كِتابٌ وجائزة

http://www.almodon.com/opinion/b0366731-ae43-43c9-897e-dc7eb6b72916

أحمد بيضون|الخميس20/06/2013

  مساء الأربعاء 19 الجاري، تسلّمتُ، في لقاء اجتمع له أصدقاء ومهتمّون، “جائزة ميشال زكّور”. توّجت الجائزة كتابي الأخير “لبنان: الإصلاح المردود والخراب المنشود” الذي صدر في ربيع السنة الماضية عن دار الساقي في بيروت. والجائزة المرشّحة للاستواء تقليداً سنوياً أنشأتها هذه السنة مؤسسة ميشال زكّور على اسم الصحافي والسياسي الراحل، فكان كتابي أوّل عمل ينالها. وكانت هيئة المحكّمين قد أعلنَت، قبل أشهرٍ، لائحة قصيرة ضمّت ستة عناوين مرشّحة. وستُمنح الجائزة كلّ سنة لعملٍ بحثي موضوعٍ بالعربية أو الفرنسية أو الإنكليزية ومكرّس لموضوع لبناني.

وأمّا كتابي فيتّصل جذره الفكريّ بمقالة صغيرة نسبياً نشرَتها لي جريدة السفير في 25 أيار من سنة 1987 تحت عنوان “وجه الصيغة وقفاها”. تتكئ هذه المقالة على ملاحظتين استعارت أولاهما من كتاب لي أقدم منها عهداً وخلَصت منها إلى الثانية. الملاحظة الأولى أن اعتياد اللبنانيين إعلان المقت لطائفية نظامهم السياسي وإنكار الصفة الطائفية لمواقفهم ولتشكيلات مختلفة لهم أي ما أسمّيه بخفر الطوائف أو الحشمة الطائفية أمرٌ لا يجوز إلحاقه بالرغبة المجرّدة في مجاملة الحداثة وإنكار التعلّق بتقليد يعود إلى عهود بائدة وإنما هو شرطٌ حيوي لتحرير فسحة لا يستغنى عنها وإن تكن محدودة الرقعة ومهدّدة دائماً تظهر فيها الدولة اللبنانية وتزاول وظائفها وهو، في آخر المطاف، ضرورة لوجود هذه الدولة نفسه. معنى هذا أن اللبنانيين حين يجنحون إلى الاستواء طائفيين غير محتشمين، معتدّين، في الاجتماع وفي السياسة، بهويّاتهم الطائفية حصراً وغير مقرّين بدواعٍ تدعوهم إلى النأي عنها، في تناولهم شؤونهم العامّة، وذلك لتكوين مجالٍ وطني لهم، إنما يكونون قد باشروا الجنوح بدولتهم نحو التخلّع والتهاوي وباشروا، بالتالي، التوجّه بجماعاتهم نحو اعتماد العنف في التنازع.
تلك إذن هي الملاحظة الأولى، وعنوانها لزوم لبناني للحشمة في الانتساب إلى المدار الطائفي شرطاً لبقاء الدولة. وأما الملاحظة الثانية فمستقاة من نزوعٍ لبنانيّ معاكس، مكتومٍ عادة إلى هذا الحدّ أو ذاك في حيّز الطائفة. وهو النزوع إلى الشكوى من تفرّق الصفّ الطائفي وإلى إعلان الرغبة في توحيد هذا الصف على غرار ما يراه الداعية أو يتوهمه حاصلاً في طائفة أخرى أو أكثر من طائفة واحدة… وعلى التخصيص، في تلك التي يعُدّها الداعية نفسه مصدر الخطر. ملاحظتي في مواجهة هذه الشكوى من الفُرْقة الطائفية ومن توزّع المواقف في الطائفة الواحدة هي أن تحقق الوحدة السياسية في كلّ من الطوائف إنما هو إعلان نهاية، ولو آجلة، للتجربة الطائفية من أصلها.
أقول: “تحقّق الوحدة في كلّ من الطوائف” ولكن أعلم أن تحققها في واحدة، لا أكثر، من الطوائف الرئيسة يكفي لزلزلة النظام السياسي القائم وذلك بوضع المؤسسات السياسية للدولة أو السلطات العامّة تحت وطأة ابتزاز لا يطاق. فإن الطائفة الممتعة بالوحدة السياسية المشار إليها تصبح قادرة على تخيير الدولة بين التلبية غير المشروطة لمطالب تعصي على التلبية أو  التحمّل غير المحدود لمسلكيات يتعذّر تحمّلها وبين مغادرة الطائفة الموحّدة بقضّها وقضيضها لسفينة الدولة أي لمؤسسات الحكم بادئ بدء. هذا أمر لا يطيقه النظام الطائفي بمبدئه نفسه. وهو ينتهي إلى عطلٍ في الشرعية قد يشفعه، في جهة الطائفة المتراصّة الصف، إغراء بالجنوح إلى القوّة يزكّيه ظرف التفاوت في الحال بينها وبين شقيقاتها الأخريات. هذا التفاوت نفسه لا بدّ أن ينزع إلى الضمور. فهذا يحتّمه منطق الدفاع عن النفس، من جهة الجماعات الأخرى، وفلّ الحديد بالحديد.
أقول هذا مع علمي أن الرغبة في المحاكاة لا توفّر وحدها الطاقة اللازمة ولا الظروف المواتية لمماثلة الخصم الداخلي. ففي الحالة اللبنانية، يحصُل استشعار دائم للمواجهات الدائرة في المحيط وفي ما هو أبعد و يستمدّ من هذا الخارج المركّب، حين تميل به مصالحه إلى الاستجابة أو إلى المبادرة، جانب صالح بل حاسم من الطاقة اللازمة لمواجهة الندّ أو الخصم الطائفي، دفاعاً أو هجوماً. في كلّ حال، لا تبقى “وَحْدة الصفّ الطائفي”، بمفاعيلها المدمّرة، مدّة طويلة امتيازاً لطائفة واحدة. فلا بدّ من استوائها تحريضاً على النزوع إلى المحاكاة ولو بقيت هذه أسيرة معطيات تتعلّق بأوضاع الجماعة الراغبة فيها، أيّة تكن، وبموقعها بين قوى الداخل والخارج.
وحين يعلو منسوب الوحدة السياسية في كلّ من الطوائف (مع بقاء التباين قائماً في هذا المضمار بين هذه وتلك منها ومع التعذّر المؤكّد لتحقق الوحدة المشار إليها تحقّـقاً مطلقاً) تزداد أزمة النظام عسراً ومؤسسات السلطة وغيرها من مؤسسات الدولة تهالكاً. وتعظم أيضاً حظوظ الجنوح إلى القوّة في إدارة التنازع الجاري. فهذه الحظوظ لا ينقصها، في الواقع، بل يزيد فيها التوجّه إلى التكافؤ بين قوى الطوائف المعبّأة حين تزكّيه حبكة الظروف. وذاك أن البديل من العنف ههنا لم يكن غير الرضوخ للقوّة وحصاد الخسائر والمخاطر المترتبة على ذواء سلطة الدولة والمنطق الوطني. الخلاصة أن ما قد يُرى كمالاً لتحقق المبدإ الطائفي المؤسس لنظام لبنان الاجتماعي السياسي إنما هو، في حقيقته، افتتاح لتضعضعٍ عميق: لأزمة قصوى قد تدارى بعض مفاعيلها وقد تتمادى في الزمن ولكنها تتوجّه بهذا المبدإ نحو الإفلاس الكلّي إذ تضرب النظام القائم عليه بعطل يبدو عصيّاً على المعالجة والإصلاح.
وما يجب تسجيله، دون الدخول في كيفياته هنا، هو أن الحرب التي خبرَتها بلادنا عِقْداً ونصف عِقْدٍ هي ما توجّه بكلّ من الطوائف، وبنجاح متباين في ما بينها، نحو الاستواء وحدةً سياسية أو ما هو بهذه المثابة. وهي، أي الحرب، ما ضرب “حشمة الطوائف” أيضاً، فأصبحت الطوائف تميل إلى الاستغناء عن كلّ تمويه لطائفية مسالكها في كلّ أمر تقريباً. وهي، أي الحرب أيضاً، ما أنشأ الخلل الذي بلغ فتكه بالمنطق الدستوري أو المؤسسي بعض ذراه اليوم وأخذ يبدو وكأنه يدفع البلاد دفعاً نحو حربٍ جديدة.
وفي مدى عقدٍ ونصف عقد آخرين تَبِعا الحرب، كانت هيمنة الحاكم السوري على لبنان، بمزاولتها وظيفة التحكيم الداخلي في البلاد، تحجُب عجز المراجع الشرعية المفترضة لها هذه الوظيفة بحكم الدستور. وكانت هذه الهيمنة تتيح ظهور هذا العجز، أحياناً، وتطاول في الحسم لتحمي مسوّغ بقائها. وحين انجلَت الهيمنة مفسحة في المجال لتغيّر متعدّد الوجوه في هندسة المجتمع السياسي التي كانت قد فرضتها على البلاد فرضاً، انكشفت أستار العجز المتهالكة عمّا لا نزال فيه من أزْمة مفتوحة: أصلُها في الطور الذي بلغه النظام الطائفي برمّته وإن تنوّعت مجاليها السياسية واختلفت أطوارها الظرفية.
يُبْرِز هذا الطور، بما ينطوي عليه من مخاطر ومهالك، ضرورةَ الإصلاح. وقد التفت الكتاب إلى هذا الأمر فاقترح عناوين للإصلاح مستوحاةً من كَثَ ب مما أجمله اتّفاق الطائف في باب الإصلاحات وما سمّاه إلغاء الطائفية السياسية. على أن الكتاب يجرؤ على القول أننا نبتعد عن إرادة الإصلاح وإمكانه بمقدار ما تظهر ضرورته. وذاك أن أزمة النظام التي نحن فيها متشكّلة بحيث تزيد في تشقق الشعب وذوائه، بما هو إمكان لذاتٍ مريدة، وتمنع، إلى أجلٍ يتعذّر تعيينه، تشكّل ما يقتضيه إجراء الإصلاح من كتلة شعبية فاعلة، متعدّدة الموارد والمصادر السياسية ولكنها مجمعة على إرادة الإصلاح. تلك هي المحطّة التي أدركناها اليوم: نرى الحاجة إلى الإصلاح ماسّة ولكن نرى ما هو متحصّل لنا من مؤسّسات مسؤولة عن إصلاح نفسها آخذاً في التهاوي.
وإذ أقول إن النظام الطائفي بلغ طوراً جديداً من أطوار مساره أُبْرِزُ ركناً من أركان هذا الكتاب هو اللزوم المثابر للقول إن الطائفية لها تاريخ وإنها، بخلاف الشعور الذي تنشئه هي نفسها أحياناً، ليست شيئاً خالداً ولا هي لبثت، من أيّ وجه من الوجوه، على حالٍ ثابتة عبر تاريخ البلاد الحديث أو المعاصر. وحين أبرزتُ، في نصوص يضم هذا الكتاب بعضها ويرقى بعضها الآخر إلى سنة 2000 ويرقى أوّلها، وقد أشرت إليه، إلى سنة 1987، تباشيرَ هذا الطور الجديد وملامحَ الأزمة التي ينطوي عليها، لم أكن أتنبّأ بشيء. وما أزال أميل إلى البَرَم بمحلّلين لا يرون من الوقائع والحوادث إلا تفرّغها المزعوم لإثبات توقّعاتهم. كانت مهمّتي تقتضي جرأة الإدراك أو الإقدام في القراءة لا صواب التوقّع. ويقتضي حسن الإدراك، فضلاً عن المثابرة وعن بعض المعرفة، دأباً في مناضلة خصم يحاصر عقل اللبناني من كلّ جانب. ذاك هو العصبية، على اختلاف مجاليها والمعاني، وهي ما تتعيّن حماية استقلال العقل من هجماته. وإذا كان ثمّة في هذا الكتاب ما قد يستحقّ جائزة ميشال زكّور، فهو – بقطع النظر عن حظوظ الفلاح والخيبة فيه – هذا الجهد لدحر إغراء العصبية وضغطها ولتحصيل ما أمكن من حصانة للعقل.
بخلاف ذلك، أرى الصورة المكفهرّة التي يرسمها لحالنا هذا الكتاب، وهو يوشك أن يُقْرأ من عنوانه: “الإصلاح المردود والخراب المنشود”، مستحقّة عقوبةً لمؤلّفه لا جائزة. وفي ضوء اللحظة الحاضرة، تستحقّ عقوبةً أيضاً المقالة المسمّاة “أشياعُ السنّة وأسنانُ الشيعة”: تستحقّها (وهي المكتوبة سنة 2007)عنواناً ومضموناً. عوض العقوبة، نال الكتاب جائزة يعتزّ بها مؤلّفه ويشكر لمنشئها تشجيعه ولهيئة محكّميها تقديرها. وقد جاء في الكتب أن سبُل الله لا تدرك وأخمّن بدوري أن الله له في العقوبات وفي الجوائز شؤون.

– See more at: http://www.almodon.com/opinion/2013/6/20/%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8-%d9%88%d8%ac%d8%a7%d8%a6%d8%b2%d8%a9#sthash.kgfsZTAC.dpuf

قَبْلَ مائة عام: ذلك المؤتَمَرُ العربيُّ الأوّل

http://www.almodon.com/opinion/5e6e6ad6-21d3-4e6f-94ba-714f629f3333

أحمد بيضون|الخميس13/06/2013
تتمّ في هذا الشهر دورة مائة سنة على انعقاد المؤتمر الذي اصبح يسمّى “المؤتمر العربي الأوّل” في باريس. فيُطرح سؤال يتعلّق بمسوّغ الاستذكار: استذكارِ لقاءٍ يسعُ أيّ مركزٍ معتبر للأبحاث اليوم، متّصل بما يسمّى الجهات المموّلة، أن يعقد مثله بل أوسع منه في باريس، لا في غيرها، وعلى جادّة سان جرمان دو بري نفسها إذا لزم الأمر. وقد يسعه أن يجمع لهذا المؤتمر الجديد من هم أظهرُ أمراً من الصحافيين وأعيان المدن والطوائف ووجهاء المهاجر الذين جمعتهم قاعة الجمعية الجغرافية قبل قرن… اليوم لن يُعِدّ أحد نفسَه لتذكّر لقاء من هذا القبيل بعد عشرة أشهر، لا بعد مائة سنة… وهذا إذا وُجد من يرى فائدةً في عقده.
وأما الفارق بين حدث حزيران 1913 وحدث حزيران 2013 (إذا وُجد من يُحْدثه) فهو أن الأخير لن يجد دولة عثمانية متهالكة، مستغرقةً في دوّامة ثورة دستورية وفي حربٍ مصيرية ذات فصول، توجس من انعقاده وتسعى في البداية إلى استيعابه ثم تعمد، بعد ارفضاضه بحين، إلى شنق بعضٍ من أهمّ المشاركين فيه… ولن يجد المؤتمر الجديد المفترض عرباً يتّخذون اللامركزية عنواناً رئيساً لمطالبهم القومية. بل هو قد يقع على اللامركزية مطلباً يرفع هنا أو هناك في وجه العرب من جانب جماعات قومية أخرى ترزح عليها من عقود كثيرة مركزيةُ السلطة العربية. أو هو سيقع على اللامركزية نفسها طموحاً لجماعات استبدلت باللافتة القومية برمّتها ما هو أدنى منها: اللافتات الطائفية مثلاً. وهي قد وضعت في المحلّ الذي كانت تشغله قبل قرن مجابهةُ العرب والترك مواجهاتٍ متحرّكة ما بين الطوائف.
انعقد مؤتمر حزيران 1913 بعد أشهر من الإعداد في خضمّ تسارعٍ للتاريخ العثماني كان يُحسب فيه للأشهر حسابٌ غير قليل إذ كان يصعب أن يصمد الظرف السياسي الذي تُرسم فيه ملامحُ مشروعٍ من قبيل المؤتمر إلى حين تنفيذه فعلاً. والحقّ أن الظرف السياسي تغيّر كثيراً في الحالة التي نحن بصددها ما بين مباشرة الإعداد للمؤتمر وانعقاده فعلاً… ثم واصل الظرف طفراته بعد ذلك نحو حالٍ أصبح العنف والقمع أبرز سماتها، فيما انتقلت الحرب من تسلسل فصولها المتردّد على الأراضي الأوروبية للدولة وعلى ساحلها الإفريقي إلى طورٍ عالميّ أصبح يتناول وجود الدولة من أصله وذلك بعد سنة وبضعة أشهر من انفضاض المؤتمر الباريسي.
بين خريف 1912 وأوائل 1913، كانت الحرب البلقانية تأكل معظم ما كان قد بقي للدولة العثمانية من “ممالك” أوروبية. فتستكمل سيرة من التضعضع والخسارة استغرقت معظم القرن التاسع عشر وأوائل العشرين. وهذا بعد انقضاض إيطاليا على سواحل بنغازي وطرابلس الغرب وقصف اسطولها بيروت في سنة 1911، بحيث انتشر إلى الولايات العربية الشعور بخطر الاجتياح الأوروبي وبعجز الدولة عن حماية أراضيها. كانت الجيوش المعادية قد وصلت إلى أبواب الآستانة إذ استولت على أدرنة، بوّابتها، واحتاج الأمر إلى معجزة ليستردّها جيش السلطان، حين بدا أن المهاجمين الأوروبيين موشكون على التذابح فيما بينهم حول جثمان “الرجل المريض” حالما يُسْلِم الروح. وكانت لندن التي حمت السلطنة طوال القرن السابق قد استضافت، في أثناء حرب البلقان الثانية هذه، مؤتمراً بدت مهمّته ترجمةَ نتائج الحرب على الأرض وفي موازين الدبلوماسية.
حصل هذا كلّه في أعقاب ثورة دستورية شهدها صيف سنة 1908 وتبعَتْها ردّة وارتداد على الردّة في السنة التالية وقد جعل القائمون بالثورة في رأس أهدافهم المعلنة حفظ سلامة الدولة واستعادة عنفوانها المتداعي، إلى الخروج من الاستبداد الحكومي بالعودة إلى الدستور وإلى ما يكفله من حرّيات ومن إصلاح مؤسّسي لهياكل السلطة.
كان العرب قد اغتنموا ظَرْفَ الحرب البلقانية، على التحديد، ليواجهوا بمطلب الإصلاح اللامركزي تباطؤَ التغيير في الوصول إلى ديارهم وما كانوا قد أخذوا يلمسونه لدى ضباط “الاتّحاد والترقّي”، القوّة المحرّكة للثورة، من نزعة تركية إلى الاستئثار حالت دون تحسين الشركة العربية في مؤسسات السلطة والدولة. وهذا في وقتٍ بدا فيه أن الدولة توشك أن تتحوّل من مجالٍ إمبراطوري متعدّد القومية إلى دولة ثنائية القومية تشهد نوعاً من التكافؤ الإجمالي، في أكثر من ميزان واحد، بين الأتراك والعرب.
اغتنم العرب ظرف أواخر العام 1912 وأوائل تاليه إذن ليشكّلوا هيئات إصلاحية موزّعة المراكز ولكنها متضافرةُ الأهداف وعلنيّةُ النشاط. وكان أسرعَها إلى البروز اثنتان: حزب اللامركزية الإدارية في مصر والجمعية الإصلاحية في بيروت. وكان الأوّل من هاتين محصّناً باتّخاذه الملاذَ المصري مقاماً له. وأما الثانية فلم تلبث أن باءت بالحلّ بعد إعلانها برنامجها وهذا على الرغم من الغطاء الذي وفّرته لها المجالس الملّية إذ تولّت اختيار أعضائها بواقع اثنين عن كلّ من الملل المسيحية واثنين عن اليهود وما يعادل مجموع هؤلاء من الأعضاء للمسلمين. فكان أن بلغ العدد الإجمالي نيّفاً وثمانين عضواً اعتُبروا ممتّعين بقوّة تمثيل وطيد للمدينة. وهو ما لم يمنع حلّ الجمعية، على ما سبقت الإشارة إليه، بعد أن أطاحت ظروف الحرب وزارةَ الصدر الأعظم كامل باشا الثانية، وهي التي كان الإصلاحيون العرب يعوّلون على مجاراتها لهم وعلى قوّتهم في حزب “الحرية والائتلاف” المهيمن عليها. أطاح جماعة “الاتّحاد والترقّي” هذه الوزارة وجاؤوا بأخرى أعادت نفوذهم المتوجّس من المطالب العربية والأرمنية خصوصاً والمناوئ لمنحى الإصلاح اللامركزي. فكان أن تغيّر مناخُ الدولة والعاصمة كثيراً في أشهرٍ قليلة فَصَلت ما بين تأسيس الجمعية البيروتية والحزب القاهري والبدء بالإعداد للمؤتمر العربي في باريس.
لم يتجاوز عدد الذين اعتبروا أعضاء رسميين في المؤتمر خمسة وعشرين شخصية. كانت سورية مدار البحث فلم يتمثل العراق إلا بعضوين ألقى أحدهما كلمة قصيرة وأعلن الرئيس أن الشأن المصري غير مطروح للبحث. وكان وفد بيروت (بما هي مدينةٌ “سورية” وعاصمةٌ للولاية المسمّاة باسمها) أكبرَ الوفود إذ ضمّ ستة أعضاء. هذا فيما كان صوت الموالين للسلطات عالياً في دمشق وتعذّر على بعض من أبرز ممثّلي الإصلاحيين فيها السفر إلى باريس لأسباب مالية. ولم يحضر من حزب اللامركزية الإداري سوى عضوين، على الرغم من اعتماد المعدّين للمؤتمر هذا الحزب راعياً لمبادرتهم. وتمثّل في المؤتمر المغتربون من أصقاع شتّى وكان أبرز جماعاتهم تمثيلاً، بطبيعة الحال، سوريو باريس ولبنانيوها.
وقد رئس المؤتمر لاذقيّ هو عبد الحميد الزهراوي أحد الموفَدَين من جانب الحزب وعيّن كاتباً له البيروتي عبد الغني العريسي. وكانت اللجنة التحضيرية الثمانيّة قد توزّعت مناصفة ما بين المسلمين والمسيحيين، وكان هذا التوزيع محبّذاً في تلك المرحلة على ما بدا من تجربة الجمعية البيروتية. وفي الحالتين – حالة الجمعية وحالة المؤتمر – كان الموقف السياسي متبايناً على أساس طائفي. فكان الأعضاء المسيحيون أصرحَ ميلاً إلى المطالبة بحماية فرنسية لسورية لم يكن بعضهم يمانع في وصولها إلى حدّ الاحتلال. هذا فيما كان المسلمون يحصرون همّهم في “الإصلاح” اللامركزي ولكن لا يمانعون في استقدام خبراء أوروبيين يتولّون توجيه دفّة الإصلاح حيث يلزم. ومما تشي به مذاكرات الأعضاء المسيحيين في جمعية بيروت ثم في مؤتمر باريس مع وزارة الخارجية الفرنسية وقنصلياتها، يتبين أن اللغم الطائفي كان مزروعاً في المبادرتين وكان انفجاره محتملاً لو أفلحت أيّ من المبادرتين في الاقتراب من أفق التنفيذ.
هذا وكانت اللامركزية هي العنوان الكاسح للحركة كلها. وكان أهمّ معانيها اعتمادُ اللغة العربية لغةً للتعليم وللمعاملات حيث تكون كثرة الرعايا عربية اللسان وتوسيعُ صلاحية المجلس العمومي للولاية في مواجهة سلطة الوالي وجعلُ الخدمة العسكرية تجري في موطن المجنّد ما لم يستوجب نقلَه داعٍ ملحّ ومنحُ الولايات أفضليّةً في إنفاق الواردات المجبية منها ومنحُ المسلمين الحقّ في إدارة أوقافهم واستثمارها على غرار غير المسلمين… إلخ. ولم يكن هذا البرنامج يمنع المطالبة بتحسين الأنصبة العربية من الوظائف المركزية ومن التمثيل السياسي…
لم يحظ هذا البرنامج بتنفيذ عملي. استبَقَته الدولة بتشريعات اعتُبرت تمويهاً لرفضها إياه وكان أهمّها قانونُ الولايات الجديد. وقد سُلّمت مقرّرات المؤتمر إلى السفير العثماني في باريس وإلى ممثّلي الدول الكبرى ثم سافر إلى الآستانة وفد من المؤتمر لمفاوضة السلطات. وكان عبد الكريم الخليل، وهو المقيم في الآستانة أصلاً، طليعة الساعين لدى جمعية “الاتّحاد والترقي” في سبيل اعتماد المقرّرات ولدى عرب العاصمة لإقناعهم بما توصّل إليه بالمفاوضة. ولكن هذا كلّه لم يَجِدْ طريقه إلى التنفيذ.
مضى التاريخ، بعد المؤتمر، في مسيرته المتسارعة المفضية إلى المزيد من تضعضع الدولة العثمانية ثم إلى الحرب العالمية التي ستلحق فيها الدولة بالجانب الألماني مواجِهةً فرنسا التي كان ظلّها قد هيمن على مؤتمر باريس ومتخلّية، على الأخص، عن مودّة بريطانيا التي كانت قد حالت دون انهيار الدولة الكلّي طوال القرن التاسع عشر. وعِوَضَ اختبار الإصلاح اللامركزي صيغةً لبقاء الدولة جنَح النافذون في إستانبول لمزيد من المركزية ولمواجهة القوميات الناهضة، وأولاها العربية والأرمنية، بالعصبية الطورانية وبالعنف.
وبين ضحايا الديوان العرفي في ساحتي الإعدام البيروتية والدمشقية، علّق ما بين صيف 1915 وربيع 1916 كلّ من رئيس مؤتمر باريس عبد الحميد الزهراوي وكاتب المؤتمر عبد الغني العريسي والمفاوض باسمه عبد الكريم الخليل وعضو هيئته التحضيرية محمد المحمصاني وأحد أبرز خطبائه أحمد طبّارة ومع هؤلاء نفر من الذين بعثوا إلى المؤتمر بتأييدهم أو رغبوا في المشاركة فيه فلم يتيسّر لهم ذلك لسبب عارض. من هؤلاء الذين جهروا من بعيد بولائهم لأهداف المؤتمر، لقي كلّ من صالح حيدر وعبد الوهاب الإنكليزي ورفيق رزق سلّوم حتفهم على أعواد المشانق أيضاً. وإذا كان عدد الضحايا من بين المؤتمرين لم يتجاوز هذا الحدّ فلأن كثيرين من هؤلاء كانوا مقيمين في مصر، متمتّعين بالحماية البريطانية، أو في خارج الأراضي العثمانية فلبثوا بمنجاة من ديوان جمال باشا العرفي ومشانقه.
وفي كلّ حال، لم تلبث الدولة العثمانية برمّتها أن علّقت على أعواد هزيمتها في الحرب ومطامع المنتصرين. فأنشأت فرنسا وبريطانيا ما أنشأته من دول في سورية الطبيعية وصحبتا ما شهدته هذه الدول من أطوار. وتكفّلتا أيضاً برعاية الطوائف والطائفية وما اتّصل بهما من أزماتٍ صغيرة وكبيرة، من طورٍ إلى طور. وذلك إلى حين استقلال سورية ولبنان والأردن ونشوء دولة إسرائيل. وعلى التعميم، برزت في كلّ من هذه الدول، قبل استقلالها وبعده، عصبيةٌ طائفية أو قوميةٌ غالبة رزَحَت بثقلها على غيرها من الجماعات. وكان الذين ورثوا إصلاحيي الهزيع العثماني الأخير، من العرب على الخصوص، أوّلَ من تَسبّب في بقاءِ حديث اللامركزية أو ما يجري مجراه سائراً على ألسنة الراغبين في الإصلاح واليائسين من إمكانه.
– See more at: http://www.almodon.com/opinion/2013/6/13/%d9%82%d8%a8%d9%84-%d9%85%d8%a7%d8%a6%d8%a9-%d8%b9%d8%a7%d9%85-%d8%b0%d9%84%d9%83-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%a4%d8%aa%d9%85%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a8%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%88%d9%84#sthash.I0fwS15g.dpuf

ما يستَحِقُّهُ الفسابكة

http://www.almodon.com/opinion/38f72896-2e28-411d-b6ea-fd5614091047

أحمد بيضون|الخميس06/06/2013

 قبل أيّامٍ، غادرتُ الفيسبوك. غادرتُه إلى أمدٍ لا أدري إن كان يقصر أم يطول. هذه ليست أوّل مرّة. فقد سبق أن رحلتُ ثم عدت. مرّةً أو اثنتين. وقد أعود هذه المرّة أيضاً بعد شهرٍ أو شهرين. ولكن لا مانعَ يمنع ألّا أعود أبداً.
أمضيت في زرقة هذا العالم البديل سنتَي نشاطٍ معتدلٍ سبقتهما أعوامٌ ثلاثة من صمتٍ شبه مطبق: صمتٍ لم تكن تقطعه غير مجاملات عابرة كانت تصحب أحياناً قبولَ “صحبةٍ” بادرتُ إلى طلبها أو هي طُلِبت إليّ. وهذه حاشية: أقولُ “صحبة” لأنني في معرض معارضتي لبعض ما شاع من مصطلحٍ عربيّ للفيسبوك، اقترحت “صاحب” أو “صاحبة” مقابلاً للـ”فرند” بدلاً من “صديق” أو “صديقة” التي وجدتها في غير موضعها ههنا.
وما أرغب في قوله بادئ بدءٍ أن شعوري، وقد غادرت هذا “المحيط” أو “الوسط”، يشبه شعور الخارج لتوّه من طاحون. هذا ما ألـِفْنا قوله حين نخرج من موضع فيه ضجيج يصمّ الآذان إلى آخر يُكتم فيه الضجيج بغتة. والكناية ريفية الأصل لأن الريف هو الوسط الذي يكاد لا يصدر فيه الضجيج المفرط إلا عن الطاحون. وما أراه، من جهتي، أن ضجيج الفيسبوك أشبه باللغط الكثيف تارة والمتناثر أخرى نقع عليه أو يقع علينا في أرجاء مطارٍ أو في محطّة قطار…
هي إذن مغادرة لمجالٍ يجري فيه هدرٌ مهول للكلام المكتوب (وللصور والأصوات أيضاً): هدْرٌ يخلّف شعوراً بالغرق في الهذْر، بالتخبّط في لغط يعزّ، في كثير من الأحيان، أن تخرج منه بمعنى. فتوشك أن تتّخذ الموقف الذي تتّخذه عفواً في ردهات المطار أو في محطّة القطار: تستغني عن الإصغاء وعن الفهم. مع ذلك… مع ذلك تفرض نفسها عبارة هنا وصورة هناك وموسيقى هنالك يستدرجك إليها من تعوّل على ذائقته. أغادر هذا كلّه إذن ولكن لا أنكر أن الفضول سيعاودني مراراً إلى معرفة ما قد يكون جرى في غيابي: ما قد يكون نشَره هذا أو ذاك فأثار غباراً مما تبعثه حوافر العصبية في هذه الأيام أو أنزلَ سكينة لا غنى عنها لانبعاث الشعر في النفس… مثلاً.
هذا وأعلم أن الهذر وإن يكن سيد الموقف لا يستنفد ما يتقدّم الفيسبوك مجالاً ووسيلة لعرضه وإذاعته. ولأذهب إلى لبّ المسألة من غير مزيد من الإطالة: يضيف الفيسبوك إلى كلّ فسبوكي معتبر بعداً أو دوراً يدخل، بفاعلية تتباين من حالة إلى أخرى، في رسم شخصية الشخص أو في تعيين وجهه: ولهذا التعيين الأخير وجاهته هنا إذ يدور حديثنا هنا على “كتاب الوجوه”. فإذا كان الشخص المعنيّ مهندساً مقصوداً وزوجاً عنيفاً وأباً مهملاً ومقامراً غير مدمن ومزاولاً بانتظام للمشي في الجبال ومشاهداً مثابراً لأفلام الخمسينات والستينات المصرية فقد يكون عليك أن تضيف إلى  هذه الأدوار تشخيصاً ما لما يصدر عنه بما هو فسبوكيّ حتى تكتمل في خاطرك صورته الشخصية وتحتلّ مكانها بين صور معارفك. إلى هذا الحدّ – بل إلى أبعد منه –  يسع الفيسبوك أن يكون مهمّاً.
أقول هذا مع علمي أن ما تحويه كثرة كاثرة من الصفحات لا يعدو كثيراً ما توحيه تسمية “موقع التواصل الاجتماعي” التي تطْلَق على الفيسبوك وعلى غيره من مواقع شبيهة لم يُكتب لها النجاح نفسه. “التواصل الاجتماعي” أي تبادل المجاملات فوق كلّ شيء. هذا ما نقع عليه فعلاً ولا نقع على غيره تقريباً في صفحات فيسبوكية لا عدّ لها. ولكن الأهميّة الواضحة للموقع وللموضوع توجب إمعان النظر…
ولقد أتاحت لي إمعانَ النظر في ما كانه الفيسبوك في حالتي صاحبةٌ، أي “فرندة”، أجرت تحقيقاً جعلَت موضوعه ما يمثّله الفيسبوك للفسابكة وطرحَت عليّ (في نطاق عيّنة  انتقَتْها لتحقيقها) سؤالها هذا.
قلت لـ”فرندتي” تلك إنني أرى في الفيسبوك وسيلة إعلام شخصية: جريدةً خاصة، مثلاً، لكلّ واحدٍ من مستخدمي الموقع. وهو، في الواقع، أكثر من جريدة: فإن إمكانية نشر التسجيلات الصوتية تجعله شبيهاً بالإذاعة أيضاً. وتجعله إمكانيةُ نشْر الصور وأشرطة الفيديو يشبه محطة التلفزيون. وسيلة الإعلام ههنا هي إذن نوع من “وسيط” عام. وهذا الوسيط نحصل عليه بلا جهد يذكر وبلا كلفة باستثناء كلفة التجهيزات الأساسية والاشتراك في الإنترنت.
بعد امتلاك الوسيط، يصبح كل واحد مسؤولاً إلى حدّ بعيد عما يصنعه به. هكذا توجد صفحات رفيعة المستوى وأخرى ساقطة. وتوجد صفحات وافرة النشاط وصفحات ميتة أو شبه ميتة. يجتذب بعض الصفحات زوّاراً بالألوف ويمتلك نفوذاً هائلاً كذاك الذي ظهر في حركات التغيير العربية. فيما تبقى صفحات أخرى بلا أدنى تأثير. هذا كله يتبع الأشخاص: أمزجتَهم وكفاءاتِهم، والأهدافَ: أي القضايا التي يحدّدونها لوجودهم في الموقع، ويتبع جهودَهم…
وفي كل حال، يشعر صاحب الصفحة بأن له جمهوراً لا يعرف ملامحه إلا معرفة تقريبية وأنه يستطيع مخاطبة هذا الجمهور متوقعاً تأثيراً ما لهذه المخاطبة في أيّ وقت يختاره.
هذا يكسر العزلة التي تفرضها الحياة المعاصرة على أكثرنا ويمنح صاحب الصفحة شعوراً بالأهمية. وقد يحمله على قول أشياء لا يقولها في محيطه المعتاد ويشعره بشجاعة وذكاء لا يعرفهما عادةً في نفسه. وقد يحرّضه أيضاً على الاستنباط لتجديد ما ينشره على صفحته وإرضاء متابعيه الذين قد ينتظرون منه نوعاً من الانتظام في التدخل أو من التفاعل مع أمورٍ بعينها.
بالطبع، تؤثّر درجة التفاعل من قبل المتصفحين في هذا الشعور بأهمّية الذات أو باهتمام الغير فتحبطه أو تؤكّده. مع ذلك، يجب القول أن حيازة منبر وجمهور بهذه السهولة من جانب أيّ كان ليست بالأمر القليل. فهذا كان يقتضي كثيراً من الجهد والكفاءة ومواتاة الفرص قبل أن يوجد الفيسبوك وغيره مما يشبهه فيصبح الأمر في متناول العموم تقريباً ويتحوّل كلّ فردٍ إلى مشروعِ نجمٍ على طريقته.
من جهةٍ أخرى، يتعرّض كلّ واحد منّا لمؤثّرات تصل إليه من الصفحات الأخرى ولا يتحكّم بماهيّتها: منها ما يزيدنا معرفة او يحملنا على التفكير ويرفع سوية أذواقنا ومنها ما يؤذي أو يضلل أو ينحدر بمستوى الذوق. فالفيسبوك الذي هو وسيلة إعلام يستوي وسيلة استعلام ايضاً. وهي وسيلة سيّئة، مثخنة بالثغرات، إذا شئتَ الاستعلام منها عن الأخبار ولكنها أوفر فائدة إذا رغبتَ في الاطّلاع على المواقف. وهي سبيل إلى مُتَعٍ متنوّعة أيضاً بطبيعة الحال، إذا وفّق المتصفح إلى موادّ جميلة (بوجوه ومعانٍ مختلفة للجمال) يعرضها عليه آخرون.
هذا ويتعلق مقدار التعرّض بالوقت الذي نرتضي قضاءَه في التصفّح وباتّساع شبكة معارفنا وتنوعها، إلخ. ويتفاعل بعضنا مع هذا كله أو لا يتفاعل: بالإكثار أو بالإقلال من الـ”لايك”ـات ومن التعليقات. ويورّطنا ما ننشره أحياناً أو التعليق على ما ينشره الغير في مواجهات قد تصبح عنيفة وتخرج بسرعة على قواعد الحوار المفيد أو اللائق. فإذا نحن تجاوزنا عمّا هو ظرفي كان علينا الالتفات إلى أمر أخير جدير بالانتباه فعلاً: وهو أن الفيسبوك أصبح مادّة من موادّ علاقتنا بالمحيطين بنا في خارجه، أي في عالم “الواقع”. فهو واحد من موضوعات الحديث بيننا وبين من نحادثهم ويتّخذ بين أبواب الحوار اليوميّ أهمّية متنامية.
والخلاصة أن وسيلة الإعلام الشخصية هذه يسعها أن تغيّر نظرة مستخدميها إلى أنفسهم فتمنحهم ثقة بالنفس وشعوراً بالأهمية ويسعها أيضاً أن تذكي شعوراً بالنقص ينجم من قياس النفس بالغير. فإن للفسبكة وجوهاً تنافسية مختلفة تؤثّر أحياناً في العلاقة بيننا وبين أناس نعرفهم. وهي تدفع، في كثير من الحالات، إلى التبعية للـ”نجوم” وتكوين الشلل المسلوبة الإرادة واستقلال الفكر حول هذا أو ذاك منهم، إلى هذا الحدّ أو ذاك. وعلى الأعمّ، يفضي قضاء الوقت الطويل في التصفّح إلى شعور بالضيق وبالتبعية يشبه ذاك الذي يصحب أنواع الإدمان كافّة.
 لا أتلبّث هنا عند الصفحات غير الشخصية: تلك التي ترمي إلى إنشاء جماعة حول موضوع ما: قد يكون هواية أو غواية وقد يكون سلعةً وقد يكون قضية. هذا جانبٌ (أو جوانب) على حدةٍ من الفيسبوك. ويقتضي الكلام فيه متابعة واهتماماً لا أدّعيهما. أكتفي بالإشارة إلى الطموح العامّ للصفحات غير الشخصية: طموحها إلى تكوين جماعات متنوّعة. فيكون مدار الجماعة شخصية أو تنظيماً أو تيّاراً في السياسة، موضوعاً أو قضيّة، نوعاً أو مدرسةٌ في الفنّ أو الأدب أو الفكر، مؤسسةً ترغب في تقديم نفسها أو سلعةً تباع، إلخ.، إلخ. وفي كلّ بابٍ من الأبواب تأتي الصفحات غير الشخصية متنوّعة على غرار البرامج في وسيلة للإعلام، تعلو أو تهبط تبعاً للنهج والكفاءة وللهدف.
يبقى مع ذلك أن الفضاء غير المادّي – ومنه الفيسبوك – ليس، على التعميم، أرضاً للخلود. وهذا على الرغم من اتّساعه المهول لحفظ الموادّ الرمزية. الموادّ هنا عابرة، عادةً، على غرار ما يتعاطاه الإعلام، تتراءى لنظر المهتمّ لحظاتٍ أو ساعات، أيّاماً في أحسن الأحوال. ثم تختفي وتصبح العودة إليها محتاجة إلى بحث يزداد المكترثون لإجرائه ندرة كلّما طالت المدّة. هذا وليس ثمة ما هو أسهل من إزالة صفحة فسبوكية من أصلها. تُزال فلا يحفظ منها أثرٌ أو عينٌ في موضع، وهذا بخلاف الكتاب أو قرص التسجيل. وتبدو هذه الهشاشة مجافية لأنواع من الجدّية توحي بها أنواع من الصفحات. فما يستثير الحنينَ أو الحماسةَ أو غبارَ المساجلات اليوم ينطفئ غداً ويصير تذكّره على همّة معنيين قلائل.
وفي هذا درسٌ لمن يحسب أن الفيسبوك يصلح قياساً لقوّة فكرة أو لمستقبل قضية. وقد اختُبر هذا الوهم في الديار العربية في الشهور الثلاثين المنصرمة وكان من أمره ما كان. هذا ونحن نشير هنا إلى ما صارت إليه صفحات جادّة كانت، في أيامها، شاسعة النفوذ. فما بالك بتلك التي يستسهل الفسابكة إنشاءها ويفرطون في انتحال القضايا لها، متفائلين بخير ليس في أيديهم ما يضمنه. فتصمد الصفحة عشية أو ضحاها وقد تسيء حيث أرادت أن تحسن إذ تُظهر قلّةُ الاستجابة عزوفاً لا يكون مردّه إلى البرَم بالقضية المطروحة بل إلى الشكّ في جدّية الموقع الذي تطرح منه.
في هذا كلّه أسباب للإشاحة عن الفسبكة لم يكن شعوري الشخصي بشيء من التعب أو الملل مبتوت الصلة بها. أضيف إلى هذه الأسباب ما يعرفه فسابكتنا من تفاقم العنف في السجال على صفحاتهم هذه الأيام. هذا العنف المستشري سوري ولبنانيّ على التخصيص. وهو طائفيّ أيضاً: أصلاً أو بالتبعية. وهو يتمثّل كثيراً في انحطاط السجال إلى البذاءة. وفي ظروف تتّسم بالحدّة السياسية من قبيل ما نحن فيه في هذه الأيام، تنشُر البذاءة الملازمة لهذا النوع من الحدّة مناخاً ثقيل الوطأة على النفوس ينحطّ أحياناً إلى درجة توشك أن تذهب بالمتصفح الملتزم إلى شفير الغثيان. وتكاد لا تختلف الحال، لهذه الجهة بين أن يكون المتصفّح طرفاً في الجدال وأن يطّلع عليه وهو يتفقّد موادّ منشورة.
ومن كلام “فرند” لي أن الفيسبوك إنما هو، في واحد من تجلّياته، شارع. ويعبُر هذا الشارع أناسٌ من ذوي الأدب ولكن يرابط فيه آخرون أيضاً يصحّ وصفهم بـ”أولاد الشارع”. ولعلّ عبارات صاحبي تصبح أكثر إنصافاً للفيسبوك وأهله إذا أبرزنا قابليتها للقلب رأساً على عقب. ففي وسع “أولاد الشارع” أن يكونوا هم المارّة العابرين لضيقهم بالمتابعة وفي وسع ذوي الأدب أن يكونوا هم المرابطين للزومهم الذودَ عن قضيّة يحرصون عليها. ذاك إذن وصف يصحّ فيه الوجهان على قول النحويين.
…وهذا، أيّاً يكن الأمر، ما ارتأيت تسجيله فيما أنا ذاهب إلى غيبة عن الفيسبوك قد تكون الكبرى وقد لا تكون.

– See more at: http://www.almodon.com/opinion/2013/6/6/%d9%85%d8%a7-%d9%8a%d8%b3%d8%aa%d8%ad%d9%82%d9%87-%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%b3%d8%a7%d8%a8%d9%83%d8%a9#sthash.dyuzmq45.dpuf

السُفور والحِجاب في ما يتعدّى النَصّ

http://www.almodon.com/opinion/6ae7fe3e-a4f1-460a-b91e-9a81c0fc72cd

أحمد بيضون{ الخميس 31/5/2013

*
ثمّة صيغ للحجاب يدلّ اعتمادها على اختيار حرّ من جانب النساء اللواتي يستخدمنها. فيعود غير جائز أن تواجَه بالاعتراض لما في الاعتراض من تعدّ على حقّ امرأة في التصرّف الحرّ بجسدها. هذه الصيغ تشبه صيغاً من السفور تستبعد التبعية الذليلة لخيارات الجماعة أو لخيارات اللحظة وتشير هي أيضاً إلى شخصية حرّة. بين السفور والحجاب، في هاتين الحالتين، نوع من التماثل المعنوي ومن التكافؤ في القيمة. ويُفترض أن يفضي ذلك إلى قبولٍ تتبادله النساء من الجهتين وتصادق عليه البيئتان الحاضنتان. هذا القبول لا يُفترض أن يَستبعد النقد: النقد الذي لا يرمي، بحالٍ من الأحوال، إلى المنع، ولكنه يستقصي المعاني المحمّلة في كلّ زيّ ويحسّن ما يتوصّل إلى استحسانه  ويقبّح ما يتثبت من قباحته. فيكون كلاماً في الذوق يريد الرفع من سويّة الذوق من غير افتئات على حرّية صاحبه. وقد يفضي إلى طرح مسائل تتّصل بالوجود الشخصي أبعدَ مرمىً من المسألة الذوقية.
لا أقصد بالحجاب هنا ذاك الإسلامي حصراً ولا أفترض السفور الذي أشير إليه خارجاً على الشرع الإسلامي أو خارجاً من نطاقه. أعرف أن الإسلام احتمل ولا يزال يحتمل جدلاً معقّداً في موضوع الحجاب. في جماعةٍ يؤطّرها جهازٌ فقهي، يسع الحجاب الإسلاميّ ألاّ يكون غير الوجه الظاهر لوصول اليد الفقهية إلى العمق الأقصى للحياة الخاصّة (وهو العمق الذي يقع فيه جسد المرأة والعلاقة به وعلاقته بنفسه) ولاتّخاذ هذه السلطة القصوى “برهاناً” يتعذّر دحضه لشرعية السلطة العامّة التي يضطلع بها الفقيه نفسه أو يزكّي المولجين بها. يصحّ هذا قليلاً أو كثيراً تبعاً لشدّة أسر الجهاز الفقهي ولاكتمال حضوره وكثافته ووتائره أو لتعلّق الحجاب وأموره بمجرّد التقليد الذي لا يحتاج إلى من يرعاه وقد بقيت منه مظاهر مستمرّة ولكن قوّة الإلزام التي فيه وعمومية مجاله تقلّصتا قليلاً أو كثيراً. ثم إن الذكور من العائلة يسعهم أن ينوبوا عن الفقيه في هذا المضمار فيزكّي فرْض الحجاب نظمة سلطوية أخرى لا تجافي النظمة الفقهية بالضرورة ولكنها تباينها من حيث الأصل. وقد ينوب عن السلطة الفقهية وعن سلطة العائلة نفسها تسلط بلطجية الحيّ الذين يجدون في حفظ “الأعراض” مدخلاً من مداخل سطوة يحوزونها ويستبيحون بفضلها أموراً بعيدة جداً عن مفهوم الشرف. تلك حالة يكثر ورودها في ضواحي المدن الأوروبية ويكثر دورانها، بالتالي، على ألسنة خصوم الحجاب.
*
ما أتناوله هنا أمر يمكن تحييد مناقشته عن نطاق الجدل الديني إذ هو لا يتعلّق بأمرٍ أو نهيٍ إلهيين يمكن استقاؤهما من نصّ أو اجتهاد. بل هو يتعلّق بحرّية الشخص الذي هو امرأة بعينها وبوجود شخصية لهذا الشخص أو عدم وجودها بالتالي. ولا أفترض أن ما يحصل على الضفة الأخرى، أي ضفّة السفور، موافق بالضرورة لداعي الحرّية هذا أو معبّر بالضرورة عن الشخصية الحرّة. فقبالة الجدل الديني وذاك العلماني في الحجاب يوجد جدلٌ دينيّ وآخر علمانيّ في السفور. ومحور الجدل في الحالين واحدٌ، بمعنى ما. هو حرية الشخص التي يرى الطاعنون في الحجاب أنه يحدّ منها بإلزامه المرأة دائرة الخاصّ واستوائه رمزاً للرغبة في “كتمان” المرأة وإخراجها من الساحة العامّة وفي استحواذ الذكور على كلّ ما يجوز اعتباره إرادة عامّة. هذا فيما يرى الطاعنون في السفور أنه يحدّ من الحرّية أيضاً بتشييء الأنثى وامتهان جسدها وعَرْضها غرَضاً غير مشخصن لرغبة الذكور.
إذا خرجنا بهذا الجدال من دائرة الأمر والنهي، أمكن، فيما أرى، أن نتّخذ الحرّية معياراً عامّاً للبحث النقدي في الموضوع. ثمّة صيغٌ للحجاب ثبت بالتجربة أنّها لا تنطوي على حدّ من حضور اللواتي يخترنها في المجال العامّ. وهي تستبقي الشخصية معلنةً مؤكّدة بإبقائها الوجه مكشوفاً. يسع بعضنا أن يجد هذا الحجاب جميلاً وباعثاً على الاحترام ويسع بعضنا الآخر أن يجده قبيحاً عصيّاً على التسويغ. ولكننا نبقى في الحالين في دائرة الذوق الذي نملك أن نماحك أهله فيه ولكن لا نملك أن نشكّك في صدوره عن اختيار حرّ لصاحبته. ولا ينتقص من هذه الحرّية موافقة الاختيار للقاعدة الاجتماعية إذ ليست القواعد الاجتماعية، بعامّة، مستوجبة الرفض، بما هي كذلك، بحيث يعتبر قبولها طاعناً في الحرّية. وإنما يحتاج الرفض إلى مسوّغ في كلّ حالة.
على أن ثمة حجاباً لا يمكن ألاّ يعدّ منتقصاً من حرّية المرأة إذ هو يجتزىء بصيغته البعد العامّ لحضورها ويلزمها نوعاً جزئياً من “الوجود”، إذا جازت هذه العبارة. وأهمّ المعالم (أو المجاهل) المميّزة لهذا الحجاب إخفاء الوجه. فإن الوجه صورة الشخصية وهو الشارة الدالّة على استحقاق الفرد اسماً شخصياً. فإذا هو حُجب مالَ الأفراد إلى ضرب من الغفلية ومالت شخصية كلّ منهم إلى البطلان أو إلى الكتمان شأن حبّات الفاكهة في الكيس. معنى ذلك أن القاعدة الاجتماعية أو الدينية تمثّل ههنا، حين وجودها، انتقاصاً مؤكّداً من وجود الكائن الذي تملى عليه. فلا يبقى حاسماً أن ينتهي الفرد إلى قبولها راضياً أو أن يقبلها مرغماً. فإنما هو خاسرٌ وجودياً في الحالين. ثمة خسارة من الوجود الفرديّ يشي بها أيضاً توحيد الزيّ وتوحيد لونه. فهذه الوحدة – كما في حالة العسكر مثلاً –  إدراج مسبق للنساء في الجماعة وتغليب لرأي الجماعة وقولها على رأي كلّ منهن وقولها في أمر نفسها: مظهراً ومن ثمّ مَخْبَراً.
على الضفّة الأخرى، تقع على المرأة خسارةٌ وجودية أيضاً حين تّحْمَلُ، لسببٍ ما، على القبول بعرْض جسدها على الناظرين لغرض الترويج لسلعةٍ ما. وهذا مع أن إبراز الهويّة قد يكون مطلوباً هنا ومتحصّلاً بقوّة من كشف الوجه والجسد أو بعضهما. تبدو المرأة، في هذه الحالة، مروّجة أوّلاً لنموذج للجمال الأنثوي ويصبح رواج هذا النموذج الذي قد يتّخذ اسم هذه العارضة، بالذات، شرطاً لقدرة الإعلان على ترويج السلعة التي يقرن اقتناؤها أو استعمالها بصورة هذه المرأة وبالنموذج الذي تمثّله بالتالي. في كلّ حالٍ، ينحو استعمال صورة المرأة ههنا إلى اتّخاذها قالباً عامّاً أي شيئاً وينتهي مطافها إلى تحصيل الربح بصورتها للبائعين. وفي هذا ما يلحقها بالسلعة ويقرّبها هي نفسها من حال السلعة. فتلتقي المرأة المعروضة المرأةَ المحجوبة في وضع اضمحلال الشخصية، ولو بعد دورةٍ تامّة.
وفي الحالين، ينتهي ما قدّمناه إلى استبعاد المنع وإلى تجويز النقد. فلكلّ من وجد في نفسه الأهلية لذلك أن يظهر ما يلحق بالمرأة من خسارة لوجودها الشخصي أو خسارة منه في حالتي الحجب والعرض. ويفترض أن يكون النقد سبيلاً إلى التحرير حيث تكون خسارة الشخصية أمراً مفروضاً من جانب الجماعة. ولكن ليس لأحدٍ أن يجعل هذا النقد باباً لمنع امرأة بالإكراه من الاحتجاب أو من الاستعراض بحجّة أن المنع يحرّرها. فإن التحرير أمرٌ يُملى على الجماعة ولا يُكْره الفردُ إكراهاً على التحرّر بل تيسّر له السبل إليه.
أمرٌ أخير أردنا إبرازه هنا: وهو أن مناقشة مسألة السفور والحجاب في مجتمعٍ ذي وجهٍ إسلامي له مدخلٌ غير مدخل استعراض النصوص وتأويلها والنظر في ما تتّسم به من لَبْس وما تنطوي عليه من أمر أو نهي، من تحليل أو تحريم. ذاك هو المدخل الفلسفي المتعلّق بشروط تكوّن الشخصية الفردية ومزاولتها لحرّيتها. وهو المدخل الذي اخترنا تناول الموضوع منه هنا. ذاك مدخلٌ لا يوجب البحث الديني ولكنه لا يستبعده أيضاً. وإنما يمكن طرقه على المستوى الفلسفي من التناول الديني، أي على مستوىً أعمّ من مستوى القواعد الفقهية وأرفع.

– See more at: http://www.almodon.com/opinion/2013/5/31/%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%81%d9%88%d8%b1-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%ac%d8%a7%d8%a8-%d9%81%d9%8a-%d9%85%d8%a7-%d9%8a%d8%aa%d8%b9%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%b5#sthash.sSTTfBiU.dpuf

من أحوالِ إمبراطورٍ “سوريٍّ” قديم

http://www.almodon.com/opinion/5ab0c5ca-6d54-458d-a7ee-847baf1fed45

أحمد بيضون|الجمعة24/05/201

  في واحد من الدروس التي كان يلقيها في الـ”كوليج دو فرانس” (وهي تُجمع تباعاً في كُتُب)، يستذكر ميشال فوكو واقعة من سيرة سبتيميوس سفيروس: الإمبراطور الذي جلس على عرش روما في أواخر القرن الثاني وأوائل الثالث للميلاد. وهي أن المذكور كان يجلس لإصدار الأحكام وتصريف الشؤون المعروضة عليه في قاعة من قصره جعل سقفها على صورة سماء منجّمة. وكانت نجوم تلك السماء وكواكبها مختارة وموزّعة على الصورة التي كانت عليها السماء فعلاً في الليلة التي ولد فيها الإمبراطور. وفي علم النجوم عهدذاك (وبعدذاك) أن التشكيل الذي تكون عليه النجوم والكواكب عند ولادة الإنسان يبقى متحكماً في ما يحصل لهذا الإنسان من أمور وما يصدر عنه من أفعال مدّة حياته كلها. فيستوي ذاك التشكيل صورةً لقدَر هذا الإنسان أي لما هو مرسوم له ومنتظر منه بإرادة كونية لا شأن بها للبشر.
ويرى فوكو أن جعْل الإمبراطور قاعةَ حكمه على هذه الصورة كان القصدُ منه القول إن جلوسه على العرش الذي تبوّأ لم يكن نتيجة لأعمال عنيفة مألوفة قام بها الجنود وكان يحتمل أن تفشل أو أن لا تحصل أبداً، على ما كان معلوماً من الوقائع. وإنما كان هذا الجلوس أمراً مبرماً رسمته الأقدار العلوية. وما كانت تؤكّده سماء القاعة بشأن الجلوس كانت تقول مثله بشأن العزل. فهذا الأخير لم يكن شأناً يصحّ أن ينظُر فيه أو يبادر إليه مواطنو روما أو قادتهم. وإنما كان شأناً من شؤون السماء لا دخل لهؤلاء به ولا علم. تنتهي سماء تلك القاعة إذن إلى القول إن الإمبراطور باقٍ طالما شاءت السماء بقاءه وأن ليس للمحكومين إلا التسليم بهذا القدَر المقدّر والرضوخ لحكمه إلى ما شاءت النجوم والكواكب.
إلى ذلك، كانت سماء القاعة ترفع إلى مرتبة الأقدار المقدّرة ما كان الإمبراطور يصدره من أحكام وما كان يتّخذه من تدابير أو يعلنه من إرادة. فهذا كله كان محصّناً في وجه الطعن، من أية جهة ورد هذا الأخير، باستظلال التشكيل السماوي الذي رعى ولادة الإمبراطور. كلّ شيء يقال أو يُفعل الآن كان مرسوماً سلفاً في تلك السماء الظاهرة خريطتها في سقف القاعة. والاعتراض على شيء يقال أو يُفعل ههنا إنما كان اعتراضاً على إرادة السماء لا أكثر من هذا ولا أقلّ. فلم يكن جائزاً بالتالي أن يخطر الاعتراض ببال أحد…
شيء واحد كان يمثّل خللاً في هذه الحبكة المحكمة: وهو الموت. فالإمبراطور كان إنساناً خاضعاً لناموس الحياة والموت شأن كلّ إنسان. وكان وجود حدّ لحياته تضرب له السماء أيضاً ميعاداً بعينه يسفّه رغبته في البقاء جالساً على عرش روما إلى الأبد. وكان الدليل على ذلك أن الموت سفّه هذه الرغبة في البقاء الأبدي في أحوال من سبق هذا الملك من ملوك دون استثناء أحد منهم.
عليه بذل سبتيميوس سفيروس وسعه لإخفاء موته المقبل حتماً عن عيون الداخلين إلى قاعة حكمه وحمْلهم على نسيان عدوّه المطلق هذا. كان ركنٌ صغير من تشكيل السماء التي ولد الإمبراطور تحتها ينبئ، بحسب العلم السائر في تلك الأيام، بموت الرجل جاعلاً من رحيله ختاماً لرحلة المصير يحتّمه التقدير السماوي أيضاً ويتعذّر على البشر أن يلغوه أو يؤجّلوه متى حان حينه. هذا الركن المنبئ بموت الإمبراطور استثناه هذا الأخير من السماء المعروضة في سقف قاعة الحكم العامة وجعله لا يظهر إلا في سقف غرفته الخاصة التي لم يكن يدخلها إلا هو ونفر قليل من المقرّبين الخلّص إليه.
جلس سبتيميوس سفيروس على العرش الإمبراطوري الذي رقيه بعد انقلاب عسكري تافه أودى بسلفه برتيناكس، أقلّ من عشرين سنة بقليل. ولم يكن برتيناكس قد اعتمر التاج إلا أشهراً بعد اغتيال الإمبراطور كوموديوس. واضطرّ سبتيميوس سفيروس إلى مواجهة خصوم آخرين أيضاً لم يسلّموا بشرعيته وخاض حرباً أهلية لبضعة أعوام. وحين استقرّ به المقام، جعل المنصب الإمبراطوري ملكاً وراثياً مستخلفاً على العرش ابنيه كركلّا وجيتا. على أن كركلّا لم يلبث أن قتل أخاه بيده، وهو محتمٍ بحضن أمه، بعد موت الأب، وانفرد بالسلطان.
بقي أن نشير إلى أن سبتيميوس سفيروس ليبيّ الأصل، ولد في نواحي طرابلس الغرب من أبوين ذوي أصول مختلطة بعضها بربريّ وبعضها فينيقيّ وبعضها غاليّ. غير أن هذا الإمبراطور، وهو الأوّل يرتقي عرش روما من خارجها، يُعتبر مؤسس “السلالة السورية” من الأباطرة. فهو قد تزوّج من جوليا دومنا ابنة كاهن حمص الأكبر التي أصبح لها، في ظله وبعده، نفوذ عظيم. وهذا فضلاً عن تحدّره جزئياً من فينيقيّي قرطاجة الأفارقة.. ويذكر أن هياكل بعلبك التي استغرق إنشاؤها دهراً طويلاً بلغ تشييدها في أيّام هذا الإمبراطور بعضاً من محطاته الختامية.
خاب إذن مشروع الخلود أو السلطان “إلى الأبد” الذي حاول هذا الملك تجسيده في قاعة حكمه. وكان هو نفسه عالماً أن الموت مختبئ في غرفة نومه. وخاب أيضاً مشروع السلطان المطلق الذي لا يحتمل اعتراضاً. فإن دويّ الاعتراض قلّ أن عرف فتوراً في أيامه… ثم كان أن اشتعلت نار النزاع بين الغلامين الوريثين.
هذا كل شيء تقريباً. هذه، بناء على درس لفوكو، قصة إمبراطور ليبي سوريّ أخفق في الحكم إلى الأبد ولم يستقرّ به المقام في السلطان المطلق. من تراه يشبه هذا الليبي السوري؟ أعرف واحداً ليبياً وواحداً سورياً لا يخلوان من شبه به ولن أبوح باسميهما للقرّاء.

– See more at: http://www.almodon.com/opinion/2013/5/24/%d9%85%d9%86-%d8%a7%d8%ad%d9%88%d8%a7%d9%84-%d8%a7%d9%85%d8%a8%d8%b1%d8%a7%d8%b7%d9%88%d8%b1-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d9%8a-%d9%82%d8%af%d9%8a%d9%85#sthash.L9UeCNY1.dpuf

كاترين لو توما والتعليم الشيعي في لبنان

http://www.almodon.com/opinion/cf9a2f1a-987d-48a7-8f39-2f70683d17ef

صدرت مؤخّراً في كتاب رسالة الدكتوراه التي كانت الباحثة الفرنسية الشابة كاترين لو توما قد كرّستها للمدارس الشيعية في لبنان. وعلى جاري العادة التي باتت تزكّيها الرغبة في تقليص كلفة النشر، يستثني الكتاب الذي نشرته دار كارتالا الباريسية بعض ما كانت تضمه الرسالة من موادّ أو يختصره. وهو يبقى، على الرغم من ذلك، كتاباً كبيراً، دسم المحتوى. وكنت قد واكبت، على الأرض، جهود هذه الباحثة من أوّل مسارها إلى آخره واشتركت في لجنة المناقشة التي انعقدت في معهد العلوم السياسية في باريس في أوائل سنة 2009   وكان تقديري وما يزال أن هذه الرسالة مدعوّة إلى تبوّء مرتبة معتبرة بين أفضل ما كرّس لشيعة لبنان من بحوث جامعية تكاثرت في العقود الثلاثة الأخيرة. فهي تقارب من المستوى الأعمق أو الإستراتيجي، وهو مستوى إعداد البشر الناشئين والتصرّف بهم، ما شهدته الطائفة الشيعية من تحوّل يعتبر أهمّ التحوّلات التي كان مجتمع لبنان المعاصر غرضاً لها في نصف القرن الأخير. ويصحّ اعتبار هذا التحوّل أيضاً أهمّ امتحان أو محنة تعانيه قابلية النظام الطائفي اللبناني للتكيف بما يشهده المجتمع من تغيير. ولا حاجة إلى القول أنه، أي التحوّل، يمتحن في ما يمتحنه مستقبل العلاقات بين الطوائف ومستقبل الدولة. تستقصي الباحثة هذه الطفرة في مضمار التنشئة على صعيدين متكاملين: صعيد المؤسسات التي أتاح تكاثرها توسيع نطاق التحوّل ونشْر مفاعيله وصعيد التصوّرات التي منحت التحوّل مضامينه وأملى تنوّعها النسبي تنوّع وجهاته. لهذه الغاية، تَسوق لو توما بحثها مُجيدةً التصرّف بمقادير هائلة من المعلومات استقتها من مصادر بيّنة التنوّع. وهي تُدْرجها في خطّة محكمة للتحليل فتبرز ما بينها من تكامل للعيان. فعلى المستوى الحسّي، يستوي التأريخ لتشكّل الشبكات والتحقيق بالاستمارات إطاراً للتحليل الدقيق الذي تخضع له معطيات أتاحتها مقابلات وافرة العدد جدّاً ومعها، على الخصوص، الملاحظة المباشرة. وكانت المثابرة في الإقامة على أرض الموضوع المستهدف تقترن بالاستكشاف المنظّم لما نشر وما لم ينشر من كتلة وثائقية هائلة الحجم متعلّقة بالمجتمع اللبناني وبنظامه السياسي، فيقوّيان ألفة الباحثة لموضوع البحث ويعزّزان فرص الفهم الصائب للوقائع وللنصوص. هذا ولم تكن السبل مفتوحة أمام البحث الميداني الذي اعترضته تحفظات كثيرة من جانب الجهات المعنية به. وهي تحفظات تركت أثرها في التحقيق بالاستمارات فجاء من جرّائها غير خالٍ من الثغرات. وعندما حيل بين الباحثة ودخول بعض المؤسسات دارت حول العقبة بالاستكثار من المقابلات وتنويعها وبتفحّص ما تنشره تلك المؤسسات من نشرات ومجلات وباللجوء إلى مصادر غير مباشرة للمعلومات. وتلفت الصفحات ذات المنحى المقارن بوفرة المعطيات المتحصّلة مما يتعلّق بالشبكات والمؤسسات المدرسية غير الشيعية (السنّية، الدرزية، الكاثوليكية…). فلم تكتفِ الباحثة ههنا بما هو متاح من معطيات متّصلة بالملامح الكبرى وإنما قصدت الأمكنة المعنية في جميع هذه الحالات واعتمدت على معلومات طازجة، مستقاة من المصدر الصالح مباشرة لترسم لنا ملامح “الجو” في كلّ مؤسسة زارتها. وتتمثّل أهمّية هذه الرسالة في أنّها تبرز تنوّع الشبكات والمؤسسات المتناولة وتنوّع الطائفة الشيعية اللبنانية، بالتالي. ولكنها، إلى ذلك، تدرج المدرسة إدراجاً تامّاً في مشروعات اجتماعية سياسية متباينة يبدو أحدها (وهو مشروع حزب الله) أكثرها صراحة وتماسكاً واطمئناناً إلى إمكاناته. وعوض أن تعمد الباحثة إلى تكرار الكلام على انخراط المدرسة في حقل تكثر فيه وجوه الاتّحاد بين السياسي والديني على أنه تحصيل حاصل، نراها تدأب في الإنشاء الحسّي لصورة هذا الانخراط وتظهره في تجلّيه العملي. وتبتعد المقاربة النظرية المعتمدة ابتعاداً بيّناً عن مقاربة مدرسةٍ بعينها من مدارس علم الاجتماع التربوي (فرنسية، بالدرجة الأولى)، على الرغم من أن هذه المقاربة الأخيرة تملي أطر التحليل المنتحلة من جانب كثير من الأعمال اللبنانية المتعلقة بالمدرسة. فنحن ههنا بمنأى من “إعادة إنتاج علاقات الإنتاج” التي يفترض أنها تتحصّل بالاصطفاء المدرسي وبإحكام الربط ما بين ترسانة من مسارات الإعداد المتراتبة وبنى السوق. وذاك أن عمل المدرسة الشيعية أقرب بكثير إلى الاندراج في منطق للتغيير يمثّله مشروع التبلّر والتعبئة الطائفي. عليه لا تشدّد الباحثة على المضامين الاجتماعية التقنية ولا الاجتماعية الاقتصادية لمسارات الإعداد وهي المضامين التي تشكّل “عادةً” مادّة التعليم الأساسية ولكنها، في الحالة المدروسة، تبدو “محيّدةً” إلى حدّ ما.  عوض التشديد على هذه المضامين، تلتقي الباحثة “المهمّة” السياسية التربوية التي تضطلع بها المدرسة الشيعية الجديدة في وجوه أخرى من “السيرة” المدرسية للتلامذة ومن “العمل” الاجتماعي السياسي الذي يخضعون له في المدرسة. هذا العمل يأتي مساوقاً، في كثرة من الحالات، لعمل العائلة ولعمل المؤسسات الدينية والتنظيمات السياسية ويرسّخ تأثيرها جميعاً. لذا تعمد هذه الرسالة إلى التشديد على تدريس موادّ تعتبر ثانوية المكانة إجمالاً في البنية “العادية” للمسار المدرسي. فيحتلّ المكان المتصدّر من عناية هذه الرسالة تدريس الدين والتاريخ والتنشئة “المدنية” أو “الوطنية”. ولكن يتصدّر هذه العناية، أيضاً وعلى التخصيص، مجموع النشاطات اللاصفيّة من كشفية واحتفالات مختلفة ومسرح، إلخ. ولا يأتي هذا التصدّر نتيجة اختيار تحكّمي من جانب الباحثة. وإنما تسوّغه مكانة عظيمة تتبوأها هذه الموادّ والنشاطات في العديد من المؤسسات التي تناولها البحث. ويسوّغ التصدّرَ نفسه أيضاً أن هذه الموادّ والنشاطات يصدي بعضها لبعض وتتشكّل منها شبكة رمزية شديدة الأسر تسند، على ما سبقت الإشارة إليه، عمل مؤسسات اجتماعية أخرى. وإذ تعوّل الباحثة على فهمها نمط الانخراط هذا، تنتهي إلى ذكر “مشروع المجتمع” الذي ترى أن المدرسة الشيعية الجديدة تمثّل جزءاً لا يتجزّأ منه. وهي لا ترى موضوع بحثها، أي المدرسة، كافياً لوصف حصري لهذا المشروع ولا تعتبره، من باب أولى، أساساً يصلح وحده لتقويم حظوظ النموّ التي يتوفّر عليها المشروع ووقعه على المجتمع والدولة اللبنانيين. على أن هذه الرسالة تستوي، من الآن فصاعداً، مرجعاً لا تجوز الإشاحة عنه لكل محاولة ترمي إلى التحليل المحسوس لهذا الوقع. أخيراً، نرى الجرأة الفكرية التي أتاحت لهذه الباحثة الشابّة أن تبتعد عن المسالك المطروقة في علم الاجتماع التربوي في فرنسا متجلّية، على الأعمّ، في ما يسعنا أن نسمّيه مقاربة اختبارية للتصوّرات. ذاك نوع يقتدى به من اليقظة يجنّب هذه الباحثة ما يتقدّم على أنه “ملبوس فكريّ جاهز” ويبعدها أيضاً عن الأشراك التي لا تتورّع النظريات السائرة عن نصبها لمن يتناول موضوعاً لا يزال جديداً. بل إن هذه الباحثة توحي هنا وهناك بشعورها التامّ بحدود الفاعلية التي لعدّتها النظرية. وهذا على الرغم من الموهبة المؤكّدة التي يدلّ عليها تصرّفها بهذه العدّة. كتاب لا يقرأ وحسب، بل يرجع إليه عند كلّ رجوع إلى أطوار التشكيل الطائفي للمجتمع اللبناني المعاصر ولشيعته على التخصيص.     – See more at: http://www.almodon.com/opinion/2013/5/17/%d9%83%d8%a7%d8%aa%d8%b1%d9%8a%d9%86-%d9%84%d9%88-%d8%aa%d9%88%d9%85%d8%a7-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b9%d9%84%d9%8a%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d9%8a%d8%b9%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d9%84%d8%a8%d9%86%d8%a7%d9%86#sthash.62A5nmlo.dpuf

السياسةُ غباءً وذكاءً وغيرَ ذلك…

http://www.almodon.com/opinion/779f4a4d-f9c5-4366-acc4-d5f16581eca7

كثيراً ما يلجأ متعاطو التحليل السياسي (فضلاً عن السياسيين أنفسهم) إلى مقياس الخطأ والصواب للحكم على موقف أو عمل سياسي. يتبع ذلك تشديد معتاد أيضاً على البراعة السياسية يُنعت بها (أو بعكسها) هذا أو ذاك من السياسيين. وقد يصل الإعجاب إلى حدّ القول بـ”عبقرية” السياسي موضوع الحديث وإن تكن صفة “العبقرية” هذه تدّخر عادة لبعض الماضين فيندر إطلاقها على من لا يزالون من السياسيين في الخدمة. بخلاف ذلك، يُستسهل قذف الحاضرين بصفة “الغباء” أو بما يعادلها إذا كانت الخيبة قد حصلت لسعيهم أو كانت منتظرة له. وقد يكفي لاستدراج هذا النعت مخالفتهم لهوى المحلل أو المقوّم في موضوع من موضوعات السياسة أو مجال من مجالاتها. الأرجح أن ثمة إفراطاً جسيماً في تقدير صلاحية الخطإ والصواب أو دور الذكاء والغباء عند النظر في أمر فعل سياسي وتقويمه: إما بناءً على نتائج الفعل الحاصلة وإما تقديراً من جانب المقوّم لنتائج يراها متوقعة للفعل… وكثيراً ما تزين له توقّعها سيرة الفاعل والموقعُ والأسلوب المألوفان له. الأرجح أن السياسي لا يكون في معظم الحالات مطلق التصرف إلى الدرجة التي تبيح له أن يصيب أو يخطئ. فإن ثمة عوامل وبواعث تخطئ عنه أو تصيب وتفتح باب البراعة قليلاً أو كثيراً أو هي تقضي بالتخبط وتوقع ضحيتها في شبهة الغباء. الأرجح أن العبقرية لم يكن لها ما ينسب إليها من نصيب في نجاح من سايره النجاح قليلاً أو كثيراً في مساره السياسي أو في خطّه في الحكم وقيادة الدولة. ولكان صواب المستشارين (أو الوزراء أو الوعّاظ، إلخ.، في ما مضى) وذكاؤهم المفترض يعوّضان غباء الحاكم ويدرآن خطأه من حين إلى حين لو كانت هذه هي الرياح التي تجري فعلاً بسفينة السياسة. لا يعني هذا أن الذكاء والغباء لا يعودان على صاحبهما من الساسة بنفع ولا بضرر. فإن دورهما متّصل، في الواقع، بصفة أساسية للفعل السياسي هي صفة “الإمكان”. و”الإمكان” هنا محمول على معناه في المصطلح الفلسفي وهو خلاف “الوجوب”. الذكاء مهمّ لأن الأسانيد التي يتكئ عليها مشروع الفعل هي في العادة ناقصة ومختلة. فإن الفاعل لا يرى من موقعه إلا جوانب دون أخرى من ساحة الفعل ومما هو جارٍ فيها. وهو يجد نفسه مأخوذاً في تيار حوادث دينامي متّصل حكماً بما سيأتي. ولكنه – أي الفاعل السياسي –  لا يحيط بما هو محتمل الحصول في هذا الآتي ولا، على الأخصّ، بما سيبدر من فاعلين آخرين محكوم عليهم هم أيضاً بالتصرف في ظروف تتّسم بالهشاشة: بضعف الرؤية ونقص المعرفة والتقلب بين الاحتمالات…  هذا كله: أي صفة “الممكن” الذي يبقى غيره أو خلافه “ممكناً” أيضاً… صفة الخلوّ من البديهة أي من حالِ ما “يجب” فعله ولا “يجوز” فعل غيره… هو ما يمنح الذكاء ومعه ما قد يتاح أو يحصّل من معرفة بوقائع الساحة وما جرياتها مكانة تبقى لها أهمّيتها وإن تكن، على ما ذكرنا توّاً، بعيدة عن الاستئثار بالتحكم في مسار العمل السياسي ومصيره. الحاصل أننا إذا نظرنا بما يكفي من إمعان في ما يجعل التصرّف السياسي لحزب أو لشخصية سياسية أو لجماعة حاكمة يبدو واضح الغباء والغربة عمّا تدّعى خدمته من مصلحة لرأينا أن مصدر الخلل ليس عسر التمييز بين الصواب والخطإ في المسألة المطروحة، إذ يكون هذا التمييز في كثير من الحالات هيناً للغاية. وإنما نقع على الخلل الذي يمنع الإعراض عن الخطإ واتّباع الصواب ماثلاً في الواقع المركّب للفعل السياسي وفي الكثرة المباشرة أو غير المباشرة التي تلازم فاعليه. فالفعل ينطوي في تكوينه على مصالح لفاعلين مختلفين. وهذه المصالح لها  صوابها وخطؤها الخاصّان بها أو بكلّ منها. وهذان الخطأ والصواب، في صيغهما المفردة أو المجتمعة هما غير الخطإ والصواب اللذين يصحّ أن ينعت بهما الفعل في جملته والفاعلون بعمومهم.  ههنا يأتي تفاعل المكوّنات بحصيلة عامّة مختلفة عن تلك المرغوبة. ولا يستبعد أبداً أن يصحّ نعت هذه الحصيلة المغايرة بالغباء. ولكنه غباء ناشئ من ذكاء أفرقاء ذوي مصالح يعرف كلّ منهم حقّ المعرفة ما يريد ولا تصح فيهم صفة الغباء متفرّقين صحتها فيهم مجتمعين. في كثير من الحالات أيضاً يتعايش الغباء والذكاء بحكم التخالف ما بين مقياسيهما الزمنيين. فيكون السلوك الذي يبدو غبياً، في المدى البعيد، سلوكاً حاذقاً، وافياً بغرضه في المدى القريب. ويكون هذا الغرض القريب هو الهمّ الفعلي لهذا الفاعل. وأما الغرض البعيد، وهو عادةً ما تتوخّاه الجماعة الأوسع، فيرى بعض أطراف هذه الجماعة أن في وسعهم القبول بفواته. ويكون بعد ذلك ما يكون. وأما مرادنا من هذا الكلام فهو أن يشعر القارئ بوخزة تستوقفه حين يقع على نعت لسياسي ما أو لعمل من أعماله بالسفاهة أو بالعبقرية. مرادنا أيضاً (وهذا أعسر منالاً) أن نستوقف المحللين السياسيين كلما راحت تغريهم هذه الفئة من الأوصاف (وهو ما يحصل كثيراً)، لعلّهم يميلون إلى شيء من الروية في استعمالها. فلا يطلقونها جزافاً، تحصيلاً لاعتداد بالنفس لم يبذلوا من الجهد ما يكفي لاستحقاقه. بل يسلّمون بأن عليهم أن يلزموا جانب الخشية من أن يقعوا هم أنفسهم في شرّ ما يطلقون.             – See more at: http://www.almodon.com/opinion/2013/5/10/%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d8%a7%d8%b3%d8%a9-%d8%ba%d8%a8%d8%a7%d8%a1-%d9%88%d8%b0%d9%83%d8%a7%d8%a1-%d9%88%d8%ba%d9%8a%d8%b1-%d8%b0%d9%84%d9%83#sthash.4Z8BRxEX.dpuf