لبنان ودعوى أمومة الأرض للتاريخ

العدد 655 – 2013/6 – تاريخ و اشخاص و تراث – أحمد بيضون لبنان ودعوى أمومة الأرض للتاريخ
لا جدال في أن تاريخ المجتمعات والحضارات الذي تتعاقب فصوله على نطاق معين من الأرض تستجيب ملامحه، على أنحاء مختلفة، لأثر الأرض التي يدور عليها، بموقعها وتضاريسها ومناخها وسائر بناها. فإن العين المجردة – إن جازت العبارة هنا – تبصر ما تتصف به المجتمعات الصحراوية، مثلا، من وجوه شبه تقرّب ما بينها وتميزها عن مجتمعات الجبال – مثلا أيضا – أو عن مجتمعات أحواض الأنهار أو مجتمعات المدن الساحلية.. إلخ.

 

  • منذ استواء المسيحية دينًا للدولة البيزنطية ثم بعد الفتح الإسلامي، تعزّز السكن في الجبل واستقرت فيه، واحدة بعد الأخرى، طوائف لم تكن على دين الدولة أو لم تكن، في الأقلّ، على مذهبها. وهذه صفة معروفة للجبال في الدول الإمبراطورية ولأطراف الصحارى
  • موقع لبنان وتكوينه الجغرافي جعلا منه أرضًا للتنوع. فهو كان أكثر انفتاحًا على المتوسط بحواضر ساحله وأكثر لصوقًا بالداخل السامي بسهله الداخلي. وكان الجبل، إلى عهد غير بعيد، أميل إلى الانطواء على تقاليد سكّانه وانقساماتهم

 

على أن الاعتراف بهذا الأمر، باعتباره معطى بين معطيات جديرة بالنظر لفهم التاريخ، لا يجعل أهل النظر التاريخي يجنحون بالضرورة إلى نوع من الحتمية الجغرافية تحيل الأرض إلى قدر لأهلها لا يترك لفعلهم الحرّ ولا لما يضطرب به تاريخهم من عوامل أخرى دورًا يذكر في توجيه هذا التاريخ ورسم مساراته.

في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، كان الألماني هيردر مؤسسًا لمدرسة الحتمية الجغرافية هذه، فشكّل فكرة ركيزة للقومية الرومنطيقية أو لقومية الأرض في القرن التالي.

ولكن هذه النظرة، بغلوّها المفقر لما في التاريخ من كثرة العوامل وتنوع الممكنات، لم تكن قط محل توافق بين أهل النظر في التاريخ وإن تكن استوت رافدًا فكريًا لبعض عصبيات القرن العشرين القومية وخصوصًا للألمانية منها. وهذا قبل أن يصل أثرها إلى الفكر التاريخي الناطق بالعربية على يد أنطون سعادة خصوصًا.

وعلى العموم، سعى كتّاب التاريخ الراغبون في تأسيس شخصية تاريخية خاصة للبنان وقومية منفردة، بالتالي، لأهله، وسعى خصومهم أيضًا إلى استمداد الأرض حججًا وأسانيد تشهد بصواب رغبتهم وبوار رغبة مناهضيهم. ولعل المؤرخ جواد بولس (الذي كان في مرحلة من مراحل شبابه من محازبي سعادة) أبرز من تظهر عندهم من بين أصحاب النزعة «اللبنانية» هذه الأطروحة الجغرافية في تفسير التاريخ. ولكنه وإن يكن قد ذهب بها إلى نهاية إمكاناتها، لم يكن حاملها الوحيد. فهي قد بقيت ثابتة من الثوابت التي اعتمدها مؤرخون لبنانيون كثيرون ممن حمّلوا أنفسهم مهمة التأسيس لكيان لبناني يستحق الانفراد عن محيطه بدولة مستقلة.

فكيف هي أرض لبنان في علاقتها بتاريخه وما الذي يمكن التوصّل إليه من وصفها دون أن يكون الانحياز المسبق حاديًا للاستدلال؟

 

مفاعيل البحر

تتشكّل أرض لبنان من شريط ساحلي ضيّق يتوسّط الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط, ومن سلسلة جبال موازية للبحر عن كثب، ثم من سهل داخلي أكثر عرضًا بقليل من الساحلي، فمن سلسلة جبال شرقية أقل عمرانًا من الغربية، في شطرها الشمالي على الأخص.

وقد كان موقع لبنان على البحر سببًا، عبر معظم عصور التاريخ، في أمرين: غلبة التجارة على نظام معيشة الجماعات التي أهلّت سواحله واستدراج الغزاة الذين كانوا يرون في السيطرة على ثغوره شرطًا لتوسيع ممالكهم أو لحمايتها. أما التجارة فقد اضطلعت بها في العصور القديمة حواضر الساحل الفينيقية. ومعلوم أن سكّان هذه الحواضر أتقنوا بناء السفن وأسعفتهم في ذلك كثرة الغابات على جبالهم، ونشروا مستعمرات تجارية لهم على ضفتي المتوسط، بل تجاوزوا أعمدة هرقل (مضيق جبل طارق لاحقًا) إلى سواحل إفريقيا الغربية.

وعندنا ما يشير إلى أنهم قد يكونون داروا حول القارة الإفريقية، من جهة، ووصلوا، من الجهة الأخرى (وهذا لايزال محلّ جدال) إلى السواحل الأمريكية. معلوم أيضا أن حواضرهم كانت أبوابًا لتجارة الإمبراطوريات الداخلية التي سيطرت على بلادهم أحقابًا طويلة من الزمن، وكانت عواصمها في بلاد ما بين النهرين وفي مصر وفي بلاد فارس لاحقًا. ثم انقلبت دائرة السيطرة إلى الشمال الغربي في عهد الإسكندر المقدوني وخلفائه السلوقيين ثم إلى روما فبيزنطة.

ذلك يظهر أهمية هذا الساحل بما هو بوابة مفتوحة على عالمين: متوسطي وآسيوي. وهو كان بهذه المنزلة موقعًا ومنطلقًا للثقافات القديمة ولتفاعل العادات والمعتقدات والخبرات فضلاً عن تبادل السلع. على أن هذه الأهمية نفسها كانت تجعل منه هدفًا للفاتحين وموضوع صراع بينهم.

وكان ذلك سببًا، في بعض المراحل، لدمار حواضره. وكان سببًا أيضًا، في الجانب الأعظم من العصور القديمة، لدخوله تحت حكم الفاتحين القدماء واحدًا بعد آخر. وهو ما تشهد به النقوش الباقية على صخرة نهر الكلب الذي استوى ممرًا تقليديًا للجيوش، عبر التاريخ القديم. وقد تميّزت عصور هذا التاريخ بعضها عن بعض بتعاقب الموجات الغازية ومنها القادمة من بلاد ما بين النهرين ومنها القادمة من وادي النيل. وهذا قبل أن تستقر الغلبة للإمبراطوريات الهندية الأوربية: الفارسية أولا فاليونانية فالرومانية. وقد وجد جيش الفتح الإسلامي نفسه يواجه جيوشا بيزنطية في الداخل السوري وعلى السواحل. ولم يكن قد مضى ربع قرن على دحر البيزنطيين آخر موجة فارسية في أوائل القرن السابع الميلادي حين استولت جيوش المسلمين على بلاد الشام كلّها. وهو الحدث الذي رسم مصيرها منذ نيّف وثلاثة عشر قرنًا إلى اليوم.

كانت حواضر الساحل الفينيقي قد أخذت تفقد خواصّها اللغوية والحضارية بالتدريج وتكتسب خواص الداخل السامي وتتلقى معها آثار الحضارة الهلينستية منذ أوائل العهد السلوقي أي قبل الفتح الإسلامي بنحو ألف سنة. على أن الساحل حفظ دوره التجاري، في ظل السلم الروماني، وعرفت حواضره ازدهارًا عمرانيًا وثقافيًا بارزًا. وهو حفظ هذا الدور على تقطع في معظم العهود الإسلامية، إذ كانت الخلافة الإسلامية قد شكلت عالمًا قائمًا بذاته ضم إليه معظم سواحل المتوسط من الغرب وترامت أطرافه الشرقية إلى الهند وإلى حدود الصين.

وعلى الرغم من أن حال الحرب كانت تحدّ من التبادل التجاري بين الشرق الإسلامي وأوربا و(آسيا الصغرى) المسيحية، في بعض المراحل، فإن هذه الحركة كانت نشطة نسبيًا قبل العهد الفرنجي بقرون عدّة وكان لموانئ الساحل الشامي نصيب مرموق منها.

وقد استولى الفرنج على هذا الساحل كله أو على أجزاء منه مدة قرنين تقريبًا، ابتداء من نهاية القرن الحادي عشر. وطبيعي أن التبادل انتعش كثيرًا في ذلك العهد بين ممالكهم الشرقية والممالك التي جاءوا منها في أوربا. على أن دائرته كانت تتّسع إلى الأقطار الإسلامية المحيطة بهم أيضًا في مراحل الهدنة والمسالمة وهي كانت كثيرة. إلا أن هزيمة الفرنج الأخيرة ورحيلهم عن هذه البلاد أفضيا إلى خمول بعض الحواضر الساحلية وذوائها زمنًا طويلاً، فقد أقدم المماليك على تخريب القلاع والمرافئ في بعض المدن درءًا لغزوات الفرنج الذين لبثوا في جزر المتوسط القريبة مدة غير قصيرة وكانوا يغيرون منها على السواحل. هكذا لم تستعد الحواضر المذكورة حيويتها إلا بالتدريج في العهد العثماني. وكانت بيزنطية قد سقطت وسيطر العثمانيون على حوض المتوسط الشرقي. مذّاك أخذ الساحل يسترد دور حلقة الربط بين الشرق والغرب. وهو دور لبث يتعزّز مع تنامي النفوذ الأوربي بكل منطوياته في الأقطار الشرقية ولايزال مستمرًا إلى اليوم.

 

الوديان وعصبيات الجبليين

هذا عن الساحل. وأما الجبل فكان في القديم ملاذًا دفاعيًا لسكّان الحواضر وكانت غاباته تستثمر لأغراض شتّى, أهمها صناعة السفن. وكانت تجتازه مسالك متجهة نحو الداخل وتقوم على بعض قممه معابد ومنشآت مختلفة. ومنذ استواء المسيحية دينًا للدولة البيزنطية ثم بعد الفتح الإسلامي، تعزّز السكن في الجبل واستقرت فيه، واحدة بعد الأخرى، طوائف لم تكن على دين الدولة أو لم تكن، في الأقلّ، على مذهبها. وهذه صفة معروفة للجبال في الدول الإمبراطورية ولأطراف الصحارى البعيدة، إذ كثيرًا ما يكون الانفراد المذهبي أو الديني سببًا للإقامة فيها وتؤدي هذه الإقامة أحيانًا إلى تعزيز الانفراد المذكور حفظًا لتماسك الجماعة. وقد كانت الدول الإسلامية المتعقبة – شأنها شأن سائر الإمبراطوريات في التاريخ – دولاً متنوعة العناصر والثقافات لا تفترض الاندماج الاجتماعي أو القومي أساسًا لها وتحتمل في العادة وجود جماعات شبه منفصلة تترك لها إدارة شئونها الداخلية بشرط ألا تصل إلى العصيان وأن تحترم العقد القائم بينها وبين الدولة القائمة وكان محوره الأهم، في الأغلب، أداء الضريبة.

هكذا تكوّنت شخصيات أو عصبيات خاصة للطوائف اللبنانية. وكانت هذه الشخصيات أو العصبيات تميل بالجماعات إلى الانغلاق النسبي وتنطوي على عادات وتقاليد بعضها ذو أصل ديني قريب أو بعيد (وثني أحيانًا) وبعضها مستقى من ظروف الحياة في بيئة الجبل الطبيعية وبعضها مستوحى من المحيط الأوسع. وكان أهم ما بقي مشتركًا بين الطوائف وبينها وبين محيطها في السهول وفي الصحارى والسواحل نظام العائلة الأبوي. هذا النظام (وهو عربي وشرقي) استبقاه الإسلام وإن كان نشر فوقه هوية دينية جامعة. وهو استوى، في الجبل وفي غيره، أساسًا للتنظيم الاجتماعي ولسياسة الجماعات ولجانب كبير من قيم السلوك. وهو كان يظهر في الحواضر، بالرغم من الاختلاط الذي ميّز معظمها ومن خصوصية نظام الحياة فيها. وكان يظهر أيضًا في السهول والبوادي فيقسمها بين القبائل والعشائر والأقوام. وكان يظهر في الجبال فيلابس استقلال الطوائف بأجزاء منها. هذا الاستقلال كان، في الأصل، انفصالاً للطوائف بعضها عن بعض. وكان أيضًا حدًا للصلات بالمحيط الأوسع ولم يكن استقلالا عن الدولة كما أسلفنا، إلا في حالات محدودة من الزمن انعقدت فيها ظروف تاريخية استثنائية عزّزت الدواعي إلى العصيان. وأما الانغلاق النسبي دون المحيط فحدّ، مثلاً، لقرون عدة من فعل التعريب في بعض مناطق الجبل، مستبقيًا فيها جزرًا سريانية ترقى إلى العهد الآرامي المتأخر. وكان التعريب قد بدأ في الشام قبل الإسلام بقرون عدة. فحلّت العربية شيئًا فشيئًا محل الآرامية والسريانية بعد مسيرة لا شك أنها كانت متقطعة, ولكن ندرة الأصول لا تسمح برسم مراحلها ترسّمًا تفصليًا.

وأما انفصال الطوائف بعضها عن بعض فبقي غالبًا إلى العهد العثماني وأسعفته طبيعة الجبل الذي تفصل بين أقاليمه وديان عميقة رسمت بفصلها ما بين الجماعات ملمحًا من ملامح لبنان التاريخي شأنها في ذلك شأن الموقع الساحلي والمعتزل الجبلي وانبساط السهل الداخلي وخصوبته. فلا يسعنا أن نتمثّل جغرافية لبنان الطائفية في تطورها التاريخي ما لم ننتبه إلى هذه الوديان التي استوت حدودًا بين الطوائف في مراحل استقرارها وتكوّنها وأخّرت بدء تجربة الحياة المشتركة بينها على نطاق واسع إلى العهود العثمانية.

 

السهل الداخلي وهاجس الأمان

وأما السهل الداخلي ففرضته خصوبته وانبساطه مكانًا للسكن المستقر منذ أقدم العصور. وتدلّ آثاره وأخباره القديمة على عراقة مراكزه الحضرية وأهميته الزراعية. وهو كان أيسر اتصالا، في القديم، بالمجال الآرامي الواسع. فغلب عليه الالتفات إلى الشرق في ما حفظ الساحل، عهودًا طويلة، خصوصيته الكنعانية وانفتاحه على حضارات المتوسط المختلفة. ولكن السهل كان أيضًا ممرًا لقبائل البدو المترحلة وكان أمان سكانه رهنًا بفاعلية الحماية المتاحة له من جانب الدول التي تعاقبت عليه بولاتها وحامياتها. وكان لبعلبك أهمية استراتيجية كبيرة باعتبارها محطة وحامية على الطريق الممتدة من العقبة إلى حمص وحلب. وقد تبع السهل إداريًا مركز دمشق القريب إليه، منذ العهد الروماني على الأقل. وحين عمر الجبل في العهود الإسلامية، تشابكت الصلات بين مناطقه ومناطق السهل. فبات لكثير من العشائر والعائلات مصيف في الجبل ومشتى في السهل، بحسب حاجات الرعي والزراعة. وكان لهذا الأمر انعكاسه على تكوين السلطة الإقطاعية في كل من المنطقتين، فنشأت زعامات إقطاعية مشتركة. وباتت السيطرة على البقاع لاحقًا مطمحًا لأمراء الجبل. على أن الجبل شهد منذ القرن التاسع عشر حركة تحديث ألحقت إنتاجه الزراعي بشبكة الرأسمالية الأوربية وحاجاتها وأثّرت تأثيرًا بالغًا في بناه الاجتماعي. وأما البقاع، لاسيما جروده فبقي إلى عهد قريب – ولايزال من بعض الوجوه – أكثر المناطق اللبنانية محافظة على بنى عشائرية ورثها من غلبة الرعي والزراعة التقليدية على معيشة أهله ومن ألفة هؤلاء للقبائل البدوية ومقتضيات أمنهم في قراهم وأراضيهم.

 

خلاصة: التنوّع والوحدة وحدود النزاعات

والخلاصة أن موقع لبنان وتكوينه الجغرافي جعلا منه أرضًا للتنوع. فهو كان أكثر انفتاحًا على المتوسط بحواضر ساحله وأكثر لصوقًا بالداخل السامي بسهله الداخلي. وكان الجبل، إلى عهد غير بعيد، أميل إلى الانطواء على تقاليد سكّانه وانقساماتهم. ولكن حاجته إلى الساحل والسهل كانت مستمرة وظلّت شبكة العلاقات بينه وبينهما تتنامى وتزداد عضوية منذ أوائل العهد العثماني على الأقل. وكان التنوع الطائفي فيه ينزع بكل قسم من أقسامه إلى المحافظة على شخصية خاصة به. ولكن حركة السكان من طوائف مختلفة بين مناطقه تحوّلت إلى واقع ذي دلالة تاريخية حاسمة منذ العهد المملوكي، على الأقل، فدفعت طوائفه إلى مزيد من الاختلاط وأكسبته موقعًا توحيدي النزعة تدريجيًا. وكان اندراج هذه المناطق اللبنانية في المجال الشامي الأوسع واقعًا مؤكدًا عبر التاريخ.

ولكن هذا المجال اللبناني نفسه، وإن تكن له سمات حضارية غالبة، كان بدوره بالغ التنوع. فلم يشكل بمفرده دولة مستقلة، بل كان في العادة جزءًا من دول أوسع رقعة منه. وشكّلت أجزاء منه، في مراحل تاريخية كثيرة، دويلات أو أشباه دول بقيت تابعة، إلى هذا الحد أو ذاك، للإمبراطوريات الكبيرة. وحين نشأت دولة لبنان سنة 1920، كانت شرائحها الطولية متكاملة في إقليم رائع التوازن، وكانت شبكة العلاقات التاريخية بينها قد بلغت درجات متباينة من الكثافة تبعا لتباين المناطق وتنوع العناصر الطائفية. ثم اكتسبت هذه الشبكة كثافة جديدة، إذ تعزّزت بمؤسسات الدولة الواحدة وبجاذبية العاصمة الواحدة وبسبل التواصل المختلفة. هذا كله حوّل البلاد (برقعتها الصغيرة نسبيًا) إلى جسم واحد وأبطل إلى حد بعيد ما كان للخصائص الجغرافية التي تتميّز بها كل من مناطقها من مفاعيل اجتماعية. فقد انتشر النموذج المدني الواحد من الساحل إلى الجبل والسهل. ولم تعد الوديان حوائل يشعر بها الناس في تنقّلهم اليومي. وإذا كانت قد بقيت، مع ذلك، أسباب تكوينية للنزاع بين الجماعات التي تشكّل منها المجتمع اللبناني تاريخيًا، فهي كانت تتصل بالطموح إلى تحسين شروط الشراكة في الدولة الواحدة وفي المجتمع الحديث الواحد. أي أن النزاع – حين وقع – كان نزاعًا في إطار الوحدة والتحديث ولم يسعه – بالرغم من بعض المظاهر المخالفة لهذا الرأي – أن يكون نزوعًا إلى فكّ الوحدة أو نكوصًا إلى عزلة فات زمانها.
—————————————-
* مؤرخ من لبنان.