمع وإلى إخراج من تراهم مغايرين من بنية الشعب والدوس على حقوقهم. وهي قد تجمع إلى التعصّب إخفاقاً سريعاً في تحقيق الوعود إذا استتبّ لها الأمر. فإن علوّ النبرة في الخطاب الديماغوجي يميل بالقيادة الشعبوية إلى التستّر على أخطار تلازم ما تقطعه من وعود يعوزها التحوّط. فيؤدّي الإخفاق إلى انقلاب لا يستبعد فيه العنف من جانب الموعودين على قيادة يأخذون عليها المراوحة بين إنجازٍ مفرط الكلفة وعجزٍ عن الإنجاز يظهر معه الكذب.
ولكن الشعبوية جرس إنذار أيضاً ينبّه إلى اعتلال الديمقراطية وفقدان التخيير الفعلي بين سياسات معروضة وخواءِ التمثيل واستئثارِ النخب. ويشير تقديمها، بلا أخذ ولا ردّ، في صورة الكابوس المتربّص إلى عزوف النظام القائم عن إصلاح نفسه أو عجزه عن الأخذ بناصية الإصلاح. ومع أن الخوف من الشعبوية لا تخفى وجاهته فإن تطوّرها في زماننا نحو تقبّل الديمقراطية بمؤسّساتها وتقاليدها واستغناءها عن زعامة الفرد يوجبان الاعتراف، فيما يتعدّى المخالفة السياسية، بشرعية الموقع الذي يقتطعه ممثّلوها لحركتهم على المسرح السياسي وبإمكان إسهام المعارضة التي يعبّرون عنها في الرفع من سويّة الديمقراطية. هذا، بطبيعة الحال، حيث توجد الديمقراطية.
كاتب لبناني

أحمد بيضون

في الشعبويّة

أحمد بيضون

Jan 14, 2017

يحظى مصطلح «الشعبوية»، منذ حين، بإقبال من محترفي المتابعة السياسية عندنا عزيز النظير. وتنشره وسائط الإعلام، من جديدة وقديمة، في أوساط جماهيرها. وعلى جاري العادة، يوحي انتشار اللفظ، من غير سؤالٍ ولا جواب، بوضوح المفهوم.
غير أن الأدلّة على ما في هذا الوحي من إيهام يبدأ ظهورها من الإمساك المنتشر عن التعريف، بما يعنيه المصطلح في تقدير مستعمليه. ثم تصبح الأدلّة أجلى صورةً حالما يذهب الكاتب مذهب التبسّط كثيراً أو قليلاً في أوصاف «النظام» أو «السياسة» أو «الكلام» أو «الزعامة» التي يطلق عليها صفة «الشعبوية». والحال أن التخليط في مفهوم هذا المصطلح يبدو مرجّحاً بقدْرِ ما تقتصر خلفية الكلام على ما هو متاحٌ من أعمالٍ في الشعبوية في لغتنا العربية، موضوعةً كانت الأعمال أم مترجمة. ذاك أن الخواء أصحّ ما توصف به المكتبة العربية، حين يتعلّق البحث بهذا الموضوع. وهو أمرٌ يجوز التعجّب منه. فقد عرف التاريخ المعاصر للبلاد العربية ظواهر تمتّ بنسبٍ إلى الشعبوية، طال ببعضها العمر كثيراً، وكان لبعضها دويّ عظيم ولا تزال بقاياها باقية إلى اليوم، وإن تكن ثوراتُ هذا العقد أطاحت بعضها تماماً وانحطّت كثيراً ببعضٍ آخر عن سويّةٍ كان يزعمها لنفسه.
مع ذلك، يمكن التماس بعض العذر لخبط العشواء في أمر «الشعبوية»، كائناً من كان الخابط. ذاك أن الغموض والاختلاط قائمان في مضمون الشعبوية نفسها: في خطابها وفي مراد معتمديها ممّا يتّخذونه شعاراتٍ لسياستهم، حكّاماً كانوا أم معارضين، بل أيضاً في قدرتهم على الذهاب في إيضاح ما تنطوي عليه هذه الشعارات فعلاً، من مضامين ومن عواقب إلى مدىً يناسب ما تزعمه لنفسها من بساطةٍ ووضوح، في قدرتهم على هذا الذهاب وفي رغبتهم فيه أصلاً.
أمرٌ آخر قد يعذر التخليطَ في استعمال المصطلح، هو الكثرة والتشتّت الفادحان في الأنظمة والحركات (ناهيكم بالخطب والقرارات) التي بدت مستحقّةً هذا الوصف بين وسط القرن التاسع عشر الأوروبي (إن اخترنا الاستغناء عن زيارة اليونان القديمة) وسائر قارّات العالم في أيّامنا هذه. فإذا بدت وجاهةٌ ما للتقريب ما بين البيرونية في الأرجنتين والناصرية في مصر، مثلاً، فإن الشقّة تبدو بعيدة ما بين الجمهورية الديغولية في فرنسا، بقائدها التاريخي، وجارها النظام السويسري، المستغني عن القائد الفرد كلّياً والموصوف، مع ذلك، بالشعبوية. وهذه ما هي سوى أمثلة يمكن الاستكثار منها فوق اللزوم.
عليه تكاد لا تستغني دراسة من الدراسات في «الشعبوية» عن التنويه، في مفتَتحها، بما يواجه الباحث من عسر حين يحاول «حدّاً» جامعاً مانعاً ـ على ما يحسن بالحدّ الأرسطيّ أن يكون ـ للظاهرة الشعبوية. ولكن هذا العسر لا يلبث أن ينقلب إلى حافزٍ لأحد أمرين أو لكليهما: البحث عن المشترك في شتات الظواهر، سواءٌ أكان الاشتراك اشتراكاً في الأسلوب والمحتوى، أم في الظرف والسياق، والبحث، من ثمّ، في تفريعٍ للظواهر، يختلف معياره من باحث إلى آخر، وهذه عمليّة تستبقي المشترك ولكنها تُظهر منطقاً ينتظم الشتات.
ولعلّ أهمّ ما يجده مختلف الباحثين جامعاً أو مشتركاً بين الحركات الشعبوية ملازمتها للديمقراطية… فتبقى في حواشي هذه الأخيرة ولا تنكر مبدأها (وكيف لها أن تنكره وهو السيادة الشعبية؟) وتنشط حين تدخل الديمقراطية في حال أزمة… وهذه حالٌ تتعدّد أسبابها والوجوه ولكنها تُظهر كلّها قصوراً في تعبير المؤسسات الدستورية القائمة عن الإرادة الشعبية وعجزاً عن تلبيتها، أي عن الخروج بالبلاد من حالٍ أصبحت لا تُحْتَمل، هذا في السياق، أما في المضمون فينوّه الدارسون بالنزوع العامّ للحركات الشعبوية إلى معاداة «النُخَب» المسيطرة واعتبارها حاجبةً لإرادة الشعب ومزيّفةً لها فيما هي تزعم تمثيلها. وهو ما يعني الطعن في كفاءة الديمقراطية التمثيلية، ولو من غير ميلٍ إلى الاستغناء عنها، فيجري إبراز الطابع الصوري الذي باتت تتخذه الانتخابات ويشدّد على التشابه في السياسة الفعلية بين الكتل وعلى ضيق الخيار المتاح في النظام القائم والحاجة إلى تخطّيه. وتُبرَز، في وجه المؤسّسة التمثيلية، أدواتٌ تمتّ بنَسبٍ إلى الديمقراطية المباشرة، أظهرُها الاستفتاء الشعبي الذي يسعه أن يتناول تشريعاً ما، أو أن يثبّت أو يخلع مسؤولاً وسياسةً من قمّة السلطة، إلخ.
هذا كلّه يُعتبر ردّاً لسلطة القرار إلى الشعب، ممثّلاً بقائدٍ فردٍ، أو بحركة لا تهَب صورتَها ولا تنسب دورها إلى فرد. أما الشعب فتُفترض له وحدةٌ صوفية تظلّ تُستدعى على الرغم من شيوع أنواع الخلاف بين صفوفه. ويُعمد إلى تنزيه الشعب فتنسب إليه الفضيلة. أما ما خالف ذلك فيعتبر صنيع مجموعات يتمّ إخراجها من صفّ الشعب، لا باعتبارها حاملةً لموقف يَحتمل المفاوضةَ والتحويل، بل باعتبارها غريبة عن الشعب أصلاً منافيةً لماهيّته. وهو ما يفتح، عبر الرفض العميق لشرعية «التعدّد» في توجّهات الجمهور، نوافذ للنبذ العنصري وللعنف في وجه جماعاتٍ تعرّف بهوّياتها أيضاً. تُواجَه كلّ من هذه الجماعات بموقفٍ إجمالي لا يحتمل التمييز بين الأفراد. ولا يُستبعد أن تؤول المواجهة، في مناسبات التظاهر، على الخصوص، إلى جنوح منتشر يخرق حدود القانون.
هذا وفي الخطاب الشعبوي، على التعميم، نوعٌ من علوّ النبرة لا يستغنى عنه لفرض هذا النوع من الخيارات أو لمحاولة فرضها. وهو الدور الذي كان يؤدّيه القائد الفرد، بما له من كارزما وكفاءةٍ خطابية، في أوسع الحركات الشعبوية شهرةً، وقد أصبح نموذجها نادراً أو مشوباً بلَبْسٍ كثير بين تلك التي نعاينها اليوم.
على أن وجوه الاختلاف بين حركةٍ أو ظاهرة شعبوية وأخرى تفوق وجوه الشبه ظهوراً وهو ما يدعو إلى التصنيف. وهذا مع أن الفرنسي بيار أندره تاغييف وجد في هذا التشتّت داعياً إلى اعتبار الشعبوية «أسلوباً» مرتكزه الاستياء من «النُخب» لا مذهباً في السياسة أو نظاماً بعينه. هذا الأسلوب يشيّئ الشعب وينسب إليه إرادة تأتي متّحدة بالحقّ. وهو يعهد إلى «القائد» بمهمّة استدعاء الشعب وتعبئته. في ما يعدو الأسلوب، يشتمل العنوان الشعبوي، على حدّ زعم تاغييف، على أشياء يبلغ التنافر بينها مبلغاً يَعْسُر معه استخلاصُ مضمون يجتمع شملها فيه. هذا الزعم ينكره مختصٌّ فرنسي آخر هو بيار روزنفالون الذي يقترح تصنيفاً للشعبويّات يرى فيها ردّاً على ما أشرنا إليه من أزمة في الديمقراطية التمثيلية، وعنده أن قوام هذا الردّ «تبسيط» مثلّث.
أوّل الإجراءات في هذا التبسيط وضع الشعب الذي تفترض له ذاتٌ بَدَهية في وجه «النخب» التي تنفصل عنه بدافع من امتياز الثروة والسلطة. الإجراء التبسيطي الثاني ينصب الرجوعَ إلى الشعب بالاستفتاء في وجه النظام التمثيلي. أخيراً، يتناول التبسيط الثالث الرابط الاجتماعي من أصله فيجعل الهويّة، لا جودة العلاقات الاجتماعية، مصدر تماسك المجتمع. والحال أن الهوية تتحدّد في وجه آخر يعادى أو يُنبذ: في وجه «المهاجر»، مثلاً، أو «المسلم»، إلخ. ويذكر روزنفالون، في إشارة إلى قِدَم هذا الموقف الأخير، أن الأديب والسياسي المشهور موريس باريس نشر، عند ترشّحه لانتخابات 1893، (أي في عهد ما يسمّيه روزنفالون «العولمة الأولى») بياناً جعل عنوانه «ضدّ الأجانب».
التبسيط إذن، ولنا عودةٌ إليه. ولكنه ليس مبدأ التصنيف الوحيد الذي اعتُمد لحالات الشعبوية أو لأبعادها. ففي كتاب بات قديماً ولكن الرجوع إليه لا يزال فرضاً على الباحثين في هذا الموضوع، تؤثر البريطانية مارغرت كانوفان البدء بالتمييز بين شعبويّتين: زراعية وسياسية. وهي تدرج في كلّ منهما حركات متغايرة إلى حدّ التنافر، فتجعل في الأولى راديكالية المزارعين في أمريكا والحركات الفلّاحية في أوروبا الشرقية واشتراكية النارودنيكي الروس في النصف الثاني من القرن التاسع عشر (وهذه كانت تيّاراً فكريّاً أيضاً). وتجعل في الثانية الديكتاتورية الشعبوية (ومثالها البيرونية) والديمقراطية الشعبوية (ومثالها النظام السويسري باستفتاءاته المتنوعة، وبعضها يجري على نطاق محلي وبعضها على نطاق البلاد كلّها، وقد تحصل إنفاذاً لقرار مؤسسي أو استجابةً لـ»مبادرة شعبية»…) وتُدخل كانوفان في الفرع السياسي نفسه «الشعبوية الرجعية» أيضاً (ومن وجوهها جورج والاس في الولايات المتّحدة وأينوك باول في بريطانيا) وتُدخل فيها أخيراً «شعبوية السياسيّين» الساعين، باستدعاء «الشعب»، إلى تخطّي المواجهة بين يسار ويمين.
لا يخفى ما لهذه النمذجة من أهمّيةً مردّها إلى إبراز توزّع الشعبويات بين طُرُزٍ متعارضة من الأنظمة (إذ هي تحتمل معايشة الديمقراطية وتحتمل اعتماد الديكتاتورية، مثلاً) وتوزّعها أيضاً بين اتّجاهات سياسية متخالفة (فيَسَعُ بعضَها أن يُنسب إلى اليمين وينتسب بعضٌ آخر إلى اليسار). على أنها (أي النمذجة) استدعت ردوداً كثيرة من بينها البديل الذي اقترحه تاغييف (وقد أشرنا إليه) ومن بينها أيضاً مقترح نجد له وجاهةً خاصّةً نقع عليه عند لوران بوفيه. ولنا عودةٌ في عجالتنا المقبلة إلى هذا المقترح الأخير، خصوصاً، ننتهي منها إلى خلاصاتٍ تَمَسّ ما عانته بلادنا من أنظمةٍ شعبوية الطابَع ولا تزال.

٭ كاتب لبناني

دولةٌ ضعيفة ونظامٌ قويّ؟ مناقشةٌ لبنانيّة

أحمد بيضون

Dec 31, 2016

في أشهرٍ قليلة، سمعت أو قرأت مراراً ما مفاده أن الدولة اللبنانية «ضعيفة» ولكن النظام (الطائفي) في لبنان «قويّ» جدّاً.
صدر هذا الكلام في ندوة من هنا ومقالة من هناك من ذوي أقلام معتبرة يتدبّرون عادةً ما يكتبون في الشأن اللبناني وفي غيره. ولا أعرف أيّهم كان الأسبق إلى اقتراح هذا التشخيص ،ولا إن كان قد جاء به قبلهم من لم يبْلُغني كلامُه. ولكن بدا أن العبارة، بتنقّلها بينهم، مرشّحةٌ لتستوي «محطّ كلام» أو «لازمة» فتوحي كلّما تكرّرت بالوقوف على تفسير أو على عنوانٍ لتفسير لما يتخبط فيه لبنان، من سنين باتت كثيرة، من استعصاءٍ وتردٍّ سياسيّين. وفي العبارة ما يؤهّلها للاستواء محطّاً أو عنواناً: ظاهرُ الوضوح… والتقابلُ في كلامٍ وجيز للغاية بين قطبين متلازمين… وهذا مع الإيحاء الذي يبدو مبتكراً بإمكان التمييز بينهما في القوّة والضعف.
أرى وجاهةُ، من جهتي، لمناقشة التشخيص الذي تقترحه هذه العبارة. وأوّل ما عندي سؤال عن إمكان فصل النظام عن الدولة: يجوز لنا إن اعتمدنا لـ»الدولة» معنىً بعينه أن نرى النظام فائضاً عنها، مشتملاً عليها. الدولة هنا لا يستقيم فهمها إلا بما هي سلطة منوطة بأداة مؤسّسية ذاتُ أجهزة ومراتب. وذاك أن المقصود، بديهةً، ليس الأرض والحدود والسكّان والسلطة ذاتَ السيادة. بالمعنى المحصور ذاك، يصحّ اعتبار النظام فائضاً عن الدولة. إذ هو يشتمل على قوىً لا يستنفدها جهاز السلطة، وإن يكن بعضها مشتركاً فيه، وهي ما يصطلح على تسميته باسم «المجتمع السياسي». بل إنه يجوز اعتبار النظام مشتملاً على قوىً أخرى متنوّعة جدّاً، إن افترضنا أن المشار إليه هو النظام الاجتماعي لا السياسي حصراً. وهذا افتراضٌ جائزٌ – بل محبّذ – حيث يجري الحديث عن «النظام الطائفي». فهذا – أي النظام اللبناني – نظامٌ لا يستقلّ فيه الشأن السياسي إلاّ لماماً عن شؤون وأوضاع من قبيل التشبيك المذهبي وعصبيّة العائلة والاستقطاب الجهوي للعصبيات والخدمة الاجتماعية والقوّة الماليّة والاستخدامية، إلخ.
على أن الأمر المشكل فعلاً هو التسليم بدرجة من الاستقلال للنظام عن الدولة (ولهذه عن ذاك) يجيز للنظام أن يكون «قويّاً» فيما الدولة «ضعيفة». ومنطلق الإشكال الأعمّ أن الدولة هي منعَقَدُ فاعلية النظام، بما هي الملتقى المركزي لأطرافه والمدبّر الأعظم للعلاقات بينها. الدولة هي الأفق الذي تندرج هذه الأطراف في وحدة سياسية أو تستبقي هذه الوحدة بسبب من وجوده، فلا تتفرّق شَذَرَ مَذَر… وهي المنفذ الأهمّ لهذه القوى إلى الفعل في محيط الدول وهي السبب الأوجه لإفضاء هذه أو تلك منها إلى علاقة بدولة أخرى، إذ انتساب هذه القوّة إلى الدولة اللبنانية يمنح هذه العلاقة دلالة ووجاهة لم تكن لتحوزهما لو كانت منفصلة عن حومة الدولة المذكورة. فحتى الحالة القصوى التي هي تبعية حزب الله الشيعي لنظام إيران المذهبي، يتغير معناها وتنتقص فاعليتها كثيراً إن هي جُرّدت من هدف الاحتواء السياسي للدولة اللبنانية وتعزيز المكانة المتاحة للجماعة الإيرانية الولاء في نطاقها. والأمر نفسه يقال، ولو كان الولاء أدنى عمقاً ههنا، في تبعية التيّار الغالب في السياسة السنّية للمملكة السعودية. ذاك يطرح سؤالاً متعلّقاً بالدرجة التي يسعى النظام أن يصل بـ»ضعف» الدولة إليها مع بقائها قويّاً من جهته: أي مع الاحتفاظ بقدرته على صون وحدة الشبكة الجامعة لمكوّناته وعلى الإفادة من مزايا الانتساب إلى دولة في محيط مشكّل من دول: دولٍ يضمّها ما يسمّى «مجتمع الدول»…
ولكن ما معنى القوّة في قولنا «نظامٌ قويّ» وما معنى الضعف في قولنا «دولةٌ ضعيفة»؟ واضحٌ أن كلّاً من العبارتين تنطوي على تردّد بين معنيين في الأقلّ. فالنظام القوي يسعه أن يكون ذاك الذي يقوى على سياسة أنواع المصالح الخاصّة ببعض أطرافه والعامّة لجميعها وعلى تدبير أسباب النزاع بينها بحيث يأتي توزيع المكاسب فائقاً توزيع الخسائر، فيزيد النظام أو يحفظ ما تمحضه إيّاه أطرافه المعوّل عليها من ولاء. وهو لا يقوى على هذا الإنجاز، في الواقع، إلّا بقيادة الدولة التي هي منعقد الصلات الأوّل وساحة التفاوض الأرحب بين الأطراف، والمدبّر الأهمّ لموازين القوى ولمدارات النزاع. بهذا المعنى تبقى قوّة النظام مشروطةً، لا بـ»قوّة الدولة» بمعنى لـ»القوّة» سنعود إليه، بل بما نستحسن تسميته «فاعليّة الدولة» بمعنى قدرتها على أداء وظائفها الاجتماعية – السياسية في جماعة وطنية تريد البقاء واحدة.
والحال أنّنا إذا قصدنا بـ»ضعف الدولة» لزومها حدّاً من التدخّل في حياة المجتمع لا يحتاج المجتمع إلى تجاوزه، إذ تحفّ بهذا التجاوز شبهة الطغيان أو الرغبة فيه، فإننا نكون مسيئين التعبير. فإن دولةً هذا شأنها ليست ضعيفة ما دامت تؤدّي وظائفها بكفاءة وتَلْزم (أو يُلْزمها نظامُها الدستوري ومجتمعها السياسي) حدّاً تقريبيّاً لسلطتها لا تتجاوزه. أما الدولة اللبنانية (وغيرها كثير…) فضعيفة بمعنى الفشل في الأداء والعجز عن التدبير. هي دولةٌ «طائفية» ولكن الطوائف «تفيض» عن حدود سيادتها من كلّ حدبٍ وصوب. وهي تجيز مكرهةً لأطرافٍ فيها ما لا يسع دولةً أن تجيزه من غير تعريض صفتها هذه للتهاوي؟ فهل يبقى النظام «قويّاً» وأطرافُه في أشدّ التجاذب والتنازع بينها، والدولةُ المفترض تحكيمها في منازعاته متهالكة عاجزة؟
النظام «قويّ» فعلاً بمعنىً لا يتعلّق بأهليته للدوران «السويّ» بما هو نظام وإنّما يتعلّق بـ»القوّة» الخاصّة بكلّ من أطرافه في وجه أطرافٍ أخرى وبتلبية الأطراف المتزايدة شروطَ استحقاقها لهوية النظام العامّة، أي الهوية الطائفية، وبميلها المتزايد إلى مجابهة بعضها بعضا بصفاتها الطائفية أيضاً. أي أن «القوة» هنا قوّة نابذة لا جابذة. فالحال أن ما اشتدّ في عقود مضت، ولا يزال يشتدّ، إنّما هو «طائفية» أطراف النظام وميل الجماعات الطائفية إلى التشرنق على كل صعيد تقريباً وإلى تجهيز نفسها بكلّ ما يلزم في هذا السبيل، مستفيدةً في ذلك ممّا عرضته الدول القادرة في المحيط ومقايِضةً بالولاء لهذه الدول ما حصّلته منها من منافع لم تكن مادّيةً وحسب، بل كانت سياسية ومعنويّةً على الأعمّ، أي متعلّقةً بالمكانة أيضاً. وعلى هذا احتدمت العصبيات الطائفية وارتسمت للمجابهة بينها خريطة هي خريطة الصراع الدائر بين الأوصياء عليها في المحيط، ولو اقتضى اختلافُ الميدان تعديلاً هنا أو تلطيفاً هناك.
فأيّة قوّة هي «قوّة» هذا النظام الذي يُلْزم دولتَه بعجز مترامي الأطراف لا يعفّ عن كبيرة ولا عن صغيرة والذي يعجز، بعد أن انهار ما انهار، عن الاحتياط الفعلي من الانهيار الشامل – بما فيه انهيار الجبهة الاقتصادية – المالية، وانهيار الأمن المحمول على الأكفّ الدولية حاليّاً – وقد باتت أصواتٌ كثيرة (بينها ما هو رسميّ دولي) ترجّحه وتحذّر منه؟ يبقى معنىً واحد مؤكّد الدقّة لـ»القوّة»، في هذا المعرض، هو معنى قوّة العصبيات التي تتجاذب النظام ورسوخ مرتكزاتها الاجتماعية السياسية وتبعياتها للخارج. ولكن هذه القوّة ليست «قوّة النظام» الطائفي. هي قوّة شيء آخر له اسمٌ قديم أليف سبق اشتغالَنا بحديث «الأنظمة» ورطانتَنا، على الأعمّ، بمصطلح علم السياسة. هي قوّة الطائفية، لا أكثر ولا أقلّ، وهي شلل الدولة وتهالك النظام.
كاتب لبناني

أحمد بيضون

الدولة والثروة

أحمد بيضون

Dec 19, 2016

لا يظهر أثرٌ، في كلّ من العصرين الحجري القديم والحجري الوسيط، لمن سمّاهم آلان تستار «موتى المرافقة» (وهم الذين كانوا يُنحرون أو ينتحرون لـ»يرافقوا» سيّدهم في ضريحه).
وهو ما يحمل هذا الأنثروبولوجي على استبعاد وجود «الولاءات الشخصية» بما تنطوي عليه من أصناف التبعية أو على افتراض الضآلة في وجود هذه الولاءات بحيث لم يخلّف وجودها أثراً يذكر. فما عساه يكون المجتمع الخالي من الولاءات الشخصية؟ يقول تستار إن هذا المجتمع الأخير هو الذي تستغرقه علاقات القرابة ويرى مثالاً ساطعاً له مجتمع الأستراليين الأصليين (الأبوريجين). فإن ضروب الممارسة كلّها عند هؤلاء (من اقتصادية ودينية وتزاوجية، إلخ.) تنتظم بمنطق الشبكات القرابية. وذاك أن كلّ أبوريجيني يرى نفسه قريباً من جهةٍ ما لكلّ من يلتقيه.. بما في ذلك الباحث الإثنوغرافي الذي يحاوره مثلاً.
هذا يورثُ عُصَباً قرابية تبقى موسومة باللامساواة فتحتمل التبعية من شخص لشخص ولكن باسم القرابة دائماً. ومن ذلك أن الحرب عندهم تتخذ صورة الثأر. فإذا سقط قتيل، مثلاً، عمدت أرملته إلى مضاجعة رجالٍ تُلزمهم، على هذا النحو، بطلب الثأر للمغدور، ولكن هؤلاء يدخلون في فئة قرابية مقرّرة سلفاً تجمعهم بالقتيل. ويتّسم نظام القرابة في هذا المجتمع بتشعّب وتعقيد بالغين يجعلان قدرته على الاستيعاب غير محدودة. أما القاعدة العامّة التي يشير إليها هذا المثال فهي أن المجتمع المؤسّس كلّياً على القرابة يصبح مقاوماً مبدئيّاً لنموّ ما يسمّيه تستار «العلاقات الشخصية» ولما يتبع ذلك من خصائص بينها احتمال ظهور الدولة.
فكيف ولماذا تولد الولاءات الشخصية حيث لم تكن موجودة؟ يحلّ تستار هذا اللغز بكلمة واحدة حاسمة: الثروة.. فحيث تظهر الثروة تظهر الولاءات وفي ركابها التبعيات.
ففي المجتمعات التقليدية (أفريقيا، ميلانيزيا، أمريكا الشمالية)، لا ينتج نظام ملكية الأرض ريعاً ولا يفضي إلى تراكم ولا وجود للعمل المأجور. وما يتحصّل من منتجاتٍ لا يمكّن من التحكّم بوسائل الإنتاج ولا بالبشر غير المالكين لهذه الأخيرة، بل الثروة مهمّةٌ هنا لصفٍّ آخر من الأسباب. فإن كثيراً من المبادلات الماديّة تقع على منتجاتٍ مشغولة بعناية، ولكن لا «نفعَ» فيها. وإنما تظهر ضرورتها في المبادلات الاجتماعية وأهمّها ما تعلّق بالزواج. تلك وظيفة الثروة «الأعمّ» ههنا، ولكن هذه القاعدة لا تسري في تلك المجتمعات كلّها، ففي بعضها، يدفع الرجل من شخصه، لا من ثروته، للحصول على زوجة. من ذلك، مثلاً، حصة من ناتج صيده يؤدّيها لحماته المفترضة، حتى قبلَ ولادة الزوجة الموعودة، ويثابر على أدائها مدى الحياة، أو هو يتعهّد بخدمة حميّه المقبل مدّةً من الزمن تطول أو تقصر. لا نفع اجتماعيّاً من الثروة ههنا (في أستراليا، في أمازونيا): القتيل، مثلاً، يقابله قتيلٌ أو امرأة ولا تقبل له ديةٌ مادّية.
أمّا النقلة الحاسمة فأورثتها ولادة الزراعة، وهي النقلة من اقتصاد الخدمة إلى اقتصاد الثروة، فحيث راح يمارَس التخزينُ وتربية البهائم، أصبح الزواج يقتضي «ثروةً» منقولة. وأمّا عواقب ظهور الثروة هذا فجسيمة، وأهمّها ظهور التفاوت بين الأغنياء والفقراء. مع العلم أن «مجتمع المساواة» لم يوجد، في قول تستار، تحت أيّ سماء. فحتى الجماعات التي لا ثروة فيها تعرف ضروباً أخرى من التفاوت.
في أيّ حالٍ، لا يسع الفقير الزواج، حيث تصبح الكلمة للثروة، إلا بإنعامٍ من ذوي الاقتدار: ذاك هو منطلق العلاقة بين «المعلّم» و»المحسوب». في مجتمعات أستراليا الأصلية، يتوفّر والدُ الفتيات على سلطة، ولكنها تبقى محدودةً بإملاءات القرابة وبعدد الفتيات القابلات للتزويج. هذه الحدود تضمحلّ حيث تصبح الثروة، لا القرابة، أساس المحسوبية. النقلة – أو القطيعة – الثانية، في مجتمعات اللادولة، هي ظهور الرّق. وذاك، قبل كلّ شيء، أن العبد لا نَسَبَ له، فحتّى المسترَقّ بالدَيْن يجري إخراجه من نَسَبه، هذا أمرٌ يتعذّر تصوّره في مجتمع أستراليّ أصليّ. في مجتمعات المحسوبية، يستقيم أن تنشأ علاقات خارجَ نطاق القرابة مع أناسٍ يبقون ذوي قرابةٍ بآخرين. أمّا الرّق فيمنح سلطةً تامّةً على الواقعين فيه لا تَمنح المحسوبية مثيلاً لها. فهي سلطة على أتباعٍ لا أقاربَ لهم يتكشّفون عن ولاءٍ راسخ. ولا يندر أن يُلحَق العبد بنسبِ سَيِّدِه إذا أصبح عجوزاً أو كان مولوداً من محظيّة. يحصل هذا حتى في المجتمعات الأمومية. ولا يفوت تستار التنويه بما تثيره طواعية العبد من استغراب في زمننا الأليف لمثال التمرّد. تلك طواعية لا تحجب وجود العبيد «السيّئين» – «الأنجاس المناكيد»، بعبارة المتنبّي – وقد وُجِدت للخلاص من هؤلاء طرقٌ مختلفة: «الأضحيةُ»، مرافَقةُ السيد في ضريحه وتجوز على «الحَسَن» وعلى «السيّئ»، الحربُ ويُفْتك فيها بالذكور البالغين، عادةً، ويستبقى الصغار والنساء أسرى، وتبقى الحرب مصدرَ الرقيق الأوّل وهي، فَوْقَ ذلك، تشدّ العُرَى، في كلٍّ من جهتيها، ما بين القائد وأتباعه.
ونحن لا نعلم متى وُلد الرّق. ولكن نعلم أنه يولد في مجتمعات تعرف «الثروة» وأن ولادته سابقةٌ لولادة الدولة. يولد حيث يوجد زرّاعون أو صيّادون- قطّافون يمارسون التخزين. لم يأتِ المسلمون ولا المستعمرون الأوروبيون بالرقّ إلى أفريقيا مثلاً. ولم تتوسّع رقعته بـ»الانتشار» من المجتمعات ذات الدول إلى غيرها. فإنما الرقّ مؤسّسة ضاربة في القدم عرفتها أفريقيا الدول وأفريقيا اللادول، وعرفها جنوب شرق آسيا وأمريكا الشمالية. فيما امتنع ظهوره في مجتمعاتٍ من الصيّادين ـ القطّافين هي تلك التي لم تعرف التخزين، وهي نفسها المجتمعات التي لم تعرف الممالك.
يعزو تستار وجود الرقّ في مجتمعات بعينها، وغيابه عن أخرى تنتمي إلى الفئة عينها لجهة نمط الإنتاج، إلى انشعابٍ في مسار التطوّر. فيرى أن المجتمعات ذات «الثروة» يبقى محتملاً فيها قبول الرقّ ورفضه. ولكن الإقبال عليه يرجّح اشتداد بأس السلطة. ويوحي المجموع الفرعي الذي يمثّله الاسترقاق بالدَيْن بانشعاب في تصوّر الجماعة لنفسها يجعل بعض الجماعات تتقبّله فيما تأنف منه أخرى. ولكنّ الرقّ بالدَيْن، إذ يقترن بسيادة الثروة وبالرقّ الخارجي، يرفع درجةً أخرى شدّةَ بأس السلطة. ولا غروَ أن المجتمعات التي يحصل فيها هذا الاقتران هي نفسها التي تزدهر فيها أنواع الولاء الشخصي كلّ الازدهار. وما ينشأ من ذلك، صيغةً للسلطة، ليس سوى دولة الاستبداد. على أن هذه لا تلبث أن تنحو نحو تنظيمٍ آخر للولاء ينتهي إلى إحلال جيش من البيرقراطيّين محلّ أهل الولاء الشخصي. يستوي هذا الاستبدال، حيث يمكن، شرطاً لتماسك سلطة الدولة التي تكون عوامل الولاء الشخصي قد أخذت تخلخل أركانها بعد أن كانت عواملَ لإرساء استبدادها.
وجدتُ لكتاب تستار هذا فوائدَ يمكن أن يجنيها منه منتمون إلى «قارّتنا» الفكرية، وقد طَبَع جهود كثير من مثقّفيها لتمثّل بنى مجتمعاتهم وتفسير حركتها، ووصف القوى الضالعة في هذه الحركة تصوّرُ «العصبية» المقترض من ابن خلدون مباشرةً، على اختلاف في وجوه استعمالهم هذا التصوّر، وهذه جهودٌ تُستأنف اليوم، معتمدةً المقاربة نفسها، فيما نرقب صمودَ بنى الاستبداد هنا وهناك لصدمات قوى التغيير واستيلادَ البنى ضروباً من الاستبداد تَخْلف أخرى. فنحن نستدعي لتفسير ما نعاينه عصبيّة الطائفة أو عصبيّة القبيلة أو صيغَ مزجٍ بينهما قد يداخلها بُعْدُ العصبية القومية أو شبه القومية أيضاً. لا ريب في وجاهة هذا الاستدعاء. ولكن ما تنبّه إليه قراءة تستار هو إمكان أن يكون الاستغراق في مشاهد يبدو انفجار العصبيات طاغياً عليها قد حجب عنّا تكاوين وعوامل أخرى هي وحدها القادرة على سدّ عجز العصبية التفسيري الذي يسهل الوقوف عليه، عند طرح مسائل عدّة ذات وجاهة، إذا نحن لجمنا شيئاً ما غوايةَ هذا التصوّر. هذا مع العلم أن ابن خلدون يستوقف تستار مليّاً… ولكن من الجهة الأخرى للعصبية: من جهة العوامل الضالعة في ضرب العصبية وإبعادها عن ساحة السلطة وليس من جهة استوائها أساساً لهذه الأخيرة.
ذاك أن تستار يعرض حالاتٍ يتّضح معها أن الأساس العصبيّ للاستبداد لا هو واجب الوجود ولا هو كافٍ إذا وُجد. استطراداً يجعل وجودُ الأسس الأخرى إمكانَ «صمود» الاستبداد، في وجه خصومه، بعصبية ضعيفة أو ضئيلة أمراً لا يعصي على الفهم… ويوجب التفاتَ الخصوم إلى الأسس الأخرى أيضاً.
ما يبرزه تستار ليس مثولَ الدِين (أو الطائفة) ولا مثولَ القرابة أو النَسَب في واجهة الفعل بل إيثاقَ المصائر الشخصية إلى شخص المستبدّ. وهو أمر تبقى السلطة الشخصية قادرةً عليه حتى في الدولة المركّبة إذ هي تنحو نحو إحالة العلاقة المركّبة أو التسلسلية بالسلطة إلى علاقة شخصية. وفي الدول العصرية، يمنح استبقاء التركيز في سلطة التصرّف بموارد الدولة ومقدّراتها وأجهزتها شخصَ الحاكم قدرةً مهولة على شخصنة الاستتباع. فيسع «العنفَ المحتكَر»، بناءً على قاعدةٍ من هذا القبيل، أن يتفلّت من كلّ عقال. وذاك أن استتباب الشخصنة في قمّة الدولة تسْهُل معه أشياء كثيرة: تهميشُ الضوابط السياسية والقانونية بتهميش القانون نفسه أو باستسهال خرقه كلّما لزم الأمر، تهميشُ المؤسّسات القائمة بحكم الدستور والعاملة بموجب القانون، بالتالي، تهميشُ السياسة بما هي تنظيمٌ مستقلّ للقوى الاجتماعية وتقابلٌ وتفاعلٌ بينها يتمخّضان عن تدبيرٍ للشأن العامّ، إلخ… عِوَضَ هذا كلّه، وهو كلّه أصولٌ وهيئاتٌ وأعمالٌ معرّضة لفعل الزمن، يظهر «الأبد» على أنه صفةٌ طبيعيّةٌ للمستبدّ.
من جهة «الرعيّة»، يُبرز تستار ما يسمّيه الرقّ الطوعي عنواناً عريضاً لا نراه يُخرج من دائرته الرقَّ الآخر فعلاً إذا انتبهنا إلى تشديده على غلبة الولاء في سلوك العبيد وعلى رسوخه. ولكن الازدواج الماثل في عبارة «الرقّ الطوعي» قد يشي، متى خرجنا من دائرة الرقّ المؤسّسي، بترجّح رعايا الاستبداد ما بين التسليم بالاستبداد خوفاً وتجاوز الخوف إلى الولاء لشخص المستبدّ والتعلّق الشديد به. في كلّ حال، يوحي تصوّر الرقّ الطوعي، إذ يندرج في مساق بحثٍ في «العلاقات الشخصية» ودولة الاستبداد، بوجود قوّة إسنادٍ للاستبداد تقع في خارج النطاق العصبي، ولكن لا يحول حائل مبدئي دون اختراقها هذا النطاق وطبْعِه بطابعها أيضاً. على أن دائرة «العلاقة الشخصية»، وهي واسعة جدّاً في حال من يحتكر التصرّف بمقدّرات دولة، تبقى نابذةً مهما اتّسعت. فتنحو إلى استبعاد كثرةٍ من الرعايا وتشكيكهم في صلاح الحال، التي هم وبلادهم فيها وإلى تهيئتهم للتمرّد حالما تجتمع شروطه. ولكن هذه حكاية أخرى هي حكاية «الدولة والثورة» لا حكاية «الدولة والثروة» التي يخلص إليها كتابُ تستار.
تبقى ملاحظةٌ أخيرة: وهي أن انتهاء تستار إلى تنصيب «الثروة» شرطاً لظهور الدولة يردّنا إلى نقده نظرية الدولة الماركسية (أو الإنجلزية، على التحديد) في الصفحات الأولى من كتابه. فهذا التنصيب يبدو للناظر المتعجّل عودةً إلى الاقتصاد بما هو صاحب القول الفصل في توجيه الحركة التاريخية للمجتمعات، وإلى الطبقة الاجتماعية بما هي ركنٌ ركين لبنية المجتمع. ولكن هذا الفهم لتستار تعتوره العجلة فعلاً. وذاك أن «الثروة» تبدو له مسخّرةً في المجتمعات التي هي مدار بحثه، لتحصيل السلطة وحفظها ونمائها لا العكس. وهو قد كان أوضح أن الموازنة الحسّية بين دور السلطة ودور الثروة في مجتمعاتٍ مختلفة التكوين لا تفضي بالضرورة إلى اعتبار أيّ منهما وسيلة مؤبّدة يقتصر دورها على طلب الأخرى المجلـّلة، من جهتها، بأبّهة الغاية وعلى نمائها وحمايتها. ذاك أيضاً أن مثال «العلاقة الشخصية» نفسه، وهو ما هو في تصوّر هذا الباحث لأصل الدولة، مثالٌ صعب الإدراج في المنظور الطبقي. ولكن هذا كلّه حديثٌ (طويلٌ) آخر أيضاً.
كاتب لبناني

 

أحمد بيضون

الدولة بين أهل الولاء وأهل النسب

أحمد بيضون

Dec 12, 2016

في المنظور الذي يرسمه صاحبنا الأنثروبولوجي الفرنسي آلان تستار، تولّد «العلاقات الشخصية»، بحكمٍ ممّا يميّز أهمّ صيغها من تفاوت، تبعيّةً وولاءً من التابع للمتبوع. ويسع هذه العلاقات أن تظهر في مجتمعات اللادولة، أي في جماعات النسب، مثلاً، ولكنها تكتسب في الممالك موقعاً ذا ميزة.
فلأتباع الملك مهابة وشرعية يفتقر إليهما غيرهم. هم، بلا فصلٍ، أتباع الملك وخدم المملكة. ويصبح «عبيد التاج» في الممالك الأفريقية، مثلاً، ذوي سلطة ونفوذ ويبلغون أرفع المراتب ولكن لا بأسمائهم إذ هم بلا أنساب. وعلى التعميم، يغلب هذا الضرب من العلاقة الشخصية بصاحب السلطة في دولٍ تكون فيها البيرقراطية غير نامية وتكون القاعدة التقانية للمجتمع أميلَ إلى البساطة.
ويسترجع تستار ذكر ابن خلدون ولكن من وجهٍ غير الوجه المتداول للرجل. فما يجري إبرازه هنا ليس النسب والعصبية، بل ما يُخالف هذين: أي ميل السلطان إلى إرساء سلطانه على العبيد الغرباء الذين هم صنائعه المتعلّق مصيرهم كلّياً بمصير سيّدهم. وكانت مؤسّسة «الولاء» قد أرسيت لغير العرب في العصر الأموي فأصبح غير العربي «مولىً» لعربي يلحقه بخدمته ويدعى هذا الأخير بدوره «مولىً» لتابعه أيضاً. ثم راح العبّاسيون يولون من الثقة لمن يعتقونهم من مماليكهم ولخدمهم الأخصّاء ما لا يولونه لخدم الدولة المعتمدين. هكذا استحال «الولاء» من صيغة لتقريب غير العرب ودمجهم في الجماعة، في العهد الأموي، إلى قاعدة للحكم في العهد العبّاسي.
وكانت هذه، على الخصوص، حال القطعات العسكرية من المماليك إذ كانت، في منطلقها، قائمة على نوعٍ من العلاقة الشخصية بصاحب السلطان، تتبعه وتدين له بكلّ شيء. وهي كثيراً ما واجهت لحسابه من كانوا يعتدّون بنسبٍ موروث ومثّلوا، بهذه المثابة، خطراً معلناً أو مبطناً على سلطانه. هذا قبل أن يتحوّل هؤلاء العسكر إلى «طوائف»، بمعنى الكلمة القديم، تنافح عن امتيازاتها في وجه الدولة ثم تستولي على مقاليدها فيصبح لها أن تعزل خليفةً وأن تنصّب غيره وأن تحيله، في كلّ حال، إلى واجهة شرعية، لا غير، تلي باسمه الأحكام. هذه الظاهرة التي وقع ابن خلدون على أطول صيغها عمراً، وهي دولة الماليك، في مصر والشام امتدّ بها العمر إلى أزمنة لاحقة واتّخذت صيغاً أخرى. فعرفت الدولة العثمانية، مثلاً، فرقة الإنكشارية، وكان عناصرها، في معظم تاريخها المديد، يُخطفون أو يُشترون صغاراً من بيئاتٍ غير مسلمة ويتلقّون تربية خاصّة مرادها الإفضاء بهم إلى التبعية المطلقة لشخص السلطان. وعلى غرار المماليك، راح أمرهم يستفحل إلى أن قضى عليهم السلطان محمود الثاني الذي كان متّجهاً في العقد الثالث من القرن التاسع عشر إلى بناء جيش حديث على الغرار الأوروبي. قبيل ذلك، كان والي مصر محمّد علي قد فتك بوجوه المماليك الباقين في البلاد إلى ذلك الحين في مجزرة القلعة المشهورة.
يُدرج تستار هذه الحالات الإسلامية، لجهة مبانيها ودلالتها العامّة، في بيئة عالمية شاسعة يقع فيها على حالاتٍ كثيرة توافقها في المبنى والدلالة على تنوّع مؤكّد في المداخل والأساليب. يقلّب صفحات منها، مثلاً، «ميثاق الدم» الذي يجده منتشراً في قارّات العالم القديم حيث كان الأمراء يلجأون إليه (أي إلى خلط بعض دم التابع ببعض دم المتبوع، بطرقٍ مختلفة) لربط الأتباع بأشخاصهم برباط لا ينفصم. وتتّسم بأهمّيةٍ واضحة ملاحظتُه أن المدن الإغريقية لم تكن تعرف هذا «الميثاق» باستثناء حالة العصاة الخارجين على نظامها وحالة البرابرة المرتزقة. أما المواطنون فكان يغنيهم عن هذا «الميثاق» القسَمُ على دستور المدينة أو على مجموع شرائعها وهو قسَمٌ يُلزم المواطن حيال المدينة، لا حيالَ شخصٍ أو أشخاص.
من هذه الأمثلة، يتخلّص المؤلّف إلى تعيين دوائر ثلاث للسلطة في هذا الصفّ العريض من الدول. الأولى دائرة أتباع السلطان من أرقّاء أو أحرار نشأت بينهم وبينه علاقة تبعيّة مؤبّدة. والثانية فيها المرتبطون بالسلطان بميثاق الدم أو بقَسَم الولاء ويجري بينهم وبين السلطان نوع من التبادل، وإن يكن التفاوت بين طرفيه فادحاً، إذ تقابَل الخدمة بإنعامات أو جزاءات. والدائرة الثالثة احتياط عامّ قوامه اللاجئون والمهجّرون والمنبوذون من ذويهم والحاظون بعفوٍ كان ولا يزال يختصّ به إلى أيّامنا الملوك والرؤساء. ويدخل في هذه الدائرة الأخيرة أيضاً المدينون الذين يقضي الملك دينهم..
من «موتى المرافقة»، إذن، وهم يظهرون في القبور الجماعية غير المتناظرة، إذ تشير أوضاع نزلائها إلى تراتب بين هؤلاء، تبدأ الأدلّة على مكانة «العلاقات الشخصية» بأنواعها من رقّ وغيره، وهي مشتركة بين مجتمعاتٍ لا تحصى سابقةٍ للدولة وبين الدول غير البيرقراطية. ويظهر في هذه البيئة الاستعداد للموت في سبيل «السيّد» فيكسب به هذا الأخير ثقة بالنفس لا حدّ لها سوى عدد المستعدّين ويسعه استعمالها على هواه. لا أقربَ، والحالة هذه، من تخيّل نزوعه إلى الاستئثار بالقوّة المسلّحة وبالحقّ في بتّ النزاعات الداخلية وفي شنّ الحملات في المحيط وفي ضبط حالة الحرب المعشّشة في كلّ مجتمعٍ بلا دولة، بحيث يفرض السلم ويصبح هو السيّد المطلق. هكذا تورث الولاءات الشخصية سلطة الشخص حُكْماً منتهيةً إلى ولادة الدولة في صيغتها الاستبدادية.
من هذا كلّه يخلص تستار إلى اقتراح قانونين: الأول أن المونوقراطيّات التي يكون تراتب الوظائف في بنيتها هزيلاً، تتكوّن فيها فئةٌ ما من موالي الأمير الشخصيين يعتمد عليها في ممارسته سلطته. بخلاف ذلك، لا تظهر هذه الفئة في الممالك البيرقراطية من قبيل مصر الفرعونية والصين الإمبراطورية. والقانون الثاني، وهو يجعل البعد الزمني في الصدارة، مؤدّاه أن استشراء الولاء الشخصي لأطراف خاصّة متعدّدة يفضي، بعدَ حينٍ، إلى إضعاف سلطة الدولة وتحلّلها وخرابها أيّا كانت، فيسري ذلك على الدول البيرقراطية وعلى الديمقراطية منها أيضاً. والخلاصة أنه ما دام الولاء الشخصي، بما يمنحه من سلطة، قادراً على تنصيب ملوك وعزل ملوك فلِمَ لا يكون هذا الولاء في أصل الدولة؟ يزيد هذه الفرضية قوّةً أن نستذكر، مع تستار، ميل الأنثروبولوجيا إلى المبالغة الشديدة في إبراز علاقات القرابة، بحيث تحجب هذه العلاقاتُ غيرها.
من أمثلة ذلك مجتمعاتٌ لا يظهر فيها دور لنظام القرابة في خوض الحرب وفي قيادتها التي تنتهي إلى فردٍ ترشّحه اعتباراتٌ غير قرابية. ومنها أن الرقّ يُبْخس حقّه (شأنُه شأن ضروبٍ أخرى من العلاقات الشخصية) عند البحث في تكوين السلطة. والحال أن الرقّ، على قول تستار، أحسن الأشياء توزيعاً بين المجتمعات البدائية. هو واسع الانتشار في مجتمعات اللادولة يؤمـّن الولاءات الشخصية الأولى أو التمهيدية. وهو مهمّ لأنه يتيح الاستكثار من التابعين من خارج نطاق القرابة ولأن ولاء العبد المبتوتِ من نَسَبه والمتعلّق بسيّده في كلّ أمر، ولاءٌ استثنائي المتانة عادةً.
لا تفوتُ المؤلّف الإشارة إلى كون استيلاء الشخص على السلطة يتعلّق دائماً بظرفٍ مركّب يتشكّل من عناصر مختلفة. ولكنّه يرى عموميّةً، مع ذلك، للقاعدة القائلة بأن الولاءات الشخصية التي تحمي سلطة الشخص يسعها أن تقود إليها أيضاً. وبين العوامل المهيّئة لذلك واحدٌ حاسم هو الرقّ الداخلي وبين أبرز تجلّياته الرقّ بسبب الدَين، وكان منتشراً جدّاً في العالم القديم وقد منعه الإسلام وحظرته مجتمعاتٌ أخرى. وهو أوقع دلالةً من الرقّ الخارجي لما يدلّ عليه من تصدّع في الجماعة، فحيث يسترقّ المرء بحكمٍ قضائي أو يبيع نفسه وامرأته وأولاده بقوّة الحاجة، يكون التضامن الداخلي في الجماعة منخوراً وتبدو الحرّية (بما هي خلاف العبودية) قابلةً للسلب. وهو ما يُضعف المقاومة المحتملة لبروز صاحب السلطة. ولكن ظهور الدولة سرعان ما يؤول إلى إزالته. أزاله المصلح الإغريقي صولون، مثلاً، وخفّفت منه، قبل ذلك، شريعة حمورابي إذ فرضت له مدّة زمنية قصوى… ذاك يجيز الافتراض أن الدولة تنحو إلى لجم التفتّت في الجماعة وتوزّعها بين تبعيّاتٍ كثيرة لما في هذا اللجم من توكيد لوحدة السلطة.
وفي قراءة لتوزّع ظهور الدول على خريطة العالم، يلاحظ مؤلّفنا أن الاسترقاق بالدَين كان منتشراً جدّاً في أرجاء العالم القديم وضئيل الانتشار جدّاً في العالم الجديد (بما فيه أوقيانيا)… وأن هذه حال الدولة أيضاً. وهو ما يعزّز كثيراً فرضية الاقتران بين نموّ الرقّ (بما هو نوعٌ متصدّر من أنواع «العلاقات الشخصية»، بمعناها في اصطلاح تستار) وبين ظهور الدول وانتشارها.
فهل نجزم، والحالة هذه، بكون الدولة وُجدت أوّلاً بصيغتها الاستبدادية؟ ينوّه تستار بغلبة هذه الفرضية في مدى القرن العشرين، وهي قد اعتدّت فيه بكشوف أثرية ألقت بعض الضوء على بضعة آلاف من السنين سابقة للمسيح، ورجّحت غلبة الاستبداد حتى «المعجزة اليونانية» التي جسّدت قبل المسيح ببضع مئاتٍ من السنين، ما عرف باسم الدولة الديمقراطية، وكان عمرها إذّاك قصيراً نسبيّاً. هذا فيما كان القرن الثامن عشر الأوروبي يرجّح العكس معتدّاً بما افترضه من أصالةٍ للميل في إنسان «الطبيعة» أو «الفطرة» إلى الحرّية. والحال – يقول تستار – أن «إنسان الطبيعة» هذا خرافة لا نقع على من يجسّدها في أيّ عصرٍ أو مكان.
ينتهي المؤلّف إلى الطعن في فرضية الأسبقية العامّة لصيغة بعينها من صيغتي الدولة العامّتين من أصلها. ومع ترجيحه أن تكون التجارب الديمقراطية (وبينها ما يظهر في جماعات اللادولة أو في أشباه الدول التي لا يتحقّق فيها احتكار العنف) قد بقيت محدودة الحضور في العالم إلى هذا العصر، فإنه يرى أن الوقائع تسند فرضية التنوّع الأصلي للدول بتنوّع المجتمعات وأن التعلّق بالحرّية موجود في المجتمعات البدائية وموجود الاستسلام للعبودية أيضاً. وذاك أن فرضية «البساطة» في التشكيل السياسي للمجتمعات البدائية فرضية ضالّةٌ أصلاً مردّها إلى الجهل بما هي عليه هذه المجتمعات من تعقيد في الأنظمة وتنوّع في صيغها العامّة. ما ترجّحه المعطيات إذن أن تكون صيغ ظهور الدول هنا وهناك قد تنوّعت من البداية وألّا يستقيم إلزام تطوّرها بسكّة واحدة.
ولكن ما الذي ينشئ الولاء والتبعيّة الشخصيّين في المجتمعات بما رأينا لهما، عند تستار، من فاعليّة عظيمة (وإن لم تكن حصريّة) في إرساء الدول… وفي زعزعتها أيضاً؟ يتطرّق هذا الباحث إلى هذه المسألة الكبرى في «ذيل» طويلٍ لكتابه نلمّ به في عجالةٍ أخيرة مقبلة نجعل ختاماً لها حصادَ ما وجدناه لهذه القراءة من فوائد استأهل جَنْيُها العناء..
كاتب لبناني