في تحرير ميشال شيحا والتحرّر منه

<a href=”https://1drv.ms/w/s!AvUcgPIiFRyrg4I2ZTpOoqhKcoIBeA”>https://1drv.ms/w/s!AvUcgPIiFRyrg4I2ZTpOoqhKcoIBeA</a&gt;

في تحرير ميشال شيحا والتحرّر منه

أحمد بيضون

 

أكْرَمَتْني مؤسّسة ميشال شيحا اليوم بتكليفي مخاطبة هذا الاحتفال البهيج بالفائزين في مسابقتها لهذه السنة من أحبّتنا شبّاناً وشابّات. وكانت المؤسّسة قد أكرمَتْني بعضويّتها قبل أعوام كثيرة فتقبّلَتْ معي ومع ترجمتي لبعضٍ من أعمال شيحا ما في علاقتي بالشيحية من علّاتٍ يعرفها قرّائي…

ولأبدأْ بملاحظةٍ تلحّ عليّ كلّما قرأت كلاماً يتعلّق بهذا المفكّر. ذاك أنه من بين الأسماء التي أَلِفَ الاعتزازَ بها سجلُّ الفكر اللبناني المعاصر، قلّ أن تعرّض عَلَمٌ إلى “التصنيم” أي إلى الانقلاب وَثَناً أو صورةً ميّتة، في الأقلّ، مختصرةَ الملامح ومحبوسةً في إطار، بقَدْر ما تعرّض ميشال شيحا. فحالَما يُذْكَرُ الرجلُ تحضر ألفاظٌ أو عباراتٌ محدودة العدد للغاية وحَمّالةُ أَوْجُهٍ يُردُّ إليها فكرُه ودوره: فينيقيا والمتوسّط، الدعوة اللبنانية وصيغة التعايش الطائفية، مديح المبادرة الفردية والحذَر من دور اجتماعيّ اقتصاديّ للدولة والميل إلى تغليب التجارة والخدمات الموجّهة نحو الخارج في النظام الموسوم بالاقتصاد الحرّ… هذا كلّ شيءٍ تقريباً. وأمّا أدوار شيحا في الحياة العامّة، في ما يتعدّى مقالاته ومحاضراته، فيكاد لا يُذكر منها سوى إسهامه البارز في وَضع الدستور اللبناني سنة 1926. وقد تُستذكَر معارضتُه تجديدَ الولاية للرئيس بشارة الخوري، متجاوزاً منطق القُرْبى وطول العشرة، مؤثراً، على وجه التحديد، منطق الامتثال للدستور الذي أسهم في وضعه.

وما أريد قوله ليس أن شيحا لا مسؤولية له عن هذه التوجّهات وما يتّصل بها من مسالك في السياسة ومن وقائع بالتالي في تاريخ لبنان المعاصر، خيراً كانت تلك المسالك وهذه الوقائع أم شرّاً. ولا يفوتني ما ينسجه حول الرجل من هالةٍ اقترانُ اسمه بأمورٍ ذكَرْتُها لها ما لها من وقع متمادٍ على حياة اللبنانيين جملةً وتفصيلاً. وإنما أريد القول أن هذا التعداد يحجب ميشال شيحا نفسه أي المخاضَ التاريخي الشخصي الذي كانته حياتُه الفكرية وما مثّله هذا المخاض من تحوّلاتٍ بين مرحلةٍ ومرحلة. وهذه تحوّلاتٌ لم تكن تخلو أبداً من إعادات نظرٍ يمكن ان يُحمَل بعضٌ منها – وهو بعضٌ ليس بقليل الأهمّية – على مَحْمَل مخالفة النفس والانصراف عن سابق الموقف. هذه التحوّلات كانت تاريخية بمعنى الكلمة المليء: أي أنها مَثّلَت صدوعاً بما كان يكشفه تغيّر الأحوال العامة لهذا الصحافي الدقيق الإصغاء إلى حركة الحوادث. فكان لا يأنف من ترك رأيٍ سبق أن رآه ومن الانعطاف برؤيته نحو ما يشتمل على التحوّل الجاري ويلتمس موقعاً جديداً منه.

بعيدٌ ميشال شيحا بالتالي عن ان يكون تمثالاً قصارى دوره ترداد بضعة عناوين أو وصايا من أوّل زمانه إلى آخره ناهيك بمواصلته تردادها من أوّل زمان هذه البلاد إلى يومها الحاضر وإلى المقبل عليها من عهود.

وفي زعمي أن التحوّلات التي عمِد إليها الرجل أو عاناها إنّما هي، لمن يتقرّاها، ما هو حيٌّ في الفكر الشيحي. وهي أيضاً ما يأذن بموقفٍ من هذا الفكر يتعدّى الامتثال والاتّباع إلى المحاورة والنقد، سواءٌ أكان الشأن شأنَ الأطوار التي عاينها شيحا نفسه أم شأنَ ما استُجدّ بين رحيله وأيّامنا هذه. وهذا مع العلم ان المحاورة والنقد هما خير السبل – بل لعلّهما السبيل الوحيد – للإفادة من إرث هذا المفكّر. ونحن حين نعلم أنّه لم يكن ليقبلَ التجمّد عند رأي أو موقف انقضت مدّة صلاحه نعلم أيضاً أنه ما كان ليرتضي هذا التجمّد لأحد من الحريصين على إرثه ناهيك بسواهم.

هذا ولا تتّسع عجالتي اليومَ لاستذكار تحوّلات شيحية مختلفة سبق أن عرضتُ لبعضها في أعمالٍ لي قديمة. فأكتفي بإشارة أو اثنتين أرى لهما وجاهة محقّقة. في سنة ١٩١٩، كان لبنان لا يزال في نصّ لميشال شيحا “بروفانسا المشرق”.  في عهدٍ لاحق، استحقّ لبنان، عند شيحا لقباً آخر هو “سويسرا الشرق”… وهذا لقبٌ جاء موعوداً بتداولٍ مديد لا يزال مستمرّاً حتى اليوم وإن تكن خالَطَتْه في العقود الأخيرة نبرةُ سخرية.

في اجتهادي أن هذه النقلة تمثّل تحوّلاً ذَا أهمّية في نظرة شيحا إلى البلاد. وذاك أن اعتماد بروفانسا كان فيه التفاتٌ غالبٌ إلى الموقع المتوسّطي وإلى البيئة الطبيعية، وكان فيه، على الأخصّ، إظهار للولاء الشيحي العميق للدور الذي كانت فرنسا مقبلة على الاضطلاع به في المشرق. كان المتوسّط لا يزال، عند شيحا، بحيرةً لاتينية وكان التقرّب من “الغرب اللاتيني” هو المراد، ولم يكن التعدّد اللبناني غالباً بعد على تفكير شيحا. هذا التعدّد هو ما تستحضره الكناية السويسرية. فسويسرا ما هي بالبلاد المتوسّطية، وإنما هي بلادٌ متعدّدة الأقوام وهي بلاد جبلية. عليه أرى في اعتماد الكناية بها استيعاباً واضحاً، لم يكن له حضور في فكر شيحا الأوّل، للجبل اللبناني بتعدُّد طوائفه وبغلبته على خريطة لبنان السياسية وقاعدة نظامه الاجتماعي السياسي. لم يكن هذا من جانب شيحا تخلّياً عن المتوسّطية. فهذه بقيت حاضرةً جدّاً في نظرة الاقتصادي على الخصوص. ولكن التحوّل إلى سويسرا كان استيعاباً صعباً لحقيقة التعدّد. وتعود صعوبة هذا التوسّع إلى ما التفت إليه ألبرت حوراني لاحقاً من عُسرٍ شديدٍ في العلاقة بين معنيَيْ لبنان: البحريّ والجبلي.

إشارةٌ أخرى إلى مخاضٍ آخر في الفكر الشيحي هو مخاض الطائفية السياسية. راح ميشال شيحا يُبْرز المجتمع اللبناني على أنه مجتمع “أقلّياتٍ متشاركة” وقصد بها طوائف البلاد. واقترح شيحا أن يبقى مجلس النوّاب ساحةَ حوارٍ بين الممثّلين السياسيين لهذه الجماعات. فقد كانت تلازم شيحا خشيتان: الخشية من انتقال المسرح السياسي، بما يلازمه من تنازعٍ، إلى الشارع والخشية من أن يحلّ “الهيكل” محلّ المسرح السياسي فتؤول السياسة إلى نزاعٍ ديني يستولي على مقاليده المقلنسون والمعمّمون. عليه كانت الطائفية السياسية، في عرف شيحا، درأةً من النزاع السياسي أو الديني بين الطوائف.

هذا كلُّه صحيح. ولكن لهذه الصحّة، عند شيحا، نطاقَها المرسوم. وما لا يُلْتفت إليه، على الإجمال، هو أن تطييف السلطة التنفيذية كان إجراءً مؤقّتاً في الدستور الذي أسهمَ شيحا في وضعه. وقد بقي هذا التطييف، بما فيه تطييف الإدارة، موضوعَ تبرُّمٍ صريح في غير مقالةٍ شيحية لاحقة. هذا في أيّامٍ كان فيها نظام الطائفية السياسية متّسماً بقدرٍ من التمكّن وقدْرٍ من التعثّر لا يتجاوزان مألوفَ الأنظمة السياسيّة على اختلافها. فما الذي كان سيقوله هذا الرجل في نظامٍ أثمر حرباً طائفيةً مديدة بعد عقدين على غيابه وأثمر قبل الحرب وبعدها تبعيّات طائفيةً لقوى الخارج لا يسهل التمييز بينها وبين ما يُطلق عليه اسمُ “العمالة” وأثمر تعذّراً للمحاسبة السياسية والقانونية يتيح بلوغ الفساد، ومعه التبعية، إلى ذرى مطلّة على الخراب المهول. وهو قد أثمر، إلى ذلك، تعسّراً غير مألوف لتجديد مؤسّسات الحكم، على اختلافها، بحيث أصبح يتأخّر عن مواعيده، بانتظام، أشهراً وسنوات… ثمّ يأتي بهيئاتٍ لا تعدو سيرتُها استئنافَ المآزق… ما كان شيحا إلا ليثابر على ما سمّاه الدستور “التماس العدل والوفاق”. ولكنه لم يكن ليتجمّد، في ما يتعدّى ذلك، عند موقف له أو خيارٍ كائنةً ما كانت أبوّته له.

في عملٍ سابق لي، شدّدتُ على الاستيعاب وتوسّع النظرة بما هما سِمتان لحركة الفكر الشيحي من أطوارٍ له إلى أخرى. فذكرتُ، على الخصوص، كيف أن محاضرة ألقاها شيحا في الندوة اللبنانية قبْلَ غيابه بسنةٍ واحدة، أبرزَت اعتباراً لم يكن متحصّلاً له تحصّلاً جليّاً من قَبْلُ لمعطياتٍ هائلة الحجم والوقع من قبيل الإسلام والعروبة وضفّة المتوسّط الجنوبية. كانت مياه كثيرة قد جرت تحت الجسور، على قول الفرنسيس، وجرى معها الفكر الشيحي بين سنة ١٩١٩ وسنة ١٩٥٣… ولكن هذا الاستيعاب ما كان إلا ليُبرز العسر الذي تلقاه هذه البلاد في عيشها عند تقاطع هذا كلُّه. كان شيحا يُسمَّي هذا العسر “العيش في خطر” ويرى فيه نوعاً من القدَر ويدلي بصدده بآراءٍ لم يَفُتْه أنها كانت هي نفسها في خطر. كانت الحرّية قطباً للفكر الشيحي… فلا يجوز لنا اليوم، وللشباب منّا على الخصوص، أن نقرأ شيحا ولا أن نواجهَه إلّا بعَيْن الحرّية.

شكراً لإصغائكم!

(أُلقِيَت هذه الكلمة في الاحتفال بتوزيع جوائز ميشال شيحا في بيروت، فندق البريستول، يوم 13 أيّار 2017)

 

Sykes-Picot entre Mythe et Histoire

 

 

Sykes-Picot entre Mythe et Histoire[1]

Ahmad Beydoun

 

Depuis juin 2013, Daech – c’est l’acronyme arabe du groupe djihadiste qui s’est autoproclamé ‘État islamique’ – prétend avoir annihilé le tracé Sykes-Picot de la frontière syro-irakienne en prenant de force le contrôle d’un territoire enjambant la frontière effective entre les deux États. Il arrive aussi que des commentateurs hostiles à ce groupe prennent cette déclaration pour argent comptant. Or il serait plus exact de dire que l’exploit de Daech a plutôt rapproché la frontière en question de ce qu’elle devait être selon l’Accord. En effet, le vilayet ottoman de Mossoul que Daech a réuni avec une partie de la Djézireh syrienne de l’Euphrate étaient déjà promis par l’Accord Sykes-Picot à faire partie de la Syrie si tant ce nom désignait exclusivement la zone d’influence française dans l’État arabe alors envisagé. La province désertique al-Anbâr, également sous la coupe de Daech pendant un temps, était intégrée sur la carte Sykes-Picot dans la partie sud du soi-disant ‘État arabe’, partie destinée, selon l’Accord, à être une ‘zone d’influence’ britannique. En fait, au bout de tergiversations qui traînèrent jusqu’en 1926, Mossoul et le vilayet du même nom (de même qu’al-Anbâr) furent annexés au nouveau Royaume irakien, bien au mépris de l’Accord.

 

Dans l’ensemble, la frontière internationale qui sépare l’Irak de la Syrie ne présente guère de ressemblance avec la ligne qui, selon l’Accord, devait diviser l’’État arabe’ en deux ‘zones d’influence’ : anglaise et française. On ne trouve aucune trace sur la carte jointe à l’Accord de l’État jordanien ni de celui du Liban. Ce qu’on peut appeler ‘Palestine’ sur cette carte n’est, en fait, que la moitié nord de la Palestine qui devait bientôt voir le jour : moitié que l’Accord place, d’ailleurs, sous tutelle ‘internationale’!    L’Accord fait de la plus grande partie de l’Irak actuel : soit les deux vilayets ottomans de Bagdad et de Bassora une zone de gouvernement britannique direct. De cet Irak amputé de Mossoul et d’al-Anbâr, il exclue, entre autres, Samarra et Kirkouk qu’il joint à la Transjordanie et au sud de la Palestine pour en faire une ‘zone d’influence’ britannique et non de contrôle britannique direct puisque faisant partie de l’État arabe’ projeté.

 

Très différente de la Syrie actuelle, la Syrie de l’Accord correspondait sans doute à la région nord de l’’État arabe’ en question : région qui, jointe (ainsi que nous l’avons déjà signalé) au vilayet Mossoul, devait constituer la zone d’influence française. Destiné à un sort analogue à celui des vilayets de Bagdad et de Bassora à l’est, le littoral syrien qui comprenait, à l’ouest, les districts du vilayet ottoman de Beyrouth : districts parallèles aux ‘quatre villes de Syrie’, c’est-à-dire à Alep, Hama, Homs et Damas, devait être soustrait, lui aussi, au susdit ‘État Arabe’ pour être assujetti, avec le Mont-Liban, au contrôle direct de la France. Là aussi, ce ne fût pas le cas sur le terrain. Le sort du ‘Grand Liban’, placé sous mandat français, s’avéra différent de celui du ‘Territoire des Alaouites’ soumis à une administration française directe. Finalement, en 1936, un remembrement eut lieu des entités syriennes dont les statuts hétérogènes avaient été jusque-là un facteur de désordre non exempt de velléités centrifuges. Il faut ajouter que la formule du ‘mandat’ était encore inconnue des auteurs de l’Accord Sykes-Picot ; elle ne devait être inventée qu’en 1919 lors de la création de la Société des Nations. Les mandats furent attribués un peu plus tard lors de la conférence de San Remo.

 

Bien plus, la zone d’administration française directe prévue par l’Accord s’aventurait vers le Nord dans l’Asie mineure englobant une partie considérable de l’Anatolie du Sud, approximativement bornée à l’Ouest par les villes d’Adana et de Mersin, au nord par Sivas et à l’Est par Diyarbakir. Sur la carte jointe à l’Accord, aucune ligne ne sépare cette région anatolienne des districts du littoral syrien. Notons, au passage, que cette absence de frontière comble le vœu de comprendre la Cilicie dans la Grand Syrie : vœu exprimé surtout par le Parti Populaire Syrien (PPS) fondé dans les années 1930 par le Libanais Antoun Saadé. Ce qui n’empêche nullement ce parti d’être le porte-drapeau des détracteurs de l’Accord Sykes-Picot. Quoiqu’il en soit, le vœu en question ne put s’incarner sur le terrain. Cette région devint en définitive partie intégrante de la nouvelle République turque, suite à la Guerre de l’Indépendance menée par Mostafa Kemal et à la correction du Traité de Sèvre conclu en 1920 par le Traité de Lausanne signé en 1923.

 

L’intégration de l’Arménie dans la zone d’influence russe ne s’est pas réalisée non plus. Elle était prévue par l’entente tripartite entérinée au bout de négociations parallèles à la gestation de l’Accord Sykes-Picot. Cette entente accordait à la Russie Istanbul même… ou plutôt Constantinople puisque ce nom ‘orthodoxe’ que la capitale ottomane n’avait jamais oublié devait être de nouveau exalté. En effet, la Russie nourrissait, entre autres désirs, celui de s’emparer d’Istanbul et de sa région européenne… De plus, une zone d’administration directe flanquée d’une zone d’influence était réservée à l’Italie dans le Sud-ouest de l’Asie mineure… De tout cela, il ne fut plus question. D’une part, la Russie bolchévique s’était retirée, bel et bien, de la guerre. Elle avait dénoncé l’Accord pour ce qui la concernait et l’avait révélé aux regards du monde entier. D’autre part, les ambitions multilatérales relatives à l’Anatolie avaient été contrées par une résistance turque acharnée et finalement victorieuse…

 

Ajoutons également l’annexion au Liban de districts de la Syrie ottomane : annexion qui a modifié le tracé Sykes-Picot de la frontière entre l’’État arabe’ et la ‘zone d’administration française directe’. À ne pas oublier, non plus, la modification, au milieu des années 1920, de la frontière libano-palestinienne et les changements (infiniment plus importants) advenus au cours des deux décennies suivantes : la cession du district d’Alexandrette à la Turquie en 1939 et la naissance, en 1948, de l’État d’Israël en Palestine : développements que l’Accord Sykes-Picot et la carte qui lui est adjointe ne laissaient nullement prévoir.

 

Il ne semble pas faux de dire que la Déclaration Balfour, survenue en novembre 1917, marquait déjà un retrait britannique par rapport à l’esprit Sykes-Picot. Au sujet de la Palestine, l’Accord était mu par une logique axée sur la notion chrétienne de ‘Terre Sainte’. D’où la recommandation d’une tutelle internationale qui devait traduire l’intérêt porté à ce pays par des Églises et des États de confessions diverses… Cependant l’Accord n’oubliait guère les communications commerciales et militaires : soit le besoin qu’avaient la Grande Bretagne et la France des ports de Haïfa et d’Acre et la nécessité de répartir entre les deux puissances les droits sur les lignes de chemin de fer qui traversaient les provinces arabes de l’Empire ottoman… C’était là une logique qui, dans la mesure où elle tenait compte de la multiplicité des parties impliquées dans l’enjeu palestinien, s’écartait de la logique du ‘Foyer national’ prôné par la fameuse ‘Déclaration’.

 

Où sont donc les ‘États Sykes-Picot’ qu’aujourd’hui on prétend promis à la partition ou à la disparition ? Et où sont ces frontières annoncées par la carte Sykes-Picot qui seraient aujourd’hui transgressées ou gommées ici ou là ? En fait, les uns et les autres n’existent que dans les divagations d’une presse trop pressée et dans la rhétorique de nationalistes dont les rancœurs persistantes se nourrissent de l’idée d’un ennemi qui se reproduirait inlassablement perpétuant, dans chaque génération et dans chaque nouveau cas, son image première. L’Accord Sykes-Picot est surtout un mythe qui convient au halètement de commentateurs emportés autant qu’il réactive la vieille colère des opprimés.

 

Il reste possible, bien évidemment, de mettre en avant le statut de symbole, très convenable à cet Accord, d’une entente des puissances coloniales désireuses de partager le Proche Orient ottoman et d’y répartir entre elles les zones d’influence. C’est là une raison fort légitime pour maintenir vive le souvenir de l’Accord… mais sans perdre de vue le fait, qu’à l’origine, il procédait d’une entente tripartite où la Russie était un partenaire de poids… jusqu’à la Révolution pendant laquelle les soldats ‘votèrent par leurs pieds’, selon l’expression de Lénine, en faveur d’un retrait russe de la Grande Guerre. Or ces trois puissances (la grande Bretagne, la France, et la Russie) étaient précisément celles qui, depuis des dizaines d’années déjà, veillaient près du lit de ‘l’Homme malade’ ottoman dans l’attente de le voir rendre son dernier souffle. Elles furent rejointes dans cette longue veillée par l’Allemagne et l’Italie, surtout, dès que l’unité nationale de l’une et de l’autre fut réalisée… mais aussi par l’Empire Austro-hongrois aussitôt qu’il fut fondé.

 

Les Britanniques s’étaient efforcés pendant une bonne partie du XIXe siècle de maintenir en vie ‘l’Homme malade’ et de le protéger : de crainte que sa mise à mort ne déclenche une immense guerre européenne de succession. Au cours des deux décennies qui ont précédé la Grande Guerre, les Allemands se ménagèrent une place privilégiée dans la concurrence internationale pour gagner les faveurs d’Istanbul.  Ils s’y assurèrent une influence multiforme qui a préludé à l’entrée de l’Empire ottoman, maintenant dirigé par le Comité Union et Progrès, dans le conflit mondial aux côtés des Empires centraux.

 

Il est bien clair dorénavant que Sykes-Picot n’a été qu’une étape vite dépassée dans le processus de partage des possessions ottomanes et surtout de la partie arabe de ce gros butin. La pure inspiration coloniale de l’Accord, d’une part, et son caractère secret, d’autre part, suffisent pour le rattacher bien solidement à ce que nous appelons communément ‘le complot impérialiste’. Toutefois, le cours des événements a eu raison, bien rapidement, de ses stipulations et de la carte qui les illustrait. D’autres formules ont remplacé celles qu’il avait recommandées. Toutes choses qui réduisent considérablement son importance en tant que plan géopolitique destiné à être appliqué. Quoi qu’il en soit, si le rappel de son souvenir en tant que symbole d’un esprit condamnable se justifie pleinement, l’évocation d’’États Sykes-Picot’ et de ‘frontières Sykes-Picot’ en tant que réalités toujours en place aujourd’hui tient plus du délire passionnel que de l’histoire.

 

[1] Intervention destinée à la conférence ‘Medi’, Livourne, 17 et 18 mars 2017.

“لبنان في أَسْر “نمط الإنتاج السياسي

أحمد بيضون

May 19, 2016

■ أسمّيه إذن «نمط الإنتاج السياسي» على غرار قولنا «نمط الإنتاج الرأسمالي»، وهو ضَرْبٌ من هذا الأخير. هو نمط إنتاجٍ اقتصادي توظّف فيه رساميل وتستخدم قوّة عملٍ متنوّعة وتنتج سلَعٌ وسيطة تنتمي إلى ما يسمّى «الخدمات».
ولكن السلعة الأخيرة المنتجة فيه هي «الولاء السياسي»: «الولاء» بما يقتضيه حكماً من «عداء» سياسيّ أيضاً.
ثمّ إن القول إنه «نمط إنتاج اقتصادي» قولٌ تعسّفي بمقدار افتراضه تبلّوراً متقدّماً لدائرة اقتصادية قائمة برأسها في المجتمع الكلّي، على غرار ما هي الحال في مجتمعات «العالم الأوّل» الرأسمالية. وهذا افتراضٌ غير موافق لواقع الحال في المجتمع اللبناني، وفي صفّ من المجتمعات مشابهٍ له. فههنا تتّخذ عبارة «الاقتصاد السياسي» معنى متناهي الشدّة في إتباعه الموصوف لصفته، لا العكس.
مع ذلك فإن الوصف الأصحّ لهذا الاقتصاد قد لا يكون «السياسي» بل «الاجتماعي»، بالمعني الكليّ للاجتماع، لا للمجتمع، ما دام أننا لسنا حيال «مجتمع»، بالمعنى الذي يفترضه فرديناند تونيز للكلمة، حين يضع «المجتمع» في مواجهة «الجماعة»، وإنما نحن حيال اجتماعٍ «جماعوي»، بالدرجة الأولى، طوّرت فيه الجماعات لنفسها نمط إنتاج رأسمالي يستبقي بنىً وتماسكاً غير رأسماليين ويؤالفهما…
في لبنان، يتمثّل نمط الإنتاج السياسي هذا (مع استذكار ما سبق من تحفّظ عن الصفة) في كتلة متنوّعة جدّاً من المنشآت المتداخلة: من أحزابٍ وجمعيّات ومدارس وجامعات وصحف ومؤسسات إعلام أخرى ومستشفيات، إلخ. وصيغ التداخل بين هذا كلّه معروفة: الحزب أو الزعيم يرعى الجمعية، الجمعية تسيّر المستشفى، المنشأة الإعلامية تتبع الحزب، إلخ. وقد تتباين عضوية العلاقة أو شمولها: فتؤجّر الصحيفة خدماتها للحزب، مثلاً، ولا تكون ملكاً له وقد تنقل ولاءها إلى جهةٍ أخرى أو توالي جهتين معاً، إلخ.
يستخدم هذا القطاع جانباً معتبراً جدّاً من قوّة العمل اللبنانية مؤمّناً نصيباً مباشراً ضخماً من تجديد قوّة العمل هذه، أي من كتلة الأجور اللبنانية، فضلاً عن نصيب غير مباشر يتمثّل في ما يشتريه من السوق الداخلية لحاجاته المختلفة من سلعٍ ماديّة أو خدمات. ولكن إسهامه هذا لا يقتصر على الأجور وشراء التجهيزات المختلفة والموادّ الاستهلاكية أو الخدمات، بل هو يغطّي جانباً من تجديد قوّة العمل الاجتماعية في ما يتعدّى بكثير نطاق القوّة العاملة فيه أي مستخدميه.
وذاك أنه يعيل جزئيّاً أو يدعم اقتصاديّاً من طريق الخدمة التي تنتجها منشأة من منشآته أفراداً وأُسَراً من خارج نطاق مستخدميه. وإذ نقول «أفرادٌ وأُسَر» هنا نستعمل عبارة قاصرة لأن «الأُسَر والأفراد» المشار إليهم يكادون يكونون المجتمع اللبناني كلّه أو هم الكثرة الكاثرة من عناصره في الأقلّ. وذاك أنه يصعب أن تجد لبنانياً لم يستفد قطّ من منحةٍ مدرسية أو تخفيض في الأقساط لولد أو من علاج مخفّض الكلفة لمريض… أو من مساعدة سياسية لتخليص معاملة يمثّل إنجازها نوعاً من الدخل أو لحماية مخالفة يوفّر منها مالاً أو يجني مالاً.
وهذا الذي نسمّيه «مساعدة سياسية» يستوقف، فمؤدّاه أن جانباً معتبراً من «الحقوق» يكون مصادَراً من جانب ذوي السلطة، أي من جانب مَن لا تُقْتصر المزيّة النسبية لموقعهم على حيازة أجر أو الإفادة من خدمة، وإنّما يتوفّرون على رأسمال سياسي يستثمرونه في السوق. و»الحقوق» المشار إليها يسعها أن تكون مصالح مشروعة لطالبيها ولكن لا تتحقق إلا بدعم سياسي ويسعها أيضاً أن تكون حقوقاً للغير أو للدولة يراد العدوان عليها. أما الدعم السياسي المطلوب في هذه الحالات كلّها فيمكن أن يكون مباشراً من جانب السياسي أو معاونيه، من جانب الحزب أو ممثّليه، ويمكن أن يكون غير مباشر إذ يتحصّل برشوة الموظّف الفاسد الذي زرعه السياسي أو الحزب حيث هو وراح يؤمّن له الحماية.
معنى هذا أن نمط الإنتاج السياسي لا يشتمل، لجهة وسائل الإنتاج، على المنشآت التي يتولى شؤونها مباشرة أصحاب الرساميل السياسية وحسب: أي مثلاً على المدرسة أو المستشفى اللذين يديرهما الحزب أو جمعيةٌ تأتمر بأمره، بل يشتمل نمط الإنتاج المشار إليه على منشآت ووسائل إنتاج يصادرها جزئياً، بقوّة السلطة الاجتماعية السياسية، أصحابُ الرساميل أولئك. فيكون تحت أيدي أصحاب الرساميل السياسية أولئك جانب معتبر جدّاً من إمكانات الدولة، سواءٌ أكانت هذه «الإمكانات» إمكانات تشغيل أو تلزيم أم إمكانات خدمة. ويكون تحت أيدي أصحاب الرساميل السياسية أيضاً جانب من الإمكانات التي تضعها بتصرّفهم جهات خاصّة من قبيل كوتا الاستخدام الذي يفرضه السياسي على مصرف أو على مصنع يعمل في دائرة نفوذه، مثلاً.
وعلى غرار الاستخدام في دوائر الدولة وأجهزتها والإفادة من خدماتها (أو التملّص من المتوجّب لها)، تخضع المنشآت الرأسمالية في القطاع الخاص خضوعاً متبايناً لأصحاب الرساميل السياسية. وتتفاوت صيغ هذا الخضوع ما بين اشتراك الجهة السياسية في الملكية لقاء الحماية وتسهيل الأعمال، وفقاً لمشيئة القانون أو خلافاً لمشيئته، أو لقاء حجب الضرر… وبين حجز جانب من طاقة الاستخدام وطاقة الخدمة في المنشأة للجهة السياسية لقاء البدل نفسه. ويفرض ذلك أن تجهد المنشأة على الدوام في التوفيق ما بين منطق الربح والإنتاجية المفضية إليه (وهو منطق الرأسمالية «السويّة» أو «العاديّة») وبين المنطق الطفيلي الذي تمليه عليها حاجتها إلى رعاية أو حماية سياسية… هذا مع العلم أن الحماية هنا هي بالدرجة الأولى حماية من الجهة السياسية الحامية أو من جهاتٍ غيرها، سياسية أيضاً، وأن الرعاية هي بالدرجة الأولى حماية من القانون ورعايةٌ في وجهه.
وبين منطويات هذا التشكيل أن القول بتبعية الطبقة السياسية لأصحاب الرساميل في لبنان قولٌ فيه نظرٌ كثير. ففضلاً عن كون أركان من هذه الطبقة ضالعين في مواقع ذات فاعلية من شبكة الملكية والاستثمار فإن للزعامة السياسية وللتشكيــــلات الحزبيـــة الرئيســـة من القـــوّة الاجتماعية ما يكفي لتستتبع من في دائرتها من أصحاب الرساميل. وهو ما يعني أن التمييز بين التابع والمتبوع ههنا مسألة أعقد من أن تعالَج باستدعاء الترسيمة المعتادة…
ختاماً يتّسم نمط الإنتاج السياسي هذا بِسِمَتَين أخريين: أولاهما أنه يُدخل التنافس السياسي بين الجماعات أو بين فروع الجماعة الواحدة في منطق توزيعه لوسائل الإنتاج العائدة إليه. وهو ما يجعله معيداً لإنتاج المواجهة بين هذه الجماعات، مزكّياً لتماسكها النسبي، ومانعاً لإنتاج مصالح مفارقة لها أو حادّاً من نطاق هذا الإنتاج. السمة الثانية أنه، إذ يتّخذ هذا التنافس أساساً، يستدرج تبعية الجماعات لدولٍ أو أشباه دول غير لبنانية يعرض عليها شراء الولاء والخدمة السياسيين لقاء الدعم. ويفترض الحصول على الدعم وجود مشترٍ للولاء يجانس، بمعنىً من معانٍ عدّة محتملة، صورة الجماعة عن نفسها أو يحتمل توصّله إلى هذه المجانسة. يجانسها في الهويّة المفترضة، في الأهداف المرحلية إلخ، بحيث لا ينتهي الولاء له إلى فَرْط عقدها…
على أن أهمّ ما تضمنه التبعية إنّما هو زيادة الوزن النسبي للجماعة فضلاً عن إشعارها بالانخراط في تيّار قضية شاسعة الأبعاد. وهذه زيادة قد تبقى محدودة وقد تبلغ حدوداً قصيّة، غير متناسبة والإمكانات الذاتية للجماعة. والحال أنه كلّما ازداد النصيب الخارجي من وزن الجماعة رجحاناً ازدادت التبعية عمقاً وأصبح الخروج من أسرها (أو مجرّد الرغبة فيه) أمراً مستبعداً.
على أن حديث التبعية هذا، وإن يكن متّحداً كلّ الاتّحاد بحديث «نمط الإنتاج السياسي»، يقتضي وقفةً مطوّلة على حدة. ثم إن كلامنا هنا على «نمط الإنتاج السياسي» في لبنان لا يجاوز اقتراح مفتاحٍ جديد لفهم الاجتماع اللبناني، بما ينطوي عليه من سياسة ومن اقتصاد. ولكنّه (أي الكلام) يبقى بعيداً عن استيفاء البحث في فاعلية هذا المفتاح وصلاحيّته.

٭ كاتب لبناني

En définitive, je n’ai lu que des pages éparses de la traduction de ce roman réalisée par Philippe Vigreux*. J’ai préféré relire entièrement le texte arabe dont j’étais déjà familier. Il n’empêche que la traduction s’impose sans peine au lecteur par d’évidentes qualités ; la précision des termes, l’élégance des phrases, la richesse époustouflante du vocabulaire… On reste en admiration surtout devant ces quelques jeux de mots arabes dont le traducteur trouve comme par miracle des équivalents français toujours si heureux.
Je souligne volontiers ces qualités et quelques autres en dépit du fait que le traducteur a supprimé sans sourciller la dédicace imprimée du livre original. C’est, de sa part, un coup bien perfide puisque mon nom figurait en bonne place parmi ceux des dédicataires en la compagnie inespérée de Mohiédine Ibn Arabî et de Abdullah Al-Alâyilî.
Dès ma première lecture de ce roman, j’avais pu admirer le déroulement du récit et la construction d’une aussi énigmatique ambiance. J’ai retrouvé, dans la trame générale, dans l’intrigue, si l’on préfère, des échos d’Ecco. Un ou plusieurs crimes dont le mystère s’abat net au milieu d’un petit monde où tout est mystérieux. C’est la réplique d’un Moyen Âge où la raison est rangée dans le placard des accessoires pratiques : reléguée au rang d’outil d’un savoir profane encore mal autonomisé. La vraie vérité, elle, reste à extraire du carcan épais et poussiéreux de la bêtise commune. L’effort pour atteindre le sens, dans sa fraîcheur oubliée, ne peut être que le fait d’initiés consacrant leur vie à un tête-à-tête laborieux avec les mots du commun que l’on doit faire parler. Leur entreprise est tellement vaste qu’ils n’en viennent jamais à bout, qu’aucune percée effectuée n’est définitive, que, par conséquent, le projet doit passer de génération en génération d’initiés : chacune prenant sur elle de former patiemment la suivante qui se retrouve obligée de tout recommencer. C’est seulement à ce prix qu’elle pourra s’approprier effectivement ce qui, maintes fois, a été trouvé.
Afin d’édifier son récit, Najwa Barakat élit une tradition parmi d’autres de celles qui se proposent de percer les voiles de l’Être. Il s’agit – on l’a deviné – de celle qui y va via l’affrontement de l’épaisseur des mots. Or qu’y a-t-il de plus évident, si l’on veut retrouver le sens ultime que les mots, à la fois, voilent et dévoilent que de le chercher dans leurs éléments premiers : les sons de la langue, les phonèmes, les lettres?
C’est ce projet de cerner les sémantèmes secrets, grouillant dans le tréfonds de chaque lettre, qu’au prix d’un labeur interminable, la confrérie qui se trouve au centre de ce roman veut faire avancer, sinon mener à terme. L’idée qu’une lettre seule est porteuse de sens est si curieuse qu’elle peut précisément alimenter les exercices les plus futiles, susciter des recherches aussi oiseuses qu’interminables. Elle est liée à la question de l’origine des langues dont la Société de Linguistique de Paris a interdit de débattre en 1866 et qui n’est retournée à l’ordre du jour, en France et ailleurs, que plus d’un siècle plus tard.
Cette hypothèse d’un sens ésotérique des lettres est surtout incompatible avec le postulat saussurien de l’arbitraire du signe : pilier, s’il en est, de la linguistique contemporaine et plus généralement de la pensée structuraliste. Ce postulat, solidement assis en apparence sur la pluralité réelle des langues, est de nos jours encore accepté comme préliminaire épistémologique lui-même arbitraire. Il semble, par ailleurs, battu en brèches dès qu’il veut s’imposer comme principe universel de la genèse réelle des langues.
Doit-on pour autant considérer comme acquise l’hypothèse d’une parenté originelle du signifiant et du signifié et, par conséquent, celle d’un noyau sémantique que chacun des éléments phoniques d’une langue inculquerait, pour ainsi dire, à la lettre ou graphème correspondant ? Question difficile, s’il en est… Mais cette dernière hypothèse est celle de la confrérie mise en scène par Najwa Barakat.
Or il s’agit d’une hypothèse très dangereuse ou qui, du moins, peut le devenir. Imaginez, en effet, que chaque mot agite conjointement dans vos oreilles, dans votre bouche et sous vos yeux un nœud ancestral de sens, toujours vivant par-delà les transformations dont le mot présent est la résultante et qui obéissent à bien d’autres contraintes que celle de rendre par le mariage convenable de sons la signification voulue. Ce nœud, depuis si longtemps hors maîtrise, ne ressemblerait-il pas à un nœud de vipères ? Le mot prononcé ne prendrait-il pas une allure de complot ? Et celui qui, poursuivant le labeur de générations d’initiés, arriverait à défaire le nœud, à en isoler les fils pour les renouer selon son inspiration, ne participerait-il pas d’un pouvoir divin sinon de Dieu en personne ? Ce ne peut-être un hasard, en effet, que les adeptes d’un sens ésotérique des lettres soient aussi les hérauts de la langue créée, supra-humaine et soient, d’autre part, des mystiques désireux de se consumer en Dieu.
La jonction de ces trois dimensions est compréhensible et historiquement attestée. Il n’est pas dit qu’elle soit, pour autant, inévitable ni qu’elle soit vouée au succès. Dans le roman de Najwa Barakat, l’entreprise donne une impression d’essoufflement et le poisson est pourri à la tête. C’est le grand maître de la confrérie qui concentre en lui-même la corruption ambiante. On consomme beaucoup de papier pour percer les secrets des lettres et, de temps en temps, on en déchire. Plus radicalement encore, la proximité de la Table sacrée qui fait le lien entre la confrérie et l’au-delà n’est pas assurée. La corruption frappe ainsi la source même du halo de sainteté qui enveloppe la confrérie et répand ses lueurs sur le village voisin. En vérité, la corruption est la doublure même de ce petit monde ; tout est corrompu ici, sauf peut-être les plus jeunes disciples, la prostituée du village et le jeune garçon dont elle tombe amoureuse.
Il y a une quarantaine d’années, j’étais, moi aussi, obsédé par cette question du sens des lettres. La modestie étant de rigueur dans ce champ miné, mes efforts devaient se limiter à l’alphabet arabe et même, de préférence, à quelques-unes de ses lettres. Il en est sorti un article assez considérable que j’ai couplé avec une interview fort mémorable de Abdullah Al-Alayili. Ces deux textes sont devenus plus tard le noyau de mon livre intitulé Kalamon et c’est cet ouvrage qui me valut l’orgueil de voir figurer mon nom dans la dédicace de Najwa Barakat supprimée par son traducteur…
J’ai beaucoup aimé La langue du secret. Lors de sa parution, j’avais déjà dit mon admiration du roman précédent de Najwa, Le bus des gens bien. J’y avais apprécié le déchaînement de bassesse et de fausseté qu’occasionne le voisinage de ces gens qui se découvrent agglutinées autour d’une tête coupée enfouie au fond d’un sac d’olives. En plus des réactions en chaîne déclenchées par un crime assez énigmatique dont l’élucidation échoue à faire consensus, j’ai retrouvé dans La langue du secret la même incertitude des lieux et du temps, le même décor aux relents médiévaux qu’étalait son prédécesseur. Dans les deux romans, le monde en place m’a rappelé l’échoppe disparue, il y a plus de 50 ans, d’un droguiste ancienne mode qui vous vendait sur la place de mon village des ingrédients médicamenteux et d’autres (ou bien les mêmes) nécessaires aux pratiques de magie noire. Je reste tout étonné devant la maîtrise par Najwa Barakat de ce monde révolu. Car il s’agit, dans ses romans, de tout un monde qui ressurgit et nous enveloppe dans sa poussière et non seulement d’une constellation d’objets poussiéreux.
Ce monde, la romancière arrive à l’incarner, moyennant le vocabulaire et la syntaxe, dans un style entier et dans un art du récit. C’est au chapitre 8 – si je ne me trompe – que nous découvrons l’existence dans la contrée où nous avons été introduits de télégrammes et d’automobiles. Nous nous estimons être probablement quelque part dans l’entre-deux-guerres… ou bien – pourquoi pas ? – aux abords du 21eme siècle. Quand à assigner des coordonnées spatiales à l’action, on s’aperçoit vite qu’il vaut mieux y renoncer. A tous les niveaux, l’incertitude est reine.
Le style de Najwa Barakat – pour en revenir à lui – nous ballotte constamment entre archaïsmes et anachronismes. Ce qui provoque force grincements dans le texte original. Nous nous apercevons vite, toutefois, de la nécessité de nous y résigner : ce sont les gonds de notre univers et non pas les mots de l’auteure qui n’arrêtent pas de grincer. En revanche, par l’élégance même de ses phrases et l’homogénéité de son vocabulaire, la traduction de Philippe Vigreux gomme largement cette singularité de l’expression barakatienne. On ne sait si l’on doit s’en plaindre ou en féliciter le traducteur. En voilà une autre incertitude : bien mienne celle-là.
Aux vecteurs qui font avancer le bus des gens bien, la langue du secret ajoute le va-et-vient entre le crime et le sacré. Ce qui nous laisse sur l’impression que, de même que le pire, le sacré n’est pas toujours sûr. Le sens d’une lettre (tout au plus une illusion de similitude, avais-je décrété dans l’article susmentionné, ce qui est beaucoup…) ne peut être sûr non plus. C’est bien cette incertitude qui fait qu’au plus profond de notre être, l’œuvre de Najwa Barakat nous émeut.
Beyrouth, octobre 2015
* Texte de mon intervention a la table ronde reunie le 25 octobre 2015, au Salon du Livre Francophone de Beyrouth,. autour de la traduction francaise du roman de Najwa Barakat “La Langue du Secret”, Sindbad, Actes Sud – L’Orient du Livre, Paris – Beyrouth, 2015.

«نظريّة كل شيء»

أحمد بيضون

يكفي التضادّ بين ما في المقاطع التي تعلن عن أفلامٍ أخرى يجري عرضها أو هي ستعرض في مجمّع الصالات الذي جئتَ إليه لمشاهدة هذا الفيلم من صخبٍ مهول وبين البطء المضني الذي يلزم المرض به ستيفان هوكن
غ وهو يحاول صعود السلّم الداخلي في منزله… يكفي هذا التضادّ لتعلم أنك تشاهد عملاً يقع خارج موجة استثارة الحواسّ بمقادير من عنف المؤثّرات تفترض بلوغ بشر اليوم أغوار البلادة القصوى. وهي الموجة التي تتصدّر صالات العالم، من زمن غير قليل، ومعها شبابيك تذاكره، على ما يبدو.
لا يتأتى حبسُ الأنفاس هنا من تسارع الصدمات أو الانفجارات الرهيبة والسرعة المرعبة للصواريخ أو للمركبات المنخرطة في مواجهةٍ كونية ما وما يصحب ذلك كله من تضافر الأضواء الباهرة واستشراء النيران المدمّرة وتلاحق الضربات المدوّية التي توجّه إلى الأعداء وضخامة الوسائل التي تتقى بها الضربات… وإنما يتأتى من مراقبة رجلٍ يجمع هشاشة البدن المتفاقمة إلى ملحمية التصميم وهو يقطع خطواتٍ في غرفته تبدو كلّ منها منطويةً على خطرٍ عليه أو يحاول إبلاغَ اللقمة فمَه أو ابتلاعَها.
وهذا مع أن الكون وزمنه غامرا الحضور في هذا العمل من أوّله إلى آخره. بل هما الطبقة الأساسية من طبقات الوقائع التي تتبادل الدلالات ويعزّز بعضها بعضاً في تيّارٍ يجمع بين التوتّر والبطء هو تيّار السيرة التي وضعتها جين وايلد لزوجها عالم الفيزياء النظرية البريطاني ستيفن هوكنغ وكانت هي أساس هذا الفيلم.
ولنقل بلا مزيدٍ من الإبطاء أن المشاهد يخرج شبه يائس من أن يتاح له أن يحظى بعد عمل جيمس مارش هذا بشريط آخر ينطوي، بين بدايته ونهايته، على هذا القدر من مجد الإنسانية المتمثّل ههنا في مسارِ فيزيائيٍّ ألمعيِّ القدرات والهموم يواجهه مرضٌ في جهازه العصبي يعده بالقتل المتدرّج لقدراته الحركية وبالموت القريب من ثمّ. ومسار الرجل هو هنا مساره مع شريكته أو هو مسارُ شريكته معه. هذا الذي نسمّيه تجسيداً لمجد الإنسانية ينبني بلبناتٍ صغيرة من تفاصيل الحياة اليومية تخلو – بخلاف ما توحي به كلمة «مجد» – من كلّ إطنابٍ أو خطابة. غير أنه يكتسب عظمته من نوعٍ من الوصل المستمرّ يجترحه ما بين السماء والأرض: ما بين الزمن الضيق الذي يمنحه المرض للعالم والزمن الكوني الذي يبحث له هذا العالم عن أوّلٍ وآخر… أو هو يبحث، بالتردّد المرجّح للبحث بين مرحلةٍ ومرحلة، إن كان له أوّلٌ او آخر. ولا تبدو الصلة بين هذين الزمنين سوى صلة الحبّ التي تجمع جين الصبية، دارسة أدب القرون الوسطى في شبه الجزيرة الإيبيرية، بمن سيصبح زوجها. وهي نفسها صلة العزيمة التي ينفخها الأمل في جسم الرجل وهو يشهد المرض ينزلق به من الخلل في التوازن واضطراب المشي وبطئه إلى الاحتباس في كرسي درّاج ثم إلى فقدان القدرة على النطق، بعد جراحة اضطرارية، فضلاً عن قدراتٍ حركية أخرى يوشك أن يحيله فقدانها إلى روح محضة: روحٍ أصبحت لا تجد في الجسم سوى «المحبس»، على قول المعرّي.
وما يزيد هذه الملحمة بعداً عن الخطابة – بخلاف ما قد توحي به تسمية «الملحمة» وهي مستحقّة ههنا – أن الخلل الملازم لكلّ شيءٍ بشري يتطرّق إلى العلاقة بين الزوجين ويفضي بهما إلى الانفصال. ينفصلان بعد مطافٍ طويل مدّت الطاقة التي تولّدت فيه في عمر ستيفن واستهلكت ردحاً غير يسير من عمر جين وأثمرت ثلاثة أولادٍ كبروا تباعاً في المناخ الذي فرضته معاركة والديهم للمرض.
هذا الانفصال يبدو اختياراً من ستيفن، بمعنى ما، أراده لتحرير زوجته من عبء البطولة التي كانتها حياتها معه. وهو اختيار سهّلته العلاقة الرقيقة التي نشأت بين ستيفن وإلين: الممرّضة التي جاءت بها زوجته لتحمل معها بعض العبء ولتحرّر جانباً من وقتها لنفسها وللأولاد. والانفصال نفسه محطّة تفضي إليها الزوجة أيضاً في مساق علاقة متقطّعة بالقسّ الأرمل جوناثان الذي جاءت به إلى البيت مدرّس بيانو لولدها ثم أصبح مساعداً لستيفن أيضاً وصديقاً للأسرة بادلته الزوجة عاطفةً أفلتت من كوابحها بعد حين…
لا زعم إذن لكمالٍ ما لا يقدر عليه البشر في الحبّ الذي جمع بين جين وستيفن في مسار علاقتهما الملحمي. ولكن الخلل البشري الذي يتطرّق إلى هذه العلاقة المديدة الشاقّة يبقى أبعد ما يكون عن الاستواء مطعناً في جمال هذه العلاقة. بل هو لا يزيد نبضها إلا رقّةً ولا يضفي عليها إلا المزيد من الألق فيما هو يتّجه إلى فصم عروة الزوجية التي تمثّل نطاقها الحسّي أو المؤسّسي.
تتراكب في مسار هذا الشريط طبقات عدّة تمثّل كلّ منها نوعاً من الكناية عن الأخرى. فالفيزيائي الباحث عن بدء للزمن والملحد الذي يبدو وكأنه يقارب شيئاً فشيئاً نوعاً من الحلولية، في محطّة يقترن فيها بحثه العلمي بمأساته الشخصية، والعائد تكراراً إلى حوار في مسألة الخلق تستدرجه إليه زوجته المؤمنة يبدو وكأنّما يستعيد في مسلكه حيال المرض نظرية الثقوب السود والطاقة التي يزيدها التراجع نحو بدء الزمن الكوني كثافةً ولكن مرحلةً أخرى من البحث ترجّح تبدّدها… يبدو هذا الرجل المحتاج إلى طاقة الأمل الهائلة فيه وكأنه يجسّد، على نحوٍ ما، كثافة الطاقة الأصلية التي نشأت منها المجرّات والثقوب السود وكأنه يستعيد مخاطر التبدّد التي صحبت هذه النشأة ومعها ما يقابلها من توسّع للكون لا حدّ معلوماً له ولا نهاية.
في قصّة هذا الرجل وامرأته حوارٌ في مسألة الله والخلق لا يُحسم. وفيها تردّد في الرواية التي يصحّ اعتمادها لنشأة الكون وفيها إقرار بالعجز، حتى تاريخه، عن الوصول إلى المعادلة الأخيرة المنشودة: تلك التي تمثّل خلاصة لـ»نظرية كلّ شيء»… للنظرية التي تحلّ لغز العالم. ولكن هذا الفيلم يزعم أن ثمة محلاًّ يبقى للأمل في طاقة الحبّ وفي عزيمة العقل أي في الإنسان.
لا أتنطّح هنا لتناول المزايا السينمائية لهذا الفيلم. مع ذلك لا أملك أن أتجاهل ما تركه الشريط في نفس مشاهد هو أنا من شعورٍ بكمال الإخراج، بسائر وجوهه. لا أملك أيضاً أن لا أتوقّف، بخاصّةٍ، عند أداء إدي ريدمان الذي اضطلع بدور ستيفن هوكنغ وهو يتقدّم في علّته من طورٍ إلى طور. ذاك أداءٌ معجزٌ حقّاً…
كاتب لبناني

أحمد بيضون

العلمانية خلْسةً؟

أحمد بيضون

لا تتمتّع العلمانية بصيت حسن في المشرق العربي. ولم يكن لطوفان الإسلام السياسي واحتدام تيّاراته إلا أن يزيدا صيتَ العلمانية سوءاً. لم يظهر نفعٌ يذكَر للصوت الذي ارتفع ألف مرّة منوّهاً بأن «فصلَ الدين عن الدولة» ليس خروجاً على الدين وإنما هو يحمي الدين إذ ينزّهه عن ابتذال المنازعات السياسية.
تختلف ردود الفعل، والحقّ يقال، على المواقف ذات المشرب العلماني من بلادٍ في هذه المنطقة إلى أخرى. ففي مصر يجازف المرء باستثارة من يبتغي ردَّه إلى الصواب بحمّيةٍ قد تبلغ حدّ العنف إذا هو أعلن في محفل عامٍّ تأييده لنظام حكم علماني. بل إنه قد يستدرج ردّ الفعل نفسه إذا قال بعلمنةٍ ذات بالٍ للقانون المدني وهذا على الرغم من الصفة التي يجهر بها اسم هذا القانون. يبقى صحيحاً مع ذلك أن تغيير هذا النظام أو ذاك من أنظمة الحكم في المنطقة قد يقوّي وقد يضعف النوازع إلى نشر سلطان الدين على مضامير بعينها من الحياة الاجتماعية لا يكون الدين قد استولى على مقاليدها إلى ذلك الحين.
في لبنان، يبقى دعاة العلمانية أقلّيين إلى حدّ يتيح إدراجهم بين أسرى الوهم. فهم وإن لم يكونوا مثارَ نفورٍ مبادر لا يمثّلون خطراً على النظام القائم أيةً كانت عللُه التي لا يرجى لها شفاء. مع ذلك لا يلقي خصومُ الواقعية هؤلاء سلاحَهم وهم لم يلقوه، في الواقع، في أيّ وقت. وقد حصل أن حصّلوا تنازلات ثانوية من النظام ولكن الطائفية تبقى سيّدة الموقف في ديارها سواء أتعلّق الأمر بالنظام السياسي أم بمساقات الاندراج في الاجتماع وبأطره وبالعلاقات البينفردية.
في العراق أيضاً، مضى من زمن طويل عهدُ مِثال العلمنة ذات المنحى الاشتراكي ولكن العلمنة عادت فعرفت بعض الحظوة غداة الاجتياح الأمريكي للبلاد في سنة 2003. ففي وسط الجائحة التي مثّلها الصراع الطائفي سُمعت أصوات ما لبثت الجائحة أن خنقتها لمثقّفين طلبوا النجدة من ماكيافيلي أو من لوك عسى أن يتمكنوا من صوغ الأجوبة التي تقتضيها المواطنة لمسائل ما بعد الدكتاتورية ولظواهر التعبئة العدوانية طائفيةً كانت أم قومية أم قبلية…، إلخ.
وإذ يشعر العلمانيون العرب بالضعف العامّ في قواعد موقفهم نراهم يوطّنون أنفسهم في كلّ مكان تقريباً على الغضّ شيئاً ما من صراحة مطالبهم ذات الصفة العلمانية المسمّاة باسمها ويرتدّون إلى مواقع ينعتونها بـ»المدنية». تلك صفة تسمع لها أصداءُ عداءٍ للطواقم الدينية أخْفَتُ من أصداء الأخرى. وتجد الإصلاحات التي يرد ذكرها تحت هذا العنوان تتويجاً لها في مطلبٍ إستراتيجي هو مطلب «الدولة المدنية». وكان الأَوْلى أن يقال «حكومة مدنية» إن شئنا الإبقاءَ على المصطلح الذي يعتمده جون لوك إذ المذكور هو المرجع المعلن أو المبطن لهؤلاء الإصلاحيين الشجعان. فنقول «حكومة مدنية» ولا نقول «دولة مدنية» بالإنكليزية ولا نقرب الترجمة الحرفية إلى الفرنسية لهذه العبارة الأخيرة إذ هي تنقلنا من صعيد للوقائع إلى صعيد آخر.
والخلاصة أن مصطلح «الدولة المدنية» مصطلح أنكلوسكسوني الأصل. وهو قد رعى، حيث ولد، إمدادَ مؤسسة العرش بشرعية مضافة مصدرها الكنيسة القومية. ولكنه لم يجعل نفسه أساساً للتمييز بين جماعات المواطنين المذهبية في حقوق المواطنة. ومعلومٌ أن هذا الحرص لم يُنْجِ بريطانيا من أطوارِ نزاعٍ مديدة كان الأثر المذهبي واضح الفاعلية فيها. وفي المشرق العربي، استَعْمل مصطلحَ «الدولة المدنية» مصريون وعراقيون بشيء من العفوية حداهم إلى ذلك طول عهدهم بمصادره الأنكلوسكسونية فضلاً عن توجّسٍ مرجّح من ردود الفعل بين ظهرانيهم على الرطانة العلمانية. ثم استحوذت على المصطلح نفسه فئة من المثقفين اللبنانيين كانت راغبةً، هي أيضاً، في جعل المستقبل الذي تدعو إليه مثاراً لمقدارٍ من القلق أقلّ.
على أن مصطلح «الحكم المدني» هذا إذ يُدْعى إلى الاستواء ضدّاً لمصطلح الحكم العسكري، من جهةٍ، ولمصطلح الحكم الديني أو الطائفي، من الجهة الأخرى، يبدو وكأنما يحمّل فوق طاقته فيسيء أداء المهمّة المنوطة به. وذاك أنه يوشك أن يجنح إلى السفسطة أو إلى الحذلقة الخطابية حين يزعم القدرة على الاستواء بديلاً لاثنين من أنظمة الحكم طالما ناطح أحدُهما الآخر أو هما لم يظهر بينهما من السمات المشتركة ما يعتدّ به، في كلّ حال. فالواقع أن الحكم الديني يصبح في وسعه، إذا اعتمدنا هذا الخلط، أن يعلن نفسه مدنيّاً طالما أنه ليس بالعسكري وأن الحكم العسكري يسعه إذّاك أن يصف نفسه بالمدني ما دام أنه ليس دينياً. وهو ما ينتهي إلى استحالة هذا البديل المقترح إلى عبارة فارغة… هذا ما لم ندرج بكل الصراحة المقتضاة، في موضع القلب من هذا المفهوم، مبدأ العلمانية مصحوباً بمقدّماته الفلسفية: وهي الحرّية والمساواة بين المواطنين. فهاتان هما بمثابة الأساس، وهما الحدّ أيضاً، للسيادة الشعبية التي تجعل لجماعة المواطنين صفةَ مصدر التشريع فتمنع استتباعَ الدولة من جانب السلطة الدينية وتمنع بالتالي كلّ تمييزٍ بين المواطنين على أساس الدين.
وذاك أن قصارى المثال العلماني ليست كبت الدين ولا الرزوح على حرّيات المتدينين. وإنما هي أن يُبْعِد التقديس عن أهل السلطة وعن أعمال التشريع والسياسة، وهذا مع اطوائه على العلم بوجود أصولٍ دينية للقيم التي يفترض أن ترعاها هذه وأولئك. ففي اعتماد هذا المثال وعي لكون اعتماد التقديس في هذا المضمار أو استدعاء المقدّس إليه لا يعدوان تمهيد الأرض للاستبداد بدعوى تمثيل المقدّس وللفساد بشتّى ألوانه بعد استبعاد الجراة من جانب الرعايا على المحاسبة. هذا التقديس يوجّه صاحبَ السلطان، في نهاية المطاف، إلى البطش بكلّ معارضة متوسّلاً وصفها بالمروق من الطاعة لله وللمؤتمنين على مشيئته في الأرض وفي أهلها.
هذا، في كلّ حالٍ، «بحثٌ» له «صلة». فإلى العجالة المقبلة.
كاتب لبناني

أحمد بيضون

الصورة والحياة الآخرة

أحمد بيضون

لطالما استوقفني ما أصبح المصوّر يتمتّع به من سطوةٍ في الأعراس. والأعراس أذكرها من بين مناسباتٍ كثيرة: حزينةٍ أو فرحة أو غير معلومة المزاج أصبح المصوّر ملكها المتوّج. وهذا مع أن بعضها يحضر فيه ملك أو من هو بمثابة الملك. ولكنّ المصوّر الذي يمارس نفوذه بتحفّظٍ وكياسة في مناسبات العزاء، مثلاً، يبدو صلفاً متجبّراً في العرس ويجعل من العروسين طليعة ضحاياه أو عبيده. وكثيراً ما غدت تُعْرَض في العرس مَشاهدُ صوّرت قبله يظهر فيها العروسان على النحو الذي أراد لهما المصوّر أن يظهرا فيه بالضبط: يتعانقان حين يشار إليهما بذلك ويبتسمان بحسب الأصول المرعية في عُرْف المصوّر ويظهر لحركتهما حين يحدّقان في العدسة وهما يلصقان خدّاً بخدّ شَبَه بمصافحةٍ ما بين جون كيري وسيرغي لافروف مثالاً لا حصراً.
وقد يفيد العروسان من توغّلهما بين المدعوّين، على حلبة الرقص مثلاً، ليستعيدا شيئاً من عفويّة الحركة. ولكن المصوّر يفعل ما بوسعه للّحاق بهما إلى هناك أيضاً. تأتيهما العدسة من فوق، مثلاً، محمولةً على ذراعٍ آلية، جهنّمية الطول، تصيح بطولها: أين المفرّ؟ بل إنني شاهدتُ مؤخّراً في أحد الأعراس آلةَ تصويرٍ طوّافة، في حجم قبضة اليد، تطير وحدها فوق رؤوس المدعوّين وتصوّر…تصوّر! إلى هذا كلّه، تُفرض، في العادة، فقرة رقص بطيء للعروسين لا تنجو فيها غمضة عين ولا انتباهتها من حكم العدسة والامتثال، لا لما يفترض أن يشتهيه العروسان أحدهما من الآخر، بل لما ينتظره السيد المصوّر من كليهما.
وأما السند الذي ترتكز إليه سلطة المصوّر هذه فهو أن العرس زائل وأن صورَ العرس هي الباقية. بل إن الحبّ، إذا صحّ وجوده، والحياة كلّها زائلان ويبقى الشريط والألبوم. فهل الصور، من بعدُ، أثر يبقى من الحبّ والحياة أم هي قد أصبحت بديلاً من الحياة واستوت غايةً لبعضٍ من أهمّ لحظاتها فأصبحت هي، لا ما تُمثّله، ما هو مهمّ في تلك اللحظات؟ هل نصوّر العرس، مثلاً، لفرحنا فيه؟ أم نحن أصبحنا نقيم العرس لنصوّره فلم يبق له من معنى ولا لزوم إلا بما هو موضوع للتصوير خاضعٌ لاستبداد المصوّر؟ هل لا يزال يتاح لنا فرحٌ بلا مُخْرِجٍ ولا إخراج؟ وهل لا نزال قادرين على تذوّقٍ للحياة لا يخضع للعين الثالثة التي هي العدسة ولمديرها وآمرنا الذي هو المصوّر؟
ولعلّي لا أغالي حين أقول أن الحياة الآخرة هي خيرُ كنايةٍ عن المُراد بالصور وأن المصوّر هو، في أقلّ تقدير، شبيهٌ لرضوان أو للقدّيس بطرس: أي هو بوّاب جنّة الصور الأرضية. وهذه الآخرة – آخرة الصور – أيضاً تبدو خيرا لنا من الأولى. وما هي سوى نعيمِ الفُرْجة الأبدية على الصور وهو، بخلوده، يزري أيّما إزراء باللحظات العابرة التي اتُّخذت موضوعا للشريط أو للّقطات. الصورة ردٌّ على الموت إذن. ولكنّه ردٌّ بات يستهلك الحياة التي يجري تصويرها على غرار ما تستهلك الصلاة والاستغفار وأعمال البِرّ والتوبة، بما هي تهيّؤ لما بعد الموت، حياةَ المؤمن الراغب في الآخرة.
لازمني صدىً لهذه الخواطر التي كانت تلاحقني في الأعراس، على التخصيص، حين وجدتُني مضطرّاً، بدوري، للمثابرة على تصوير ما كنت أشاهده ومن كانوا معي في أثناء سياحةٍ منظّمة. وهذه (أي حال السائح المصحوب بمرشد) حالٌ ندر أن وجدتُ نفسي أَسِيرَها، في مدى عمرٍ طويل، على كثرة التجوال والسفر… في هذه الحال، يلفي السائح نفسه موزّعاً بين همومٍ ثلاثة، على الأقل: الإصغاء إلى شروح المرشد، تأمّل ما تتناوله الشروح وغيره من موجودات المكان، تصوير ما طاب للسائح تصويره. هذه أمورٌ متعالِقة يُفْترض أن يعزّز كلٌّ منها الآخَرَين. بل إنه ينبغي أن يكون فعلُ التصوير آخرَ عنقودها وقد أنضَجَتْه المهمّتان الأخريان. ولكن يفترض أن يكون هذا الفعل أيضاً أقلّها إثارةً لاتّصال ثمرته، لا بالإدراك الراهن، بل بما تصحّ تسميته الذاكرة المقبلة، أي لكون هذه الثمرة ثمرةً آجلة.
على أن ما يحْصُل فعلاً يأتي مُخِلّاً عادةً بهذه الترسيمة النظرية. وذاك أن ثمة أُقْنوماً رابعاً يُداخِل ثالوثَ المهمّات هذا هو أقنوم الوقت. والوقت ضيّق دائماً في الجولة السياحية. وذاك أن ما يخصّص منه لزيارة قصرٍ ملكي ضخم وعامر بالموجودات، على اختلافها، قد لا يكفي للتمعّن في جدارية من جداريات القصر أو في تفاصيل الرياش التي تضمّها جدران غرفةٍ واحدة. عليه يحصُلُ لك ما يأتي: بأُذُنٍ ساهمة تَلْتَقط كلماتٍ حاسمةً ممّا يقوله المرشد الهمام وبعينٍ ملهوفة تختار ما يستحقّ التصوير من موجودات المكان. هذا وأنت تتوسّع في الاختيار حتى لا يفوتَك ما قد تلوم نفسك على تفويته معتبراً، على الأخصّ، بكون التصوير بآلات اليوم أمست كُلْفةُ كثيرِه لا تزيد شيئاً عن كلفة قليلِه.
تأمّل في حالك، أثناء ذلك، وأنت على عتبة الخروج من غرفةٍ ما. لقد صَوَّرتَ، ولا ريب، ما أردتَ تصويره. ولكن هل شاهدتَ حقّاً ما أراد لك المرشد أو أردت لنفسك أن تشاهده؟ إن دقّقت في ما حصل ستدرك أنّك انتقيت زوايا وأشياءً للتصوير ولم تكد تشاهد ما صوّرْتَه إلا للّحظةِ التي احتجتَ إليها للإفتاء بضرورة تصويره. صوّرتَ أشياء ولم تكد تشاهد شيئاً لوجه المشاهدة. ولن تتذكّر من الجولة شيئاً، على الأرجح، سوى ما ستذكّرك به الصور. قال المرشد في الكنيسة: هذا ضريح فاسكو دا غاما. أهلاً بصاحبنا القديم، على قول فيروز! الضجيع في هذا الناووس ليس إذن مطراناً برتغالياً ما لا يهمّك من أمره شيء. إنه فاسكو التاريخ المدرسي الذي لم يضلّ الطريق البحرية إلى الحرير والتوابل، على غرار صاحبه الآخر. وبينا تُصوّرُ الناووسَ تعود إلى بعض أسئلتك القديمة: ما سرّ هذه الاستماتة في طلب الحرير؟ وهل يعدّ عاقلاً من يستشهد لأجل قبضة بهار؟
ولكن المرشد ابتعد وعليك أن تلحق به لتسمع ما سيقوله بصدد المذبح والملوك المدفونين قريباً منه. صوّرْتَ ناووس دا غاما إذن. ولكن هل شاهدته؟ هل حفظت شيئاً من التمثال المسجّى على غطائه أو من النحت الذي يكسو جوانبه؟ وحين تخرج من هذه الكنيسة هل ستكون قد زُرْتَها؟ أم انك صوّرْتَها لتَزُور الصورَ في ما بعد؟ وماذا عنك حين تخرج من هذه الرحلة؟… ستتذكّر أن المرشد، حين كان يمنح قطيعه عشرين دقيقةً حرّة، كان يحرص على القول: تلتقطون فيها ما تشاؤون من الصور!
وحين تخرج من حياةٍ صَحِبَتك فيها العدسات أو صَحِبْتَها: هل تكون قد عشتَ أم تكون قد صَوّرتَ وصُوّرْتَ؟ وأين ستقيم، بعد هذه الفانية، يا صاحِ: في جنان الخلد أم في ألبومات الحاسوب؟
كاتب لبناني

أحمد بيضون