كلمن | شُرورُ ما بَعْدَ الربيع

Source: كلمن | شُرورُ ما بَعْدَ الربيع

 

 

شُرورُ ما بَعْدَ الربيع

(لمحةٌ في المصلحة والقيمة)

 أحمد بيضون

في المبدإ، تبدو السياسة قرينةً للانحياز. وذاك أن العملَ السياسي يجد نفْسَه، حالما يتفكّر في ماهيته وشروط أمانته لها، طرفاً في منازعةٍ أو منازعات. ويقتضي الاستواءُ طرفاً في نزاع أن يسعى من يرى لنفسه هذا الموقع إلى التأثير في وجهة النزاع متوخّياً إتاحة الغلَبة للصفّ الذي اتّخذ لنفسه موقعاً فيه. فإذا كانت موازين النزاع لا تبيح الأملَ في الغلبة، كان توجيه السعي إلى تحقيق المتاح، في كلّ مرحلة من مراحل النزاع، ممّا فيه صالِحُ الصفّ الذي اعتمده الطرف المعنيّ صفّاً له أو صالِحُ القضية التي شاءها قضية له في هذا النزاع. في كلّ حال، لا يستغني من يتّخذ لنفسه صفة الفاعل في ساحة من ساحات السياسة  عن التصميم على تَرْكِ أثرٍ يتعمّده ويقدّر طبيعتَه في موازين الصراع الذي يخوض…

على أن هذا المبدأ الذي يبدو حليفاً لنوعٍ من البديهة لا يلبث أن يتبدّى، عند التفكّر، أضعفَ مُسْكةً ممّا يوحي مشهدُه أوّلَ وهلة. فحتّى في الحرب الخارجية التي يتبين فيها المعتدي من المعتدى عليه من غير لَبْسٍ ولا إبهام، لا يُستبعد أن يدبّ الشقاقُ في صفّ المعتدى عليهم بسببٍ من تباينٍ في كيفيات خوض النزاع أو توقّعاتٍ متعلّقة بما بعد النزاع يتسلّط بمقتضاها فريق من أفرقاء الداخل على آخر محوّلاً الانتصار في النزاع الخارجي إلى سلاح ينفرد باستعماله في الصراع الداخلي. لا تمنح هذه الحالة مشروعيةً تلقائية لموقف يُبْنى حصراً على حساب الميزان الداخلي المتوقّع ولكنها تُدخل هذا الموقف في باب المحتمل وتحمل على الروية في محاكمته.

هذا في حالة تبدو فيها المصلحة والقيمة ماثلتين للنظر الإجمالي في جهةٍ واحدة. فما بالك بحالات تضطرب فيها العلاقة كثيراً أو قليلاً بين القيمة والمصلحة فينشأ خلاف مثلاً بين مستوياتٍ للمصلحة لا يخلو أيّ منها من قيمة: يدخل حساب السلامة الشخصية، مثلاً، ويقابله حساب المصلحة العامّة بما يتضمّنه من تصوّر للنظام السياسي ولحقوق الجماعات والأفراد وقد يقابله أيضاً  حسابٌ أممي يتعلّق بمواجهةٍ دائرة (أو يفترض أنها دائرة) بين أحلافٍ ثابتة أو متحرّكة تشقّ شطراً من العالم أو تشقّ العالم بأسره…

هذا ولا يخلو همّ الموقف الذي يطرحه هذا الاختلاف في الأوضاع وفي طبيعة المنازعات ونطاقها وفي ما تمليه من صلة ائتلاف أو اختلاف بين القيمة والمصلحة من أثرٍ للموقع من النزاع المتّخذ موضوعاً للموقف. فلا يمكن افتراض المساواة في الفضل أو في الجريرة بين من يقيم في ساحة النزاع ويمثّل له الموقف الذي يتّخذه مسألة حياةٍ أو موت ومن يبدي تضامناً مع طرفٍ من أطراف نزاعٍ بعيد فلا يحمّله التضامن عبئاً مباشراً ولا يعود عليه بمكسبٍ أيضاً باستثناء ما كان رِضاً معنوياً من الشخص عن نفسه ومن الغير عنه.

نلمّ بمشكل الانحياز في السياسة هذا وبتنوّع احتمالاته لجهة المصالح والقيم ونحن ننظر فيما آلت إليه حركات التغيير التي شهدتها الأعوام الأربعة الأخيرة في بلدان عربية مختلفة. ولا ريب أن المآلات قد تنوّعت وأن ما بدا، في أوائله، حركاتٍ ذاتَ إلهامٍ متقارب الوجهات قد تفرّقت بها السبل. وهذا يُردّ بحدّ ذاته إلى فوارقَ كثيرةٍ بين المجتمعات نَحَتْ حركاتُ التغيير في مرحلتها الأولى نحو طمسها أو أغرت بتحييدها.

يسود شعورٌ مشروعٌ بالخيبة صفوفَ من أبدوا تضامناً مع هذه الحركات في المرحلة التي يمكن أن يطلق عليها اسم إجمالي هو اسم المرحلة “الشعبية”. وهي قد اتّسمت بضخامة الحشود الشعبية وغلبة الأشكال السلمية من تظاهرٍ واعتصامٍ على العمل ووضوح الأهداف المعلنة وانعقاد قدْرٍ مرموق من الإجماع عليها. وهو ما كان يسمح بالاشتمال على كلٍّ من هذه الحركات على أنها وحدةٌ يُنْظر إليها في جملتها بل كان يتيح النظر إلى المشهد العام الذي تحصّل بعد تدحرج الموجة إلى بلدان عديدة على أن له هو أيضاً صفة تنضوي تحتها ساحاته  كلّها وتبيح اعتبارها، على نحوٍ ما، تجلّياتٍ لقوّة تغييرية واحدة. أسعف هذا التصوّرَ انبلاجُ الحركات المعنية هنا في أوقات متقاربة إلى حدّ بدت معه وكأنّها خرجت تباعاً من بؤرة واحدة.

ويمكن القول أن ما جرى مذّاك أورث كثرةً في مواضع الوحدة المفترضة على غير صعيد واحد. فقد انكفأ العمل السلمي في كلّ من الساحات وانكفأت معه قوىً ذواتُ أوزان اجتماعية لا تجد لنفسها مكاناً حيث يسود العنف وتتعين مواجهتُه بمثله. في الوقت نفسه، برزَت، في كلّ من الحركات، قوىً متعارضة إلى حدٍّ أمكنت مُداراتُه بالسياسة في حالاتٍ ومراحلً وتعذّرَت في حالاتٍ ومراحل اخرى وحلّ محلّها الجنوحُ إلى العنف. وراح المنظرُ العامّ لِما كان قد أمكن أن يطلقَ عليه اسمٌ واحد هو “الربيع العربي” يتكسّر إلى صورٍ متباينة… راحت الإحاطة بالملامح الدقيقة لكلّ من هذه الصور تغدو أمراً عسيراً أيضاً وتحمل المهتمّ على نوعٍ من اليأس من جلاء عوامل الغموض والاختلاط (ولو تباينت شدّتها وتنوّعت مصادرها من حالة إلى حالة) في الصور التي أخذَت تعرضها على ناظريه الساحات المختلفة.

فقدت الحركات، إذن، صفتها الشعبية وفقدت وحدتها العامّة، أي، على الأخصّ، وحدة المعنى والوجهة، وفقدت كلٌّ منها كلّ وضوحٍ في صيغة الصلة التي تنطوي عليها بالمستقبل وتريد إملاءها عليه. فإذا كان قد بقي شيء من هذا فإنما هي صيغة التخبّط أو صيغة الارتداد على العصر كلّه والبحثِ لا عن مكانٍ في العالَم بل عن مخرجٍ منه. هذه النكسات المتراكبة هي مصدر الشعور الذي ذكرناه بالخيبة. ولا ريب أن هذه الخيبة تُصْدي، حين يعبِّر عنها من اقتُصر أمرُه على إبداء التضامن من قريبٍ أو بعيد، لخيبةِ مَن كانوا مادّةَ القوى الضالعة في المرحلة الأولى من حركات التغيير واضطرّوا، لأسباب يقترن فيها التنوّع بالوضوح، إلى الانكفاء عن الساحات في أوقاتٍ مختلفة.

هؤلاء ليسوا وهَمْاً بصرياً وإنما هم قوىً عظيمة الشأن أيّاً يكن ما انتهت إليه أدوارها. نقول هذا مدركين أن الأوهام البصرية كانت ولا تزال، في الحالات التي نحن بصددها، محتملة الحصول في الماضي والحاضر وأن حصولها ليس شيئاً وهمياً هو نفسه. بل إن علينا البحث عن بعض مصادر الوهم في الصفاقة التي تبقى عليها الأحوال والأوضاع في مجتمعات كان تحصيل المعرفة بأوضاعها وأحوالها أمراً لا تستطيبه الأنظمة السياسية القائمة ويكرهه غيرها من السلطات أيضاً. وكانت هذه وتلك تملك ما يلزم من وسائل الردع للحدّ من حركة التحصيل المشار إليه ناهيك بتزييف معطياتٍ بديلة لحصائله.

يفضي التكسّرُ أو تكاثرُ الشقوق الذي انتهت إليه كلّ من الساحات إلى جبه ما يستشعره الفاعل السياسي من حاجةٍ إلى الانحياز طلباً للفاعلية (هي ما بدأنا بذكره) بعسْرٍ في اختيار الصيغ والأحلاف لم يكن ليعرض له في ما سمّيناه المرحلة “الشعبية” من حركات التغيير. وهي أيضاً مرحلةُ تلبُّسِ الحركاتِ المذكورة معنىً عامّاً واحداً (أشرْنا إليه) ووجهةً ينحو تيّارها نحو توحيد القوى في كلّ من الساحات. فحيث عاينّا ما صمد من الأنظمة القديمة أو ما قام من الأنظمة، لا تلبيةً لحركات التغيير بل طلباً للَجْمها، يستوي النظامُ طرفاً في النزاع الأهلي فيتعذّر أن تفترض له شرعية الدولة ويصبح سؤالُ الشرعية مطروحاً عليه بالصيغة نفسها التي يطرح بها على غيره من الأطراف.

فحين كانت المطابقة تبدو واضحة بين المُعْلَن والواقع، حيث اتّحدا في القول أن “الشعب يريد إسقاط النظام”، بدا الخيار غايةً في البساطة، مقصوراً على نُصْرةِ الشعب أو نصرة النظام. وأما الحال بعد استئثار القبائل والطوائف بالساحات تتصدّرها الفصائل المسلّحة وقد أصبحت تحصى بالمئات، في بعض البلاد، فمَفادُها أن التمثّلَ بجهةٍ من هذه الجهات يصبح متعذّراً، عمليّاً، حين لا يكون المتمثّل منتمياً إلى إحداها أو تكون سلامته وسائر مصالحه الحسّية رهناً بالولاء لها. بل إن المتابعةَ لتقدير موقفٍ يحيط بجوانب الوضع كلّه وبدعاوى أطرافه تصبح هي نفسها متعذّرة أو قريبة من التعذّر حتى على من كان من أهل البلاد المعرّضين لأخطار النزاع الجاري. فكيف على من كان في خارج الميدان يبتغي تقديم المعونة بما يستطيع وإبداء التضامن مع الجهة المستحقّة بعد أن يطمئن إلى حسن تقديره للاستحقاق؟

مَنْ له اليومَ أن يدّعي الإحاطة، مثلاً، بما يحرّك مئاتٍ من الفصائل المسلّحة تتوزّع الأرضَ السورية وتستَدْرِج إليها التدخلَ الخارجي بحُمولاته المتعارضة؟ وهذا مع العلم أن النظام الأسدي قد أصبح، من حيث التمثيل، واحداً من هذه الفصائل لا ريبَ أنه أكبرُ حجماً وأعقد تكويناً وأشدّ أذىً أيضاً من كلٍّ من الأخريات؟ وهل الحال مختلفة في غير التفاصيل في ليبيا أو في اليمن أو في العراق إذا نحن نظرنا إليها بمنظار الأسئلة المتعلّقة بإمكان الإحاطة وبإمكان التوصـّل إلى موقف في النزاع ذي شرعية عامّة؟ وهل لا يزال التسليمُ مقبولاً في مصر بحَصْرِ الخيار ما بين الارتداد الزاحف نحو الحكم العسكري والعودة إلى حكم الإخوان المسلمين بسعيهم المتكالب إلى مصادرة الدولة وإرساء طرازٍ خاصّ بهم من الاستبداد؟

اليوم لا تمثّل محالفةُ النظام بحدّ ذاتها، قديماً كان النظام أم مستجَدّاً، مستنداً لاقتران الفاعلية التي يطلبها الفاعل السياسي بالانحياز بالقيمة المتّسقة مع زَعْم الولاء لمُثُلٍ عامّة أو لمصالحَ تتعلّق بمستقبل الشعوب وحقّها في الحرّية والرخاء. بل يرجّح أن تمثّل محالفةُ النظام تلك عكس هذا كله. يرجّح أيضاً أن يُنْظر إلى كلّ طرفٍ على أنه باتَ لا يمثّل سوى مطامحه ومصالحه وأن الصلةَ بين هذا التمثيل وبين مصالح عليا للبلاد أو للشعب هي نفسها تجسيد لقيم مقررة السموّ إنّما تبقى موضوعَ رِيبة ونظرٍ دائمين.

في هذا التفتّت المستشري في كلّ ساحةٍ تُطرح على كلّ جماعةٍ متّصلة بالميدان (بل أيضاً على كلّ فردٍ معرّضٍ لأخطاره) مسألةُ السلامة ومسألة المكانة أيضاً، في ضوء التطوّر المحتمل لميزان القوى والمآل المقدّر للمواجهة. ويصبح مرجّحاً أن يدخل اعتبار المصلحة المتعلّقة بالسلامة أو بالمكانة في تقرير الموقف المتّخذ أي في تقرير الانحياز ووجهة المبادرة مهما يكن صعيد التعبير عنهما. ويصبح منطقُ “أهْوَنِ الشرّين” أو “أهونِ الشرور” وارداً أو غالباً. ولكن اعتبار المصلحة، إذ يملي فهماً للموقف أيّاً يكن، لا يسعه الاستواء أساساً لشرعيةٍ تنسبُ إلى الموقف. فحتى العدوّ تُفهم مواقفُه  ويَكْتسب سلوكُه منطقاً حين يسلَّط عليها ضوء المصلحة مجرّداً. وهو ما لا يبطل الطعن في شرعية تلك المواقف وهذا السلوك ولا يمنع اتّخاذ هذا الطعن أساساً لشرعية العداوة. فمن أفضال العدوّ (حيثُ توجَد) أن وجوده يفرض وجود مثالٍ يتعدّى المصلحة، وإن يكن يستوعبها، يبنى عليه الموقف منه. لا يجوز إذن أن يعتبر فهم الموقف تبريراً تلقائياً له ولا سبيل إلى اعتماد المصلحة وحدها شرطاً كافياً للتبرير.

لنا أن نخرج، من بعدُ، من نطاق الأفراد أو الجماعات، في اتّصال هذه أو أولئك بالساحات المضطربة اليوم بالمواجهات الأهلية من سورية إلى ليبيا ومن العراق إلى اليمن. نخرُجُ مبتغين النظرَ في مواقف الدول الأخرى الضالعة في هذه النزاعات إلى حدّ المسؤولية عن إدامتها، في بعض الحالات. إذّاك نجد أنفسَنا غيرَ مستغنين، على هذا المستوى أيضاً، عن مقياسٍ يتخطّى التقدير المباشر لمصالح هذه الدول طلباً لموقفٍ نتّخذه من مواقفها ومسالكها. معلومٌ أن المواقف تفترق، على هذا المستوى، بين تغليبٍ لما يُعْتَبر مصالحَ إستراتيجية (يجب النظرُ في سلامة تقديرها) وما يُعتبر مصالحَ للشعوب بما هي جماعاتُ بَشَرٍ أحياءٍ أو مجتمعات.

هذه المصالح الأخيرة هي ما ظهَرَ أن حركاتِ التغيير غلّبَتْه في مرحلتها الأولى معتبرةً، في ما بدا، أن تحقيقَ الغلبة لها شرطٌ لإحقاق كلّ حقّ، أيّاً يكن، يتعدّى نطاق هذا المجتمع أو ذاك. على هذا المستوى أيضاً، نجد أنفسنا غير مطمئنين إلى حساب المصالح مقياساً نعتمده منفرداً، محتاجين إلى قيمةٍ عليا نتّخذها أساساً عامّاً لمواقفنا.  ههنا أيضاً تسوّي المصالح ما بين الصديق والعدوّ. ويتبدّى لزاماً أن نسأل عن أساس صداقة الصديق وعمّا إذا كان هذا الأساسُ يبيح له أن يفعل ما يفعله أم لا يبيح… هذا فضلاً عن السؤال الذي تطرحه الأزمات من تلقائها إذ تخرجنا من تلقائية التسليم بالصداقة لتلزمنا بتجديد البحث في أساس تلك الصداقة وحقيقتها.

لا بديلَ من اعتبار البشر الذين ملأوا الميادين لشهورٍ من الزمن في هذه الكثرة من العواصم والمدن المنتشرة بين المحيط والخليج حقائق. كانوا ولا يزالون حقائق، مهما تكن عيوبُ العُدّةِ البصريّة التي شاهدناهم بها، ولم يصبحوا أوهاماً عَبَرت. بل إنهم هم الحقيقة الغامرة وهم القيمة الكبرى التي تتأسس عليها المواقف والسياسات. ولا ينتقص من حقيقتهم هذه أن قوّة  القمع الموصوفة من هنا واستشراءَ التسلّح من هناك والنجدةَ الخارجية للأنظمة وتألّبَ الدول ذات المصلحة على الحركات الشعبية من هنالك قد ألزَمت هؤلاء البشر بالانكفاء عن ساحاتهم وحجبت معظم أصواتهم. لا ينتقص من هذه الحقيقة أيضاً أننا لا نعرف نسبةَ من حَمَلَهم تغيّرُ الظرف من بينهم على الارتداد إلى انتماءاتٍ كانوا قد باشروا خروجاً من قيدها وعلى تغيير مواقعهم في هذا الاتّجاه أو ذاك. لا ينتقص منها، على الأعمّ، أنهم أصبحوا يبدون (أو هم بَدوا من البداية) مفتقرين جدّاً إلى تمثيلٍ سياسيّ يناسب ما ظهر أنه أحجامُهم في أوائل حركاتهم. هذا يرتّب مهامَّ يجب أن تكون طويلة النفس، على الأرجح، ولا بدّ أن تكون ثقيلةً على حامليها. ولكنّ هذا لا ينبغي أن يُعْمي عن موضع الشرعية مَنْ كان متجرّداً للبحث عنه.

أواخر كانون الثاني 2015

كلمن | “لبنان الاشتراكي”

 

“لبنان الاشتراكي”

ظهور جماعةٍ من شبيبة “اليسار الجديد” ومسارها في لبنان الستّينات[1]

أحمد بيضون

 

في وقتٍ ما من سنة 1964، انعقد اجتماعٌ في بيروت قيّض له أن يستوي نوعاً من خرافةِ أصلٍ لجماعة ماركسية صغيرة نشأت منه: وهي تنظيم “لبنان الاشتراكي”. اشترك في الاجتماع سبعة أشخاص هذه أسماؤهم: وضاح شرارة، فوّاز طرابلسي، وداد شختورة، محمود سويد، الزوجان كريستيان ومادونا غازي، أحمد الزين. بعد ذلك بسنةٍ (أو باثنتين، على الأكثر) كان الأربعة الأوّلون لا يزالون ماضين في السبيل الذي افتتحوه فيما كان الثلاثة الآخرون قد غادروا الركب عملياً. بين هؤلاء الأربعة، بقي وضّاح وفوّاز أكثر الجماعة حرصاً على إبقاء الشعلة المقدّسة موقدةً أي، فوق كلّ شيءٍ، على تدبيج النصوص المؤسّسة للتنظيم وعلى تنشئة القادمين الجدد وعلى متابعة الصلات الآيلة إلى تنمية الجماعة. كان محمود سويد مستغرقاً إلى حدّ بعيد في العمل الصحافي: في أسبوعية الأسبوع العربي أوّلاً ثم في مؤسّسة الدراسات الفلسطينية. لذا بقيت مسؤولياته محدودة في الجماعة التي كانت قد أخذت تدعو نفسها “التنظيم”. وأما وداد شختورة التي كانت تتّخذ التدريس حرفةً لها، فكانت ناشطة في نقابة المعلّمين في المدارس الخاصّة قبل أن تمسي، في آخر مطافٍ امتدّ أعواماً كثيرة، قيادية في التيّار اليساري من الحركة النسائية اللبنانية.

إذا اتّخذْنا مشهد هذا الاجتماع وحده محلّ نظر استوقفنا تنوّع المجموعة المؤسّسة على غير صعيد. فإذا قصرنا انتباهنا على أولئك الذين ثابروا إلى ما بعد مرحلة الانطلاق هذه لم نملك ألا نلاحظ تفرّقهم على الخريطة الطائفية اللبنانية وكذلك بين مناطق البلاد. فشرارة من مواليد العام 1942 في عائلة شيعية. وهو من بنت جبيل في جنوب لبنان أصلاً ولكن والديه، في وسط الستينات الذي ننظر منه، كانا قد انفصلا وتزوّج كلاهما زواجاً ثانياً من زمن طويل وأصبحا مقيمين في بيروت. ويحصى في أسرة والده معمّمون ومعهم أو من بينهم متأدّبون على النهج “الحديث”. وكان والده، في مبتدإ أمره، مدرّساً وكان إلى ذلك كاتباً ومترجماً معروفاً ثمّ أصبح، لعهد طويل، عضواً في الجهاز الفنّي لدار الكتب الوطنية وآلت إليه في أواخر حياته المهنية إدارتها. وأما والدة وضاح فهي عسيرانية من صيدا وكانت مدرّسة في القطاع الرسمي هي الأخرى. وكان وضّاح قد حصّل منحة من الحكومة اللبنانية أتاحت له دراسة لعلم النفس في ليون أنهاها في سنة 1963. وعلى أثر عودته إلى بيروت أصبح مدرّساً متعاقداً في المدرسة العاملية، وهي شيعية التابعية، قبل أن يدخل سلك التعليم الرسمي مدرّساً للفلسفة في الثانويات. وكان يتولّى أيضاً أعمال ترجمة متفرّقة تنشرها دار الطليعة التي كان يملكها بشير الداعوق المنتسب إذ ذاك إلى حزب البعث. وأما طرابلسي فهو من مشغرة في البقاع أصلاً. وتنتمي والدته إلى الفرع الأرثوذكسي الزحلي من آل المعلوف إذ هي ابنة المؤرّخ المشهور عيسى اسكندر وشقيقة الشاعرين فوزي وشفيق. وأما والده، وهو كاثوليكي المذهب، فكان يملك فندقاً معروفاً في بحمدون يقصده مصطافون متنوّعو المصادر من لبنانيين وسوريين وعراقيين ومصريين، إلخ.، ومن بينهم ساسة وفنانون واسعو الشهرة. ولد فوّاز سنة 1941 وأتمّ دراسته ما قبل الجامعية في الثانوية العلمانية الفرنسية في بيروت ثم في مدرسة برمّانا العالية وهذه أسسها الكويكرز الإنكليز في القرن التاسع عشر. وبعد عامين في مانشستر درس فيهما الاقتصاد السياسي، عاد إلى بيروت ودرس العلوم السياسية في جامعتها الأميركية. ولا ريب أن وضاح وفواز (ونصيب الأوّل من هذا أكبر من نصيب الثاني) كانا الشخصين اللذين أملى نشاطهما على الجماعة الصغيرة أبرز سماتها وهو نشاط بُذل في آن معاً في التحليل النظري والسياسي وفي كسب الملتحقين الجدد وتنشئتهم. وأمّا وداد شختورة فهي متحدّرة من أسرة كاثوليكية صيداوية المنبت. وأما “بكر” التنظيم، محمود سويد وهو مولود في سنة 1935، فهو ابن شيخ سنّي من قرية كفرحمام في العرقوب، أي في الطرف الجنوبي الشرقي من البلاد. وكان محمود عند إنشاء التنظيم – وقد أشرنا إلى ذلك – صحافياً متفرّغاً… وكان هو ووضاح وفوّاز قادمين، ثلاثتهم، من “ماضٍ” حزبيّ بعثي.

كان هذا التنوّع في المجموعة التي أطلقت مشروع “لبنان الاشتراكي” يعبّر، على نحوٍ ما، عن مزاجٍ ميّز شبيبة بعينها، تلقّت إعداداً غربيّ المشرب. ولكنّه كان أيضاً، من زوايا أخرى، تنوّعاً خادعاً إلى حدٍّ ما. فهو لا يعكس بأمانة واقع الصورة التي ستتّخذها المجموعة بالتدريج في الأعوام الأربعة أو الخمسة التالية بنتيجة الجهود التي بذلها المؤسّسون. وهذه جهود أسعفها، على الأرجح، ما كانت تضطرب به التشكيلات القومية العربية والحزب الشيوعي اللبناني من هزّات في تلك المرحلة. وفي خريف العام 1966، اتّصلنا بالمجموعة أنا وحسن قبيسي ونصير مروّة وجمعتنا لقاءات قليلة العدد بوضاح شرارة. وكان حسن هو الذي اكتشف وجود المجموعة ومهّد للقاءات. كان نصير بعثياً قديماً اقترب من الحزب الشيوعي قبل سنوات. وقد بقي أثر وضّاح في موقفه محدوداً. وأما أنا وحسن فدخلنا في المجموعة. ولم نلبث أن ضممنا معنا صديقنا وجيه كوثراني. ثم التحق بالمجموعة المتواضعة العديد بتأثير منّا أردناه أحياناً ولم نُرِده أحياناً أخرى نفرٌ آخرون كانوا أصغر منّا سنّاً. كنا، نحن الثلاثة، من مواليد أوائل الأربعينات وكنّا مدرّسين في الثانويات الرسمية وقد خالطنا إلى هذا الحدّ أو ذاك، في أعوام دراستنا الثانوية والجامعية، أوساطاً تدين بالقومية العربية. فكنّا، بالتالي، أشباهاً، على غير صعيد، لوضّاح ولفوّاز. وكان للشبه بيني وبين هذين وجه مضافٌ لم يكن حسن ووجيه قد حصّلاه في تلك المرحلة: وهو أنني كنت قد أمضيت عامين دراسيين في باريس زاد في أهمّيتهما أنني كنت قد كرّستهما لدراسة الماركسية. وسرعان ما دعينا إلى الحلول في مواقع مسؤولية فكان أن أصبحنا، حسن وأنا، عضوين في ما كان يسمّى “هيئة التنسيق” (وهي قيادة التنظيم) وأخذنا نؤمّن، في الشقّة التي أقمنا فيها معاً، ابتداءً من صيف 1967، الإنتاج الماديّ للنشرة التي كان التنظيم يحمل اسمها. وكان حسن قد تعلّم الضرب على الآلة الكاتبة واستخدام آلة الاستنساخ (الستنسل) فيما كنت، من جهتي، أتولّى، مهمة تحرير البعض من النصوص. أصبحنا  من كتّاب النشرة أيضاً وكان العدد الأول منها قد صدر في حوالي الوقت الذي دخلنا فيه التنظيم ولكن المجموعة كانت قد أصدرت قبل ذلك عدداً من النشرات غير الموقّعة وغير المتوّجة باسم “لبنان الاشتراكي”. وإذ أنظر في أمرنا إذ ذاك بعد انقضائه، أرى أن ترقيتنا التي زامنت، على وجه التقريب، ابتعاد أحمد الزين والزوجين غازي قد عزّزت تعزيزاً ملحوظاً موقع العنصر الشيعي الجنوبي في الإدارة الفعلية لنشاط المجموعة. وكانت هذه الغلبة، من قبل هذا الوقت، كاسحة على مستوى “القاعدة”. فالحال أن الحلقتين اللتين تولّيت أمرهما في حيّ اللجا وفي النبعة كانتا مشكّلتين حصراً من شبّان شيعة جنوبيّي المنابت. وكانت هاتان الحلقتان تمثّلان، في سنة 1967، ما يقرب من نصف التنظيم ولم يكن النصف الآخر يختلف عنهما اختلافاً بيّناً لهذه الجهة. وقد أبرز وضاح شرارة هذا الواقع إبرازاً لم يخْلُ من المبالغة في مقالة جميلة نشرها في سنة 1980 وجعل لها عنواناً “الرفاق”. بقي المدينيّو الأصل والمسيحيّون والسنّة قلّة بين العناصر الذين بلغ عددهم أربعين إلى خمسين في منتصف مسار التنظيم. وفي سنة 1967، كانت السنّ المتوسطّة لأعضاء المجموعة “القيادية” نحو 25 سنة. وكان الأعضاء في الحلقات يصغروننا سنّاً بما معدّله خمس سنوات تقريباً. عليه كان يسعهم أن يكونوا (أو هم كانوا فعلاً) تلامذتنا. هل كان ذاك، على ما قرّره تشخيص منتشر، هو الجيل الثاني من كتلة الهجرة الريفية؟ يحتاج الجواب إلى تدقيق. فإن أهالي بعض المنتسبين لم يكونوا قد أصبحوا مقيمين بعد، في تلك الآونة، في بيروت أو في ضواحيها. كانت الشبيبة من ذراري هؤلاء الريفيين الصامدين تسرح وحدها، متحمّلة مسؤولية نفسها، في أرجاء بيروت الكبرى بما كانت هذه تعرضه من أضداد.

لم تكن غلبة البعثيين القدامى بين عناصر النواة المؤسسة محض اتّفاق. بل إنها معطى تعليلي من الدرجة الولى. فنحن إذا شئنا أن نفهم ظاهرة “اليسار الجديد” أو “الأيسرية” العربية، كان علينا أن نرجع، بين ما نرجع إليه، إلى انفصال الوحدة السورية المصرية وما مثّله من زلزلة للجيل الشاب في تلك الحقبة. مهّد لهذه الزلزلة نشوب الأزمة، بُعيد نشوء الجمهورية العربية المتّحدة، في العلاقة ما بين عبد الناصر والبعث. فالذين كانوا في العشرين أو كانوا على مشارفها في سنة 1961، مثّل لهم إفلاس الوحدة صدمةً لم تكن أخفّ وطأةً على الإطلاق من تلك التي مثّلتها لهم ولمن كانوا يلونهم سنّاً هزيمة 1967. فكان أن ذهب البعثيون، على الخصوص، ومعهم آخرون كانوا يدورون في الفلك القومي أيضاً، إلى تجريم الارتجال والطابع الملفّق لهذه الوحدة بما آلت إليه الحال من انحلال لم يكن منه مناص. وسرعان ما نُسب هذا المصاب إلى الفقر النظري الذي اعتبرت الحركة القومية مصابةً به: يصحّ هذا على الحركة الناصرية، بطبيعة الحال، ولكنه يصحّ أيضاً وعلى التخصيص على حزب البعث. من هذا المنطلق، راحت تنتشر كثرةٌ من المجموعات أو أيضاً من المواقف كان يجمع بينها الرغبة في تلافي الأسباب المفترضة للحادث الجلل الذي حدث.

وعلى وجه الإجمال، يجوز القول إن انهيار الجمهورية العربية المتّحدة كان مناسبة لاكتشاف أهمّية “المجتمعات” وضرورة معرفتها لتغييرها وضرورة التوفّر على تجهيز نظري مناسب لهذه الغاية. ولم تلبث الماركسية أن فرضت نفسها. فقد كانت حاظيةً بسمعةٍ أظهرَتْها على أنها الأداة المجرّبة التي أفلحت في إلهام ثورات صمدت في وجه الإمبريالية. وقد سارع كثير من القوميين إلى الانضواء في صفوف الحزب الشيوعي الذي وجدوه على مقربة. ولكن هذا الاختيار لم يبدُ موفور الحجّة دائماً. فإن منظر الأحزاب الشيوعية الوطنية لم يكن فيه ما يغري. كانت ظواهر التصلّب البيرقراطي فيها وتبعيتها في المضمار الدولي تبعث النفور. فوق ذلك، كانت مواقف هذه الأحزاب من مسائل حيوية جدّاً واجهت الحركة العروبية في أثناء العقدين السابقين لا تزال محلّ إشكالٍ، وكان الموقف من تقسيم فلسطين أبرز مثال لهذه المواقف. وفي الحقبة التي نتناول، أي أوائل الستينات، كانت جولات الصراع العنيف لا تزال تدمي العلاقات، في دولٍ عربية عدّة، ما بين الشيوعيين والقوى القومية. فكانت هذه القوى تنازعهم الحكم الذي كانوا مستحوذين على النصيب الأعظم منه هنا أو كانت تأبى إشراكهم فيه هناك. على هذا راح مناضلون كثيرون كان إيمانهم البعثي أو الناصري قد اضطرب يتحدّثون عن “تعريب الماركسية” أو أيضاً عن “تجديد” اليسار العربي. ولم يكن هذا الكلام ابن ساعته. فإن ميشال عفلق نفسه كان قد أعلن رغبته في إنشاء اشتراكية “نابعة من الواقع العربي”. على أن هذه الفكرة التي لم يفلح مؤسس البعث يوماً في منحها قواماً قابلاً للتطبيق لم تكن متّجهة، في تعبيرها العفلقي، إلى اجتراح صيغة معرّبة من الماركسية بل كان همّها تشكيل خيار مواجه جذرياً للخيار الماركسي. وأما الشبيبة من هاجري البعث الذين أقدموا على تأسيس “لبنان الاشتراكي” فكان توجّههم إلى الاستحواذ على الماركسية التي قدّروا أن الأحزاب الشيوعية العربية قد ابتعدت عنها. وكان متاحاً إنكار ملكية هذه الماركسية على الأحزاب الموالية للاتّحاد السوفياتي. كانت هذه الماركسية مبذولة لمن أراد وضع اليد عليها وتطويعها تطويعاً حرّاً للحالة الحسّية التي كان عليه أن يعالجها.

ما سبق لا يعدو أن يكون رسماً بالقلم العريض لمعالم “الحبكة الفورية” التي كانت، في المدّة التي نتناول، تؤهّل أناساً بعينهم للتأمّل في إمكان الاضطلاع بمشروع “اليسار الجديد” و”تعريب الماركسية” الذي ذكرناه. كان هؤلاء البعثيون السابقون قد أنموا إحساسهم بالوقائع العربية وبوقائع بلادهم عبر مساقاتٍ من قبيل حرب الجزائر والصعود الصاعق للناصرية بعد معركة السويس ومقاومة حلف بغداد وانقلاب تمّوز 1958 في بغداد والحرب الأهلية المحدودة في لبنان سنة 1958 وبزوغ الشهابية والاضطراب المواجه للسيطرة البريطانية في جنوب الجزيرة العربية… قابل ذلك، أخيراً لا آخراً، انهيار الجمهورية العربية المتّحدة الذي بدا حاملاً رسالةَ نكوصٍ واضح يَقْلِب وجهةَ المجرى الذي كان يمكن أن تُدْرَج فيه الوقائع الآنفة الذكر طوعاً أو كرهاً.

على أن هذه الحفنة من الشبّان اللبنانيين كانت محتاجةً إلى صفاتٍ أخرى غير صفة البعثيين التائبين ليستقيم لها الاعتقاد أنها قادرة على الاضطلاع بالمهمّة التي نسبت إلى نفسها المسؤولية عنها. أمّا ما كانوا يعدّونه جديراً بأن يستبقى من ماضيهم النضالي فكان هذا النوع من التعلّق بأولوية الحقّ العربي في تقرير المصير، وكانت هذه القضية كفيلة بإبعادهم عن الحزب الشيوعي. على أن هؤلاء الشبّان كانوا يواجهون الحزب المذكور بادّعاءٍ لرهافة الفكر ولتعدّد المراجع الفكرية وللاستقلال المعنوي المشبع باحترام الفردية وهذه كلّها أمور ينبغي الفحص عن مساق تكوّنها وعن مصادرها. فإذا نحن رجعنا اليوم إلى أدبيات “لبنان الاشتراكي” وإذا استذكرنا واقع العلاقات بين الأفراد في المجموعة، لم نجد بدّاً من ملاحظة قدْرٍ من الزيف كانت تنطوي عليه صورة الذات التي كانت تدّعيها الجماعة لنفسها ويدّعيها كلّ فردٍ منها لنفسه أيضاً. على الرغم من ذلك، كانت هذه الصورة تطلق موقفاً وأسلوباً في التصرّف وفي الكلام وتطلق، على الأخصّ، زخماً نضالياً يشي بتصديقٍ لها من جانب من قُيّض لهم الاستمرار في مشروع المجموعة المعلن على الأقلّ. وهذا التصديق هو الأهمّ، في آخر الأمر.

من أين حصّل هؤلاء الشبّان المثقّفون تلك الثقة في جماعتهم، وكانت، في كلّ حال، ثقةً غير مانعةٍ للسخرية من الذات وللخفّة الفَكِهة؟ من أين جاؤوا – في ما يتعدّى المودّة التي كانت تطبع العلاقات بينهم في هذه المرحلة الأولى – بهذا الشعور بالتفوّق الذي كانوا يُمدّون به بعضهم بعضاً وينشرونه في أوساطٍ أتيح لهم أن يخالطوها؟ كان لا بدّ للتوصّل إلى هذا من تضافر استثنائيّ لمعطيات بعينها. من ذلك استقلال فرديّ متقدّم كان قد نال من سلطة عائلية زعزع أركانَها كثيراً ما كان جيل الأبناء قد حصده من شعور بالتفوّق وَجَد مرتكزاً له في إعدادٍ جامعي أخذ من التماسك بنصيب وردَفَتْه معرفةٌ يُعتدّ بها بلغةٍ واحدة على الأقلّ من اللغات الأوروبية. وهذه معرفة كانت تمنح صاحبها حقّ الوصول غير المحدود إلى أنظمة غربية لمعرفة المجتمعات ولفهم التاريخ فضلاً عن إتاحتها المشاركة (عبر السينما والأدب والموسيقى، إلخ.) في أذواق وقِيَمٍ يتشكّل منها العالم الثقافي للّغات المشار إليها. مذ ذاك أصبحَت الماركسية هي المكوّن المركزي وهي موقع القيادة في جملة الأنظمة المستنطَقة فسلّمنا بكونها النظام المؤهّل بين الأنظمة الأخرى لفهم تلك الأنظمة وتقويمها. كنّا صغار السنّ ولم يكن إعدادنا حزبيّ المصدر بقدر ما كان جامعيَّهُ فلم نقتنع قطّ بأن الماركسية تبطل ما يقع خارجها. كنّا نراها، بخلاف ذلك، متقوّية بما يغايرها. وهو ما ولّد ميلاً في التنظيم إلى اتّخاذ مرجعيات عدة: الوجودية، التحليل النفسي، البنيوية، إلخ. وهو ما أتاح لنا أيضاً أن نتخيّر أفكاراً وتوجّهات من تيّارات مختلفة في الفكر الماركسي لم يشتهر بعضها بالميل إلى الاعتراف بتوافقٍ ما بينه وبين البعض الآخر. وهو ما حملَنا أخيراً على استبعاد التمثّل الحَصْري بتجربةٍ ثورية معينة، مع العلم أن هذا التمثّل كان شائعاً في تلك الأيام. كنّا ننشر تعاطفنا على مساحات من العالم نحاذر تنظيمها في فكرنا وكانت تشتمل على الصين وعلى كوبا وأميركا اللاتينية وعلى فييتنام وامتدّت، لاحقاً، إلى ربيع 1968 في براغ وفي باريس. وكانت مجلّة “الأزمنة الحديثة”، التي ضمّ إليها قرّاء الإنكليزية منّا مجلّتي “نيو لفت رفيو” و”منثلي رفيو”، قويّة الحضور في العالم الفكري لمثقّفي “لبنان الاشتراكي” ومعها أسماءُ أعلامٍ اقترنت باسمها: من سارتر ودو بوفوار إلى ميرلو بونتي وغورز. ولم نكن نجهل شيئاً من المبارزات التي كانت المجلّة حلبةً لها. زاد من ذلك أن الستالينية ومعسكرات الاعتقال السوفياتية والانتفاضة المجريّة سنة 1956 والثورة الجزائرية ومكان الماركسية من الفكر المعاصر، وهي كلّها موضوعات كانت مثار أشدّ الاهتمام عند مثقّفي “لبنان الاشتراكي”، قد حلّت في موضع القلب من مواجهات الماضي ما بين كامو وسارتر وما بين هذا الأخير ومرلو بونتي وأخيراً ما بين ليفي ستروس وسارتر. كانت هذه السعة في الآفاق ومعها التعدّد الذي ذكرنا في الأطر المرجعية، تظهر في المبادلات  الشفوية ظهورها في الأدبيات المكتوبة (أو هي كانت أكثر ظهوراً في الأولى منها في الأخيرة). فكان ألتوسير يجاور تروتسكي، ولينين يعايش روزا لوكسمبورغ، وغرامشي يخالط ماو في المشافهة، فيما بقيت الأدبيات تبدي بعض الحذر من الخوض في المصادر غير المكرّسة. وكان هذا كله ينمّ بانفتاح ملحوظ لآفاق التفكير ويشي، في الوقت نفسه، بأمرين آخرين أقلّ إيجابية: الأوّل كثرة معالم التفكّك في العالم الذهني ومعه كثير من الانتقائية ومن السحر الذي كان يصدر من هنا أو هناك عن الحكايات الملحمية وعن الصور الأسطورية، والثاني هذا الظلّ من التكلّف أو من التمحّل الذي يميّز أرباب الوصولية الثقافية.

أجدر من هذا بالإشارة أن السباحة في المياه الثقافية الغربية لم تكن ترادف، في الحالة التي نتناول، انقطاعاً عن عالم الأصل. وكان للتربة العائلية فضل كبيرٌ في جعل هذا الإنجاز ممكناً. كان يمكن الاعتماد، في لبنان الستّينات، على كون هذا الاستقطاب بين “الحديث” و”التقليدي” قد غدا ملطّفاً في الممارسة. على أن هذا لم يكن يحول دون حصول الاحتكاك المولّد للشرر ما بين العالمين في ألف موضعٍ وموضع. وإذا نحن شئنا فهماً لما أبديناه من خفّة الحركة على هذا الصعيد، كان علينا الالتفات، مثلاً، إلى أسرة وضّاح من جهة أبيه وأسرة فوّاز من جهة والدته وإلى سمعةٍ باكرة كسَبْتُها في بنت جبيل هي سمعة الفتى الشاعر والتلميذ المجلّي في اللغة العربية، إلخ. ويثير الدهشة عدد من سيصبحون مترجمين محترفين في النواة القيادية الصغيرة لـ”لبنان الاشتراكي” : وأشير هنا، على التخصيص، إلى حسن قبيسي وفوّاز طرابلسي وأشير أيضاً إلى وضّاح شرارة وإلى نفسي. فوق ذلك، ألّفنا، أنا ووضّاح، كتباً باللغتين العربية والفرنسية. والمعلوم أن الناطقين بالفرنسية والناطقين بالإنكليزية وفيرو العديد في لبنان. وأما من يتوصّلون إلى فرض أنفسهم على أنهم منشئون ذوو كفاءة في لغة الأمّ وفي إحدى اللغات الأوروبية معاً فهم من الندرة بمكان. ولا يخلو توفّرهم المركّز هذا في النواة الصغيرة لـ”لبنان الاشتراكي” من إشارةٍ إلى الصورة الطموحة التي كانت هذه المجموعة الوليدة تراها لمكانها على رقعة السياسة اللبنانية وللدور الذي كانت مدعوّة إلى الاضطلاع به، بحسب مؤسّسيها. فالحال أن هذه السمة الخاصّة، إذا قُرنت بأخرى سبق التنويه بها، كانت تؤيّد “الندرة” النسبية المميّزة إذ ذاك للعناصر القيادية في المجموعة.

عليّ أن أشدّد أيضاً على تنوّع الأوساط التي كان البعض من عناصر النواة القيادية قد خالطوها. فهم، وقد ناهزوا الخامسة والعشرين من أعمارهم في ذلك الحين، كانوا قد أقاموا في القرى. وكانوا قد أمضوا أعواماً دراسية في مدارس داخلية ذات ألوان طائفية مغايرة لألوان منابتهم. وكانوا قد أقاموا في بيروت أيضاً وخالطوا في جامعات العاصمة، لا اللبنانيين الموزّعي الولاء جدّاً وحسب، بل العرب الشبّان الشديدي التسيّس غالباً القادمين من أقطار بعيدة بعد تونس أو اليمن أيضاً. وكان بعضهم قد زاول التدريس في مدارس متباعدة إلى هذا الحدّ أو ذاك واكتسبوا من ذلك أُلْفةً لغير منطقة من مناطق لبنان. كانت هناك أيضاً أعوام الإقامة الدراسية الكلّية الطوبى في الخارج: في مانشستر أو في ليون أو في باريس. ومن هناك كان هؤلاء الأفراد قد سافروا فاطّلعوا على بلاد وبشر وزاروا متاحف، إلخ. وبخلاف التمكّن المتساوي (أو شبه المتساوي) من لغتين، لم يكن هذا التجوال، بما يتيح جَنْيَه من غلالٍ ولا هذه الفرص لإرهاف الحسّ وزيادة الخبرة بالغير، على انحصارهما في القلة، بالشيء النادر الحصول حقّاً لأولاد الأسر البرجوازية الصغيرة في لبنان، ناهيك بأولاد الأثرياء. وهما لم يكونا نادري الحصول أيضاً، إذا ضربنا صفحاً عن المنبت الطبقي، لفتيان عرفوا كيف يقرنون حدّة الذهن والمثابرة بفرصةٍ سنحت لهم.

وعلى كون هؤلاء المناضلين الشبّان لم يضربوا حجاباً دون من أراد لقاءهم وكانوا على جانب من التواضع ومن الاستعداد للخدمة، فإن صورتهم عن أنفسهم، وقد حصّلوها من مسارات شخصية متقاربة نوعاً ما، كانت منطوية على تقديرٍ رفيع لأنفسهم يصل إلى حدّ الشعور الواضح بضربٍ من التفوّق. فهل كانوا متفوّقين فعلاً على صعيد النظرية أو – على الأعمّ – على صعيد الثقافة؟ نجيب بـ”نعم” إذا نحن قارنّا إنتاجهم وتنوّع الحقول التي كان يشتمل عليها فضولهم بفقر الدم الذي كان يسم كلام الحزب الشيوعي اللبناني وبتشنّج لم يكن يخلو من تعبير جسدي ميّز هذا أو ذاك من أركان الحزب في حركاته وسكناته. ونجيب بـ”لا” إذا اعتبَرْنا بالفشل الواضح الذي لازم جهد المجموعة للعثورعلى مدخل إلى نسيج الوقائع اللبنانية من اجتماعية وسياسية وبالعزلة التي لازمت الجماعة عن المسرح السياسي اللبناني باستثناء ما حاولت إنشاءه من علاقاتٍ مع مجموعاتٍ صغيرة أو عناصرَ منشقّة أخرى حتى سنة 1969. فعلى الرغم من جهدٍ فكري تناول مسألة التحالفات من منطلقٍ منسوب إلى اللينينية، كانت الجماعة حابسة نفسها في حذرٍ دائم من تشكيلات اليسار “التقليدي” القائمة (ودعك من غيرها) وهو ما كان يثير حفيظة هذه التشكيلات ويجعل قبول “لبنان الاشتراكي” (الهزيل الحضور، فوق ذلك، في مواقع العمل) في أطر التعبئة المشتركة قريباً إلى المحال. وأما الأقرب إلى الواقع فهو، على ما يبدو لي، افتراض نوع من التفوّق النفسي للأفراد، أعضاء المجموعة. وهذا شعور كانت قلّة الفاعلية شرطاً له. كان التفوّق ناجماً (بخلاف ما يتقبّله نوع من أنواع الماركسية) من شعور قوي بالقيام بالذات راح يوطّده إعجاب من كانوا أحدث سنّاً من بين الرفاق أو كانوا أقلّ اقتداراً في مضمار التحليل السياسي الاجتماعي. فمن حيث الأساس، كان التنظيم، من جهة مؤسسيه، سبيلاً إلى الانعتاق أو تحرير الذات.

ويكفي مصداقاً لذلك تفحّص النصوص المنتجة. فنلحظ فيها من النظرة الأولى ازدراءً غريباً للمنجزات الماديّة وللمكاسب الاجتماعية الاقتصادية التي تتّخذ موضوعاً للمطالبة والنضال. فما هو جوهري، في عُرف المجموعة، إنما هو التقدّم الذي يتحقق بالنضال في الوعي السياسي. وما ينبغي طلبه إنما هو تسييس النضال والمناضلين، تسييس الجمهور أو الجماعة المنخرطة في الحركة. وما عدا ذلك يبقى أقلّ أهمّية أو هو عارٍ من كلّ أهمية. بل إنه قد يكون أولى بأن يُجْتنب إذ قد ينجم عنه وعيٌ منحرف للموقف الإجمالي. وفي كلّ حال، يُفْترض أن يتحصّل تقدّم الوعي السياسي عَبْر صِيَغٍ من التنظيم القاعديّ تنشئ علاقةً جدلية ما بين المناضلين المسيّسين والجماعة المعنية أو الوسط المعنيّ بالنضال. فيمارِس هذا أو تلك، عَبْر الصيغ المشار إليها، حقّهما في التعبير الحرّ، على الأقلّ، إذا فاتتهما المبادرة الحرّة، ويبقى لهما، أيّاً كان الأمر، حقّ الرقابة الديمقراطية على القرارات التي تتّخذها القيادة. على هذا اقتُرحت صيغة “اللجان” لتنظيم النضال الطلابي ولتنمية الدعم الشعبي للمقاومة الفلسطينية، سواءً بسواء…

كان مراد “لبنان الاشتراكي” أن يلزم ماركسيّة ماركس ولم يكن يتردّد في التنويه بما كان آخرون قد ذكّروا به وهو أن ماركس صرّح، في أواخر أيّامه، بأنه ليس ماركسياً. وكانت تلك علامةً من علامات حرصٍ (ضمنيّ، في الأقلّ) اتّسمت به عقلية المجموعة وهو الحرص على استبعاد الاعتقاد بالحتمية باعتباره اعتقاداً يطبع العمليّات العقلية بل يطبع طريقة التفكير برمّتها أيضاً. وأذكر أن رفاقي في حلقة النبعة استهجنوا مني التصريح بأن المادية العلمية وجدلية الطبيعة إنما هما إضافتان متأخرتان إلى العقيدة أضافهما إنجلز ولم يكن ماركس ليقرّهما، على الأرجح. وقد أوصل الاستياء واحداً من الرفاق إلى حدّ مقاطعة الاجتماعات مقاطعةً نهائية بعد أن اتّهم “الرفيق المسؤول” ببذر الشقاق بين الأبوين المؤسّسين.

وقد كان الجهد المتّصل للتنديد بالمواقف السياسية النظرية التي كان يتّخذها الحزب الشيوعي اللبناني هو الطريق الإلزامي إلى ما سمّي “تجديد اليسار”. والواقع أن عمل التقويض الذي كان يفترض أن يتوجّه إلى العدو الطبقي الموصوف (أي إلى “اليمين” اللبناني وإلى الأنظمة العربية الموسومة بـ”الرجعية” وإلى الإمبريالية الغربية) لم تكن آثاره تصل إلى هذا العدوّ إلا بعد أن يكون قد استنفد جلّ قواه في الهجمات على اليسار اللبناني وعلى التشكيلات القومية العربية: على جنبلاط والشهابية وعلى الأنظمة العربية المنسوبة إلى “التقدمية” وعلى الخطّ السياسي الأممي للاتّحاد السوفياتي أخيراً لا آخراً. والحال أن تلك الأهداف كانت تمثّل مجموعاً متراتباً لم يكن يخلو من تماسك. وكان يستمدّ اللحمة الجامعة لأطرافه من العقيدة السوفياتية القائلة بالطابع التقدّمي للبرجوازية الوطنية في أقطار العالم الثالث التي تمكنت من التحرّر من القبضة المباشرة للإمبريالية.

لا جدوى من التوسّع في أمر المآخذ التي كان “لبنان الاشتراكي” يأخذها على الحزب الشيوعي أو في أمر العناية النقدية التي أولاها للتطوّر السياسي لحركة القوميين العرب أو في أمر الجهود التي بذلها لتحديد الموقع الطبقي للسياسة الشهابية ولمكوّنها الجنبلاطي على الخصوص: وهو المكوّن الذي كان يُلزم الحركة الشعبية بموقف الحدّ الأدنى وينشر في صفوفها اضطراباً مؤذياً. وإنما الأمثل، في ما نرى، أن نُبرز ههنا سمةً أخرى من سمات المشروع الذي مثّله “لبنان الاشتراكي” وهي السمة التي تفسّر، جزئيّاً على الأقلّ، هذه الأفضلية التي منحها لنقد الأقربين. ذاك هو هاجس “التميّز”، تميّز المجموعة الذي كانت هذه الأخيرة بالغة الحرص عليه. ففي أقلّ الموضوعات خطراً وأكثرها نثرية كان “لبنان الاشتراكي” يبقى شديد العناية بالخروج على الشائع أو بالوقوف على حدة في تحديده موقفه. يستوي في ذلك ما كان انفراداً عن الحزب الشيوعي، بطبيعة الحال، وما كان افتراقاً عن سائر الأطراف الماثلة في الميدان. وحين كان المسؤول عن حلقة ما يُخفق في إبراز هذا الاختلاف لموقف المجموعة من مسألة مطروحة، كان يغامر بالتعرّض إلى السؤال المحتوم: “ولكن… أين تميّزنا، يا رفيق!؟”

يسعنا الافتراض، على ما يزيّن لي، أن هذا “التميّز” المستولي على صورة التنظيم لنفسه جملةً كان ينتقل، بعد تأسيسه وحدة التنظيم، إلى الأفراد المشكّلين لهذا الأخير. فكان يسهم في بلورة فرديتهم. كانت المجموعة، بضآلة حجمها وبالاسترخاء الذي كان يسودها وبالشعور بأن “خطّ” التنظيم لا يزال في قيد التكوين، تستجمع سماتها هذه لتحصيل هذه النتيجة، وهي مختلفة جدّاً، في الواقع، عمّا تنتهي إليه الفردية في التشكيلات الكبيرة التي يجد فيها التشنّج الأيدلوجي صداه في مناخ التسلّط والانضباط.

ما الذي كان هذا التفريد بواسطة الجماعة يترجمه في وضع النواة المؤسسة لـ”لبنان الاشتراكي”؟ رسمنا بخطوط عريضة صورة الانتماءات الأصلية لهذه الحفنة من الشبّان الذين حوّلوا أنفسهم إلى مجموعةٍ سياسية في بيروت في غضون السنوات الثلاث أو الأربع التي سبقت حرب 1967. في نصّ عنوانه “موادّ من أجل برنامج” أُلْحِق بالعدد العاشر من النشرة الصادر في آذار 1968، يصوغ “لبنان الاشتراكي” بعربية صريحة رأياً كانت نصوص سابقة لا تجاوز أن تشي به من قريب أو من بعيد: وهو أن النظام الاجتماعي السياسي القائم في لبنان، إذا هو قُرِن بالمعطيات الأساسية المتعلّقة باقتصاد البلاد وبدور القطاع الخارجي منه وأهميّته، على الخصوص، يستبعد أفق الثورة الاجتماعية في هذه البلاد طالما بقيت غلبة الاشتراكية على مقاليد السلطة في المحيط العربي غير متحقّقة. بعد أن يدلي الكاتب بهذا الاعتراف، يستعجل القول بوجود مهمّاتِ تنظيمٍ ديمقراطي للنضال يمكن اقتراحها ومهمّاتِ “توعيةٍ” للجماهير: يملي ذلك كلّه أن الحزب الشيوعي (ومن سواه يُلام؟) لا يستنفد إمكانات العمل المتاحة ليسارٍ خليق بهذا الاسم. في هذا السياق الذي بدا فيه ثوريو التنظيم محرومين من إمكان القيام بثورتهم، كان المشروع أقرب إلى استمداد شرعيته من إسهامه في إدراج القائمين به في أوساطٍ كان حضورهم فيها موضع اعتراض وكان موقعهم فيها موضع جدل منه إلى استمدادها من دورٍ سياسي موضوعي يُدعى هؤلاء إلى الاضطلاع به. على الصعيد المباشر، كان الانتماء إلى هذه المجموعة المقيمة على جفاءٍ لكلّ أنواع السلطة الماثلة حولها والمعادية من أعماقها للتسويات – بالرغم من الزعم المخالف في النصوص – يبدو أقرب شيء إلى الثأر من الاستلاب الذي كانت تفرضه على الأعضاء أنشطتهم المهنية (بما هم مدرّسون أو صحافيون) من أمور مخالفة لتوجّهاتهم العقلية والخلقية. وعلى مستوى أعمق، كانت المجموعة تشكّل ردّاً موائماً لقابليات الأعضاء على النَبْذ الذي كانوا يجدون أنفسهم غرضاً له من جانب مدينة هي بيروت بقيت بِناها المولّدة للسلطة مغلقةً إغلاقاً محكماً في وجوههم. في وجه هذه المدينة، رَفَعت المجموعة رمزيّاً سبّابة الماركسية الثورية المتوعّدة. وهو ما كان يتيح لهؤلاء المثقّفين أن يجبهوا رفض المدينة المعاندة لا بموقف الاستعطاف لا ولا بموقف الإغراء أيضاً بل بما هو خلاف ذلك اي بنظرةٍ ملؤها الازدراء لأسلوب الحياة الذي تعرضه ولنمط أدائها لوظائفها ولجداول قيمها. ذاك هو ما سبق أن سمّيناه مشروع “تحرير الذات” منظوراً إليه في مرآة العلاقة بالمدينة.

على أن هذا الموقف النافر لم يكن له أن يصمد لولا دفعة صغار السنّ الذين كانوا يعْمُرون الحلقات تحت أنظار الحفنة الودودة من أركان المجموعة. كانت الغالبية العظمى من الرفاق الفتيان تلفت برتابة موائلها: فجمهرتهم كانت، وقد أشرنا إلى ذلك، من شيعة الجنوب. وكان دورهم في التنظيم متعدّد الوجوه. فقد كان عليهم أن يعدّوا أنفسهم باستيعاب ما كان يظهر في النشرة من تحليل، يضاف إلى ذلك بعض الأمّهات من أعمال ماركس ولينين خصوصاً. وكان عليهم أيضاً أن يكسبوا عناصر جديدة. وفي هذا السياق الأخير، كان دورهم يُقتصر، إجمالاً، على تمهيد السبل ثم على تأمين انعقاد الصلة بين العنصر “الاتّصال” والمسؤول عن الحلقة. أخيراً، كان على الرفاق التدخّل، على قدر المستطاع، في الأعمال النضالية، الحاصلة أو المحتملة، التي كان يمكن أن يشهدها الوسط الذي يعملون فيه أو الحيّ الذي يقيمون فيه. كان يُطلب إليهم، بطبيعة الحال، أن يتعهدوا علاقاتهم، في هذا النطاق، ليزيدوا من تأثيرهم في مجرى العمل في اتّجاه تسييس النضال وتحسين تنظيمه، بالتالي، والوصول بالمعنيّين إلى مستوىً من الوعي أرفع. وعلى الإجمال، كان عمل الإعداد السياسي هو اللون الغالب بين ألوان هذه اللوحة.

والواقع أن هذه الوجوه الظاهرة لعمل الحلقة لم تكن تستنفد وظيفة هذه الأخيرة. فقد كان لهذه الوظيفة أيضاً وجه ذاتيّ مزدوج. فمن جهة المنتسبين الفتيان، كان الانتماء إلى المجموعة يتيح، فضلاً عن الشعور بنوع من المرجعية في وسطهم المباشر، اقتناعاً بالإسهام في مشروعٍ موعود، عَبْر مخاطرَ مفروضةٍ وتضحياتٍ لا بدّ منها، بمستقبلٍ عظيم، ويضع المشتركين فيه من اليوم في وضع انتماءٍ رمزي إلى جميع تلك الدوائر التي كان يُصْنع فيها مستقبلٌ مجيد للعالم. وكان لزوم السرّية التي اعتُبِرت فرضاً ولو ان الطعن في الفائدة العملية منها بقي ممكناً، يسهم في إدامة هذه القناعة. ومن جهة النَواة القيادية، كانت الحلقات لازمةً، بلا ريب، لإيجاد ركيزة للمشروع وإثبات جدّيته. كانت هي مواقعَ اختبار الخطّ المقترح وتركيز النفوذ المفترض للأفكار المقدّمة. وكانت هي، على الأخصّ، مساحةَ التماسّ ما بين التنظيم و”الجماهير”، وهو تماسّ ندر أن حصل ولكنه بقي مأمولاً. بهذه المثابة، كانت الحلقات تجنّب منتجي التحليل والتوجيه في المجموعة مغبّة الشعور بأن كلامهم كان يتبدّد في الهواء. وأما السؤال عمّا إذا كانت النتائج المحصّلة موعودةً بأن تصبح، ذات يوم، ذات قرابة بطموح الأهداف فكان سؤالاً لا يتعذّر إرجاؤه أو الإعراض عنه.

… إلى أن جاءت هزيمة 1967 فأدخلت بالتدريج تحدّياتٍ جديدة إلى عالم المجموعة. وهو عالم كان، حتى ذلك الحين، هادئاً وكانت إدارته سهلةً نسبياً. سرعان ما تحوّلت الثانويات الرسمية والجامعات إلى بؤر للنشاط “القومي”. ومنذ الأشهر الأولى من سنة 1968، أعلن “لبنان الاشتراكي” تأييده الكفاح المسلّح الذي بدأت المنظّمات الفلسطينية تخوضه عبر الحدود اللبنانية الإسرائيلية. بعد ذلك بأشهر، نَقَع على مقالةٍ في النشرة تندّد بانكفاء المتظاهرين المؤيّدين للعمل الفلسطيني استجابةً لمزايدة لفظية من جهة رئيس الحكومة. وكان النشاط الفلسطيني قد أثار، في حينه، صداماتٍ بقيت محدودة بين المنظّمات والجيش. ولكن مسألة الدعم المحسوس للعمل الفلسطيني المسلح تضاعف إلحاحها ابتداءً من النصف الثاني من العالم 1968 وذلك عندما راح الفدائيون ينتشرون نحو الغرب متخطّين منطقة العرقوب القريبة من الحدود السورية وكانوا قد حصروا تمركزهم فيها إلى ذلك الحين. إذ ذاك راحت التظاهرات المؤيّدة للفلسطينيين ترفع شعارات من قبيل تسليح الأهالي في الجنوب وتحصين القرى وإنشاء الملاجئ وإقرار الخدمة العسكرية الإلزامية… وقد بدا “لبنان الاشتراكي” قليل الحماسة لهذه المطالب التي لاحظ أنها تتوجّه إلى الحكومة. ولمّا كان التوجّه إلى الشعب هو المطلوب فقد أطلقت المجموعة فكرةً بديلة هي فكرة “اللجان الشعبية” المساندة للعمل الفلسطيني. وكانت مهمّة هذه اللجان أن تساعد الفدائيين فتؤمّن لهم الحماية والمخابئ للسلاح والمعلومات، إلخ. وكان إنشاء التحصينات والملاجئ انطلاقاً من هذه الصيغة للعلاقات بين الأهالي والمنظمات الفلسطينية والمناضلين اللبنانيين المؤيدين للكفاح الفلسطيني يصبح، بطبيعة الحال، موضوعاً لتقويم إيجابي. ولمّا كان عديد العناصر المنتمين إلى المجموعة قليلاً جدّاً في المنطقة الحدودية (أربعة عناصر أو خمسة، في أرجح الظن) وبالنظر أيضاً إلى الصعوبات الناجمة من طبيعة المهمّة المطروحة، فإن جهود المجموعة، في هذا المضمار، كانت قد أفضت بعد سنة من الزمن إلى نتائج زهيدة. هذا مع أن الرفاق لم يكونوا ادّخروا جهداً وكانوا قد أنشأوا صلات منتظمة مع ممثّلين للمنظمات الفلسطينية ومع مناضلين في تشكيلات لبنانية أخرى. والحقّ أن تحليل المجموعة للوضع القائم حينذاك في الجنوب الحدودي كان قد أدرك المشكل الأساسي فيه: وهو أن نشاط الفدائيين سيجرّ أعمالاً انتقامية إسرائيلية تثير نقمة الأهالي على الفدائيين. ولم تكن علامات التعاطف التي أبداها اللبنانيون الحدوديون حيال المقاتلين الفلسطينيين حائلةً دون هذا التطوّر قطعاً. لم تكن الصيغة المركّزة على “اللجان الشعبية”، وقد صدرت من جانب مثقّفين كان لأكثرهم أهلٌ في الجنوب، إلا مسكّناً. كان هؤلاء المثقفون الذين اكتشفوا “المجتمعات” غداة انفصال الوحدة المصرية السورية يضحّون الآن بواحدٍ من هذه المجتمعات. ولم يكن هذا المجتمع غير مجتمعهم هم الذي كانوا قد جهدوا لتدريب أنفسهم على الإصغاء إليه. صحيحٌ أنهم لم يكونوا يقدرون العامل الطائفي حقّ قدره فلم يتنبّؤوا صراحةً بصَدْعٍ يساير الخطّ التقليدي. ولكن كان يسعهم مذ ذاك أن يتبيّنوا تنامي المشاعر المعادية للفلسطينيين ومعها التفافٌ حول الجيش في سعيه إلى الحؤول دون توسّع الانتشار الفدائي. لم يكن هذا الالتفاف إجماعياً ولكن الصَدْع بدأ يرتسم على نحو مخالفٍ للترسيمة الطبقية المشتهاة إذ كان الأشدّ فقراً هم الأكثر تعرّضاً للخطر وهم الأشدّ عداءً، بالتالي، للقضية “العادلة”. في هذا السياق، وسع “لبنان الاشتراكي” أن يحذو حذو غيره فيلوك الكلام المتعلّق بـ”العداء للإمبريالية” بما هو عداءٌ مشترك بين الشعبين اللبناني والفلسطيني والكلام المتعلّق بإسرائيل بما هي “رأس الجسر” للإمبريالية… كان “التحليل الملموس للواقع الملموس”، وهو الذي أوصى به لينين وكان التنظيم بالِغَ التعلّق به، يشير إلى ضعف الطاقة التعبوية التي كان ينطوي عليها، في حبكة الظروف القائمة فعلاً، هذا الاشتراك في قضية واحدة.

والواقع أن التنظيم كان قد عُني بتخليص خيوط الدور الفلسطيني من خيوط الدور اللبناني في الميدان. كان يوصي بدعم العمل الفلسطيني المسلّح ولكنه كان يلازم القول بوجود أهداف للّبنانيين تخصّهم وحدهم وعليهم أن يسعوا إليها وليس عليهم أن ينخرطوا في النضال المسلّح. وفي نطاق البلاد العربية، كانت المهمّة التي رآها ” لبنان الاشتراكي” سابقةً للجوء إلى العنف الثوري هي مهمّة “بناء الحزب الثوري”. كان الاعتراف قائماً بضرورة اللجوء إلى العنف في نهاية المطاف. ولكن بدا أن حلول هذه الضرورة، في ما يتّصل بلبنان، مرجأٌ إلى أجل غير مسمّى وأن ظهور السلاح الفلسطيني ليس بالعامل الكافي لإدراجها في جدول الأعمال.

حسّياً كانت المجموعة في مأزق. فإن التطوّرات السياسية التي نشأت من تمدّد الحضور الفلسطيني في المنطقة الحدودية وكذلك في مخيمات اللاجئين وفي محيطها المديني ومعها تسارع عملّيات المقاومة وما كان يتبعها من ضربات إسرائيلية كانت تنشئ كلّها في البلاد مناخاً مختلفاً عن مناخ أواسط الستينات، وهو المناخ الذي كانت تكفي فيه حركة إضرابية يمكن وصفها بالمحدودة لتُمثّل تغييراً في وضع الخَدَر الاجتماعي والسياسي الذي ميّز السنوات الأخيرة من عهد فؤاد شهاب. وأما الآن فأخذ يسيطر على البلاد بالتدريج نوع من الاستعجال الذي راح يمثّل امتحاناً عسيراً لـ”أسلوب العيش” الذي اعتمده “لبنان الاشتراكي” وكان يقوم على تدبيج التحليلات وتنشئة الشبّان المناضلين والمبادرات الضئيلة النطاق في بعض المدارس أو الكليات أو الأحياء. كان ذلك كلّه يتسبب في شعورٍ منهِكٍ بضيق الأنفاس وبالإخفاق في التكيّف بحبكة ظروفٍ اتّسمت بتسارع التاريخ.

كان “تحرير الذات” الذي أتاح الشعور به صوغُ خطٍّ يزعم لنفسه الصحة والنقدُ المتعجرف للحزب الشيوعي ولغيره من نسل “البرجوازية الوطنية” و”الطريق السلمي إلى الاشتراكية”، فضلاً عن التوصية باتّخاذ أهداف ذات مردود سياسي وأساليب في النضال والتنظيم ذات مفاعيل تربوية محرّرة… كان هذا كلّه ينقلب الآن إلى شعور بالعجز وبالافتقار إلى الكفاءة للتأثير في مجرى الأحداث الحاسمة التي كانت تتوالى. عاد نشاط المجموعة غير قادرٍ على الاستواء ترياقاً للاستلاب المتمثّل في المزاولة اليومية للمهنة. باتَ هذا  النشاط أقربَ إلى أن يكون مصدراً لوعيٍ شقيّ. كانت النفوس تَثْقُل لمرأى التنظيم في عزلته وفي شبه الشلل الذي حَكَم عليه به لزومه لأسلوبه في العيش.

وما تشي به على الخصوص مطالعة التقارير الواردة من “الرفاق” في الجنوب والتحليلات المكرّسة للعلاقات اللبنانية الفلسطينية أن التنظيم كان عاجزاً عملياً عن الدخول في تحالف. فالواقع أنه كان – على ماسبقت الإشارة إليه – يشكو نفوراً غريزياً من التسويات، وهذا على الرغم من تصريحات تفيد غير ذلك. ولسوف يتبين أن هذا النفور طويل النفس. ففي سنة 1970، أجرى “لبنان الاشتراكي” اندماجاً مع الجناح اليساري من حركة القوميين العرب اللبنانية. كان عديد هذا التشكيل يبلغ خمسة أمثال “لبنان الاشتراكي” (الذي كان عدد أعضائه يراوح حول الخمسين) أو يبلغ ستة أمثاله. وكان التشكيل المذكور قد اعتمد أطروحات بلغت من القرب من أطروحات “لبنان الاشتراكي” مبلغاً جعل القول بالانتحال غير بعيد عن الصواب. وكان قد أطلق على نفسه اسم “منظّمة الاشتراكيين اللبنانيين”. ولقد أُبْرم الاندماج في “مؤتمرٍ” انعقد في نيسان 1971 بعد شهور من الإعداد ومن التحرير المشترك لأسبوعية “الحرّية”. هذه الأسبوعية، وهي الناطقة التاريخية باسم “حركة القوميين العرب”، كانت قد أصبحت إذ ذاك تحت تصرّف “منظمة الاشتراكيين اللبنانيين” وكان لها وضع قانوني تامّ الشرعية وجمهرةُ قرّاءٍ بقيت متواضعة ولكنها كانت أكبرَ بكثيرٍ من الجمهور الذي كانت تصل إليه نشرة “لبنان الاشتراكي” السرّية. عليه مثّلت “الحرّية” إغراءً معتبراً لمثقّفي “لبنان الاشتراكي”. ومن المؤتمر وُلدت “منظمة العمل الشيوعي في لبنان”. ولم يلبث التغيير في المناخ وفي المهمّات الذي أملاه حجم المنظّمة الجديدة ومعه اختلاف الأوّليات بين مناضلي المجموعتين واختلاف تصوّر العمل السياسي بين الأُطُر الذين أصبحوا يعملون معاً في الهيئات القيادية للمنظمة الجديدة أن أخذت تُبرز الطابع الوهمي للاندماج. هكذا راحت “منظمة العمل الشيوعي” تنتقل من أزمة إلى أزمة (وهو ما لم يحُلْ دون تضخّم صفوفها وقدرتها على التعبئة) إلى أن أدركها الانشقاق، في ربيع سنة 1973، إلى شطرين شبه متساويين من حيث الحجم. وكان عديدها يبلغ، في ذلك الوقت، نحواً من 700 عضو. وكانت إحدى الكتلتين تضمّ جميع العناصر القادمة من “لبنان الاشتراكي” على وجه التقريب، أو، على الأصحّ، من لم يكن قد ذهب بهم انشقاقٌ سابق تبع المؤتمر عن كثب. وفي غضون سنة تقريباً، انتهى هذا الجناح الذي كان قد أفصح أخيراً عن اعتماده الماوية، إلى الخروج من حيّز الوجود. وأما الجناح الآخر فصمد وقيّض له الانخراط في الحرب الأهلية. ومن حيث نحن اليوم، يسَعُنا القولُ إن “لبنان الاشتراكي”، بعد أن ضَجِر من الإقامة في المَأْزِق الذي حَبَسَه فيه تصوّرُه الطَموحُ لنفسه، قد أقدَمَ على الانتحار، حوالي سنة 1970، بإلقاء نفسه في ما سمّي لاحقاً “منظّمة العمل الشيوعي”.

 

المصادر

إشتراكيون لبنانيّون: العمل الاشتراكي وتناقضات الوضع اللبناني، دار الطليعة، بيروت 1969.

وضّاح شرارة: “الرفاق”، في: استئناف البدء، دار الحداثة، بيروت 1981.

فوّاز طرابلسي: صورة الفتى بالأحمر، منشورات رياض الريّس، لندن – بيروت 1997.

لبنان الاشتراكي: مجموعة شبه كاملة لأعداد نشرة لبنان الاشتراكي ومعها نشرات ووثائق أخرى أصدرها هذا التنظيم بين عامي 1964 و 1970. مجموعة في مجلّدين، محفوظات أحمد بيضون.

Fadi A. Bardawil: When All this Revolution Melts into Air: The Disenchantment of Levantine Marxist Intellectuals, Submitted in partial fulfillment of the Requirements for the degree of Doctor of Philosophy in the Graduate School of Arts and Sciences, Columbia University 2010.

 

Agnès Favier: Logiques de l’Engagement et Modes de Contestation au Liban (Genèse et Éclatement d’une Génération de Militants Intellectuels), Thèse, ss. dir. d’Yves Schmeil, Université de Paul Cézanne, Aix-Marseille 3, 2004.

 

 

 

[1]  ورقة قدّمت في ندوة بعنوان “أجيالٌ عربية” نظّمتها مؤسسة هوغو التابعة للكوليج دو فرانس وكرسي التاريخ المعاصر للعالم العربي في الكوليج دو فرانس ومؤسسة مولاي هشام العلوي وذلك في باريس، في حزيران 2012.

كلمن | عامان في مقاصد صيدا

عامان في مقاصد صيدا

أحمد بيضون

Source: كلمن | عامان في مقاصد صيدا

عامان في مقاصد صيدا

 

برد الدير وغليان السياسة

جئت إلى «كلية المقاصد الخيرية الإسلامية في صيدا» تلميذاً داخلياً في خريف العام 1958. كنت داخلاً إلى صف البكالوريا الأولى وأنا دون السادسة عشرة بقليل. كان أمامي سنتان إذن قبل أن أقف على باب الجامعة إذا كان النجاح حليفي، وقد أمضيت هاتين السنتين مقاصدياً. قبل ذلك، كنت تلميذاً داخلياً لسنتين أيضاً في دير سيدة مشموشة قرب جزين. هناك حصلت على الشهادة التكميلية وأنهيت السنة الأولى من المرحلة الثانوية. وأما الشوط الأطول من حياتي المدرسية، وهو ثماني سنوات، فكنت قد أمضيته في المدرسة الرسمية في بنت جبيل، بلدتي التي شهدت ولادتي ونشأتي الأولى على الطرف الجنوبي من جبل عامل. كنت قد وصلت من دراستي إلى أقصى المتاح في بنت جبيل، أي في بيت والديّ وبين أترابي وفي العالم الصغير الذي فتحت عيني عليه. فكان لا بدّ من الرحيل بعد ذلك إلى مدرسة أبعد مرمىً أواصل فيها سعيي إذا أردت أو أريد لي أن أحظى بالنصيب المأمول مما كنا نسمّيه المستقبل.

كنت معزّزأً مكرّماً في دير مشموشة، يخصّني الأب المدير برعاية رفَع من سويّتها انتماؤه إلى قرية مجاورة لبنت جبيل وصداقة جمعت بينه وبين والدي. وقد تبوّأت بسرعة بين أقراني مكانة فرضها تمكّني الاستثنائي من اللغة العربية وروايتي الكثير من الشعر فيها وإقبالي على كتابة الشعر أيضاً بحيث أصبحت شاعر المدرسة المتوّج. مع ذلك، كنت مستوحشاً في تلك الأعالي تستولي علي كلما خلوت إلى نفسي كآبة موصولة بالشوق إلى بنت جبيل… كان الدير ديراً أي معتزلاً يقيم أهله، ومن بينهم تلاميذ القسم الداخلي، في شبه خلوة وانقطاع عن سائر الدنيا، وهذه حال لا يألفها من لم يكن قد جعلها مشروع حياته. كان الخروج إلى بكاسين أو إلى جزين في النزهة الأسبوعية حدثاً لا تفهم أهمّيته إلا في ضوء احتباسنا في الدير لبقية الأسبوع. يزيد ذلك صحة أن بكاسين وجزّين كانتا شبه مقفرتين في شهور العام الدراسي. وأما الذهاب إلى المنزل حين يتوفّر يوما عطلة متتابعان أو أكثر فكان متعة عظيمة وعيداً. كان عيداً تُطوى صفحته حال ركوب السيارة للعودة إلى المدرسة. ولا أزال أذكر نوبة سرور باغتتني حين ثُقبت في صفاريه واحدة من عجلات السيارة العائدة بي إلى مشموشة. كانت تلك نصف ساعة تضاف إلى عطلة خلّف انتهاؤها في نفسي ذلك الانقباض الذي كنت قد ألفته وأصبحت أتوقعه وأنا أقترب من نهاية العطلة، أية عطلة، بل حتى من نهاية النزهة الأسبوعية.

كان في برد مشموشة وأيام الثلج غير النادرة في شتائها ما يزيد من هذا الشعور بالوحشة وقد يلغي النزهة في بعض الأسابيع. وكنت قد جئت من بنت جبيل محتسباً نفسي على «حركة القوميين العرب» ولو ان هذا الاحتساب لم يكن له أيّ معنى تنظيمي ولم تكن الحركة نفسها تشعر أو تدري به إذا استثنينا منها المعلّم البنتجبيلي الذي حَمَلني عليه. وكانت تلك أيام حرب السويس وحلف بغداد ومبدأ أيزنهاور والوحدة السورية المصرية و «ثورة» 1958 اللبنانية… وكانت مشاعرنا المتعلقة بفلسطين لا تزال على تأجّجها، يعزّزها وجود الفلسطينيين بيننا وما كنا قد عانيناه هناك في الجنوب الحدودي من حرب 1948 وعواقبها. ولم تكن مشموشة، بما هي معتزل، موضعاً صالحاً للتعبير عن هذا الغليان الذي أطلقه في نفوسنا مسلسل الأحداث المتداخلة الكبيرة التي شهدتها تلك السنوات. بل إن ما كان يتردّد في الدير من رَجْع شبه مكتوم لما كان يحصل في آفاق قريبة وبعيدة لم يكن ليرضيني أو يساير اتجاه مشاعري. فسواء أتعلّق الأمر بالرهبان أم بالتلامذة الخارجيين، أبناء جزين وقراها (وهؤلاء من كانوا يُمْلون على المدرسة مناخها السياسي الغالب، ولو من غير نشاط سياسي ظاهر من جانبهم) فإن تحسّسي وجهة الرياح المحلية كان يرجّح عندي كَبْتَ ما في نفسي. لم يكن الفتى «القومي العربي» الذي كنتُه يجد في المحيط المشموشي ذاك متنفّساً لما في صدره من عواطف ومن مواقف. وإلى البرد والسياسة، كان ثمة الغرام… الغرام الذي بكّرت إلى الوقوع فيه في بنت جبيل أشقاني كثيراً في مشموشة!

 

القسم الداخلي والمدينة

حين حللت في المقاصد تحسّنَت حالتي المعنوية تحسّناً بيّناً قد لا أغالي إذا اعتبرته انقلاباً. كان ذلك فِعْلَ المدينة مبطلاً فعل الدير. فمع أنني جئت إلى القسم الداخلي هنا أيضاً، لم يكن الانقطاع عن المدينة باتّاً بل لم يكن محسوساً في كثير من الأوقات. كنا نتمتع، نحن التلامذة الكبار، بقدر من حرّية الحركة يجيز لنا الخروج من المدرسة إذا وجدنا ذريعة مناسبة في بعض أوقات الفراغ من أيام الدراسة، فضلاً عن قضائنا العطلة الأسبوعية في رحاب المدينة. ولم نكن لنتورّع عن تجاوز هامش الحريّة المشروع هذا. فكنّا، في بعض الليالي، نتسلّق سور الملعب من جهة الجامع ونجتاز المدينة إلى البساتين لنملأ أكياس غسيلنا البيضاء بالإكّي دنيا. بل إن أحدنا حوّل خزانة ثيابه إلى مخمر ينضج فيه قرط الموز الأخضر الذي كان الإياب به، في غزوة ليلية، يعدّ فتحاً من الفتوح ويرفع فاعله إلى مصافّ المقدّمين والقادة بين الأقران.

لم تكن صيدا أوفر أنساً من مشموشة وحدها بل كانت تبزّ في هذا المضمار بنت جبيل نفسها. ولم يكن في هذا معجزة ولا كان يعني حيازة صيدا ميزات خارقة. ولكن البون كان كافي الاتساع في عين الفتى الريفي الذي كنته لإشعاري بالارتياح المؤكّد إلى وجودي في مدرستي الجديدة. كان الشتاء هنا أرفق من شتاء مشموشة. ومن ساحة ظهر المير حيث المدرسة إلى شارع رياض الصلح أو شارع الأوقاف حيث السينما كنا نقطع صيدا القديمة ومعظم الجديدة في تلك الأيام. وكانت هذه الرحلة رياضة داخلية تتحرك لها الحواس فتتسرّب إلى النفس منها متعة خفيفة يحدثها اقتران المشاهد والأصوات والروائح في الأسواق والشوارع المتتالية: في المتاجر وفي المحترفات وفي زحمة الأزقّة… وكان التنزّہ بما يتخلله من فرجة أكثر ما نفعله بأوقاتنا في المدينة. لكن أهمّ ما في صيدا كان، في نظري، السينما. فكنت أقصد الريفولي أو الشهرزاد مرّة في الأسبوع على الأقل… وبعد السينما يأتي المقهى (كنعان في جهة ورجال الأربعين في الجهة الأخرى)… هذا مع أننا لم نكن مثابرين على زيارة المقهى لضيق الوقت عن ذلك ولضيق ذات اليد أيضاً. إلى ذلك، كان يكفي القادم من الدير مثلي أن تقع عيناه ههنا على بشر من الجنسين وبينهم فتيات من جيلي يُشِرْن بمجرّد مرآهن هنا وهناك في نواحي المدينة إلى أن الأمل من هذه الدنيا غير مقطوع ويلطّف منظرهن من حدّة الشوق إلى الشعر الطويل الأسود الذي كان يلعب به نسيم بنت جبيل.

 

الطريق إلى نشرة أخرى

وفي السياسة لم تعدم المقاصد، في تلك المرحلة، مناسبات يثبت فيها تلامذتها أنهم طليعة الشارع الصيداوي وروّاد حركة التظاهر فيه بمزاجها القومي العربي. كانت البلاد، في خريف 1958، لا تزال تخرج من «الثورة» لتدخل في «الثورة المضادّة» وكانت المدرسة لا تزال تستذكر حوادث الربيع والصيف السابقين غير مستنكفة عن إضفاء مسحةٍ من الهزل على دعاوى البطولة والعبقرية القتالية. وكان التلامذة البعثيون يتصدّرون المشهد الحزبي في المدرسة ويديرون دفّة السياسة والتظاهر فيها. لم يكن حزب البعث وحده في الساحة بل كان ثمة تمثيل لأحزاب أخرى منها الشيوعي ومنها السوري القومي. ولكن معارضة هذين الحزبين للمدّ الناصري منعت أنصارهما من إظهار نشاطهم بين التلامذة. ولم أكن مصنّفاً في خانة البعثيين بل كنت أدخل مع بعضهم في سجال لا ينتهي لنعلم أي الاثنتين يجب أن تتقدّم الأخرى: «الوحدة العربية» التي كان يقول بأسبقيتها «القوميون العرب» أم «الاشتراكية» التي كان يستعجلها البعثيون؟! وهذا قبل أن يعلم الجانبان أن العرب – بهمّتهما معاً ولدواعٍ أخرى أيضاً! – لن يحصلوا على شيء من هذه ولا من تلك.

في كل حال، لم يمنع اختلاف الرأي أن يكون أقرب أصدقائي من البعثيين. وكان أهمّ ما شهدته صيدا من تظاهرات، في تلك الآونة، يرمي إلى نصرة القوميين في العراق بعد أن انشقّت القيادة التي قلبت النظام الملكي في 14 تموز 1958 إلى كتلتين: واحدة يتصدرها عبد الكريم قاسم ويدعمه الشيوعيون والأخرى يتقدّمها عبد السلام عارف ويسنده البعثيون. وكنت قد وجدت لتوّي حقلاً أستثمر فيه «شاعريتي» وهو نظم الهتافات للتظاهرات. وهذه مهمّة سيظلّ «الرفاق» يعهدون بها إليّ لعقد ونصف عقد تلوا أيام المقاصد. ومما وضعته لتظاهرات صيدا المؤازرة لناصريي العراق وبعثيّيه، أذكر هذه الأبيات، وهي عمل مبتدئ كان لا يزال قليل الدراية بما يصلح لغرض «الهتاف»:

الشعب أقسمَ لا يضامْ

وعلى المذلّة لن ينامْ

مهما طغوا وتجبّروا

فالركْبُ يزحف للأمامْ

والشعب يهتف ثائراً

لبّيكَ يا عبد السلام!

 
   
   

على أن أقرب شيء إلى الحُلُم أو إلى السحر خَبِرْتُه في سياسة تلك الأيام كان رحلة قمنا بها، نحن تلامذة المقاصد، إلى دمشق في الذكرى الأولى لقيام الوحدة المصرية السورية ووقفنا فيها بين ألوف مؤلفة من الناس ننظر إلى جمال عبد الناصر ونستمع إليه وهو يخطب فينا من على شرفة قصر المهاجرين محوطاً بساسة لبنانيين زحفوا معنا في ذلك اليوم مباركين ومجددين البيعة!.

ولا بدّ هنا من القول إن أصدقائي البعثيين السالفي الذكر لم يبق أيّ منهم بعثيّاً بعد سنتين – لا أكثر – من مغادرتنا صيدا. عانينا سويّة صدمة الخلاف بين عبد الناصر والبعث في دولة الوحدة ثم الصدمة الكبرى التي كانها سقوط دولة الوحدة برمّتها. مذ ذاك بدأ القوم يتلمّسون سبيلهم في شعاب الماركسية اللينينية ولم يلبث بعضهم أن انخرط في الحزب الشيوعي اللبناني. ومع أنهم ظلّوا أقرب أصدقائي إليّ وتوسّعت مع دخولهم الحزبَ شبكةُ علاقاتي بالشيوعيين فإنني ظللت أقاوم دواعي الانتساب إلى الحزب مقاومتي قبل ذلك دواعي التحوّل إلى البعث. وفي خريف 1963، غادرتُ الجامعة اللبنانية إلى جامعة باريس لإعداد شهادة الدكتوراه… وهذه قصة أخرى. وبعد سنتين عدت من باريس بلا شهادة ولكن بمعارف ماركسية وارفة. ولم ألبث أن بدأت الخوض مع آخرين في مخاض سياسي مغاير هو ما دعي في تلك الأيام باليسار الجديد، وكنّا فيه شديدي النفور من الحزب الشيوعي، على الخصوص، ومن رعاته في العالم. في عشر سنوات (أي بين سنّ الثالثة عشرة وسنّ الثالثة والعشرين) كان هذا هو المسار الذي توسَطَتْه مرحلتي المقاصدية وأوصلني من «حركة القوميين العرب» ونشرة «الثأر» إلى «اليسار الثوري» ونشرة «لبنان الاشتراكي»…

 

المقاصد وجوهاً ومسالك

في عاميّ المقاصديين، كان صلاح طه البابا هو مدير المدرسة. وكنّا قليلاً ما نقابله أو نكلّمه إذ كان الأمر محتاجاً إلى داعٍ وجيه. وكنّا نهابه ونصغي إليه صامتين إذا خطب فينا في مناسبة من المناسبات. أذكر من ذلك أننا كنّا مصممين على الإضراب ذات صباح في ذكرى قرار الأمم المتحدة الذي قضى بتقسيم فلسطين. فخاطبنا المدير من أعلى الدرجات القليلة التي تفصل بين الملعب والرواق المقنطر وقال لنا إن قرار التقسيم رفضه العرب ولم يرض به اليهود، ففي وجه من نضرب؟

ومن النظّار أذكر سليم المجذوب الذي كان دمثاً وظاهر الأناقة وكنّا قليلاً ما نحتاج إلى مخاطبته. وأذكر ناظرَي القسم الداخلي محي الدين حشيشو وحسين شريف وكانا مرجعينا المباشرين في معظم ما يعرض لنا من شؤون. حشيشو كان صارماً وكنا نعلم أنه شيوعي فنبادله تحفّظاً بتحفّظ. وأما شريف فكان ملايناً حريصاً على مودّة الكبار من التلاميذ: فيأذن لهذا بالخروج ساعة إلى المدينة، بعد دوام المدرسة، ويغضّ الطرف عن سيجارة يدخّنها ذاك، إلخ.

ومن المعلّمين، أذكر شعبان بركات الذي درسنا عليه الأدب العربي وعفيف الشريف الذي درّسنا الأدب الفرنسي وسلّوم الدحداح مدرّس الرياضيات وسعد الدين عوكل مدرّس العلوم. كان بركات صورة للمعلم المحافظ المتقشّف، المتعلّق بأهداب الواجب والنظام والمتبتّل للمهنة. وكانت للشريف، بخلاف ذلك، طريقة في التعبير ولغةُ جسدٍ خاصتين به وكنا نحبّ أن نخرج معه عن نطاق الأدب الفرنسي لنستفتيه في مسائل ما بعد الطبيعة! وأما الدحداح وعوكل فكان كلاهما يتّسم بحيوية وبشاشة محبّبتين وداعيتين إلى رفع الكلفة وكانا يشتركان، إلى ذلك، في الضجر الظاهر من التدريس وتبعاته. وكان في المدرسة بعثة من المدرّسين المصريين درست على واحد منهم الجغرافيا وكان اسمه رأفت الحنّاوي. وكان فيها أيضاً أزهريّ معمّم لا يكبرنا، نحن تلاميذ الصفوف الأخيرة، إلا ببضع سنوات وقد تلقينا عنه دروساً في الدين. كان شيخنا هذا يوزّع علينا دروسه مطبوعة جاعلاً لها عناوين من تلك الرائجة في تلك الأيام: «الإسلام والحرّية»… «الإسلام والاشتراكية»…، إلخ. ولكن قدرة الشيخ على جذب اهتمامنا بدروسه بقيت جدّ محدودة. لم يكن المناخ كلّه يعزّز جاذبية الدروس ولم يكن للمادّة وزن مرجّح في الامتحان الأخير ولا كانت من موادّ الامتحان الرسميّ أصلاً. ومهما يكن من شيء فإن أبرز أعضاء البعثة المصرية كان محمود الدوّة مدرّس الأدب العربي في القسم الإنكليزي من المدرسة. وقد أصبح، إلى مهمّته هذه، يلقي خطبة الجمعة في الجامع العمري الملاصق الذي كان مفروضاً أن نقصده للصلاة ظهر الجمعة ولكن كان كثيرون منا ينسلّون منه قبل الصلاة مبكّرين إلى التنزه في المدينة. هذه كانت أيضاً حال واحد من نظّار المدرسة هو عبد الله الشريف، فقد توزّع نشاطه بين غرفة النظارة ومنبر الجامع.

هذا، تقريباً، كل ما كان ظاهراً من معالم إسلامية في المقاصد الإسلامية. وفي وسط التلامذة أيضاً، لم تكن المثابرة على أداء الفروض باديةً ولا كان التوجه الإسلامي ذا مكانة ملحوظة بين الانتماءات السياسية. يستثنى من ذلك أن تلامذة القسم الداخلي كانوا يُحْملون على صيام رمضان بحجب وجبة الغداء من المطعم طوال الشهر المذكور وبتقديم وجبة السحور للراغبين. وكان غير الراغبين في الصيام (وهم كثر) يحتالون على هذه الحال بما ملكت أيديهم. فكانت أمّي، مثلاً، (وهي نفسها صائمة ولكنها مسلّمة بعزوفي عن الصيام) ترسل إليّ، كلّ أسبوع، مع بوسطة بنت جبيل – بيروت التي كان أبي شريكاً في ملكيتها، سلّة مليئة بالأطايب. فكان أصحابي المفطرون يتجمّعون حول السلّة فنأتي، في وجبة واحدة، على كل ما فيها باستثناء البيض. وعليه كان غدائي يصبح مقتصراً تقريباً على البيض لبقية الأسبوع. وهو ما كان يجعلني، بعد رمضان، أصاب بنفور طويل الأمد من البيض فلا أقربه لشهور تلي… ولا بدّ لي من الإشارة هنا إلى أن مطعمنا التقي الورع وطبّاخنا حيدر كانا يتساهلان كثيراً في أمور من قبيل قلي البيض ويساعدان بما يجب لإتمامها.

هذا وليس لي أن أغادر حديث المعلمين دون تنويه أخير لا آخِر. وهو أن المعلّم الذي لقيته في المقاصد ولبث حاضراً في حياتي سنين كثيرة بعد ذلك أستاذاً لي في الجامعة اللبنانية ثم زميلاً لي فيها وصديقاً ناصحاً على الدوام كان نزار الزين. فحين انتقلت إلى السنة النهائية أصبح هو مدرّس الفلسفة العامّة لثلاثة أو أربعة من التلامذة كانوا يشكّلون صف الفلسفة في القسم الفرنسي وكنت أحدهم. وكان هو نفسه مدرّس الفلسفة الإسلامية التي كنا ننضمّ لدروسها إلى تلامذة القسم الإنكليزي وكانوا أوفر عدداً منّا بكثير. فكنا نلازم نزار الزين ما لا يقل عن 15 ساعة من الأسبوع أي معظم الدوام. وهو ما أنشأ بيني وبينه صلة متعددة الوجوه كانت تشتمل أحياناً على النصح الطبّي أو الغذائي حين يراني هزيل الجسم، شاحب السحنة، وعلى أحاديث السياسة وعلى استمداد معارفه بمسائل وبأهل فكرٍ مما لم يكن ملحوظاً في المنهاج المعلوم، إلخ.

 

أصحاب لـصاحب صيدا والمقاصد…

نفعني الشعر والتمكّن اللغوي (ولو انه كان نسبياً بالتأكيد) ههنا أيضاً. بوّآني في المقاصد مكانة شبيهة لتلك التي كانت لي في مشموشة. أصبحت «وجيهاً» أدبياً في المدرسة وعُهد إليّ بتحرير وحي الكلّية، مجلّة المدرسة، وجنيت من هذا العمل متعة كان شريكي الأول فيها صديقي نصير مروة. ولم تخل المجلّة التي خرجت من بين أيدينا من نقد هازل اغتاظ منه بعض المعلمين. وفي نهاية مطافي المقاصدي خرجت بشهادات متنوّعة: ثلاث بكالوريات أولى: المدرسية واللبنانية والفرنسية! وواحدة ثانية لا غير: اللبنانية. نلتها في الدورة الثانية لأن بيتنا في بنت جبيل كانت قد استبدّت به حين جئته في عشايا الدورة الأولى فوضى عارمة من جرّاء انتخابات 1960 النيابية، فتعذّر عليّ التحضير. رسبت في امتحانات الفلسفة ورسب أبي في الانتخابات… كان على أبي أن ينتظر أربع سنوات قبل أن يعاود الكرّة. وأما أنا فنلت مطلوبي بعد ثلاثة أشهر ولكن تعيّن عليّ أن أختصره آسفاً إلى شهادة واحدة من ثلاث.

وفي باب الصداقة، عادت عليّ سنتاي المقاصديتان بعلاقات كثيرة صمد بعضها إلى اليوم ولبثت كلها عزيزة على قلبي ولو ان الصلة الحسية انقطعت بعد مدّة طويلة أو قصيرة. وما يميّز نسيج الصداقة المقاصدية أنه يكون منتشراً على بقاع مختلفة من الجمهورية هي تلك التي كان يأتي منها المقاصديون. بعض هؤلاء وهم نصير مروة ونزار سكرية ومحمد عبد الله (المعروف بمحمد المفتي) وأنطوان عبدو شاطرتهم السكن الجامعي في بيروت بعد أن تخرّجنا من المقاصد أو توطّدت صلتي بهم في الجامعة. وبعضهم من أمثال غسان التنوخي ومحمد بكّار أسرعوا إلى الهجرة ثم باتت تنقضي سنوات قبل أن أعلم من أمر أحدهم جديداً. وبعضهم أيضاً من أمثال نهاد حشيشو وغازي قهوجي وحسين صبّاح لا يندر إلى الآن أن ألقاهم في مقهى بيروتي أزوره في بعض الأيام. وبعضهم، أخيراً، من أمثال محمود أبو طعام ونعيم مرتضى وعبد الهادي هادي أضعت آثارهم كلياً بعد رحيلنا عن صيدا ولكن لا تزال وجوههم الودودة تملأ مخيلتي على غير موعد بين حين وحين… وقد مضى على فراقنا اليوم أزيد من نصف قرن.

ازددت «علماً» أو معارفَ من مقاصد صيدا: لا ريب في ذلك. ولكن بقي لي منها ما أجده أغلى من تلك المعارف وأهمّ. حين أقول إن المقاصد مدرستي يبعث فيّ هذا القول شعوراً بأنني صاحبها كلها، على نحو ما، بشراً وحجراً! وقد كان من المقاصد أنها جعلت صيدا مدينتي. فمن تلك الأيام بقيتُ صاحب صيدا أيضاً بشراً وحجراً! لذا يلازمني الأسف لأنني لا أزور صيدا والمقاصد أكثر مما أزورهما فعلاً. ولذا أظل أذكر بالخير لقاءين أو ثلاثة نظمّتها لنا رابطة الخريجين وأسأل أين هي اليوم رابطة الخريجين ولمَ لا تمتّعنا بلقاءات أخرى؟ سواي مقصّر وأنا مقصّر أيضاً.

بيروت في 22-23 شباط 2012

[1] كلمة أعدّت إسهاماً في كتاب مقاصد صيدا بأقلام متخرّجيها، الجزء الثاني، وهو سيصدر بعناية المهندس محمد راجي البساط.

 

 

 

كلمن | مسيحية بولس الخوري وإسلامه

مسيحية بولس الخوري وإسلامه

Source: كلمن | مسيحية بولس الخوري وإسلامه

 

 الحوار في ما يتعدّى الديانتين[1]

أحمد بيضون

 

يريدنا كتاب بولس الخوري أن نوغل، عند اختيار مدار للحوار بين الإسلام والمسيحية، نحو ما هو جوهري. وما هو جوهري، في عرف هذا الباحث العارف، إنما هو الإيمان. وهو يرى أن إدراك هذا المدار يقتضي منّا الوصول إلى ما وراء المنظومتين الدينيتين: المسيحية والإسلامية. هاتان المنظومتان ينسبهما المؤلف إلى الثقافة، أي إلى بيئة يستوي فيها الروحي موضوعاً فيعود غير ماثل في الروح أولاً. وإنما هو يَدْخلها – إذا دخل – من أبواب مفتوحة على الخارج ويأتي إليها بحمولات العالم اللاشخصي. ومع أن المؤلف يفسح من كتابه معظم صفحاته لوصف المنظومتين المشار إليهما وبسط ما فيهما من عناصر وما تتشكلان به من علاقات وتنطويان عليه من دلالات، فإن بعض عباراته تعاملهما على أنهما أشبه بعبء على الإيمان وأَوْلى بأن تعتبرا عقبة أو شبكتين من العقبات، بالأحرى، في طريق الحوار. وما ينصبه الباحث في وجه المنظومتين المشار إليهما إنما هو منظومة وقائع ثالثة يراها غلابة ويبدو منه ميل إلى التسليم بسلطانها، وهي ما يسميه، هو وغيره، الحداثة.

المنظومتان الدينيتان تبدوان إذن مأخوذتين بين محنتين تمعنان فيهما طعناً ولكن على نحوين مختلفين. الحداثة تفرض عليهما حالة من عدم التكيف العملي أو من الغربة المشوبة بشعور بالتخلّف عن غايات عاد من غير الجائز التقصير عن إدراكها. هذه الغايات تتمثّل ببنى مادية غامرة الحضور، ولكنها تتمثّل أصلاً، فيما يتعدّى البنى المادّية، ببنية عقلية وبشبكة قيم وأهداف تمثّل كلها انقلاباً صريحاً على تلك التي كان يتحكم بها الدين. والمؤلّف – وإن يكن لا يفر الحداثة من نقد المؤمن المتمسّك بخياره الروحي –  ينتهي (أو هو يبدأ) بانحياز إجماليّ إليها على أنها سمة العالم الحاضر. وهذا انحياز يقف به، على نحو غير خفيّ، في مواجهة المنظومتين العمليتين المسيحية والإسلامية ويصحّ اعتباره استعداداً لإعادة نظر جذرية في “العقلية” التي تتبدّى على أنها علّة افتراقهما عن مبادئ الحداثة.

على الجهة الأخرى من المنظومتين الدينيتين، يتراءى الإيمان على أهبة نقد من طراز آخر ومن منبع مغاير، على الأخص. فالإيمان إذ يباشر عمل نقد داخلي لمنظومة دينية يرى انتماءها إلى نسبية الثقافة، إنما يفعل باسم المطلق الذي هو موضوعه. وهو يردّ بالنقد ما كانت المنظومة نفسها قد ابتلته به من وجوه التحوير وهي تسعى إلى تجسيمه في أفعالٍ حسّية وبنى مادّية. على الرغم من  هذا التغاير في طبيعة النقدين الإيماني والحداثي ومصدرهما، يتبديان، في حجاج بولس الخوري، متضافري الفاعلية، متآزرين لتطويع المنظومتين الدينيتين لغاية الحوار المثلى ولأغراضه المحدّدة أيضاً. وهما، أي الإيمان والحداثة، إذ يفعلان هذا الفعل ويتآزران هذا التآزر ينتهيان إلى الغضّ الواضح من شأن المنظومة الدينية ومقامها، سواء أكانت مسيحية أم إسلامية، بالقياس إلى سموّ الإيمان وإلى ضرورة الحداثة وحتمية التحديث ولو محتاجين إلى ترشيد .

أوّل الأسئلة التي أجيز لنفسي طرحها على هذا الكتاب يتناول، على وجه التحديد هذا التمييز الذي هو عماده ما بين الإيمان والمنظومة الدينية. لا أسأل عن شرعية التمييز، فلطالما أبرزت شرعيته الخبرة: خبرة أهل الأديان وخبرة نقّادها. ولا أسأل عن الحقّ في امتحان المؤمن صلاح المنظومة الدينية بمحكّ الإيمان، فهذا – فيما يتراءى لي – حقّ يتعذّر الطعن فيه. وإنما أسأل عن الصفة العملانية لهذا التمييز بما هو، في نظر بولس الخوري، الباب الأوسع للحوار المسيحي الإسلامي. هل يبقى الإيمان موضوعاً ممكناً لكلام (هو، في الحالة التي نحن بصددها، حوار ذو طرفين) عندما يحصل عتقه من المنظومة التي تجسّمه منظوراً وتصوغ الصور الموضوعية لتجلّيه؟ ألا يصبح الإيمان، عند تمام هذا العتق، أشبه بالنقطة الهندسية التي لا يعرف لها قِوام إذا خفي الخطّان اللذان هي ملتقاهما؟ هل يسع المتحاورين مباشرة الكلام في إيمانهما من غير أن يباشرا العودة كلّ إلى منظومة تصف الإيمان موضوعاً وخبرة وصيغاً لعلاقة أو لعلاقات وعواقب مستتبعة؟

هذا أوّل الأسئلة وأَوْجَهُها، في نظري، لم أقاوم الرغبة في تقديم طرحه على كلام لي في تقريظ الكتاب أراه لا يقلّ أهمّية عن جملة ما يسعني أن  أطرحه عليه من أسئلة. وهو كلام على ما أحبّ تسميته رياضة الإخلاص التي يقدّم هذا الكتاب نفسه وكاتبه على أنهما مثالان لها. وما أسميه رياضة الإخلاص هو هذا الجهد المنتشر في كل فقرة بل في كل عبارة لفهم الغير حقّ فهمه مع حفظ النفس. فلا أثر هنا لظلم يداخل أصل الموقف من الإسلام أو يقع على المسلمين من جانب هذا المسيحي المؤمن. ولا أثر أيضاً لتزلّف يراد به تهوين ما ليس بهيّن أو استدراج من لا يحمله إيمانه على القرب. وفي هذه الرياضة، يبدو المؤمن ضالعاً في إيمانه إلى درجة تسهّل عليه ما ليس يسهل على ذي دين: أي هذه الحرّية في معاملة المنظومة الدينية التي يصدر عنها وفي الكلام عليها وعلى المؤسسة التي تجسّد حضورها في العالم وترعاه. وما أسمّيه ظلماً للغير يبرأ منه هذا المؤلّف، إنما هو خلاف العلم بقدر ما هو خلاف الإنصاف. ويزيّن لي هذا الفهم المعنى القرآني للظلم: وفيه يبدو الأخير، بما هو أخ شقيق للظلام، مرادفاً للجهل وخصيماً للصواب. نحن مع بولس الخوري في حوزة العالم أو، على الأصحّ، في حوزة العارف، وهذا ما يمنح الإخلاص ههنا تمام معناه.

ومن قبيل التشبّه بالكريم الذي هو موضوع حديثي، أمضي قدماً في أسئلة أطرحها على الكتاب. وفي تخميني أن بعضاً من أسئلتي اكتسب بعض مسوّغه من طول الزمن الذي مضى على ظهور هذا الكتاب أوّل مرّة. فمن الصفحات الأولى، نشعر أن المؤلف مقيم في مناخ الحداثة المنتصرة، بما هي نظام لجانب من العالم وبما هي مثال يرتجي تحقيقه الجانب الآخر، وفي مناخ ما واكب ذلك الانتصار من انسحاب غربي (أو ممّا بدا أنه كذلك) من قيم الدين… والراجح عندي أن هذا المناخ كان سيتغير كثيراً أو قليلاً لو أدرك الكتاب ما أطلق عليه، بعد حين، اسم الصحوة الإسلامية وما جرّته هذه الصحوة من عقابيل شرقية وغربية ما نزال نعاين ونعاني نارها ودخانها إلى يومنا الحاضر. يدرك القارئ المتنبّه أن الكتاب الذي ظهرت طبعته الأولى سنة 1973، ألّف في عشايا هذه الصحوة لا في إبّانها وأنه نشر قبل أن يبلغ المثال الحداثي أيضاً ما بلغه في العقود الثلاثة الأخيرة من تضعضع وعجز عن حفظ ما كان ممتّعاً به في المرحلة السابقة من ظاهر الإجماع. ذاك – أي اختلاف الحال بين أمس هذا الكتاب ويومه – أمر كان يحسن تنبيه القارئ، في تصدير الكتاب أو في مقدّمة جديدة له، إلى وقعه على مضامين النص ونَفَسه.

 

  • ●●

 

وأما الأسئلة التي طال تلويحي بطرحها على هذا الكتاب فقد يجوز لي إجمالها في واحد: هل أخذ التعدّد حقّه في كل من المنظومتين المسيحية والإسلامية عند وضع كل منهما بإزاء الأخرى للنظر فيما يستبقيه منهما حوار يرتكز، في ما يتعدّاهما، على وحدة الإيمان وينظر من علياء هذه الوحدة أو من عمق أفقها، بالأحرى، في أنسابهما الثقافية؟ لم يهمل المؤلف ما في المسيحية من مذاهب كبرى وصل الأمر باثنين منهما (هما الكاثوليكي والبروتستانتي) إلى إطلاق اسم “الديانتين” عليهما، ولو أن هذا نادر في الاستعمال العربي. يكرّس المؤلف فقرات للحديث عما تفترق به الكاثوليكية والأرثوذكسية والبروتستانتية. وهي فقرات مشربة إنصافاً وحسن تمييز للجوهري من العرضي، شأنها في هذا شأن سائر الكتاب. ولكن حين ينزل رب المسيحيين ورب المسلمين أو صورتا الرب الواحد بالأحرى إلى ساحة الحوار، فإن الصورة المعتمدة للرب المسيحي، في هذا الكتاب، تعود – في ما يبدو لي – صورة كاثوليكية. وهو ما ييسّر وضع الربّ المتعالي، إله المسلمين، في مواجهة الربّ المتأنّس إله المسيحيين والقول بوجود توق إنساني إلى التأله في المسيحية يراه المؤلف مفقوداً من الإسلام.

وما أراه أن هذا تشخيص تقبل زواياه الكثير الكثير من التدوير وذلك من الجهتين المسيحية والإسلامية معاً. فمن الجهة المسيحية، تبدو الحظوة بالنعمة وبالخلاص، عند البروتستانتيين، مرهونة بإرادة ربانية مطلقة الحرّية، لا تغيرها أعمال البشر. وتبدو القداسة مختصّاً بها الله فلا تعدّ حالّة في مخلوقاته. وتظهر إرادة الله لغزاً عصيّاً على الترجمة أو يبدو صمته أشبه بريح باردة تشيع الوحشة في عالم داخلي أو خارجي ينتظر كلمته ونوره بلا طائل. ظهر هذا الشعور بالشكّ الملازم للإيمان وبالغصص أو بالوحشة حيال صمت الله واستعصاء مشيئته وخططه على فهم البشر في تعبيرات فكرية أو فنية متناهية الروعة عند بروتستانتيين أو ذوي أصول بروتستانتية من أمثال سورين كيركيغارد وبعده فريدريش نيتشه في الفلسفة أو إنغمار برغمان في السينما، إلخ. الإيمان ههنا علاقة شخصية بالخالق، ولكن هذه العلاقة قد يشاء لها الله الاضطراب أو الانقطاع فيبدو الله وكأنه قد خرج من نظام العالم ومن قلب الإنسان حتى ليمكن القول إنه قد مات. زبدة القول أن الله في هذا العالم البروتستانتي، بمرجعيته التوراتية الغامرة الحضور، لا تطّرد فيه تلك الدرجة من القرب والألفة التي يصف بها المؤلف إله المسيحيين وتزكّيها صورة الطفل الإلهي ابن الإنسان.

ولعلّ في غلبة الحضور الأميركي، وقبله البريطاني، على ذاك اللاتيني في العالم الإسلامي، وهي غلبة استغرقت القرنين الفائتين، ما يزيّن الاهتمام الخاص بلاهوت البروتستانتيين وتقاليدهم عند البحث في احتمالات الحوار المسيحي الإسلامي وفي شروطه. فحين بدأ البحث في الردّ على ضربة الحادي عشر من أيلول، قدّم الأميركيون مبدأ الحرب العادلة وكأنه اعتذار مسبق من مسلمي أفغانستان والعراق الذين سيتعين قتلهم في الأعوام التالية. أي أن جانباً من الإعداد للحرب تولاه اللاهوت البروتستانتي، وهذا مع العلم أن المرجع كان أوغسطينوس وتوما الأكويني أي كان مسيحياً سابقاً على الإصلاح اللوثري. هذا يلفت أيضاً إلى الحضور الضئيل، في كتاب بولس الخوري، للحرب وللعنف بما هما موضوعان للحوار بين الديانتين بعد أن ظلا زمناً متمادياً ينشران ظلالاً رهيبة على ساح العلاقة بين العالمين. على التعميم، لا تبدو أميركا بلادأً كشف الدين سحره عنها إلى الحدّ الذي عرفته فرنسا وتكوّن من جرّائه تصوّر بين تصوّرات للحداثة هو الذي يأخذ به المؤلف.

فإذا كان هذا المعبود البروتستانتي قد ارتدّ خطوات نحو ربّ العهد القديم واقترب بذلك خطوة من ربّ القرآن، فإن هذا الأخير ليس مثابراً على التعالي ولا معلياً أسوار التغاير بين ما هو وما هم البشر إلى الحدّ الذي ينسبه إليه المؤلف. الله في الإسلام يحتمل، بما هو المطلق، مطلق التفارق بين صفاته. ويُنْسب إلى علي بن أبي طالب وصف القرآن بأنه “حمّال أوجه”، وهذا وصف يصحّ، أوّل ما يصحّ، في ربّ القرآن. ونكاد لا نحتاج إلى الإشارة إلى أن العزيز الجبار القهار المتكبر هو نفسه الرؤوف الغفّار الرحمن الرحيم. وقد أمكن أن يقول النبي لصاحبه وهما لاجئان في الغار بعد أن خرجا من مكّة وخرج في طلبهما المشركون :”لا تحزن إن الله معنا”. حضور الله هذا يطلبه المؤمن في كل حين، إيناساً لوحشته أو قضاءً لطلبته أو ردّاً لأذيّة يخشاها. وهو عند ذوي الإيمان حضور شخصيّ لله، يحصل في القلب، شأنه شأن ذاك الذي ذكره النبي لأبي بكر في الغار، وليس هو بالمدد غير الشخصي. فالله يقول عن نفسه إنه “قريب” يجيب دعوة الداعي إذا دعاه وإنه الذي بذكره “تطمئن القلوب” وإنه “يحبّ المؤمنين” ويحبّونه. ولا يمنع ذلك أن يكون الله هو من يُرى الجبل “خاشعاً متصدّعاً” إذا نزلت عليه كلمته ولا يمنع أن يأخذ الله المذنب بذنبه إذا لم يشأ أن يغفر له وان يذيقه عذاب النار.

هذا التقابل بين صفات توحي بالمغايرة والبعد وأخرى توحي بالقرب إلى حدّ التشبّع أو الاستغراق ينعكس اختلافاً بين المدارس والمسالك في الإسلام في تقدير الإمكان المتاح لاقتراب البشر من التأله أو القول، بخلاف ذلك، بامتناعه المطلق عليهم وصولاً إلى تكفير القائلين بشيء من قبيله. في الإسلام الشعبي الذي تعرفه مشارق الأرض ومغاربها، يكثر أن يوجد بشر ذوو كرامات وقد تتنزّل الكرامات في الأشياء أيضاً. والكرامة هذه قبس من الحضرة الربّانية يحلّ في الشخص أو في الشيء فيجعله ذا بركة أو شفاعة، وقد يحدث على يديه ما يدخل في باب المعجزات. حين نجيل بصرنا في ما يصحّ أن يسمّى قارّة الباطن في الإسلام، وهي المشتملة على أنحاء متباينة على التشيّع والتصوّف، على العرفان والإشراق، نقع على تداخل لا يخفى أثره، في كلّ حال، ويتعذّر فصمه، في الأحوال القصوى، ما بين الإلهي والبشري.

يبدأ هذا، عند الشيعة مثلاً، بإطلاق ألفاظ من قبيل المتألّه والربّاني والمقدّس على أشخاص وأشياء. ثم يرتفع عندهم درجة مع الأئمة المعصومين الذين لا تبدو سلسلتهم بعيدة، في البعض من أمّهات الكتب الشيعية، عن تمثيل حضور إلهي في نسيج العالم: حضور منصوب، في أطوار متتابعة بغير انقطاع، بين بداية الخلق ونهايته، إذ يبدأ قبل آدم وتقطّعه النبوءات حقباً لكلّ منها ظاهرٌ وباطن ثم يدخل، بعد محمّد، طوراً جديداً هو طور الحقيقة الباطنة مع الأئمة الإثني عشر ويمثله، في عصر الغيبة، المهديّ المنتظر، وهو حيّ وغير ظاهر، وتطلق عليه (بين ما يطلق من أسماء وصفات) صفة “بقية الله”. هذا قول نجد ما يعادله، بمنحاه الحلوليّ عند صوفي كبير من أهل السنّة هو ابن عربي وعند سواه من أصحاب الطرق. وفي كثير من أمّهات النصوص الشيعية، الإيرانية بخاصّة، لا تبدو الحدود محكمة الرسم ، لهذه الجهة، ما بين التشيّع الإثني عشري ومن يوصمون من الفرق الشيعية بالغلوّ في الأئمّة أو في اوّلهم على التخصيص. ولا تعدّ كشفاً الإشارة إلى الشبه بين المهدي والمسيح الذي تشترك أديان التوحيد الثلاثة في القول بظهوره في آخر الزمان. وهذا شبه أفضى بأصحاب العقيدة المهديّة (وهم ليسوا من الشيعة حصراً) بالقول بظهور المهدي والمسيح معاً: يتساندان، بأكثر الصور عنفاً، في ملئها قسطاً وعدلاً بعد أن ملئت ظلماً وجوراً.

في هذه الحالات الإسلامية كلها، يتبدّى إمكان استيلاء الله المباشر على قلوب البشر وأيديهم وعمله من خلالهم ما ليس لهم أن يعملوه لو ألزموا حدود طبيعتهم البشرية. يتبدّى ذلك في الإسلام الشعبي وأكثره سنّي وفي التصوّف والعرفان وأكثرهما سنّي أيضاً وفي التشيع بسائر مدارسه وأوساطه. فإذا وقفنا عند هذا المنحى المنتشر في الإسلام وقوله بإمكان نوع ما من الاستدخال البشري للألوهة وقرنّاه إلى استعادة “ربّ القوّات” شيئاً كثيراً من تعاليه وشدّة بأسه في المسيحية البروتستانتية، أصبحت دعوتنا إلى تلطيف مواجهة نراها مفرطة الحدّة بين صورتين للرب ولعلاقته بالبشر، إحداهما مسيحية والثانية إسلامية يراهما له بولس الخوري دعوة غير ظالمة ولا مشتطّة. أو ان هذا ما نأمله، في الأقلّ. وهي، في كل حال، دعوة تؤول إلى تسهيل الحوار ما بين الديانتين إذ تستكثر من مساحات اللقاء بين المنظومتين وتستبعد الإيحاء بلزوم الخروج منهما معاً نصرة لقضية الحوار. أي أن عمل التقريب الذي نقول بابتدائه من صورتي الرب وإمكان تألّه البشر إنما يصبّ مزيداً من الماء في طاحون بولس الخوري. وكيف لهذا أن يكون عندنا إلا مدعاة للغبطة. فهذا، وأيم الحقّ، طاحون مبارك!

لم أكن في هذه القراءة محامياً عن دينٍ أيّاً يكن. فمعاذ الحق أن يحتاج إلى محامٍ دين يتناوله بالتمحيص والتشخيص بولس الخوري. ولا أهلية لي لتمثيل دين ما: فلا هذا يقبل مني ولا أنا طالبه. وإنما كنت مجرّد قارئ لهذا الرجل: لا أنا أيضاً من أهل الصناعة ولا أنا أمّي فيها. لست من أهل التديّن أصلاً ولكن أشغف بالخبرة الدينية، على عمومها، ويجذبني الصدق فيها بما أنا إنسان ولكن يستوقفني الزور حين يظهر فيها أيضاً بما أنا من مزاولي الدرس الاجتماعي. وقد كنت مع بولس الخوري في دائرة الصدق المحبّ حصراً. فعسى أن يتقبّل مني قراءة الإنسان، ويبقى له، بطبيعة الحال، أن يرفض خلاصات الدارس إذا لم يجد فيها ما يقنع أو يفيد.

بيروت في 15-16 أيلول 2011

[1]  قراءة لكتاب:

Paul Khoury, Islam et Christianisme, Dialogue religieux et Défi de la Modenité, Collection Pensée religieuse et philosophique arabe, L’Harmattan Paris 2011, 3ème edition ( 1ère edition: 1973 ).

قدّمت في جلسة مناقشة للكتاب وتكريم لصاحبه في سرايا الفنّ، بكفيّا، في 16 أيلول 2011.

سمير فرنجية أو الإياب من أقاصي العنف

سمير فرنجية أو الإياب من أقاصي العنف[1]

 

أحمد بيضون

 

ضمير المتكلّم

في المقدمة التي وضعها جان بول سارتر لكتاب فرانز فانون معذّبو الأرض شكا الفيلسوف الفرنسي خلوّ التراث الأوروبي، بعد إنجلز، من تأمل يعتدّ به في العنف وموقعه من التاريخ… باستثناء ما سمّاه “ثرثرة جورج سوريل الفاشستية”. جاءت هذه الشكوى مقترنة بدعوة الأوروبيين إلى قراءة الكتاب: كتاب فانون على أنه كلام الضفة الأخرى، ضفة المقهورين، في مسألة العنف هذه.

حين يفتتح سمير فرنجية كتابه بتأمّل في العنف حفزته خبرته اللبنانية مقترنة بقراءته لرينيه جيرار، يحملنا على السؤال: كلام من هذا الذي نقرأه في الكتاب؟ والحق أنه إذا كانت هوية فانون وموقعه ماثلين لنا منذ الصفحة الأولى من كتابه، فإن شيئاً يصعب تعيينه باسم أو بوصف، في كتاب فرنجية، يغري باعتبار هوية الكاتب وموقعه محصّلة مسار: مسارٍ هو ما يترسّمه الكتاب وهو ما ينجلي الموقع والهوية عبر محطّاته فلا تسطع ملامحهما إلا في خواتيمه. حتى إن القارئ يوشك، بعد الانتهاء من قراءة الكتاب، أن يستشعر رغبة في تصفّح معكوس له يبدأ من آخره وينتهي إلى أوّله: تصفّحٍ ينطلق من الخواتيم الجازمة ليمنح ما يتخلل الصفحات من تردّد وشكّ مكتومين، يتصاعد حضورهما رجوعاً، ما يستحقّانه من إمعان نظر. فهذان التردّد والشكّ يميطان اللثام بأصدائهما النابضة في الجمل والفقرات عن الخبرة التي لا يسعها أن تصل في الجزم إلى حيث يصل التحليل وعن الإنسان الذي يخشى عواقب مقترحاته فيترك فيها من التحسّب ومن توقّع العثرات ما قد يستغني عنه السياسي الداعية أو المصلح المعوّل على القيم المعتمدة وعلى النظر المجرّد.

مع ذلك تتجاوب في صفحات الكتاب قوّة إقناع وشدّة أسر غامرتان. وما هاتان إلا مشاطرة الكاتب القارئ هذا المزيج من الحجّة ومن الشعور الذي أرهفته الخبرة بحدود الحجج كلها. هذا الشعور الأخير يغتذي ممّا يعاينه المتأمل من لبس واختلاط في معالم المشهد اللبناني ومن عسر في استخلاص إرادة جازمة أو إرادات تصح نسبتها إلى اللبنانيين. وهو يغتذي، في ما يلي اللبس والاختلاط هذين، من الصعوبة التي يلقاها من يحاول تعيين الوقع المحتمل لأي تدبير إصلاحي أي ما يمكن أن يفعله اللبنانيون بهذا التدبير وبأنفسهم أو بعضهم ببعض. وذاك أن كل ما يمكن عمله في هذه البلاد يحتمل أن ينقلب إلى شيء مغاير لما أراده الطالبون والملبّون. وهذا في حين لا يمكن فيه ادّعاء القدرة على البقاء بلا حراك، إذ لا يعدو زعم السكون (أو هو قد لا يعدو، في الأقلّ) أن يكون زيادة في سرعة الاندفاع إلى هاوية جديدة.

من هذا الباب، أحبّ أن أصرّح بانجذابي إلى ما في هذه الصفحات من غنائية مُلْجَمة، سارية في ما يتقدّم إلينا على أنه مزيج تتباين، من مسألة إلى مسألة، نِسَبُه من المعاينة أو الملاحظة وما يتبعهما من تركيب المشاهد ومن التفسير ومن تبين السبل المتاحة والإشارة إلى الأمثل من بينها. ولم يكن هذا شأني بالضرورة حين كنت أقع على كلام كتبه سمير فرنجية أو نطق به بما هو سياسي كان، على الدوام، واضح الانتساب إلى وسط معلوم في السياسة اللبنانية أو إلى جماعة بعينها من جماعاتها. كنت أعرف أن كلامه هو كلامه وأنه بعيد عن أن يكون كلام أي كان من وسطه أو من جماعته. وكنت، على الرغم من ذلك، أمضي معه شوطاً يطول أو يقصر ثم أقف غير مسلّم بهذه أو تلك من الحصائل. في هذا الكتاب يبقى الرجل هو نفسه ولا ينكر موقعاً ممّا تداوله من المواقع. ولكنّه يستعيد ههنا تجربة حياة تصبح أشدّ كثافة وأجزل مضامين كلما اقتربنا معه من يومنا هذا. وهو يبدو، في هذه الاستعادة، وقد بات عصيّاً أبلغ العصاوة على الردّ إلى جماعة أو وسط. هو هنا كل ما عاين وخبر وكل ما قال وفعل، ولكنه وجه وشخص لا يقوم مقام أحد (فرداً كان الأحد أم جماعة) ولا يقوم مقامه أحد. هو يمثّل نفسه ههنا فيستوي فوق التمثيل وفي خارج منطقه.

 

في “العنف الحكائي”

هذا وليس مرماي في هذه العجالة إلى إيجاز الكتاب. وإنما مرادي الحضّ على قراءته، وهو ما لا يمنع، في عرفي، من طرح الأسئلة وإبداء الملاحظات. نحن، مع هذا الكتاب، حيال محاولة نادرة لاتّخاذ نظرية بعينها في العنف، هي نظرية رينيه جيرار، دليلاً يُقرأ على هديه تاريخ لبنان المعاصر أو الشطر الأقرب إلينا من هذا التاريخ، في أدنى تقدير. وتقوم القراءة على لحظ اضمحلال أو تضعضع نسبي لفاعلية ما نسميه البنى التقليدية، أي العوائل والطوائف، على التخصيص، في سياسة الهويات والفوارق الجماعية التي كانت حتى أوائل عهود الاستقلال، تنتظم المجتمع اللبناني فتحدّد مسارب التبادل الرمزي فيه وتتحكّم في اقتصاد العنف الذي يطرح إمكانه، بالضرورة، وجود أغراض مشتركة يفترض أن تتشاطرها الجماعات، على اختلافها صفاتٍ وأحجاماً وعلاقات. والفرضية المعتمدة هنا هي أن ما يزكي غلبة العنف وإفلاته من عقاله ليس وجود الفوارق الراسخة التي تسوسها تقاليد مجمع عليها وإنما هو تضعضع الفوارق واستشراء التشابه الواقع بين أفراد متذرّرين يلفون أنفسهم عراة أو شبه عراة مما كانوا ينمازون به من انتماء يخصّهم ويؤمّنهم في نطاق جماعة. ذاك ما خلص إليه جيرار إذ افترض أن “حكائية” الرغبة تفضي، عبر تسلسل البدائل، إلى الاستغناء عن موضوع للرغبة يسوّغ العنف ما خلا ظهور الرغبة نفسها عند الآخر. هذا فيما كانت الماركسية قد استنبتت العنف من الندرة ورجّحت اقترانه بالثورة على خصم طبقي لن يسلّم ما بيده طوعاً فجعل إنجلز العنف، في عبارة شهيرة، قابلة للتاريخ. ثم جاء فرويد ليقرن العنف بالتعبير الغريزي عن الحياة ولينصبه، من الجهة الأخرى، في مواجهة الحياة، واحدة من غريزتين أساسيتين تصل جذورهما إلى أداء الجسم الحي لوظائفه… وإذا وجد ما يشترك فيه هؤلاء النظريون فهو جعلهم كبت العنف أو ضبطه وتنظيمه وظيفة رئيسة للأنظمة الاجتماعية أو، على الأعمّ، لحضارات البشر.

فأما أن تعدّ البنى التقليدية، في حال تماسكها، مقتدرة – على ما يؤكّده سمير فرنجية – في تدبير توزيع للهويات واقتصاد للعنف يحصره ويعقله بأصول وحدود معلومة فهذا أمر لا ريب فيه. ويكفي من هذا القبيل الاطلاع على الأعراف التي تنتظم حياة البداوة فتتحكّم في الغزو وفي الثارات وفي الصلح والديات، إلخ. ويكفي أن نستذكر، على سبيل المثال، ما كان يسمّى أيام العرب في الجاهلية وهي أيام اعتبر بعضها منتظماً في حروب استوت بطول مدّتها مضرب مثل: كحرب البسوس أو حرب داحس والغبراء. هذه الحروب كانت الواحدة منها لا تقتل في سنين ما تقتله اليوم، في ثوانٍ، سيّارة مفخّخة واحدة.

صحيح أيضاً أنه كان من اقتحام سلطة الدولة الجديدة، في بعض الحالات، حصون هذه الجماعات التقليدية في لبنان المعاصر ومن إنشائها صلات مباشرة بأفراد منها ونَظْم هؤلاء في أجهزتها وشبكاتها ما أخذ يمتحن تماسك هذه الجماعات ويهزّه. صحيح أيضاً أن مدّ الهجرة والهجرة الريفية شتّت شمل العائلات وأن بروز المتعلّمين والأثرياء من ذوي الطموح المستجدّ راح يمثّل تحدّياً لبيوت الزعامة والسلطة في العوائل وفي البلدات والقرى وفي أحياء المدن وضواحيها. على أنه يبدو لي أن انتشار “التشابه” بين الأفراد أو عري هؤلاء من فوارق تميّز انتماءهم وتحمي هوياتهم لم يكن غير ظاهرة هامشية، في الحالة اللبنانية، أو هو أقرب إلى أن يكون فرضية حملت الأفراد على استباق تفرّدهم واستفرادهم بإعادة الانتظام.

فإذا صحّ هذا كان علينا أن نضيف ملاحظة أخرى: وهي أن استفحال “التشابه” (بين الأفراد) أو “التسوية” (بمعنى التقارب في المستوى بين الجماعات)، في وجوه بعينها من الحياة الاجتماعية، يكون من شأنه، في حالات (من بينها، بلا ريب، حالة المجتمع اللبناني ابتداء من عشايا الحرب) أن يزيد من بروز التفاوت في وجوه أخرى وأن يشحن هذا التفاوت باحتمال العنف. فما كان الاحتجاج عليه محدوداً، من تفاوت بين مواقع الجماعات في النظام السياسي وكان يسوّغه أصحاب الحظوة بأنواع أخرى من التفاوت، لا يستغرب أن يصبح الاحتجاج عليه عارماً حين تتقارب الحظوظ من التعليم ومن الثروة، إلخ.

 

عوائل وطوائف…

هذا ولم يكن ما أشرنا إليه من إعادة انتظام للأفراد  انقطاعاً عن البنى التقليدية بعمومها. وإنما كانت الإعادة أقرب إلى اعتماد بعض من تلك البنى في مواجهة بعض. وإذا لم يكن من التسمية بدّ فإنه يجوز القول، دون افتراض للعمومية أو للبتّ، إن الطائفة الآخذة بناصية الحياة الحديثة من تعليم متنوع ومن تصرّف رأسمالي بالعمل وبالثروة قد استظهرت على العائلة، في ميزان للقوى متعدّد الأوضاع بتعدّد الحالات والمواقع. لم يتحصّل هذا الاستظهار لجميع الطوائف في الوقت عينه ولا بالنسبة نفسها. وإنما جاءت إليه تباعاً وعلى تفاوت في ما بينها فرضه تباين المسارات التاريخية والدواعي والإمكانات. بقي تبعثر الشبيبة الشيعية بين تنظيمات اليسار والأحزاب القومية، وهو التبعثر الذي يضرب مثلاً مفضّلاً على التذرّر وتداعي البنى التقليدية، ظاهرة أقرب إلى الهامشية في عينِ مَن عاينها وعرف حدودها، إذا هي قورنت بالثبات النسبي للزعامات العائلية، من جهة، وبالتوسّع المتدرّج لزعامة صريحة الصفة المذهبية وغامرة المدى الطائفي هي الزعامة الصدرية، من الجهة الأخرى. ولم تلبث هذه الظاهرة الأخيرة أن راحت تستوعب الأولى (أي التبعثر) ابتداء من أوائل السبعينات…

كانت مركزية سلطة الدولة وضرورة استيعاب ضغوط الهجرة الريفية على العائلات وعجز هذه الأخيرة عن حمل مطامح المتعلمين المسرعين إلى التكاثر، إلخ.، تزكّي كلها أفضلية الطائفة على العائلة، بما هي (أي الأفضلية) ظاهرة متصدّرة للمرحلة ولكن لا يمنع تصدّرُها صمودَ حالاتٍ مجانِبة لها ولا بقاءها هي نفسها عرضة للانتكاس. فإذا وُجد سلوك حكائي، بمصطلح جيرار، في العقد الذي سبق الحرب وفي الحرب نفسها، فإنما هو – في ما أرى – هذا التبلّر المتقابل للطوائف وليس تذرّر الوحدات التقليدية، بما هي حواضن للهويات، ولا ما يلي ذلك من استشراء التشابه بين الأفراد واضطراب بوصلات الهوية عندهم. هذا التقابل الحكائي جالب للعنف بالتأكيد، وهو ما يردّنا إلى جيرار ويزكّي أساس فرْضيّته. فهو (أي التقابل) في الواقع، استنفار يتنازع أطرافه أنصبة غير مقرّرة بأعرافٍ مُجْمَع عليها أو بتقاليد مستقرّة وهي أنصبتهم الخاضعة لموازين قوى متحرّكة في كل من الدولة والمجتمع. أو لنقل: في كل من الدولة والمدينة، فإن هذا أقرب إلى ماجريات النزاع اللبناني.

أقول إن السلوك الحكائي الذي اعتمدته الجماعات الطائفية تعزّز في العقد الذي سبق الحرب (فكان من مظاهره، مثلاً، نشوء الحلف الثلاثي وسقوط الشهابية في انتخابات 1968 النيابية) وظل يتعزّز في الحرب نفسها… والحال أن الحرب، بما هي عنف، كانت قابلة ممتازة لتبلـّر الطوائف. فالحرب، على نطاق البلاد، إنما تخاض بالطوائف أو بالتنظيمات الطائفية، بالأحرى، بما لهذه من بعد متصل بتكوين الدولة ومن مداخل إلى النزاع الإقليمي، فيما يستبعد أن تصلح لخوضها العائلات والأحلاف العائلية. ويستوي تبلّر الطوائف هذا مجلبة محتملة للعنف بعد أن يعزّزه العنف. وقد أشرنا إلى الأمر الأوّل ويكاد الثاني يستغني عن الإشارة. فمن البيّن أن العنف ينشئ الأسوار، من نفسية وحسّية، بين أطراف كانت إلى الأمس متخالطة وأنه، في كثير من حالاته، يتّخذ إنشاء هذه الأسوار وتمتينها أو ردع الرغبة في هدمها هدفاً صريحاً له. وفي الأقوال السائرة أن العنف يجرّ العنف وأن العنف دوّامة أو لولب (spirale بالفرنسية)… وفي هذا الكلام ما فيه من أثر الخبرة التاريخية وليس هو بالقول الذي جعل منه التكرار عادة لفظية فارغة.

 

طائفتان أم ثماني عشرة؟

ولم يكن توطّد الطائفية هذا ليمنع – بل كان يرجّح! – الاقتتال في صفوف كل من المعسكرين المتواجهين. وذاك أن الكلام على ديانتين تهيمنان متواجهتين في لبنان كان، على الدوام، كلام أناس ضعيفي المعرفة بالأرض أو خائفين من التصريح بما يعرفون وأن كثرة الطوائف أَوْقَعُ بكثير من هذه الإثنينية وأن هذا الوقع قد زاده الزمن وحوادثه قوّة. ولقد كان الميزان بين طوائف كل من الديانتين واحداً من الأسئلة التي افتُرِض أن الحرب جعلتها معلّقة ويسعها أن تأتي، في نهاية المطاف، بجواب جديد عنها. لم يكن التشكيل الجديد للبلاد بتظهير البعد الطائفي واستظهاره على ما عداه ليمنع أيضاً نوازع الهيمنة ونشوب الصراع بين المكوّنات السياسية لهذه الطائفة أو تلك. فإن الصراع على الطائفة الواحدة كان، في هذه البلاد، واحداً من المرامي الكبرى والأبعاد المحتومة للحرب الأهلية العامّة. حتى إذا عدتُ، بعد هذا، إلى العنف أو إلى أصله، تراءت لي ضرورته، لا في امّحاء الفوارق بل في ضرورة حملها على التحوّل إلى صوى ومعالم للتنازع. العنف هو ما يتكفل بهذا التحويل أو الغصب للفوارق. وهو يصطنع من هذه الأخيرة خنادق تزداد عمقاً كلما اشتدّ.

هذا يحملني على موافقة سمير فرنجية، بلا تحفّظ، على تقديمه التواصل على أنه هو، أو ما يسميه أهل الحوار بين الأديان، “حوار الحياة”، وليس مجرّد السلام أو المصالحة الإجرائية، نقيض العنف. وإنما أتحفّظ عن تفاؤل سمير فرنجية بما أعدنا تحصيله من هذا التواصل بعد خروجنا من الحرب. لا ريب أن أشياء مهمة قد استعيدت. ولكن الصورة الغالبة بقيت ما جاءت به الحرب من فرز في السكن وفي التعليم وفي الكثرة الكاثرة من مواضع التعامل والعمل وفي الانتظام السياسي ومن إفراط شعائري في مساق الاستعراض العدواني  للتدين، إلخ.، إلخ. بل إن كثيراً من ذلك مضى، بعد الحرب، شوطاً أبعد في التفاقم أو في التوطّد.

هذه الترسيمات التي ألجأ إليها لمحاورة فرضيات هي بمثابة المقدّمات النظرية لكتاب سمير فرنجية ومثلها أيضاً ما يعتمده المؤلف نفسه من ترسيمات لا ينبغي لها أن تعدّ ترياقاً لكلّ استعصاء نظري. فهي لا تستبعد، عند سمير فرنجية، ولا تستبعد في قراءتي لكتابه إبراز ما لهذه أو تلك من الحبكات التي جرّت موجة أو جولة من موجات العنف اللبناني وجولاته من فرادة. ما كان لحزب الله أن ينشأ، مثلاً، ولا أن يطبع بطابعه السنوات الأخيرة من الحرب وما تلاها من أعوام… ما كان له أن يشقّ حركة أمل ثم يرث، بالقوّة الصريحة، مقاومتها لإسرائيل ومقاومة الحركة الوطنية قبلها… ثم يوشك، بعد حين، أن يستتبعها أو هو يستتبعها فعلاً… ما كان له ذلك لولا أن ثورة إسلامية تسلّمت زمام الدولة الشيعية الكبرى في العالم سنة 1979 ثم نشأ محور ضمّها إلى سورية حافظ الأسد وأوصلها إلى موقع وجدت له أهمية جغراسية لا تضاهى هو الموقع الشيعي اللبناني. وليس أقدر من سمير فرنجية على الجمع في نصّ منسجم بين تفعيله للترسيمات العامّة واستعادته استعادة الفاعل المتأمل، للكبريات من وقائع المرحلة ولمكنونات ذاكرته من مبادرات أو معاينات كانت منه أو كان فيها، أخيراً.

 

مآثر…

لا أملك هنا أن أحصي واحدة واحدة جولات يأخذنا فيها هذا الكتاب باسطاً في كلّ منها ضوءاً غامراً على واحد من قطاعات خبراتنا أو محننا المعاصرة أو على وجه من وجوهها. أكتفي بالإشارة إلى مثالين: اللوحة الرفيعة السمت التي تعرضها الصفحات 75 إلى 80 من الطبعة الفرنسية لجلجلة الحياة اليومية في الحرب ولوجوه معاناتنا الحرب… وقبلها اللوحة الأخرى (وهي قد تفوقها بلاغة) لوجوه الدور السوري في الحروب اللبنانية وفي غدواتها ولأطوار هذا الدور، وهي ما نقف عليه في الصفحات 62 إلى 74. هنا وفي مواضع أخرى من الكتاب، نقع على مآثر في الإحاطة وفي دقة الوصف وبراعة التشخيص وفي الإيجاز الذي تعرف به البلاغة أيضاً.

وفي ما يتعدّى هذه الجولة وتلك، يجرؤ الكتاب على بتّ صريح للصلة بأنصار لبنانيين للسلام الأهلي طالما عللوا أنفسهم بالقول إن 4% من أهل البلاد يسألون عن الحرب فيما الباقون “مدنيون أبرياء”. المسؤولية عامّة – يقول فرنجية – ولا منجاة لأحد من وجه ما من وجوهها، وإن تكن الأدوار، ولا ريب، غير متكافئة. أمرٌ آخر أعدّه من مآثر هذا الكتاب هو إبرازه أهميّة ترميم “الذاكرة” العامّة أو تقويمها ليستقيم خروج فعليّ من الحرب. وهذه مهمّة لم تحظ إلى اليوم بما هو متوجّب لها من تبنّي المنابر المختلفة وعناية بؤر التفكير والحوار العاملة في البلاد. وهو ما يحمل فرنجية على  استذكار حارٍّ لمساعٍ، في هذا المضمار، يعلم أنها بقيت، على وجاهتها، متواضعة المدى والأثر…

لا أكتم إعجابي أيضاً بالإشارة إلى الصفة الوهمية لعَقْد يفترض أنه حصل بين الطوائف اللبنانية. وهذه إشارة ينطلق منها فرنجية إلى بسط تصوّره لإصلاح تفرضه حياة مشتركة لا مناص منها للأفراد ولا يأتي إملاءاً سياسياً أو تشريعياً من طوائف تحسب التوافق بينها غاية الغايات. من هذه الإشارة، تنطلق أيضاً قراءة فرنجية (وهي قراءة الخبير المصاحب) لاتفاق الطائف ولمكانة العيش المشترك من هذا الاتفاق وللدينامية التي يوجب هذا الاتفاق أن تضع البلاد على سكّة التحوّل إلى ما بات يسمّى “الدولة المدنية”… وهذا اصطلاح ابتدعه اللبنانيون لصيغة الإصلاح التي تراها ملائمة كثرة من طلاب الإصلاح بينهم. وهو أيضاً اصطلاح راح اليوم يشقّ سبيله بين طلاب التغيير العرب في مختلف أقطارهم حاملاً إلى حركات التغيير الجارية فيها ضرباً من “اللبننة” أحسن طلعة بكثير من “اللبننة” المشؤومة التي طبّق صيتها الآفاق في أعوام الحرب اللبنانية وبعدها.

 

مخالفة الختام

ما سبق يكفي وإن لم يكن مستوفياً كل ما أثارته في خاطري قراءة هذا الكتاب. ومع أن ما سبق يكفي فإنني أحب أن أختم كلامي بتصريح يرضي ميلي الغلاب إلى المخالفة. وهو أنني لا أوافق سمير فرنجية على تشخيصه لما كانته تظاهرة 14 آذار ولما شهدته الحركة المسمّاة باسمها من أطوار وصولاً إلى البؤس والذواء اللذين يسمانها اليوم. هذا التشخيص الذي يستغرق جملة من الصفحات في كتاب فرنجية ويمثّل ركناً فيه لا تصحّ نسبته إلى المؤلف وحده. بل هو، في ما خلا بعض التفاصيل، تشخيص منتشر. وخلاصته نسبة مفاعيل تجديدية عظيمة للتكوين السياسي الاجتماعي اللبناني إلى التظاهرة وإلى ما تلاها. تلك مفاعيل لا أراها، من جهتي، على القدر المنسوب إليها من قوّة التجديد ولا على أقلّ منه. ولأوضح أن هذه المخالفة – مخالفتي – ليست بنت اليوم:  فقد باشرتها في آذار 2005 عينه وأتيحت لي مذّاك أربع مناسبات أو خمس للتعبير عنها وبسط أسانيدها. لذا لن أعود إلى هذا الموضوع هنا. فقد تعبت منه وأحسبني لم أقنع أحداً من أولي الأمر. كذلك تعبت حركة 14 آذار من نفسها ومن دعاواها القديمة أيضاً.

[1]  قراءة لكتاب سمير فرنجية Voyage au Bout de la Violence, L’Orient des Livres et  Actes Sud, Beyrouth Paris 2011

أعدّ ت لندوة انعقدت حول الكتاب في نطاق المهرجان اللبناني للكتاب، أنطلياس في 5 آذار 2012، ونُشرت في فصلية كلمن، العدد 6، ربيع 2012.

كلمن | غناء فيروز لكلمات زياد

Source: كلمن | غناء فيروز لكلمات زياد

غناء فيروز لكلمات زياد:

 

قمر الصباح الباكر يحكي بلايا آخر السهرة*

 أحمد بيضون**

 

الصوت ولونه

كثيرا ما قيل إن صوت فيروز خلق للصباح. وتلزم محطات الإذاعة هذا الرأي لزوما إجماليا فتبثّ أغاني فيروز فيما الناس يرشفون فنجان قهوتهم الأول أو يمسحون فوضى الليل عن صور أجسامهم وعن دواخل بيوتهم مفتتحين بذلك منطق النهار. وقد لا تلزم محطات التلفزيون هذه القاعدة لأن التلفزيون آلة ليلية على التغليب. ولم يكن لفيروز نفسها أن تستغني عن السهر بشخصها مع الناس.. فالناس ألفوا، لأسباب لا تعتدّ بلون الصوت، أن يكون الغناء متاعا للسهرات. ولم يحصر الأخوان رحباني شعرهما المغنّى بوقائع النهار أيضا. بل الراجح أن الليل كان أشدّ استدراجا لهما إلى الشعر لأن آية النهار مبصرة والشعر لا يوافقه كثيرا ما يفرضه النهار من مطابقة فظـّة (وإن تكن ظاهرية) بين صور الأشياء وأسمائها. عليه كانت فيروز، في عهد عاصي ومنصور، تغني، بصوتها الحي، في الليل… وهي قد غنت لليل كثيرا، في عهد عاصي ومنصور أيضا. ومع أن مانعا لا يمنع أن يأنس المبكرون للسماع إلى أصناف شتى من الأخيلة الليلية، فإن بين الأغاني التي كتبها عاصي ومنصور (أو كتبها غيرهما) لفيروز ما لا يصلح أصلا لمزاج السابعة صباحا: “بكوخنا يا ابني”، مثلا، أو “تخمين راحت حلوة الحلوين”.

مع ذلك، لا نرى حدس محطات الإذاعة الإجمالي يجانب الصواب. وهو حدس يذهب المتأمل فيه، على الفور، إلى ضده المتعلق بأم كلثوم. فليس صعبا إقناع المنهك أو المتخم بأن شدو هذه السيدة بقول الخيـّام : “فما أطال النوم عمرا…” لا يوافق ساعة القيلولة.

يجد الناس للصوت أوصافا مختلفة، ويستعيرون لتسميتها من مصطلح حواسهم الخمس، وتسوقهم القريحة إلى استعارة مصطلح اللمس، خصوصا، لحاسة السمع. فيقولون: “صوت خشن” ويقولون: “صوت حاد”. وأما أنا فأسأل: هل لصوت فيروز لون؟ ولا أسلـّم إلا مرغما، بأن فيروز سفيرتنا إلى النجوم. فإنما يغلبني الظن أن صوتها هو نور القمر. وليس يذهب خيالي إلى القمر الذي يطلع في أول الليل أو في وقت غير معيّن من أوقاته. وإنما أشير إلى القمر الذي يتأخر إلى ما بعد الفجر بساعة. ذاك هو القمر الذي سأنظر إليه لأتملى فيه من صوت فيروز ولن ألتفت إلى الشمس قط، وإن تكن طلعت. فليس يصحّ في هذا الصوت حديث الحرارة (أو الدفء) وما يخالفهما أي البرودة. هو صوت يلاعب الروح لا غير، فيجب علينا، كرمى لفيروز، أن نسلـّم بوجود الروح. والمعوّل عليه ههنا أنني لا أجد صوت هذه السيدة أصفر ولا برتقاليا. وأما النجوم فهي تلمع أكثر مما يجب بقليل.

تستعار المعادن أيضا لوصف الأصوات. ونهاية ما سبق أنني أجد صوت فيروز فضيا. وهو الفضة جليت من يومين أو ثلاثة لا من دقيقتين. وما هو بالذهب ولا بالماس ولا يزيده إلا عزّا ألا نعتدّ ، حين نصفه، بمقياس الأسعار. فنحن، حتى تاريخه، ننام ونقوم في بيوتنا لا في بورصة دبي.

العِـيّ

هل تركتنا فيروز مقيمين في بيوتنا فعلا طيلة نصف القرن الذي مرّ ونحن نسمع بصوتها ومعه شعر الأخوين رحباني وألحانهما؟ الجواب صعب لأننا كنا معها في أقصى الوحشة وأقصى الألفة، في آن. كنا في العراء ولكن هذا العراء كان هو المنزل الذي ولدنا فيه وبات، من يوم أن ولدنا، غير موجود. فليس غناء فيروز للأخوين رحباني غير هذا الاتحاد شبه التام للوحشة وللألفة. وأقول “شبه التام” لأن ما كان يقوله هذا الغناء هو، على وجه الدقة، أن بيت ولادتنا قد أصبح أطلالا ولكنه كان لا يزال قائما، بمعالمه كله فينا. كنا قد كففنا عن الإقامة فيه، مذ بات غير صالح لسكنانا، ولكنه كان لا يزال مقيما فينا.

الذي حصل حين ترك زياد حضن أمه ليعلـّمها كلاما لم يتعلمه منها أن البيت الذي كانت فيروز ترتبه فينا كل صباح تهدّم هو أيضا وأننا علمنا، في المناسبة نفسها، أن أطلال الخارج قد زالت هي أيضا أو هي أمست على مشارف الزوال. علمنا أيضا، أو وجب علينا أن نعلم، أن هذه سنّة الحياة وأنها سنّة الموت أيضا. فنحن في سنّ قريبة إلى سن فيروز أو إلى سنّ غنائها. وأما زياد وغناؤه فقريبان من سنّ أولادنا. أركن إلى هذا التعليل مؤقتا، عالما بأن الاحتجاج بالسنّ سرعان ما ينكشف ضعفه وأنه لا يعفي أحدا من المسؤولية عن ذوقه.

وقد كنت ذهبت، قبل عشرين سنة، في كلام وجيز على مسرح زياد الرحباني[1]، إلى أن هذا المسرح يؤو ل إلى إخراج العِيّ اللبناني أي عجز اللبنانيين عن الكلام المفيد… أو قصور عبارتهم عن ملابسة المعنى المراد بها. هذا العيّ عيّ مداور. فاللبنانيون يقولون، في نهاية المطاف، ما يريدون قوله ويعرف بعضهم، في نهاية المطاف، ما يريد بعضهم الآخر أن يقول. حتى إن هذه المعرفة قد تسبق القول نفسه. ولكن المطاف المشار إليه يأتي طويلا معقـّدا ويشير، بطوله وبعقده، إلى مقاومة ما للقول السوي، للمختصر المفيد، وإلى عجز عنه. ليس ما يقال ضائعا إذن. ولكن في الاستراتيجيات المتقابلة للقول ما يجعله قولا بدلا من ضائع. وعلة ذلك أن بين اللبنانيين من الحوائل التي قد ينكرون والمكتومات التي يعلمون ما يجعل صراحة القول، في الدقيق والجليل من المسائل وبين الكثير أو القليل من المتخاطبين، بابا لقطع الكلام أصلا وللوصول فورا إلى أقصى التنازع. هذا بينما تقتضي الحال تجزئة التنازع، عبر التطويل في الكلام وليّ مجراه مرارا وتشعيبه هنا وهناك، بحيث يحول التنازع الكبير، القابل للفتح على مصاريعه كلها، إلى منازعات تفصيلية تطيقها حياة كل يوم.

هل بقي لعيّ اللبنانيين أو للحُبْسة في نطقهم هذا المثول نفسه في كلام الأغاني الذي كتبه زياد لفيروز؟ نعم و لا. في خانة نعم، أن زيادا لا ينتظر اجتهادنا في موضوع العي والحبسة وإنما يعلن حصولهما إعلانا مباشرا:

“وهيدا جارو ما بيفهّم شي.

بيحكيلي خبريات

وبيحكي عموميات

وبيبرم ساعة عالكلمة وما بتطلع هي بالذات.

وفي خانة لا، أن العجز عن الإفادة يتكشف عن إستراتيجية قائمة برأسها. تتمثل المرحلة الأولى من هذه الإستراتيجية في فرض النسيان على المحاور (أي ما هو عكس إفادته)

وبياخدني وبيرجّعني وبينسّيني

نسّاني والله نسيت.

(…)

وهذا قبل أن تنتهي الإستراتيجية نفسها إلى فرض الانهيار على محاور أعيته الحيلة:

خبِّرني إنـّو جارو شو دبّارو

معقولي هالشي؟

بيحكي بين شفافو

وبيجاوب بكتافو

يعني الحكي مش متل الشوفي

فعلا لو حدا شافو…

بيتعّبني وبينكّدلي العيشي

وديني بكّاني، والله بكيت!

هي الحرب إذن، لا مدافع فيها ولا راجمات. فإنما يكفي منظر الخصم لتقع الهزيمة. ومنظر الخصم منظر واجهة لا تخرق. فهو أشبه بالحصن يحجبه ساتر هائل الصفاقة من مكعـّبات الإسمنت وأكياس الرمل. وأما الهزيمة فما هي غير خيبة الجهد لحمل الخصم على تقبل غاية مشتركة للكلام، أوّلا، ولحمله، ثانيا، على اعتماد مصطلح للكلام ومسالك وقواعد لتداول الكلام تفضي به إلى هذه الغاية لا إلى غيرها ولا إلى ضدها.

 

الفعل الناقص وفعل القول

ومن وجوه العيّ أيضا أن زيادا، إذ يحاول تعيين معالم بارزة لفقر الكلام اللبناني، لا يجد أمثل من الأفعال الناقصة، وخصوصا منها “كان” و”صار”. وهي أفعال يسعها أن تكون تامة أيضا فلا يزداد مدلولها غنى أو تعيينا. ينشئ زياد أو يستعيد تراكيب تتكرر فيها هذه الأفعال    وتطغى. ومن قبيل ذلك “مش كاين هيك تكون” وريتو عمرو ما يكون” و” ما بعرف شو صاير لك”… ويضاف إلى تكرار الأفعال الناقصة تكرار أفعال القول من قبيل “قال” و “حكى” و”خبّر”. وهذه أفعال لا تقلّ نقصا عن سابقتها. هي متعدية تحتاج إلى مفعول. ولكن قد يكون المفعول الذي تحتاج إليه مفعولا لا كالمفاعيل. فأنت إذا قلت: “أكل حسن” كفاك أن تضيف التفاحة إلى الجملة ليتمّ المعنى وإن لم يشبع حسن. وأما إذا قلت: “قال حسن” فستجد نفسك، على الفور، تحت رحمة حسن الذي يمكن أن يحتاج إلى يومين ليقول ما عنده. لذا صحّ أن نعتبر أفعال القول، بحد ذاتها، بين أفقر أفعال اللغة مدلولا… فيتنوع مدلولها ويتشعّب، بحسب المفاعيل، إلى غير نهاية. وقد يكون مفعول فعل القول، عند زياد، ظاهرا ومحصورا: “اشتقتلك” أو” اشتقتلّي” مثلا. فيتكرر في جمل من قبيل: “اشتقتلّك، اشتقتلّي… بعرف مش رح بتقلّي”، و “طيب مش قصة ما تقلّي” و “طيّب أنا عم قلّك”. وقد يبقى المفعول مقدّرا وعامّا، من قبيل “بتحكي  وبتصير ما بتسمع”. وفي الحالتين (وفي حالة الأفعال الناقصة أيضا)، نجدنا أمام نزاع أو خيبة أو غضب أو يأس ضمرت ملكة التعبير عنها إلى أدنى حدودها واقتصر زادها على المدقع من الألفاظ. ويتكرر فعل “فهم” أيضا مع أفعال القول ولكن ليعلن أن القول لا يصادف فهما وأن هذا الأمر إنما هو صورة النزاع والخيبة وما إليهما، أو هو أول ملامح الصورة، على الأقل.

تبقى الجمل مفتوحة، طبعا، أمام مخيلة السامع. فيسعه أن يودع  في “مش كاين هيك تكون” أو في “ما بعرف شو صايرلك” حكايات وروايات. ويسعه أن يودع مثل ذلك في “بعرف مش رح بتقللي” وحتى في “قال عم بيقولو صار عندك ولاد”. وذاك أن القراءة في الغيوم ممكنة لمن شاء. وأما فضل الغيوم في إمكانها فيبقى محل نقاش.

بين الحُبْسة والإفراط

أعود إلى العيّ والحبسة. هذان قد يتخذان أيضا، عند زياد، صورة الإفراط في دفق الألفاظ والإيقاع السريع لتتابعها. قد أذهب لبيان هذا الأمر إلى أغان ذكرتها دليلا على ضدّه: إلى “اشتقتلّك”، مثلا، أو إلى “مش كاين هيك تكون”. ففي الأولى صفّ طويل من المواقف والعواطف: عمل الزمان وحصول النسيان، والغلط وعدم المواساة والإحساس بالعلّة و”العيشة عالهلّة” والاستفقاد… والشوق، طبعا. وفي الثانية ركام عجيب من الأشياء الحسية: الزيتون والصابون والليمون واليانسون والصالون والبلكون والكميون وسائر ما “يخلص بحرف النون”. في الحالين، يجري عرض لحالة طارئة على عالم تسعى كلمات الأغنية إلى تفصيله. وهذا العالم، في الأغنية الأولى، عالم عواطف ومواقف، وهو، في الثانية، عالم أشياء حسية. في أغنية ثالثة (ذكرتها أيضا)، وهي “انشالله ما بو شي”، نقع على حشد غير ضئيل من البشر: على المشكو إليه وعلى الشاكية وصاحبها طبعا، وعلى “جارو” الآنف الذكر، ولكن أيضا، على “الدكنجي” وعلى “اللي بالأول” وعلى “أهل” الحبيب وأصحابه، أخيرا. في كل من هذه الحالات، إذن، تتبدّل المادّة التي أنشئ منها الديكور ويتغير معها الحقل الذي تستمد منه الألفاظ. يتخذ الشوق المضطرب الموقع موقعَه في قاموس العواطف، ويجد ذواء الحب ديوانه في نصول ألوان العالم وضمور أبعاده وتعثـّر حركاته، وتعبـّر اللهفة عن نفسها في تصفـّح لإعراض البشر عن إغاثة الملهوف. وهذا كله حسن وإن كان يحسن بنا أن نعود إلى العلـّة المحتملة لملازمة الهزء والضحك هذا كله.

قبل ذلك، أحب أن أذهب، لاستقصاء الإفراط اللفظي، بما هو أسلوب مواجهة مرادف للعيّ عند اللبنانيين، إلى أغنية أخرى هي آية آيات الإفراط المذكور، وهي “لا والله”. ههنا نقع على امرأة ذات ثروة عريضة من مفردات الكلام وتراكيبه وموهبة فذّّة في إطلاقه بسرعة وقوّة. وأما المدار الأول  لكلا مها (وهو كلام احتجاج وتعنيف) فهو، على وجه الدقّة، أن حبيبها الذي تخاطبه يضارعها ثروة وموهبة  في المضمار نفسه: مضمار الكلام. بل إنه لا يملك غير هذه الثروة إذ إن موضوع البيت وتأثيثه ما يزال معلقا. وخلاصة المبارزة (التي نسمع من طرفيها طرفا واحدا) أن “الحبيبة” تريد أن “تأكل رأس” الحبيب الذي يواظب بدوره على “أكل رأسها”.

كلمة كلمة يا حبيبي تا إفهم عليك

أو فتـّش عن غيري يفهم إذا رح تبقى هيك

يكون بيحكي بسرعة قّدّك ما يسمع عليك

بتشارع ضيعة يا حبيبي وما بتقدر عليك

بدّك دولة أو شي أمة أو أكبر من هيك

يمكن كوكب أو شي أكبر تا يستوعب ليك!

ولأتجاوز هنا عن سطرين (سأعود إليهما) من كلمات الأغنية لأصل إلى ختام هذا المقطع الذي ننتقل بعده إلى قسم آخر من الأغنية يصبح فيه البيت والفلوس (لا الكلام نفسه) مدارا للكلام. ختام المقطع إذن:

بتحكي فوقي وبحكي فوقك شو رح نستفيد؟

صدّقني يوماً عن يومٍ حَكْيك غم يزيد

بتقللي بتضلـّي تعيدي وإنت العم تعيد

ومأكّد دايما من كل شي وما في شي أكيد!

هذه “الحرب الصغيرة” تكشح، أوّلا، كل أثر لصورة السعادة البطولية التي تفترض تربية تزعم لنفسها الشيوع عندنا أن اقتران الحب بالفقر يفتح أمام الزوجين المتحابين أبوابها (وهي نفسها أبواب الكفاح الصعب لـ”تحقيق الطموح” أو “للقناعة بالمقسوم”، على الأقل). لا أثر للقناعة ههنا ولا أمل يواكب الطموح. ولا تشنّ الحرب على خصم ما يعترض طريق الحبيبين، بل تدور الحرب بين زوجين نخمـّن أن عمر الحب في بيتهما كان قصيرا. وأهم ما يقوله الكلام الكثير من الجهتين أنه كلام لا طائل تحته ولا هو مفهوم أصلا ولا هو يغيّر شيئا من سوء الحال. يردّنا هذا، من باب آخر، إلى مسألة العيّ والحبسة. فهذا ن لا تعالجهما كثرة الكلام، بحد ذاتها. وسواء أكنّا أمام الذي “بيحكي بين شفافو وبيجاوب بكتافو” أم أمام الذي “بيشارع ضيعة”، بداية، لينتهي إلى مشارعة الكوكب أو ما أصبحنا نسميه، بعد ماك لوهان، “الضيعة الكوكبية”، فنحن أمام انسجام مفقود أو نزاع مفتوح، وبيننا وبين “التفاهم” (ولنسمّه “التوافق”، إن شئنا، ولنسمّه “الحوار”) عرض السموات والأرض. ما الذي يجعل الحوار سرابا؟ إنها الحبكة المحكمة حبكها كل لنفسه وحبس فيها نفسه وحبس غريمه أو شريكه فيها أيضا. هذه الحبكة يمكن أن تكون حبكة الزوجة أو الزوج لما يراه (أو تراه) صورة لمستقبل البيت. ويمكن أيضا أن تكون رواية لتاريخ البلاد أو تصورا لمباني نظامها الاجتماعي السياسي ولخط سلوكها في مسائل المصير. في هذه الأحوال جميعا يستوي “الحكي بين الشفاف” و”المشارعة” التي يعلو فيها الصوت ويكثر الكلام ممسكا بتلابيب بعضه بعضا بحيث لا يتميز ولا يفهم. في الحالين، في البلاد وفي البيت، يكثر أن تبدو القدرة على الكلام مرادفة للعجز عنه أو لكتمانه.

ولكن “شو بدّي بالبلاد” على ما يقول زياد، بصوت فيروز، في أغنية أخرى. و”خلينا بالبيت”، على ما تأمر فيروز في أغنية كتب كلامها جوزف حرب. إذا صحّ أن الكلام القيّم  لا يستغني عن نقض كلام سبقه (من قبيل أن”الإسلام يجبّ ما قبله”، في رأي ذوي ملـّته) فأيّ كلام هو ذاك الذي تنقضه فيروز وهي تغني كلام زياد؟ مرّة أخرى، يوفـّر علينا زياد نفسه عناء البحث. “ما تبحثو… ما تبحثو”، تقول فيروز في “سلـّملي عليه!”. أمرك سيدتي! لن نبحث!… في “لا والله” التي وقفت مع نصها طويلا، تشدو فيروز بمطلع أغنيتها القديمة: “ياريت! إنت وأنا بالبيت!” ثم تستدرك على الفور:

“بس كل واحد ببيت!

فعلا حلوي هالغنية بس جدّ انسمّيت!”

وهذه الإلماحات الهازئة إلى قديم فيروز تتكرر في ما تغنيه من كلمات زياد. من “كيف طلّ الورد بشبّاكي مع إنو ما دقّيت!”، في الأغنية نفسها، إلى ” مش سامع غنّية راحوا؟” فإلى

“كاين راقي وحنون

أو مايل عالغصون”،

في أغنية “مش كاين هيك تكون!”، إلخ.

الرومانسية ووجه الآب

فمن يوم أن وضع زياد مسرحيته “شي فاشل”، وأخرجها وعرضها على خشبة مسرح جان دارك، في سنة 1983، لم يتعب من مناكدة أمه وأبيه وعمّه. وهو “يمون”، بطبيعة الحال. فموقعه لا يشبه في شيء موقع أي “إنسانة” “تمرق وتفرق وتصير تمون”! فإنما هو، مع فيروز والرحبانيين، في بيته، وهذا هو عالمه، وهو يعلم ذلك، لا ريب، وقد كرّس حياته، بما هو فنان، للخروج من هذا العالم وعليه، وهو حر في ذلك… بل إن هذا الخروج هو حريته عينها وليس لأحد أن يقترح عليه غيرها.

ومأخذ زياد على عالم الرحبانيين أن أصداء العالم الذي نروح فيه ونغدو ونتعايش ونتنازع، يفوته أهمها. فهو لا يصلح، بالتالي،  مرجعا يردّ إلينا، بلغة أخرى خاصة، عالمنا الذي نحن فيه فيسعفنا في إدراكه حقا وقد يسعفنا في تغييره. ولكن ما هو عالم الأخوين رحباني؟ إنه، بالعبارة الوجيزة، عالم الرومانسية. توجد “أنا”، هي حينا لجماعة وأحيانا لفرد، تفرض نفسها بؤرة لهذا العالم وترتجل لها مخيلتها أو عزيمتها حقا في تسخيره وإلحاقه بها، بسائر مكوناته: من العشبة الطفيفة إلى المجرّة، ومن العناية الإلهية إلى العفاريت الصغيرة الداجنة، المقيمة في الجوار والمستعدة دائما للأخذ والعطاء… فإلى الشياطين الكبيرة القابلة، بثمن ما، للإقصاء إلى كهوفها البعيدة، ولو بعد حين.. عليه تملك الأنا أن تسترد توازنها كلما اختل. هي تستردّه حتى من الموت الذي هو شهادة، عند الرحبانيين، أي تركة باقية  واستثمار مضمون، أو هو، على الأقل، مولـّد، بتوسط الألم وفي ما يتعدّاه، للرقّة البديعة وللاعتبار الثرّ في نفوس الأحياء. وقد كان طلال حيدر، لا عاصي ومنصور الرحباني، هو من أجرى، بصوت فيروز وتلحين زياد، كلام اللارجعة ووحشة الموت الذئبية والزمن الذي يعصي على الترتيب ولا يردّ منه طرف على طرف:

يا زمان!

ياعشب داشر فوق هالحيطان

(…)

يارايحين التلج!

ما عاد بدكن ترجعوا!

صوّت عليهن بالشتي، يا ديب!

بركي بيسمعوا!

الريف الداخلي

وإذا كانت الرومانسية آلة لإنتاج هذا العالم، فإن الريف اللبناني، بمعالمه المطبوعة والمصنوعة وبأهله، كان المسرح الأول (وبقي الأهم، وإن يكن توسّع لاحقا) لاستعراض العالم نفسه في فن الرحبانيين، أو لاستعراض صورة مركّبة له، بالأحرى. أقول: صورة مركّبة لأن هذا العالم لم يكن قائما على الصورة الرحبانية، في عهد من العهود، ولأنه كفّ عن الشبه بنفسه  وضؤل حضوره في نفسه في زمن لم يدركه الرحبانيان، في كل حال. فقبل ربع قرن، تقريبا، من الوقت الذي ولد فيه الرحبانيان، كان الخوري يوسف تاتي يباشر جمع ما تيسر من تقاليد ريفنا الجبلي[2]، منبـّها إلى أن هذه التقاليد، إن لم تجمع ضاعت لا محالة. وفي أواسط الخمسينات، أي حوالى الوقت الذي التقى فيه الرحبانيان نهاد حدّاد، نشر أنيس فريحة كتابا له تحت عنوان: “القرية اللبنانية: حضارة في طريق الزوال[3]“. وفي مطلع السبعينات، أي بُعيد أن كانت “دبكة لبنان عالملقى”ّ قد هزّت معبد جوبيتير من أركانه، استأنف سلام الراسي مهمة إنقاذ التقاليد نفسها فنشر، وهو في سن متقدمة نسبيا، كتابه الأول: “لئلاّ تضيع[4]“. كانت هذه التقاليد ولم تزل، على الأرجح، لا تفرغ من ضياعها. وكان التقليد اختراعا للتقليد، على ما يشير إليه فواز طرابلسي[5] مقتفيا أثر أريك هوبسبوم. فإن ريف التقاليد، بما في ذلك طبيعته، عالم داخلي بالدرجة الأولى. ولولا أن الطبيعة يسعها أن تكون عالما داخليا، لكانت أجلّ النجوم أتفه، في إدراك البشر،  من مصابيح السيارات.

وعلى غرار القول: “فلك ما تحت القمر”، نقول إن ذلك العالم كان، بعجره وبجره، “عالم ما تحت السيطرة”. ولقد أوضح فواز طرابلسي[6] مجرى الأمور، في العالم الرحباني، بقريته ومدينته ودولته، إيضاحا ليس وراءه مزيد. يقع النزاع ولكن الصلح والنهضة التي تلي الوئام آتيان، لا محالة. يرزحون على صدورنا فنقدّم الشهداء ونزيحهم. ويكون العدل سلاحا للضعيف فينال من جبروت السلطة. إلخ.، إلخ. وفي مضمار الحب وأماني اللقاء ولوعة الفراق المحتوم، وهو مضمار للأفراد، أيّ نص يفوق الأغنية التي تعلـّق عليها فيروز، بلسان زياد، قائلة: “فعلا حلوي هالغنيي، بس جدّ انسميت”؟… أيّ نص يفوق هذه الأغنية في تسخير قوى الطبيعة وظواهرها لكبح الزمن الذي يذهب بالسعادة؟

ياريت!

إنت وأنا بالبيت،

شي بيت أبعد بيت،

ممحي ورا حدود العتم والريح،

والتلج نازل بالدني تجريح،

يضيّع طريقك ما تعود تفلّ

وتضل حدّي تضلّ حدّي تضلّ

وما يضلّ بالقنديل نقطة زيت!

معنيان للهواء

يتحد سوء الحالة الجوية، إذن، وسوء المواصلات وغياب النور في نشر اللحظة – التي هي أمنية – إلى مدى الزمن كله. وأما لو كان زمام الأغنية في يد زياد لفقد الأمل في أن تقول الأغنية: “وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم”. لكانت الحبيبة لفتت نظر متيـّمها إلى أن الطريق مقطوعة والكهرباء مقطوعة وأنها طلبت إليه، من أول النهار، جالون كاز للمدفأة فقال إن النهار صاح ودافئ… وها هو الثلج يملأ الوديان وليس في قنديل الكاز نفسه نقطة كاز. وأما عن الموقد فـ “جب لنا موقدي من غناني أمك”. ولكان اشتعل “النقار” بنقطة الكاز تلك واستذكر كل من الطرفين ما يذكره، حصرا، من القرارات السابقة ذات الصلة ثم ضاع الموضوع بين الصوتين المذعورين… ومال طرف إلى جهة العولمة والآخر إلى جهة العولمة البديلة وتعصب طرف لأربعة أطراف إقليمية، سويـّة أو على التوالي، وتعصّب الآخر لطرف لبناني واحد وطرف دولي واحد أيضا، ولكانت الروايتان المحكمتان دارتا على محوريهما المتوازيين طيلة الليل:

بتقلـّلي بتضلـّي تعيدي وإنت العم تعيد.

سينسى الحبيبان خطر الموت، إذن، في هذا الليل القطبي الطويل… وسينجوان من الموت فنبقى مدينين بهذه النهاية السعيدة لغليان الدم في العروق. هؤلاء هم البشر، عند زياد، وهذه هي الطبيعة أيضا. عند عاصي ومنصور، كانت شراسة الطبيعة نفسها ممكنة التسخير لأحلام البشر، واقفة على خدمة أمانيهم أو مظهرة لجلال سعيهم. عند زياد، يكفي أن يظهر شيئان خرجا من الأرض ليظهر معهما التنافر بين الناس:

واحد عم ياكل خس

وواحد عم ياكل تين!

وإذا كانت فيروز قد غنّت مع عاصي ومنصور:

نسّم علينا الهوا

من مفرق الوادي

يا هوا دخل الهوا

خذني على بلادي!

فهي ستغني بعد زياد:

الهوا، يا معلـّم!

رح يسفقنا الهوا، يامعلـّم!

الهوا، يا معلـّم!

لو بتسكّر هالشباك، يا معلـّم!

التمرين السابق (أي تخيـّلي ما قد يقوله زياد وصاحبته في بيت معزول تحت الثلج، ودعنا مما قد يفعلانه) هو، في كل حال، “شي فاشل” بما هو تمرين على الكتابة الزيادية. فإن رأس شروط الأخيرة، فضلا عن الموهبة، أن تكون عاميّة وأن يتخللها، بين الحين والحين، عزل لعبارة فصيحة يحوّل هذه العبارة، في السياق، إلى فضيحة كلامية. وهذا نفسه ما يفعله زياد بعبارات من أغان قديمة لفيروز. فإن شعر الرحبانيين فصيح التشكيل جدّا وإن يكن عاميّ اللهجة بمعظمه. وهو ابن نظرة صريحة هادفة في ما عليه العالم وفي ما يجب أن يكون عليه. قد لا توجد “لمبة” في شعر الرحبانيين كله ويصعب أن توجد فيه غسالة ما لم تكن من لحم ودم. وقد ينطفئ ألف قنديل أو سراج في ما تغنيه فيروز من شعرهما ولا تنقطع الكهرباء مرّة واحدة. وأما زياد فأحال “بريز أبو وئام” إلى شخص من شخوص مسرحه و”بطل” من “أبطال” الحرب اللبنانية. وهو قد عمد إلى الآليات السيارة من البوسطة (وهذه قد لا يمانع في تبنيها عاصي ومنصور) إلى “الكميون الموزون” وقبله “السيترن”، فأعادها إلى الغناء أو دفعها إلى المسرح… وكانت قد غابت، تقريبا، على ما أرجّح، بعد “يا وابور قلّـي” و “وقفّ خدني بأوتومبيلك”، أي بعد أن اكتمل دخولها في نسيج طرقاتنا ومسالك حياتنا اليومية.

“كان به”

هذا  ولا توجد شهوة في شعر الأخوين رحباني لأن سموّ المعجم الشعري لا يترك منها شيئا ويردّها غير ما هي. وأما زياد فهو لا يتورع عن النزول إلى ما دون اللغة. وقد كنت تجاوزت عن سطرين من أغنية “لا والله” وجاءت مناسبتهما الآن:

 ولك بس هوه هاي وين… بعلمي العقل كبير‍!

مش سمّ وهمّ وغمّ وذمّ وقَدْح وتشهير

       نزول إلى ما دون اللغة إذن… إلى مجرّد التنويع على الصياح وعلى حروف الزجر، وهذا في السطر الأول. يلي ذلك، في السطر الثاني، إفراط معجمي… وسأعود إلى كليهما. وفي ما خصّ الشهوة، لا نقع عند زياد أيضا على ما يوحي بالميل إلى اتخاذها موضوعا قائما بذاته. (أتخيل أنه لو قرأ هذا النص لقصّ عبارة “قائما بذاته” ووضعها في جيبه). يحلو لزياد – وهو على المزلق نفسه إلى ما دون اللغة –  أن يتخذ من كلام الشهوة كنايات يعزّز بها بلاغة كلامه في السياسة:

يا زمان الطائفيي

طائفيي وطائفيك!

خلـّي إيدك عالهويـّي

شدّ عليها قد ما فيك!

ليس هذا كلام “أزعر” تلقاه في أي زقاق كان. هذا كلام أزعر ماكر. ماكر أي فنّان. ومن ذلك أن الإشارة الفاجرة في” طائفيك” سريعة العدوى، ينتقل مفعولها فورا إلى “الهوية”.. فنعود غير مستيقنين من الموضع الذي يريدنا زياد أن نشدّ عليه.

ومن القبيل نفسه، أن زيادا علـّق، في أوائل الثمانينات، (إن لم أخطئ التقدير) إعلانات مربعة على أعمدة الكهرباء المزروعة في رصيفي نزلة البيكاديللي (وهو المسرح الذي قدّم فيه مسرحياته الحربية). كان الإعلان إعلانا عن مسرحية لم يشاهدها أحد بعد ذلك ولا قبله، وكان عنوانها “كان به”. وأول ما تنبهت إليه، وأنا أنظر إلى هذا الإعلان، أنني لم أكن فكرت قط، طوال عشرات من السنين مضت، في كيفية تكوّن هذه العبارة وتلبـّسها المعنى الذي لها ولا في إعرابها. فأدركت أن مكر زياد وطرافته واقعان هنا بالضبط: في هذه القدرة على إقلاق الكلام المستقر فينا… على إزاحته شيئا ما عن مستقرّه… وعلى إلزامنا الكشف عن أحواله ومندرجاته وذيوله.

على أنني لما طال الأمر بهذا الإعلان، لعب الفأر في عبّي (أو دون ذلك بقليل). فغادرت همّ التمحيص اللغوي وأخذت أنظر في إخراج المشهد كله. قلت: إن تعليق هذا الإعلان على الأعمدة قد يكون صدفة محضة… ولكن… من يضمن هذا؟ من يضمن لي فعلا – ونحن معلـّقون من أعوام على خوازيق الحرب – ألا يكون العمود هو “اسم كان” المحذوف في العبارة؟ فيكون تمامها: “كان العمود به”. ويكون العمود قد أكمل العبارة “بشخصه” عوض إكمالها باسمه. وكان عليّ أن أسأل، بعد ذلك، عن الضمير المتصل في “به”: إلى من يعود؟ واستبعدت أن يكون  زياد قد خصّني شخصيا بواحد من تلك الأعمدة، إذ لم يكن بيني وبينه معرفة (ولا هي حصلت حتى اليوم). فلم يبق إلا أن أفترض للعبارة تتمة أخرى بحيث تقرأ: “من قرأ هذا الإعلان كان العمود به”. بقيت، بعد هذه الدورة، معنيـّا بالهاء في “به”. فقد كنت قرأت الإعلان مرارا وكان به! ولكن تعزيت – شأن أيّ لبناني لا يحترم نفسه – بأن العمود كان أيضا “بـ” أهل الحي جميعا وزواره أيضا، وهم قطعة كبيرة من شعبنا… “شعبنا العنيد” آنذاك إلى الحد الذي تعلمون.

أوديب ونقيضه

لم تغنّ فيروز “يا زمان الطائفيي” ولم تمثل في مسرحية ما لزياد. فما من أحد يكتب لأمـّه بعض ما كان يكتبه زياد لنفسه أو لجوزف صقر من الأغاني. تلك أغاني ذكور   أوّلا. وكانت فيروز قد جاءت إلى زياد وذيل ثوبها تراث باذخ تجرّه. ولعله ألزمها نصف التفاتة فألقت نظرة فاحصة على ذيل الثوب ذاك. ولكن لم يكن لزياد أن يلد أمه خلقا جديدا. وكان يكفيها تضحية أنها ربّته هذه التربية السيئة ليكون هذا من حسن فأله وفألنا. وتقول زوجتي، ثانيا، إن زيادا واحد من قلـّة بيننا اجتازوا “أوديبا” موفـّقا. فكان أنه أجهز على أبيه، فنيـّا، وأنشأ مع أمه شركة رمزية متغايرة الطرفين. وتزعم زوجتي أن السائد في مجتمعاتنا هو “الأنتي-أوديب”… أي أن الأهل يأكلون أولادهم، عادة، ليؤمـّنوا لأنفسهم الاستمرار بهؤلاء، على غرار القطط. لا أتقبل، من جهتي، المسؤولية عن هذا الرأي، وأعتقد أن صحته –إذا صحّ – لا تسهـّل طرق الحياة للقلـّة ولا للكثرة.

في كل حال، لا يوافق كلام زياد صوت فيروز، وهذا رأيي. فليس هذا اللون القارص المرّ لون الصباح الباكر ولا يسخر قمر هذا الصباح من أحد وإن تكن بالقمر خفّة لا تنكر… فيمكن أن يمازحنا باحتشام. غير أنني لا أرى في عدم التوافق هذا أدنى عيب. وإنما هو أقرب إلى مزج غير منتظر: إلى بعض أصناف الصلصة التي يبتكرها كبار الطهاة. أو إن امتزاج اللونين – إذا غادرنا الطعوم – يشبه أداء الرجل ذي الشاربين المفتولين دور الصبيـّة الصغيرة على المسرح. فهو قد يكون مقنعا جدا إذا كان… مقنعا. ههنا يحكي قمر الصباح الباكر بلايا آخر السهرة.

هوامش للجمهورية المتقطّعة

بقي عليّ أن أسأل: أين يقع عالم زياد إن صحّ أن عالم عاصي ومنصور يقع في ريف الجبل اللبناني وفي زمانه الذي لا يزال يبيد؟ هل يقع هذا العالم في المدينة؟ قد لا نجد له مدينة هنا. وكان عصام عبد الله،  شريك زياد في أوائل عهده الإذاعي وأوائل الحرب، قد أعلن من تلك الأيام:

ما في مديني إسمها بيروت!

بيروت عنقود الضيع!

هذا كلام ينفذ إلى لبّ المشكل البيروتي (واللبناني) ولكن ليس شأنه أن يحيط بالمشكل المذكور. قد لا تكون بيروت مدينة وقد تكون تجسيما حرفيا لعنوان الديوان الأول الذي نشره أحمد عبد المعطي حجازي: “مدينة بلا قلب”. وهي قد ظلت بلا قلب، حقيقة ومجازا، مدّة عشرين سنة هي، تقريبا، ثلثا العمر الفني الذي اجتازه زياد الرحباني إلى الآن. ولكن بيروت مدينة تتألف كلها – اليوم وقبل اليوم –  من ضواح وهوامش. وهي، حين عاد إليها قلبها، عاد معدّا لغير أهلها، ولكن هؤلاء احتلّوه بقوة التنزّه والأكل والشرب فيه. وإن لم تكن بيروت مدينة البتة فهي ضواح وهوامش لمدينة غير موجودة وليست عنقود قرى لأن القرى عادت غير موجودة، هي نفسها، حيث كانت ومالت إلى التبدّل ضواحي وهوامش تبدّلا تتباين سرعته وتتنوع مجاليه. وما بدّله زياد الرحباني في تراث عائلته أنه أصبح لا يتخذ مرجعا لمخيلته ذاك الريف: الريف الذي كان عاصي ومنصور لا يزالان يقيمان فيه بالمخيلة حين كان قد زال من الوجود وبقي، مع ذلك، يطاول في الزوال. وقد كشف زياد بؤس الحياة في الضواحي والهوامش وكشف أن هذا البؤس لا يملك منفذا إلى عالم الخيال أي أملا حقـّا. فهذا البؤس إن حلم حلم بالمدينة، وهذه كان وجودها ناقصا، على الدوام، فاستقرت مساحة شبه عمياء للحلم ولم تتحصل له منها أشكال ولا ألوان ولا قواعد ولا أنماط سلوك ومعاشرة ومعاش. حتى الكورنيش والبحر ليسا أفقا. هل معنى هذا أن زياد الرحباني لا يحلم؟ بلى هو يحلم ولكنه فنان أحلام مكسورة. يقال إن زيادا شيوعي وإنه يحب ستالين. الثوريان الحقـّان هما عاصي ومنصور وإن تكن ثورتهما رجعية بمعنى أن مرجعها وراءها. وأما زياد فهو رجل وحيد ومرّ. وهو إن وحّدنا وحّدنا في الإقرار بما بيننا من تعازل ومرارات. هذا كثير طبعا ولكن هذا الكثير ليس مخرجا بحدّ ذاته ولا يدلّ شيء على أنه بدء لبحث، من جانبنا، عن طريق أو عن مخرج. وليس على زياد ملامة في افتقاد الطريق أو المخرج وليس شأنه أن يهدينا إليهما (فهذا يكون مملا جدا في العادة). وإنما يكفيه أن يثير فينا حاجة ما إلى البحث. في أغنية “صبحي الجيز”، وهي أغنية شيوعية، يشتكي زياد:

رفيقي صبحي الجيز تركني عالأرض وراح

رفيقي صبحي الجيز حطّ المكنسة وراح

وما قللي شو بقدر أعمل لملايين المساكين

رفيق، يا رفيق!

وينك، يا رفيق!

إلى أن يختم:

عم فتـّش عا واحد غيرك، عم فتـّش عا واحد متلك

يمشي يمشي، بمشي نمشي،   نمشي ونكفّي الطريق!

فلا تغرّنا، بعد السماع، “ال” التعريف التي للـ”طريق”. إذ لو كان صبحي الجيز ما يزال يعرفها، بعد كل ما جرى، لدلّ عليها الرفيق زيادا. على أن شيئا بقي برغم هذا الذي جرى. وهو أن الرفيق زيادا يريد رفيقا (واحدا، على الأقل) وأنه يريد أن يعمل شيئا لملايين المساكين.  وقد يكفيه أن يمشي مع نفر منهم، على الأقل، نحو شيء ما وقد يخترعون طريقا إلى ذاك الشيء أو شطرا من طريق.

ولا يستغني أمر هذا الطريق أن يكون طريقا إلى المدينة وإلى الدولة معا. فهاتان متلازمتان، عندنا، في الحضور الذي يستوي غيابا، على الفور تقريبا، أو يستوي على شاكلة تفوق الغياب سوءا وهي شاكلة التنازع في جلد الدب المشهور والتناهش طلبا للصمود في انتظار صيده. وهذا مع العلم أنه لا يصاد بل يربّى وأنه، شأن الباندا، قد يعزف عن التوالد. أعود إلى “عدّية” فيروز في “لا والله”:

مش سمّ وهمّ وغمّ وذمّ وقدح وتشهير!

فأما السمّ والهمّ فيوجد منهما كثير في القرى والمدن سواء بسواء. لذا لا يقودان خطانا إلى مكان بعينه. وأما الغمّ فاحترت في أمره قليلا ثم استقرّ ظني على أنه يجب أن يكون مولودا في بلدة جردية – بلدة إذن، لا قرية ولا مدينة – توجد فيها مدرسة ثانوية ليلعب معلموها الغرباء بالورق، بعد الدوام، مع التلاميذ الكبار. وأما الذمّ والقدح والتشهير فلها شأن آخر. هذا مصطلح شرائع وصحف. فلا بد إذن أن الدولة والمدينة موجودتان… أو لا بد أن الدولة-المدينة موجودة على نحو ما. على أي نحو؟ يفيد الحضور المحتمل للقرية في أول “العدّية” ومجاورتها البلدة قبل إفضائها إلى المدينة أن الحيرة قويّة. أو أن هذا ما أخمـّنه في أواخر هذا النص الذي لم أغادر فيه مناخ التخمين. فإذا صح تخميني، كنـّا حيال شيء لا يزال يراوح ما بين اتحاد الروابط العائلية (مع افتراض النزاع حاصلا بينها) ودولة القانون التامّة الأسنان. أو قل إن شئت إنها اتحاد لروابط الضواحي التي لم يصمد عندنا غيرها، بعد حروبنا. وذلك “رغم العيل والناس”، بمعنى من المعاني، وبالمواطأة في ما بينهم، بمعنى آخر… فماذا بعد؟

إتسمّع عالموسيقى…موسيقى!”

كلمة أخيرة لغيري في موسيقى زياد. لغيري هي لأنني  لست من أهل الكلام في الموسيقى، وإن يكن لي حظ (متواضع) من سماعها، وقد حصرتني صناعتي في الكلام على الكلام. مع ذلك أجازف بالقول إن موسيقى زياد تسهر وإنها، بخلاف كلامه، تنتشر على الجزء الأنيق الألـِق من السهرة. وهو الجزء الذي يلي الكأس الأولى حين يكون الساهرون جميعا ما زالوا أذكياء، ولمـّا تنطفئ الشموع في رأس أيـّهم. لا تجاري هذه الألحان كلام زياد، فهي تبقى حنونا وخفرة ولو ان الإيقاع يجهد، في بعض الحالات (من غير مبالغة في الجهد)، للموافقة على الكلام. ولا تجاري هذه الألحان صوت فيروز لأنها ألحان تسهر… تسهر بنوعها وتسهر بآلاتها أيضا. هذا فيما يبدو صوت فيروز وقد بكّر إلى اليقظة من راحة ليلية طويلة. على أنني لا أرى من عيب ههنا أيضا. فإن الصوت واللحن والكلام تتحاور ههنا من أوديتها (أو من قممها) الثلاث. وهي تجيد الحوار فيأتي جميلا أيضا ويهزّنا ويقلقنا ويسلّينا.

فهل علينا أن نختار ما بين هذا الجمال وذاك الذي كان يتفتق عنه الانسجام ما بين الصوت القمري والشعر الألمعي والموسيقى المشرقة في عهد الشركة بين فيروز والرحبانيين الكبيرين أو أيضا بينها وبين زكي ناصيف أو، أخيرا لا آخرا، بينها وبين فيلمون وهبي؟ وما علينا إن أبينا الاختيار؟ من شاء فله أن يضيّق ملونة أذنه. وهو إذا اختار فيروز زياد، يكون قد غصب زيادا موقعه الفريد. فقد كان على الرجل أن يخرج على الرحبانية الأولى ليقول جديدا أو لينشئ بالكلام وبالموسيقى زمنا آخر. كان عليه أن يؤلف “شي فاشل” وسائر أعماله مما تلاها. وأما نحن فليس شأننا أن ننازعه ذلك. وهذا مع حفظ الحق لكل في ذوقه، طبعا، ومع استبعاد التعميم أيضا.

في ميدان آخر، ما يزال يسع كثيرين منتشرين عبر العالم أن يحبوا “ألف ليلة وليلة”. وهذا مع أن عوالم للحكاية نشأت، من بعد تلك “الليالي”، فوق عوالم. وبقيت القاعدة أن من ابتغى مزاولة فن الحكاية مبدعا فلا بدّ له أن يمقت تلك “الليالي” من وجه ما. ولولا أن ذلك يحصل كل يوم لنضب الفن، والعياذ بالله.

بقيت إذن كلمة غيري في موسيقى زياد. وقد كنت بدأت كلامي على صوت فيروز بشيء من حديث الروح. وزوجتي تقول إن موسيقى زياد لفيروز “تأخذ الروح” معها. وأوافقها، من جهتي، على هذا من غير حاجة إلى التخصص. وأزيد أن الذي يكتب مثل هذه الموسيقى كان لزاما عليه أن يغادر في الكلام، بين وقت وآخر، لغة “ولك بس هو هاي وين” ليكتب كلاما تكون فيروز على سجية صوتها في أدائه ويكون (أي الكلام) منتميا أيضا إلى مناخ ألحانه. وقد فعل زياد هذا أحيانا، ولم يترك خاطر زوجتي مكسورا، فلحّن بالموسيقى التي “تأخذ الروح” معها كلاما يشير إلى ذلك:

بعتـّلك، يا حبيب الروح!

بعتـّلك روحي!

وقلتلك: ما دام حتروح

خذ معك روحي!

بيروت في 20-24 نيسان 2006 

*  ورقة قدّمت في المؤتمر الذي نظمه برنامج أنيس المقدسي للآداب في الجامعة الأميركية في بيروت حول أعمال فيروز وزياد الرحباني وذلك في 27-29 نيسان 2006.

**  من أساتذة علم اجتماع الثقافة في الجامعة اللبنانية.

[1]  – را. “ثقافة للحرب، ثقافة للسلام” في: أحمد بيضون، ما علمتم وذقتم: مسالك في الحرب اللبنانية، بيروت 1990، ص 65-89، وبخاصة الكلام على مسرح زياد، ص 87-88.

[2]  – الأب يوسف تاتي، “العوائد اللبنانية” في المشرق، مج 2 (1899) ، ج 1 وما يليه.

[3]  – ط1: بيروت 1957.

[4]  – ط1: بيروت ل. ت. (حوالي 1970).

[5] – فواز طرابلسي، فيروز والرحابنة: مسرح الغريب والكنز والأعجوبة، بيروت 2006، ص 18-19.

[6]  – طرابلسي، م م، فصول مختلفة من الكتاب.

كلمن | النجوم الشُهُب

Source: كلمن | النجوم الشُهُب

النجوم الشُهُب

صورٌ شخصية من لبنان لثقافة مصر المعاصرة[1]

 أحمد بيضون

 

 

ما الذاتية “من حِلمٍ بمانعة”!

لم أجد تحقيقاً حسّياً أو “موضوعياً” أعوّل عليه لأسوق حديثاً موثقاً في العلاقات الثقافية بين لبنان ومصر: في حاضر هذه العلاقات وفي ماضيها غير البعيد. لا رقم يفيد، مثلاً، عن توزيع الروايات المصرية في السوق اللبنانية أو عن درجة اهتمام المصريين بأغاني فيروز. لا معلومات عمّا آلت إليه مشاهدة الأفلام المصرية في صالات بيروت بالقياس إلى ما كانت عليه في ستينات القرن العشرين، مثلاً. لا شيء من هذا ولا من قبيله وجدته في متناولي. فارتأيت، مضطراً ولكن فرحاً بهذه الضرورة، أن أستوحي نصف قرن من عمري أو يزيد أقمت فيه على علاقة دائمة ولكن متقلبة بما كانت مصر تهديه إلي: سواء أكان ذلك كتاباً فذّاً في بابه أم أغنية تافهة. وقد وجدتني عارفاً أن حالتي لم تكن فريدة وإنما كانت حالة شطر من جيلي وقدّرت أنني لا أخلو من معرفة بما كانت عليه مواقف شطور أخرى من الجيل نفسه ولا بما هي مواقف لبنانيين من أهل اليوم، على اختلاف السن والمنبت، يتفق أن أعاين ردود أفعالهم على عمل من الأعمال الثقافية المصرية. هذا كله لا يمت بصلة، طبعاً، إلى التحقيق أو القياس الاجتماعي بما يقتضيه من ضوابط معلومة. حتى أنني أعزف هنا عن تحديد معالم لهذا الشطر من الجيل اللبناني الذي أصرّح بانتمائي إليه وعن كل محاولة لتقدير حجمه أو درجات الشبه بين عناصره. ما أعلمه هو أنه شطر من شطور. ولكن حين يدرج الموقف الفردي من عمل ثقافي بمسار شخصي إجمالي وبحبكة اجتماعية تاريخية ارتسم هذا المسار عبر فصولها، يصبح الإفضاء إلى معرفة ذات قيمة بتحولات العلاقات الثقافية بين البلادين أمراً غير مستبعد ولو بقي محفوفاً بالتحفظات. بل إن وجوهاً من هذه المعرفة غير خالية من إسناد جزئي ولو انها تقوم على الحدس أساساً قد تتفوق على ما ينتهي إليه التحقيق “العلمي”. فهي قد تكشف، على نحو ما، ما يصحّ اعتباره لبّ المسألة ومنطق المسار.

 

شيخوخة النجوم

ينال مصر وينال لبنان رشاش معتبر من أزمة النجومية الثقافية في عالم اليوم. هنا وهناك، يتعثر بزوغ النجوم في سماء الثقافة، ويتضح ذلك إذا نحن قارنّا الحال اليوم بما كانت عليه الحال قبل نحو من نصف قرن. ولقائل أن يقول: ليت هذه كانت الأزمة الوحيدة، في مصر أو في لبنان أو في كليهما، إذن لهان الخطب واطمأنت النفوس ولراح الناس يهنئون بعضهم بعضاً بسلامة العواقب. فهل تعدّ أزمة فعلاً أن ننظر حولنا فنرى أن القيم المستقرة في الشعر المصري اليوم هي نفسها التي كانت مستقرة قبل ثلاثين سنة أو أربعين وأن وفرة ما نشر، في هذه المدّة، وهي وفرة مؤكّدة، لم تفرض خليفة أو خلفاء مكرّسين في المجال العربي وليس في المجال المصري وحده، لصلاح عبد الصبور أو لأحمد عبد المعطي حجازي؟ في الشعر العامّي أيضاً لم تصل إلى بيروت، حتى اليوم، أصوات مصريّة يحلّها اللبناني المهتم، بعد أن طالت المدّة، في مصافّ صلاح جاهين أو في مصافّ أحمد فؤاد نجم ورفيقه الشيخ إمام أو في مصافّ عبد الرحمن الأبنودي أو سيد حجاب.

 

ولأسارع إلى القول إن الحال في الرواية هنا وهناك هي غيرها في الشعر. فإن الرواية في لبنان أكثر ازدهاراً وأرفع سمتاً مما كانت عليه قبل نصف قرن. وقد تمنع حالة نجيب محفوظ أن نقول الشيء نفسه عن مصر. ولكن يبقى صحيحاً أن خلافة محفوظ هي اليوم في مصر أوثق عروة وأمتن سنداً من خلافة جيل الستينات والسبعينات من القرن العشرين في مضامير الشعر. وفي لبنان يلفت ازدهار مؤكد للرواية في ربع القرن المنصرم وتلفت قوة الحضور النسائي بين كتابها. ولا فائدة ترجى من ذكر أسماء إذ لست هنا في لبوس الناقد الأدبي بل في معرض آخر هو معرض النظر في كيفيات التلقي الاجتماعي للأعمال الثقافية وفي موازين هذا التلقي.

 

وقد بدأت بذكر أزمة النجومية. مرّة أخرى: هل هذه أزمة حقّاً؟ الأرجح أن استعصاء بزوغ النجم ثم تعذّر استقراره في فلكه، إذا هو بزغ، ناتجان في هذا العهد الأخير عن نوع من “الديمقراطية” فرض نفسه في عوالم الثقافة.  ومصطلح الديمقراطية أستعمله هنا بمعنى كمّي أوّلاً يرادف، من الجهة الأولى، اتساع الانتشار أو، في الأقلّ، تضخم الطلب المبدئي ويرادف بالتالي، من الجهة الأخرى، مزيداً من الغزارة في المنتجات الثقافية المعروضة ومزيداً من التنوّع فيها أيضاً. وهذا المزيد الأخير، أي مزيد التنوّع، متّصل، قبل كل شيء، بالصورة: بالتضخم المهول في إنتاج الصور وبالتيسير المهول لتعميمها أيضاً وبكثرة الوسائط والصيغ التي باتت متاحة لعرضها وبنفوذها الكاسح كذلك.

 

وفرة في الأمّية وغزارة في الثقافة

وأما الغزارة في إنتاج أجناس أخرى من الأعمال الثقافية هي الأجناس التي كانت مألوفة في الفكر والآداب والفنون قبل طغيان الصورة وبقيت مألوفة بعده، فإن مردّها، بالدرجة الأولى، إلى ما يسمّى “ديمقراطية التعليم”. وهذه “ديمقراطية” اتّخذت، في نصف القرن الأخير، صورة المدّ الذي لا يغلب وفرضت وقائعها التي تشهد بضخامتها الأرقام في مصر كما في لبنان. وهي ديمقراطية كثّرت مستهلكي الأعمال الثقافية المحتملين تكثيراً جسيماً وكثّرت أيضاً منتجي هذه الأعمال… ولا ينقض هذا الواقع عناد ظاهرة الأمّية في المدى العربي، وهو عناد تصدي له الأرقام الفاضحة التي تعممها تقارير التنمية البشرية أو إحصاءات اليونيسكو. هذه الأرقام بالغة الخطر، طبعاً، خصوصاً حين يضاف إلى ما يتعلّق منها بالأمّية بمعنى امتناع القراءة والكتابة ما يتعلّق بأمّية الحاسوب وما يتعلّق بقراءة الصحف والكتب وبالوصول إلى الأنترنت وبالعناوين المترجمة من اللغة العربية وإليها، إلخ. وهذا كله بات متداولاً يتيسّر الاطلاع عليه وإن تكن معالجة البعض من وجوهه الخطيرة تبدو وكأنها تزداد استعصاء. لم تمنع كثرة الأمّيين تكاثر الدكاترة، مثلاً. بل إن استشراء هذا اللقب شاهد على وجاهة ما نقوله في صدد “الديمقراطية الثقافية”. حين كان يقال في العشرينات أو في الثلاثينات “الدكتور طه حسين” كان للّقب رنّة غير الرنّة التي لقولنا اليوم “الدكتور أحمد بيضون”. ولم يكن أحد من النقّاد أو غيرهم يحسب أنه يكرم طه حسين إذا هو جرّده من لقبه. وأما المثقف الطموح اليوم (وليس المثقف المتواضع كما قد يتوهم بعضنا) فهو يدع هذا اللقب جانباً، إذا كان قد اقتناه، ويسعى إلى جعل اسمه، مجرّداً، جواز سفر من التنكير إلى التعريف.

 

في ما وراء وقائع الأمّية وما جرى مجراها إذن، يبقى مؤكّداً حصول تضخم مطلق ونسبي معاً، في العقود الأخيرة، في الجمهور الراغب في استهلاك ما نطلق عليه اسم الأعمال الثقافية، على اختلافها، وكذلك حصول تيسير إجمالي جسيم لهذا الاستهلاك. يبقى مؤكداً تحقق هذا الاستهلاك، بالتالي، على نطاق اجتماعي وبتنوع في الوسائط والصيغ لم يسبق لهما مثيل. وما من ريب في أن هذا النوع من “الديمقراطية” يدخل في مغالبة مع نوعية المنتجات ويغري بشدّة باعتماد السهولة وبالتساهل في المعايير، لغير صالح الجودة بالضرورة، على صعيد الإنتاج. وهذه الحال هي نفسها التي تفضي إليها “ديمقراطية التعليم” إذ هي قد وسّعت كثيراً جمهور المتعلمين ولكنها أسفرت عن تراجع في جودة التحصيل و عن تردّ أشرنا إليه توّاً في قيمة الشهادات وانحطاط في فاعلية المؤهلات. وكثيراً ما يقرن أمر الثقافة وأمر التعليم في الأحكام التي تطلق بصدد العملية التربوية في جملتها فيقال إن التعليم انتشر وتوسّع ولكن ضعفت الثقافة التي تنشأ منه وبفضله. وحين يصل الحديث إلى المنتجات الثقافية من أي نوع كان، يقال مثلاً إن الروايات كثُرت أعداد ما يصدر منها كل سنة ولكن الجيد نادر الوجود بينها بل هو معدوم الوجود في حصاد البعض من السنين. ولا حاجة إلى القول إن الروايات مثال لا أكثر هنا وإن القول نفسه يقال في الشعر وفي السينما وفي النقد وفي البحث الاجتماعي، إلخ.

 

ما شأن هذا كله بالعلاقات الثقافية بين مصر ولبنان؟ هذا له شأن أولاً بمسألة النجومية. النجوم في مصر وفي لبنان يموتون أو يشيخون…قلنا إننا اعتدنا أسماءهم، في مجالات مختلفة، لعشرات من السنين. اعتدناها هي نفسها واعتدنا ألا يحل محلهم أحد، في أفلاكهم هي نفسها، أي في المقام الذي ملأه كلّ منهم، حين يشيخون أو عندما يموتون. والأرجح أن الحال لم تكن على هذا المنوال، في مصر وفي لبنان، قبل نصف قرن مثلاً أو قبل ثلاثة أرباع القرن. كان النجوم نادرين طبعاً، هنا وهناك، في تلك الأيام، فهذه هي حالهم دائماً. ولكن العبور من جيل إلى جيل منهم كان يحصل بقدر من السلاسة يستبعد الفراغ أو يجعله شذوذاً أو يستبعد تماديه، في الأقل.

 

النجم بما هو شهاب

والحال أن النجوم هم الذين يعبرون الحدود من بلاد إلى أخرى لينشأ بأعمالهم هذا الذي نسميه علاقات ثقافية، بالمعنى الضيق الذي نعتمده هنا لمصطلح الثقافة وهو المعنى الذي يحصر الثقافة في أعمال المثقفين. قد يوجد جمهور في بلاد المنشأ لأسماء في ميادين الثقافة غير عالية الجرس. وأما سعة الميدان وبعد المدى فتنفرد بهما، بطبيعة الحال، أسماء ووجوه وأصوات ملأت ساحاتها أوّلاً وضاقت بها هذه الساحات. هذه قاعدة تحتمل الشواذّ الذي يؤكّدها إذ لا يعدّ محالاً، في الواقع، أن يبزغ النجم في سماء غير سماء موطنه الأصلي ولا يعدّ محالاً أن تلفظه سماء موطنه الأصلي، إلخ. أمر آخر يجب تسجيله هنا هو أن النجومية لا تضمن، بالضرورة، حيازة صاحبها وأعماله قيمة متفوّقة تقرّ تفوّقها المقاييس العامة، الثابتة نسبياً، مما يناط به تقدير قيمة الأعمال ومقامات الأشخاص في هذا النوع أو الفنّ من فنون الثقافة وأنواعها. فقد يحظى بنجومية عابرة من تعدّ أعماله ساقطة بحكم المقاييس المشار إليها. وقد يبقى مغموراً في حياته ولا ينصف إلا بعد الوفاة أو الانكفاء من يأتي بأعمال عظيمة ولكنها مجافية للذائقة الغالبة على ساحته. غير أن المقاييس تكون قد سلّمت بقيمة الأعمال وصاحبها حين يطول الزمن بنجوميته ويصبح ما يسمّى بالتكريس أمراً متحققاً بضمان من السلطات المحكّمة في النوع المعنيّ من الأعمال الثقافية ومن الجمهور المعنيّ بهذه الأعمال. النجم ههنا شهاب بمعنيين متباينين إذن: بمعنى العبور من أفق إلى أفق وبمعنى قابلية الخمود والترمّد.

 

في كل حال، لا نصل بالضرورة إلى ترادف تامّ ما بين نجومية النجم الثابتة والقيمة الثابتة لأعماله. الروائيون المصريون الذين جاؤوا بعد محفوظ، ومنهم من يعدّ تلميذاً له ومنهم من أراد نفسه مؤسساً لمنحى يخالف منحاه، على التخصيص، لم يجتاحوا الحدود الرمزية بين مصر ولبنان، على غرار محفوظ، بل بقي وصولهم إلى المطالعين اللبنانيين أشبه بالتسلل. فهم ليسوا موضوع دراسة عندنا ولا ينسب إليهم تلامذة من بين روائيينا ولا تنشغل بهم كثيراً الصفحات الثقافية من جرائد بيروت. وهذا مع أن بعضهم قطع في الشيخوخة شوطاً طويلاً وأصبح بعضهم الآخر واقفاً على أعتابها. أشير، بالدرجة الأولى، إلى إدوار الخرّاط، إلى إبراهيم أصلان، إلى بهاء طاهر، إلى صنع الله إبراهيم، إلى جمال الغيطاني، إلى يوسف القعيد… عالماً أنني أشير إلى قيم مرموقة جداً في مسار الرواية المصرية. مع ذلك لم يسع أياً من هؤلاء أن ينشئ بالقرّاء اللبنانيين علاقة تكافئ تلك التي أنشأها، لا محفوظ وحسب بل حتى إحسان عبد القدّوس ويوسف السباعي في أيامهما. وهذان كانا نجمين ولو ان النقّاد لا يعدّونهما، على الأرجح، من الأساطين المستقرة في مجد الفن الروائي في مصر. في تلك المرحلة نفسها، اضطرّت الأرض رواية عبد الرحمن الشرقاوي أن تنتظر يوسف شاهين والسينما سنين كثيرة حتى تتمكن من فرض نفسها على انتباه جمهرة معتبرة من القرّاء اللبنانيين.

 

اليوم يسبق الخراط وأصلان وطاهر وإبراهيم والغيطاني وسواهم إلى نور مصابيح القراءة اللبنانية نجم جديد نسبياً للرواية المصرية هو علاء الأسواني. وهو رجل مختلَف بين النقاد، من مصريين وغير مصريين، في قيمة أعماله، وهذه القيمة ليست ما يهمّنا هنا في أي حال. ما يهمّنا هو أن الروائيّ النجم، وقد اسعفته في ذلك السينما – مرّة أخرى – أيّما إسعاف، قد أدّى وظيفته مرّة أخرى فاستوى خيطاً من خيوط الشبكة التي يسعنا أن نسمّيها العلاقات الثقافية بين لبنان ومصر. من حيث الأساس ليست حال هذا النجم مختلفة عن حال النجوم في فنون أخرى يستعمل فيها مصطلح النجومية بمزيد من التواتر أي مثلاً عن حال عبد الحليم حافظ أو سعاد حسني في مضماري الغناء والسينما.

 

لا أعرف شيئاً عن الحظوة التي يمنحها القرّاء المصريّون للروائيين اللبنانيين اليوم، وبعض هؤلاء أصبح منتشراً، كما هي حال علاء الأسواني، بلغات عدّة. ولكن أعلم أن مغنّية لبنانية شابة أصبحت عريضة الصيت وغامرة الحضور على الفضائيات هي نانسي عجرم دانت ببعض نجاحها لاعتمادها اللهجة المصرية في أغانيها. وهذا أمر يوحي بأن طلب الاعتراف المصري بأيّ منتَج ثقافي عربي لا يزال ذا أولوية مؤكدة عند صاحب المنتج. وهو يوحي أيضاً بأن ما حصل وما زال يحصل من تعارف يبن العاميّات العربية بفضل التلفزيون لم يبطل كون العامية المصرية تبدو أشبه بـ”فصحى العاميّات” أي بالعاميّة الجامعة بين أجنحة المستمعين أو المشاهدين العرب شأن العربية الفصحى بين أجنحة قرّائهم. فإن تمصّر نانسي عجرم لا يغرّبها قيد أنملة عن بيروت. إذ يبقى لحفظ الألفة بينها وبين الجمهور اللبناني نحو قرن من اعتياد اللبنانيين سماع الغناء المصري ومن ترنّمهم به أيضاً، مطربين كانوا أم مجرّد متنزّهين.

 

في مجال مختلف جدّاً، أسهمت بيروت، بصحافتها وبصناعة النشر فيها وبجمهور من  مستمعيها أيضاً، في صنع نجم مصري آخر هو نصر حامد أبو زيد. كانت الوعورة التي يتسم بها حقل أبحاثه تستبعد أن يستوي الرجل نجماً تشدّ الرحال إلى محاضراته. ولكن بيروت تلقّت المحنة التي أطبقت على أبو زيد في القاهرة فراحت تطبع كتبه وتجادل فيها وتجمع له المستمعين… إلى أن شهدت العرض الأول لفيلم عنه أخرجه باحث سوري هو محمد علي الأتاسي، وقد احتشد للفيلم جمهور فرض عرضه بعد أن تردّد أنه سيمنع. أنزلت بيروت على الرحب نصر حامد أبو زيد إذن وهذا حقّه. على أن بيروت لا تعرف شيئاً، على الأرجح، عن مصريين أصحاب أعمال وعرة أيضاً ولكنها سامية المكانة والقيمة في أبوابها. تعرف بيروت من زمن بعيد نوال السعداوي، ويتردّد فيها أحياناً اسم جمال حمدان أو يزورها (قادماً من باريس) مصطفى صفوان، ولكن بيروت لا تعرف شيئاً، على الأرجح، عن أحمد أبو زيد ولا عن سيد عويس ولا عن رمزي زكي…

 

من الفرد إلى المجتمع:

في فضل البلاد على نجومها

النجم فرد، في كلّ حال. بل هو فرد شديد التفرّد يصنع نجوميته بالانفراد عن غيره ولو انه يكون مديناً بنجوميته نفسها أيضاً لهُوامات هذا الغير، لما يودّ الغير لو انه كانه أو لو ان أحداً في محيطه القريب أو البعيد حقّقه له. والنجم على ما رأينا، مرسال يصل بتوسطه شيء من الحياة الثقافية في بلاده إلى البلاد الأخرى. بل إنه يصحّ، في بعض الحالات، اعتباره وسيطاً لشخوص ولأعمال في ثقافة بلاده تعوزهم (أو تعوزها) النجومية. فهو يثير فضولاً عامّاً، إلى هذا الحدّ أو ذاك، حيال القطاع الثقافي الذي ينتمي إليه في بلاده وحيال ثقافة بلاده، على التعميم. المغنّي المصري الشهير يلفت المستمعين إليه، على اختلاف الأقطار، إلى سائر الغناء وسائر المغنين في مصر وإلى الموسيقى المصرية حكماً. ويؤدّي الشاعر أو المسرحي اللبناني دوراً موازياً في إثارة الاهتمام ببعض الثقافة اللبنانية، إذا اتسعت شهرته وانتشر الإعجاب به في خارج بلاده.

 

ولقد جعلت حديثي في العلاقات الثقافية بين مصر ولبنان مقتصراً، حتى الآن، على الأفراد: على هؤلاء الأفراد الحادّي التفرّد الذي نطلق عليهم لقب النجوم. وأحب الآن أن أنطلق من الإشارة التي سلفت إلى مكانة اللهجة المصرية في الآفاق العربية بما هي “فصحى” العاميّات لأقول كلمة في فضل كل بلاد، سواء أكانت مصر أم لبنان أم سواهما، على مثقفيها لجهة محددة هي كونها، بنجوميتها المتحقّقة في مرحلة من المراحل، سبباً أوّل لنجومية أبنائها. وهذا يعني أن انكفاء الإشعاع العامّ للبلاد يمتحن مثقفيها بمزيد من صعوبة في إثبات المكانة وفي تصدّر الحقل الذي يشتغل كل منهم فيه ولو كان الواحد منهم مستحقّاً. والحقّ أننا نثير هنا مسألة لا تخلو من التعقيد. فإن وجود البلاد في محنة قد يسهم أيضاً في إبراز مثقفيها الذين يفلحون في نشر أصداء أو صور مميّزة الصدق والقيمة والجمال لمحنة بلادهم. ومعنى هذا أن البلاد قد تفلح في الإعلاء من شأن مثقفيها، لا بقوّتها وازدهارها وحسب، بل أيضاً ببؤسها واضطراب موازينها، في بعض الحالات. ولعلّ الانسحاب إلى الظلّ وخبوّ الأضواء ونصول الألوان التي تتقدّم بها صورة البلاد إلى الخارج، سواء أكانت هذه السمات دليل تطامن وراحة أم دليل تعاسة لا تجد عباراتها بعد، إنما هي أقلّ الأحوال مواتاة لإسهام بلاد ما في إبراز ثقافتها  ومثقفيها ونشر ما عندها من هذا القبيل إلى خارج حدودها.

 

ولأذكر في هذا الصدد حالتين قياديتين للبلاد، إحداهما لبنانية والثانية مصرية، جعلت لكل من القطرين تأثيراً ثقافياً مميّزاً في الآخر، في أثناء مرحلة من تاريخنا غير البعيد بعينها. والمثالان واضحان ومعلومان، تغني في شأنهما الإشارة عن الإطالة. في الحالتين، بدت البلاد – مصر أو لبنان – حاملة رسالة بعينها محتاجة إلى الانتشار في محيط بعينه أو معدّة أصلاً بحيث تكون غايتها هذا الانتشار وما يليه من تغيير في أوضاع وأحوال مختلفة.

 

ريادة لبنانية… وقيادة مصرية

أما حالة القيادة اللبنانية (أو الريادة، بالأحرى) فنجمت في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر وفي أوائل القرن العشرين من تصدر المسيحيين اللبنانيين حركة تغيير في الشرق كان لها شقّ ديمقراطي يتعلق بالمساواة بين المواطنين وشقّ قومي يتعلق بالاستقلال السياسي أو، في بعض الصيغ المخففة التي اعتمدها مسلمون، على الأغلب، باللامركزية وبدرجة ما من الاستقلال الذاتي في الإطار العثماني. وكانت مصر الخاضعة، في معظم هذه المدة، للاحتلال البريطاني متفلتة من السطوة العثمانية وقابلة لتعهّد حركات من قبيل تلك التي باشرها مسيحيو المشرق وجاراهم فيها مواطنون لهم من غير المسيحيين لأسباب مختلفة أو بصيغ مختلفة. عليه أفردت مصر مقاعد في صدارة حياتها الثقافية لأولئك “الشوام” من أمثال سليم وبشارة تقلا وجرجي زيدان وفارس نمر ويعقوب صروف وفرح أنطون وشبلي الشميل… ممن أنشأوا منابر وأشاعوا أفكاراً كان لها وقع في النهضة المصرية المزامنة أو اللاحقة، أيّاً يكن تقويمنا اليوم وتقويم المصريين لعُجَر هذه النهضة وبُجَرها.

 

وحين اتفق أن وجد مسلم بين هؤلاء الناشطين “الشوام”، ولعل حالة رشيد رضا هي الحالة الأبرز، في هذا الباب، أو لعلها الوحيدة التي يعتدّ بها فعلاً، بدا أن مصر، بتيار التجديد في أزهرها وبتقاليدها العلمية الإسلامية، تعطي المسلم اللبناني أو الشامي أكثر بكثير مما يعطيها. وهذا لا يبطله علمنا بمكانة رضا ومجلته وأعماله من الحركة الإسلامية اللاحقة في مصر ومن توجهها السياسي على الخصوص… كان رضا، في مصر، تلميذ محمد عبده قبل أن يكون ابن طرابلس الشام. هذا فيما كان المسيحي اللبناني يحمل إلى القاهرة مسائل جديدة فعلاً مستقاة من خبرة تاريخية مغايرة. صفوة القول أن الموقع الريادي آنذاك في المشرق للجماعة المسيحية اللبنانية حمل أفراداً من هذه الجماعة ليبوّئهم أمكنة في صدارة الحياة الثقافية لبلاد عريقة التقاليد هي مصر ولمجتمع ضخم، بالقياس إلى مجتمع لبنان، هو المجتمع المصري.

 

في مرحلة ما بين الحربين ثم في المرحلة الناصرية، بدا أن مصر وجدت سبلاً لتفعيل وزنها في الثقافة العربية على أنحاء واكبت تفعيل هذا الوزن في السياسة الشرقية أو العربية في خلال تلك المرحلة الطويلة نفسها. وقد بدت آثار هذا التفعيل بيّنة في الدور المرجعي أو التوجيهي الذي أخذ يتبوأه مثقفون مصريون في الحياة الثقافية اللبنانية. كان لبنان قد أصبح لبنان الكبير وبات انقسامه الطائفي يتحكم شيئاً ما في تصرّف أجنحته حيال تيارات الفكر وصيغ الذوق المقبلة من مصر. ولكن كان في مصر، على الدوام، من يتألق بخروجه على إجماع ما فيصبح التمثل به مغرياً لأقليات تخشى حالات الإجماع الكاسحة. باكراً نسبيا، ذهب أحمد شوقي إلى لبنان مصطحباً معه محمد عبد الوهاب وباكراً أيضاً دخل الأدباء اللبنانيون في المفاضلة بين شوقي وحافظ ثم تابعوا مناظرة القرن التي أطلقها كتاب في الشعر الجاهلي لطه حسين وتلك التي أطلقها، في المدّة نفسها، كتاب علي عبد الرازق الإسلام وأصول الحكم ودخلوا أيضا في الجدال الذي أثاره الديوان لعباس محمود العقاد وتتبعوا “عبقرياتــه”. ثم لم يلبثوا أن تعرفوا نجيب محفوظ وأدرجوا المصريين وغيرهم من مجددي الشعر العربي المعاصر في كوكبة واحدة ضمّت سوريين وعراقيين وضمّت لبنانيين بطبيعة الحال.

 

قبل بلوغنا الحِلْم، كان عندنا كامل كيلاني للسلوى والموعظة ومصطفى لطفي المنفلوطي للبكاء ولأسلوب في الإنشاء طال به العمر بين خطبائنا من ذوي الأصول الريفية وبقيت منه إلى يومنا هذا بقايا معتبرة، منتشرة بين الوصف والرثاء. ثم راح المراهقون من جيلي يتوزعون في الخمسينات حزبين: أحدهما لمحمد عبد الوهاب والآخر لفريد الأطرش. كانت فرص السماع لا تزال ضئيلة. ومع ذلك كان الصياح يعلو بين الأتراب فيما كان الرجلان يسهران بسلام معاً، على الأرجح، في ملهى ما من ملاهي القاهرة أو في منزل من منازلها. وأما أم كلثوم فكانت قد أصبحت مشاعاً عربياً وأيقونة لا تمسّ ولو ان غناءها بقي يستغلق على لبنانيين كثيرين فلا يفلحون في تذوقه أو يأخذون عليه ما قد يأخذونه على نمط الطرب الشرقي كله وليس على أم كلثوم وحدها. في ما يتخطى هذه المآخذ، بقي الغناء العربي، في عرف أبناء جيلي من اللبنانيين (وكان في عرف الجيل الذي سبقنا أيضاً)، هو الغناء المصري أولاً وبقيت الموسيقى الشرقية هي الموسيقى المصرية. لا يزال هذا صحيحاً اليوم ولو ان الغناء اللبناني قد أرسى تقاليد تصنع ذوقاً وكوّن تراثاً يملأ ذاكرة. يسع المتبحّر اللبناني اليوم أن يكون ملمّاً بالغناء العراقي أو ذوّاقة للموسيقى الإيرانية أو التركية ولكن الخزين الذي تتشكل عليه هويته الموسيقية أو الغنائية، بما هو مستمع شرقي، إنما هو خزين مصري – لبناني.

 

وفي المدّة نفسها التي كان محمد عبد الوهاب وفريد الأطرش يشقّان فيها صفّنا بأناقة ولطف، أو بعدها بقليل، فرضت ثلاثية نجيب محفوظ نفسها على مخيلة قراء لبنانيين كثيرين على أنها الغاية التي يعصي تجاوزها على الرواية العربية. وهذا من غير أن يمنع ذلك طلاب الانفعال السهل من تيميم شطر السباعي أو عبد القدوس، على ما سبق بيانه. وأما في السينما – وكانت قد أصبحت بيت قصيد في ميزان الصلة الثقافية بين بلاد وأخرى – فكانت الأفلام المصرية أيضاً هي الأفلام التي يسع أمثالي من اللبنانيين أن ينتسبوا إليها على أنها سينماهم سواء أأعجبتهم أم لم تعجبهم. هذا بينما كانت الأفلام الأميركية أو الأوروبية تبدو خارج متناول الراغب اللبناني في حسَب ونسَب سينمائيين مهما بلغ من الإعجاب بها. وما يستوقف في الإقبال اللبناني على الثقافة المصرية وعلى تأثرها أو الانفعال بها أعلاماً وقيماً هو، على وجه التحديد، اشتمال الإقبال المذكور على الغث والسمين في هذه الثقافة. في الذائقة اللبنانية (وهذه ذائقة قد يكون اعتبارها واحدة من قبيل المصادرة على المطلوب أو المصادرة على غير المطلوب)، كان ثمة موضع لثورة طه حسين البعيدة الغور في النظرة إلى الذات وإلى ميزان القيمة بين موروثها ومستحدثها وكان ثمة موضع أيضاً لعويل فريد الأطرش أو لخزعبلات إسماعيل يسين.

 

والبين أن كلاً من هذه الأمثلة إنما يحضرني لسبب يخصني شخصياً. فقد كنت، في المدّة التي أصبحت فيها مواظباً على التردّد إلى دور السينما، أي في نهاية الخمسينات من القرن الماضي إلى أوائل الستيمنات، واحداً من مشاهدي الأفلام المصرية المكثارين، متعلقاً بعدّة من نجومها وغير ميال إلى التدقيق في قيمتها الفنية. ثم جنحت، في العقود اللاحقة، إلى مسلك مخالف، فأصبحت لا أشاهد من هذه الأفلام إلا ما طار له صيت استثنائي أو أحاطه النقد بهالة تقدير غير معتادة. إلى أن دخلنا عهد الفضائيات فعدت إلى الإكثار من المشاهدة وإلى شيء من التراخي في معايير الاختيار. وأما طه حسين فكنت قد جدّدت العهد بأعماله، في أواخر الثمانينات، لأخصّ المناظرة التي تمادت في صدد كتابه بدراسة طويلة نسبياً لأطوارها وللدلالات المستفادة من تماديها…

 

“لقينا محفظة!”

وعلى وفرة الصحف المتناسلة من شقوق بيروت، كان بعض الصحافة المصرية أيضاً يجد مكاناً له في الفضاء المكتظ بهموم شبابنا السياسية. كنا نقرأ مطوّلات محمد حسنين هيكل التي راحت الأنوار البيروتية تنشرها مع الأهرام. ولكن أسبوعيات القاهرة هي ما كان رفيقنا الظريف في استراحات المقاهي. في صباح الخير أو في روز اليوسف، كنا نذهب توّاً إلى الرسوم الكاريكاتورية… إلى نزيل من نزلاء “قهوة النشاط” يقول لجليسه: “يا حلاوة! لقينا محفظة! نادي الجرسون يجيبهالنا!” أو إلى زوج أيقظه البرد من نومه ينتهر زوجته صائحاً في ذروة الحملة الحكومية لتحديد النسل: “يا وليّه! فين الواد اللي كنت بستغطّى بيه؟” لا أذكر، بعد نصف قرن مضى أو كاد، إن كان هذا صلاح جاهين أم البهجوري. ولكن لم يفرض شيء نفسه على ذاكرتي بهذا العناد من كل ما طالعته من رسوم في الصحافة اللبنانية طوال نصف قرن!

 

كان هذا في أوائل الستينات إذن. في أواسطها، كنا قد أخذنا نجفو عبد الناصر. ثم راح يستحوذ على فضولنا النزر القليل الذي كان يصل إلى علمنا من أخبار الحركة الشعبية في مصر، العمالية حيناً والطلابية حيناً، وقد كنا نراها في أمانينا حركة واحدة. في هذه المرحلة، استجابت لرغبتنا في تعرّف المجتمع المصري مجلة الطليعة التي أصدرها لبضع سنوات لطفي الخولي ورفاق له. كنا نجد فيها بعض زاد كانت حاجتنا إليه ماسة يتعلق بمصر وقضاياها وبموجات الرفض المعتملة في مجتمعها ولكن يتعلق أيضاً بجهات أخرى من الكرة كانت تزداد جذباً لنا كلما ازدادت بعداً عنا: من فيتنام إلى بوليفيا. لم تكن علاقتنا بـالطليعة وبمحرريها علاقة تسليم بل كنا نرى أنفسنا في حال جدال معهم وحذر من صيغة التعايش الرجراجة التي خلصنا إلى افتراضها بينهم وبين الجهاز الحاكم. كنّا نؤثر شريطاً نتلقّاه لنجم وإمام على عدد يصل إلينا من الطليعة. مع ذلك لم يكن بدّ من مطالعة الطليعة.

 

وفي سنة 1971 أو حواليها، كنت مسؤولاً في بيروت عن طباعة نشرة “سرّية” كان اسمها المسيرة وكان الماويّون المصريون يعدّونها بين باريس والقاهرة. ومن البوابة الباريسية أيضاً كان قد وصل إلى أيدينا كتابان (بالفرنسية) أحدهما لأنور عبد الملك والثاني لسمير أمين الذي وقّعه باسم حسن رياض… لم أقراّ كتاب عبد الملك قط. وأما كتاب أمين مصر الناصرية فمثّل لي ولآخرين من رعيلي أول لوحة غنية بعناصر حسيّة ملأنا بها نوعاً من الضيق شبه الفارغ بنظام عبد الناصر كان قد أخذ يستبدّ بنا في أثر انهيار الوحدة المصرية السورية. وهذا انهيار كان وقعه جللاّ على جيلنا. حتى أن وقع هزيمة 1967 لم يكن سوى توكيد لوقع هذا الزلزال الأول علينا ولم تكن الهزيمة أول زلزال يضرب علاقة جيلنا من المشرقيين بالناصرية كما راح يتراءى لبعض مستذكري الحوادث لاحقاً. أمدّنا كتاب سمير أمين إذن بملامح الوجه المصري للخراب الذي كنّا قد عاينّاه أو سمعنا أخباره في العلاقة المصرية السورية. لاحقاً (في مطلع السبعينات) نقلت ونصير مروة إلى العربية كتاباً لمؤلفين مصريين اثنين هما عادل رفعت وبهجت الندي وقّعاه باسم مستعار أقاما على التوقيع به مذّاك وهو محمود حسين. كان عنوان الكتاب الصراع الطبقي في مصر. وقد وقّعنا الترجمة أنا ونصير باسمين مستعارين أيضاً. على أن كتاب محمود حسين كان أكثر ميلاً إلى الإغراق في الترسيمات النظرية المفترضة للصراع المشار إليه في عنوانه وأقل حفاوة بملامح الصراع الحسية ووقائعه من كتاب سمير أمين الذي ظهر قبله ببضع سنوات. وقد عجبت لقول شارل بتلهايم ما يوحي بعكس ذلك في تقديمه للكتاب ولم أتورع عن نقل عجبي إلى أحد المؤلفين حين التقيته. كان انحيازي (المتردّد جدّاً) إلى ماويّة بتلهايم وتلميذيه المصريين (في وجه الناصرية وفي وجه الشيوعيين “التحريفيين” معاً) هو ما ساقني إلى هذه الترجمة وإلى طباعة المسيرة. فدخلت في هذين الأمرين تواكبني شكوك بعضها معلن وبعضها مكتوم في قيمة المضامين التي وقعت عليها في الكتاب وفي النشرة.

 

يبقى أن  الطليعة، بما كانته لنا، في مدّة عمرها القصير نسبيّاً، لم تخل من شبه بما كانته الرسالة، مجلّة أحمد حسن الزيات، لبعض المثقفين من جيل آبائنا. كان الفارق بين المجلتين يرسم انزلاق الاهتمام المثقف، بين جيل آبائنا وجيلنا، من مسائل الثقافة الثقافية، أي مسائل اللغة والأدب وما إليهما، إلى مسائل المجتمع والسياسة، وقد استحوذا على الثقافة أو كادا. وفي كل حال، لا أزال أحتفظ إلى اليوم بمجموعة شبه كاملة من أعداد الطليعة. ولكن إذ أنظر اليوم إلى هذه الأعداد (التي يتراءى في اهتمامي بجمعها هذا الانزلاق في علاقة جيلي بموارد الثقافة المصرية) أراني لا أدري إن كان يوجد فيها ما قد يغوي فتياناً لبنانيين أو مصريين بلغوا رشدهم بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وملحقاته: من دول وحركات ومن صحف أيضاً.

 

من سنين كثيرة، أصبحت لا أقرأ الصحف المصرية إلا ما حصل اتفاقاً. هذا إهمال منّي ولكنني أرى فيه (من غير رغبة في تسويغه ولا إنكار لنسبته إلى شخصي) علامة تتعدّاني من علامات التغيير في العلاقة الثقافية – وفي العلاقات السياسية أيضاً – لشطر من اللبنانيين بمصر وبالحياة المصرية. ثمة ما زاد في هذه العلاقة وثمة ما نقص منها. ثمة تغير واكبتُه، عبر عقود، وهو ما أحاول أن أجلو من ملامحه، في هذا الحديث، ما تأذن بجلائه خبرتي الشخصية.

 

استقلال ثقافي في جمهوريتين؟

إلام أتخلص من هذا كله؟ ما دمت قد أجزت لنفسي اعتبار الفتى الذي كنته في أواخر الخمسينات وأوائل الستينات من القرن العشرين شاهداً يصحّ الاعتداد بشهادته، فلن أتردد في القول إن أمراء الثقافة  العربية المعاصرة، بجميع فروعها تقريباً، من بين الأحياء آنذاك، كانوا، في عرفنا، من المصريين. حين كنا نسأل من الأديب العربي الأهمّ (بالمعنى الأعمّ للأدب بما فيه نظرية الأدب أيضاً) كنّا نجيب بلا تردد: طه حسين. وكان نجيب محفوظ بطلنا من بين الروائيين وتوفيق الحكيم سيّد كتّاب المسرح في عرفنا وبقي محمود تيمور ملك القصة القصيرة عندنا إلى أن اكتشفنا يوسف إدريس. ولسنين كثيرة لبثت أعمال أحمد أمين هي أوّل ما يتبادر إلى الذهن حالما يطرح سؤال يتعلق بتاريخ الإسلام. ولم يكن التردد يساورنا إلا في صدد الشعر. لم نكن نجد صلاح عبد الصبور أدنى مرتبة من السياب أو من أدونيس مثلاً. أبداً. وإنما كنا نرى هؤلاء سوية ونفراً معهم قافلة واحدة راحت تجدد الشعر في الشرق العربي. وكان تفضيل واحد منهم على الآخرين مسألة ذوق شخصي يختلف جوابها من فرد منّا إلى آخر. وأما في الشعر الذي أخذنا نعدّه تقليديا فكان أحمد شوقي قد أصبح وراءنا (ولو انني، شخصيا، كنت أحفظ مصرع كليوباترة و مجنون ليلى عن ظهر قلب). كنا قد أصبحنا متنازَعين ما بين الجواهري وسعيد عقل وبدوي الجبل ولم نكن نجد بدويا مصريا نضمه إلى هؤلاء ولا أرضانا انتخاب مواطننا بشارة الخوري المعروف بالأخطل الصغير، بُعيد ذلك، خليفة لشوقي. أصلاً، حصل هذا الانتخاب في وقت كانت فيه القيم الجمهورية قد بلغت أوج غلبتها وجعلت من تنصيب الأمراء وتتويج الملوك في الثقافة أمراً يعسر هضمه… وكان من تعابير غلبتها، في الثقافة أيضاً، هذا الذي عاينّاه على أنه عسرٌ في ولادة النجوم، وقد راح يتفاقم من عقد إلى عقد.

 

وفي ترجيحي أننا إذا نظرنا اليوم في أمر شابّ لبناني ما في حوالي العشرين من عمره، سنجد أن كتّابه المفضلين من العرب، في معظم هذه الفروع، هم من اللبنانيين وأنه إذا غامر بالتغرب إلى آداب الأقطار العربية الأخرى سيوزع أفضلياته ما بين عدّة منها ولن يجد في مصر ولا في غيرها، بالضرورة، بداية ونهاية لمطافه. أقول هذا مع علمي بما في تيارات الأذواق اللبنانية من كسور وبأن ما بين فتى لبناني وآخر في مضمار الميول الثقافية قد يكون ما صنع الحدّاد. ولكن هل يعني اختلاف المسلك الذي قد يسلكه الشاب اللبناني اليوم عما كانه في جيل سبق أن منتجات الثقافة المصرية في سائر الفروع قد أصبحت اليوم أقل جودة؟ أبداً! لا أفترض للثقافة المصرية (ولا للثقافة اللبنانية) عهداً ذهبيّاً وأميل إلى الاعتقاد أن التأمل المتأني من شأنه أن يظهر الزيف في ذهب العهود الذهبية وأننا نخترع هذه العهود، عادة، لأمور فينا وليس لأمور فيها.

 

ما أراه إذن هو أن لهذا التغير في مسلك الشاب اللبناني المعادل لذاك الذي كنته قبل بضعة عقود معاني أخرى. أوّلها أن الثقافة اللبنانية قد ازدادت كثافة فازدادت قدرتها على استغراق أهلها. ولوفرة الإنتاج التي هي وجه مما سميناه “ديمقراطية” ثقافية شأن مؤكد في ذلك. وللمحن التي عبرها المجتمع اللبناني في السنين الأربعين الماضية شأن في الظاهرة نفسها. فإن هذه المحن ركّزت انتباه اللبنانيين على مجتمعهم وعلى مشكلاته، أو هي حبست هذا الانتباه، إلى حدّ ما، في هذا النطاق. وقد يكون علينا أن نستثني من هذا التركيز على إنتاج الداخل ما كان متاعاً للتيارات الدينية الحاضرة ولما تطرحه هذه التيارات على نفسها وعلى مناهضيها أيضاً من مشكلات تبدأ بالسلوك الفردي، بسائر مجاليه، لتطول إلى المجتمع وإلى الدولة… فما يستهلك من هذا القبيل أضعف صلة من منتجات ثقافية أخرى بالمنبت الوطني لمنتجيه وحتى بالعصر الذي أنتج فيه. وإذا نحن توقفنا عند المسائل المنتمية إلى نظرية المعرفة وإلى نظرية التاريخ والسياسة، وجدنا أن المغاربة، لا اللبنانيين ولا المصريين، كانوا متصدّرين، في العقود الأخيرة، بين الباحثين العرب في هذه المسائل وفي صيرورة المجتمعات العربية على ضوئها.

 

من يحتاج إلى قائد أو رائد؟

خلاصة القول أن في الجهة اللبنانية مقوّمات أوفر لنوع من الاستقلال الثقافي ينتهي إلى قدر من الامتناع عن تسليم القياد الفكري أو الذوقي لمثقّفي مجتمع آخر. وأما من الجهة المصرية، فهذا الاستقلال حاصل من عهود أطول ولكنه اقترن في العقود الأخيرة نفسها، بانكفاء “الرسالة” السياسية التي دأبت البلاد على نشرها في أرجاء محيطها القومي وما كان يلي هذه الرسالة من ظواهر ثقافية. هذه الرسالة كانت تتولى نشرها مصر كلها، سياسة وثقافة، وليس ثقافة مصر وحسب. هل توطّد الاستقلال الثقافي، في الحالة اللبنانية، نعمة وهل انكماش المنحى الرسالي، في الحالة المصرية، نقمة؟ لا أظن. حين لا يوجد، في هذه الحالة ولا في تلك، إغلاق للأبواب ولا حصار، يصحّ القول إن الحالتين تفترضان تركيزاً على أحوال المجتمعين وعلى أحلامهما ومطالبهما أيضاً يجب أن يكون موضع ترحيب. والحال أنه لا توجد بين لبنان ومصر أية أبواب مغلقة وإن بقيت تستحسن زيادة الأبواب المفتوحة دائماً. جلّ ما في الأمر أننا لا نلحظ ريادة تشبه ما كانت عليه حال المهاجرين إلى القاهرة من مسيحيي لبنان، قبل قرن من الزمان أو يزيد. ولا نلحظ قيادة شأن ما كان عليه نفوذ المثقفين المصريين في لبنان، قبل نصف قرن من الزمان تقريباً، أي في المرحلة الناصرية: مرحلة الفورة القومية والفورة الاشتراكية ومرحلة نقدهما ورفضهما أيضاً. هل نحتاج، في الثقافة، إلى من يقود أو إلى من يرود، أم نحتاج إلى تواصل الإبداع بما يفترضه من تحرر للعقل وللذوق؟ في السياسة، قد لا يوجد بدّ من القيادة والريادة. وأما في الثقافة فالحاجة هي إلى الحرية وإلى مقوماتها قبلها. ففي هذا حصانة من مغريات الاتّباع ومن محسّنات الانصياع لما لا تني تتفتق عنه السلطة الحاكمة والسلطات الأهلية وثقافة أهل السلطة وطلابها من صنوف التضليل والطغيان والعنف.

 

بيروت في 20 تشرين الثاني 2010

 

[1]  ورقة أعدّت لندوة انعقدت يوم 30 تشرين الثاني/نوفمبر 2010 في المجلس الأعلى للثقافة في القاهرة حول العلاقات الثقافية بين مصر ولبنان، وذلك في نطاق “الأيام الثقافية اللبنانية” في مصر.