المقابلة الثالثة مع الرأي الكويتية

الراي الثالثة 5 ك1 2012

 

أحمد بيضون لـ «الراي»: في لبنان … لا أحد يتعلم من تاريخه

المؤرخ اللبناني يعتبر أن أهم ما في «الربيع العربي» محاولة الشباب فتح المستقبل حتى بدا كأنه محرك للتاريخ

حوارات – الخميس، 6 ديسمبر 2012  /  572 مشاهدة   /   20
أحمد بيضون
×
1 / 1

| بيروت – من ريتا فرج  |
يبدو المؤرّخ اللبناني أحمد بيضون شديد الحرص والدقة على كل كلمة ينطق بها. حين تجالسه تشعر بأنك أمام حال معرفية متفردة في ذاتها يحار المرء من أين يبدأ معها، من السؤال أم الاستفسار أم الاستماع أم التلقي.
هدوء صاحب «الصراع على تاريخ لبنان» خلال الحديث معه يضفي عليه مواصفات العالِم العارف واللطيف. ورغم الصخب الذي يدور حوله وسط ضجيج العالم العربي وفوراته الاحتجاجية الا ان مؤرخنا لا يحبّذ الإطلالات الكثيرة وهو من الشخصيات التي قلّما تجدها تقدم حواراً لوسيلة إعلامية مرئية أو مكتوبة.
للمرة الثالثة ضربنا الموعد مع أحمد بيضون. في العامين الماضييْن، كان لنا حوار معه حول شؤون لبنانية وعربية سياسية وثقافية في رحاب عالم عربي متحول وثوري. سألناه في المقابلة الأولى عن تجربته اليسارية وعن أحلام جيله في التغيير في حقبة الستينات من القرن الماضي، وعن إنتمائه للبنان الافتراضي، وعن ثورة 14 آذار وعن الحراك العربي. وفي الحديث الثاني تحدّث صاحب «رياض الصلح في زمانه» عن ثورة الياسمين والشعارات التي رفعها الثوريون في الميدان، وعن رمزية الجمعة والجامع في الثورات العربية ووصول الاسلاميين الى الحكم والاصلاح الديني والثورة السورية التي قال عنها إنها أظهرت «صموداً مذهلاً حتى تاريخه».
وها نحن اليوم ندشّن لحديث ثالث مع المؤرخ النقديّ والسجاليّ لنسأله عن كتابه الصادر حديثاً وهو تحت عنوان «الإصلاح المردود والخراب المنشود» إنطلاقاً من أزمة النظام اللبناني وتطرقه الى مفاهيم جديدة كـ «الطوائف المتخصصة» وما المقصود من «المساواة الكارثية» التي أخذها عن الفيلسوف الفرنسي ريجيس دوبريه بالإضافة الى قضايا أخرى تتعلق بالهوية اللبنانية الوطنية وأزماتها وملامح الصراع السنيّ ـ الشيعي في لبنان و«التبلّر الطائفي» والتأسيس لذاكرة التوبة القومية والأزمة السورية وأوضاع الأقليات مع وصول الاسلاميين الى السلطة في بعض دول الربيع العربي.
وفي ما يأتي وقائع الحوار:

• أشرت في كتابك «الاصلاح المردود والخراب المنشود» إلى نقطة مركزية حين تحدثتَ عن المساواة الكارثية. إلى ماذا ستفضي هذه المساواة الكارثية في المدى المنظور؟
ـ المساواة الكارثية عبارة أخذتها من الفيلسوف الفرنسي ريجيس دوبريه في أثناء حوار أجراه معي حول الوضع اللبناني. كنتُ أعرض له أن ما كان قائماً في تاريخ لبنان المعاصر، منذ نشوء الدولة اللبنانية، من هيمنة طائفية قد فُقد بعد الحرب ولم يعد ثمّة تسليم بأولوية طائفة من الطوائف من جانب الطوائف الأخرى. وهو ما كان حاصلاً في ما مضى، ولو في حدود، في ما يتعلق بالطائفة المارونية وكان له أساس سكاني واقتصادي وثقافي. الطوائف الصغيرة بعد الحرب أصبحت ترى نفسها مساوية في الموقع لما يسمى الطوائف الكبرى وهذه الأخيرة أصبحت مقتنعة بوجود نوع من المساواة المبدئية في ما بينها، وبات المسرح السياسي ومسرح السلطة مركبيّن، بحيث أن حَرَد أي طائفة من الكبريات أو حتى ممن هي أقلّ من ذلك، يؤدي إلى قَدْر من التعثّر العام في عمل النظام السياسي.
إذاً أصبح هناك نوع من المساواة بين الطوائف في شعورها بنفسها يقطع الطريق على ما يسمى «الهيمنة». وهذا أمر يزداد صحة إذا اعتبرنا أن الهيمنة لا يكفي لممارستها مجرد القوة والتفوق، وإنما تفترض، على نحو ما، تسليماً من الجماعات المُهيمَن عليها. وبما أن هذا التسليم قد أصبح غير قائم، أياً كانت موازين القوى الراهنة بين الطوائف التي يتشكل منها المجتمع اللبناني، فإننا قد وصلنا إلى وضع جديد، وهو أن تكوين قيادة سياسية في البلاد، على نحو يضمن الفعالية للنظام والممارسة المسلّم بشرعيتها للسلطة قد أصبح يبدو، في معظم الظروف، وكأنما هو أمر مستحيل. تسمية «المساواة الكارثية» ليست سوى تعبير عن هذه الاستحالة، وعن التعذّر المتمادي لتكوين قيادة فاعلة، أي لجعل النظام المعدّ لحكم البلاد وقيادتها نظاماً عاملاً. هذا الوضع يسعنا أن نعتبره، في المدى المنظور، وضعاً مستعصياً. فليس هناك ما يدل على أننا سنفضي إلى تسليم جديد بهيمنة طائفية جديدة، ما دامت الوحدات السياسية التي يعتبر المجتمع مشكلاً منها هي الطوائف. وهذه الحال التي تجعل نوعاً من اللاشرعية يهيمن على طواقم الحكم، مهيأة، على ما يبدو لي، للاستمرار. ولا يوجد مخرج منها إلاّ بنتيجة ما نسمّيه الإصلاح أي بعد تعديل أساسي في تكوين النظام السياسي يتعلق، قبل كل شيء، بالطائفية السياسية، وبفرص تجاوزها. وهذه فرص لا تبدو ميسورة فعلاً إذا نظرنا بعين الاعتبار إلى موازين المجتمع اللبناني الحالية والطغيان البادي للطائفية على ساحة البلاد السياسية.
• يتحدث الكثيرون عن قلق الطوائف اللبنانية. ألا تعتقد أن هذه الطوائف هي جماعات قاهرة وليست جماعات مقهورة أو قلقة، وخصوصاً إذا قاربنا هذه المسألة من جهة مصادرة الطوائف للدولة؟
ـ المشكلة الأصلية في موضوع الطوائف اللبنانية هي اعتبار الطوائف نفسها وحدات سياسية. ليست هناك مشكلة في أن تكون الطوائف موجودة بما هي مذاهب، ولا توجد مشكلة في أن تكون للطوائف قواعد جهوية وأن تتكوّن أفضليات اجتماعية واقتصادية داخل صفوف كل طائفة لأبناء هذه الطائفة، بحيث يعاملون بعضهم البعض بالأفضلية في المجال الاقتصادي أو الاجتماعي، فيتساكنون ويتزاوجون ويتعاملون في أمور المعاش في ما بينهم بالأفضلية. ولكن المشكلة تبدأ حين تعتبر كل طائفة أنها وحدة سياسية ذات حقوق، بما هي طائفة، على الصعيد السياسي، وترفض أن تخلي المستوى السياسي لأنواع أخرى من التضامن، ولفئات أخرى من المصالح. من هنا نشوء هذا التقابل الذي نعرفه في الحالة اللبنانية: تستوي الطوائف قوى سياسية متقابلة، عيونها مركّزة باستمرار على موازين القوى بين بعضها البعض. فكل طائفة تنظر إلى وضعها بقياسه إلى أوضاع الطوائف الاخرى في المجال السياسي والصراع الطائفي مفتوح في هذا المجال، أوّلاً. وضع الصراع على هذا الصعيد بالذات جعل الطوائف في تاريخ لبنان المعاصر تتجه نحو نوع من التوحد السياسي أي إلى اختزال تمثيلها السياسي بقوّة أو قوّتين رئيسيتين. هذا أمر حاولتُ أن أُظهر كم أفقد النظام السياسي مرونته وكم جعل تكوين السلطة هشاً ومعرّضاً للتعثر في كل وقت. يتمثل ذلك بمقاطعة هذه الطائفة أو تلك للسلطة في إطار منطق للنظام لا يتحمل مسلكاً من هذا القبيل وهو المنطق الطائفي بالتحديد.
مشكلة أخرى تنشأ عن تحوُّل الطوائف إلى وحدات سياسية وهي أن الطوائف تجد نفسها ذات امتداد على الصعيد الاقليمي خصوصاً وربما، في بعض الحالات، على الصعيد الدولي. يأتي هذا الشعور إما من التجانس المذهبي أو من مجرد الشعور بأن ثمة مساحة مشتركة للمصالح تجعل طائفة من الطوائف اللبنانية تحالف دولة من الدول في الخارج. هذا حصل باستمرار في تاريخ هذه البلاد المعاصر والحديث، وهو يؤدي إلى عواقب صعبة المعالجة من بينها التضخيم المصطنع لأحجام الطوائف اللبنانية وأوزانها. فأحياناً تبدو طائفة هي في الواقع جماعة بشرية متواضعة من حيث الحجم والامكانات وكأنها قد تحولت إلى قوة دولية وإلى لاعب من الطبقة الأولى في المجال الإقليمي بطوله وعرضه.
• تحدثت عن الامتداد الاقليمي والدولي للطوائف. مَن هي الطائفة التي تعكس هذا الامتداد؟
ـ في الواقع الطائفتان الكبريان اللتان تتصدران الصراع اللبناني الجاري على السلطة حالياً، وتتناقض مواقفهما في المجال السياسي الداخلي والخارجي، هما الطائفة الشيعية والطائفة السنيّة. الطائفة الشيعية هي اليوم مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالتشيع الايراني وهي تبعاً لذلك ولأسباب أخرى أيضاً حليفة في المجال الأقرب للنظام السوري، في حين أن الطائفة السنيّة مرتبطة بالمملكة العربية السعودية وهي في كتلتها العظمى سائرة في الخط السعودي وفي المجال الذي تنفتح عليه السعودية إقليمياً ودولياً.
• هل ثمة عمود فقري يجمع بين اللبنانيين؟ والى أي مدى بإمكان الجماعات الطائفية التأسيس لأمة مندمجة؟
– أعتقد أن ثمة قبولاً للبنان بما هو وطن ودولة قد نما في صفوف الجماعات اللبنانية عبر العقود التي مضت من تأسيس الدولة اللبنانية المعاصرة إلى اليوم. كانت هذه الدولة مرفوضة من قبل جماعات تشكّل أكثر من نصف المجتمع. كان الوطن اللبناني يُعتبر نوعاً من المرحلة التي يجب الانتقال منها إلى تأسيس وطن أوسع. في حالات أوسع تمثيلاً كان هو الوطن العربي، وفي بعض الحالات كان يسمى الوطن السوري، وأحياناً كان ثمة جهات تفكر أيضاً في الأمة الإسلامية وفي نوع من الوحدة لهذه الأمة.
ما حصل بالتدريج بعد 1920 هو أن قبولاً أخذ يحصل داخل هذه الأوساط الرافضة للبنان الكبير وأن هذا القبول كان يمرّ أحياناً في أزمات وأحياناً كان المضيّ به قدماً يستدعي صدامات كبرى آخرها الحرب التي حصلت بدءاً من العام 1975.
هذه الخبرة التاريخية هي ما يمكن اعتباره العمود الفقري لهذا الكائن السياسي الذي نسميه لبنان. القبول المشترك والشعور بأن هذا الوطن لا بديل له. وهذا بالطبع أمر لم يكن داخلياً فحسب، وإنما كلف مثلاً انهيار الحلم العربي والحركة القومية العربية. ولا يعني هذا القبول المشترك أن أمة مندمجة قد قامت. هو في الواقع أقرب إلى السلبية، لأنه يعني تسليماً يمكن أن نعتبره إلزامياً بوضع لا بديل منه. ما أريد قوله ان الدول التي يتشكل منها العالم اليوم في معظمها لا تتأسس على أمة مندمجة بمعنى أن كل بلد ينطوي على قدْر من التنويعات الإثنية أو الدينية أو اللغوية. ولكن الدول الناجحة تتدبّر أمرها حين تفلح في الفصل بين الفوارق الأولية هذه ومنطق عمل الدولة والنظام السياسي، أي حين تفلح في إنشاء سلطة محايدة غير منحازة لعرق أو دين أو لغة، وتحفظ بالتالي حقوق الجماعات دون أن تحوّل هذه الجماعات إلى وحدات سياسية. وعندما تصبح الوحدات الأولية وحدات سياسية للدولة نكون قد فتحنا باباً واسعاً على الأزمات المتكررة وربما على النزاعات المسلحة. ما هو حاصل في لبنان هو هذه المطابقة الواسعة النطاق بين المجتمع السياسي ومجتمع الطوائف.
• تحدثت عن ملامح الصراع السنّي ـ الشيعي في لبنان. لماذا تبدو متشائماً؟ والى أين سيتجّه هذا الصراع؟
ـ الوضع يحمل على التشاؤم بسبب ارتهان هذا الصراع بالمدى الاقليمي: بالمواجهة الحاصلة على الصعيد الاقليمي، وهي مواجهة ذات امتدادات دولية واضحة. المؤسف أن ما أصبحنا نسميه اليوم صراعاً سنياً ـ شيعياً تكوّن إلى حد ما على فراغ. العلاقات السنية ـ الشيعية في هذه البلاد لم تكن قط تاريخياً علاقات مدموغة بسمة النزاع. كانت هذه العلاقات على وجه الاجمال حسنة، وإذا وُجد تنافس ما فكان يُعتبر طبيعياً ومقصوراً على دوائر محدودة، ولم يكن يُعتبر، بأي حال، مواجهة عامة بين طائفتين على ما تُنذر به أحوالنا اليوم.
الاتجاه العام إلى ما أسميه «تبلّر الطوائف» في الحرب هو ما جعل السُنّة والشيعة في لبنان يبدون كجماعتين سياسيتين متواجهتين. حصل ذلك في هذا العقد الاخير فقط، ولم يكن حاصلاً قبل ذلك. ولا شك في أن النزاع الجاري على الصعيد الاقليمي أي المشكلة الايرانية والخلل الذي تخشى منه دول عربية من تنامي القوة الايرانية ومن بلوغها المحتمل للطور النووي، وكذلك الصف الذي تمثله إسرائيل والولايات المتحدة والغرب عموماً، والتحسب الحاصل في هذا النطاق من القوة الايرانية، كل هذه المعطيات رسمت خريطة للتنازع على الصعيد الاقليمي تبعها عن كثب وضع جديد في الداخل اللبناني. فأخذت المواجهة السنية ـ الشيعية تدمغ هذا الداخل وتحوّلت إلى سمة رئيسة.
• لماذا لا يتعلم اللبنانيون من تاريخهم؟ وإلى أي مدى هم قادرون على تأسيس ذاكرة قومية أو ذاكرة التوبة القومية كما يسميها البعض؟
ـ يرى هيغل أن أحداً لا يتعلم من التاريخ. وقد اخترتُ أن أثبت كلاماً له يفيد هذا المعنى في صدر الكتاب. ليس هناك جماعة تتعلم من تاريخها. في الحالة اللبنانية يمكن أن نلاحظ وقعاً لأمر بعينه، مشترك بين البشر، وهو سرعة تعاقب الأجيال. إذا كان مستحسناً أن نتعلم اليوم من تجربة الحرب التي عانيناها ونأخذ منها عبراً، فلا يجب أن يفوتنا أن نحواً من نصف اللبنانيين الذين هم الآن على قيد الحياة لم يكونوا قد ولدوا في الحرب. وإذا أضفنا إلى هؤلاء من كانوا صغاراً في الحرب ولم تكن سنّهم تتيح لهم أن يكوِّنوا صورة عمّا جرى، فإننا نصل إلى أكثر بكثير من النصف، وتصبح هذه الجماعة العمرية من اللبنانيين مشتملة على نسبة كبيرة ممن هم مؤثرون ومَن هم أصحاب أدوار في مجتمعنا اليوم.
لا يتعلم الناس من تاريخهم وتعاقُب الأجيال هذا واحد من الأسباب. وقد أخذتُ بوجهة نظر هيغل الذي لم يكن يشير إلى اللبنانيين أو العرب وصدّرت كتابي بهذه العبارة على وجه التحديد. أحد الأمور التي منعت ما تطلقين عليه في سؤالك اسم ذاكرة التوبة القومية هو الحيلولة دون تكوّن ذاكرة فعلية لتجربة الحرب. فإن أي مراجعة تقف على سويّة مرضية من الشمول والموضوعية لم تحصل لهذه التجربة واقتصرت المراجعات والتواريخ على جهود الأفراد. والسبب واضح وهو أن أمراء الحرب هم مَن تسلموا مقاليد البلاد بعد الحرب وقد جُعلت البلاد مرعىً لهم ولم يكن وارداً أن يعيدوا النظر في تجربة كانت ستفضي إلى دينونة مؤكدة لهم. أعتقد أن هذا الجيل من القادة يصل اليوم إلى نهايات دوره لأسباب بعضها سياسي وبعضها عمري. وأرى أنه سيكون ثمة صعوبة في أن يرسي هؤلاء شرعية لورَثتهم تقوم على المنطق نفسه، أي منطق طمس الحرب ومنع تكوّن ذاكرة وطنية لهذه المرحلة.
• ثمة سؤال يطرح في شكل دائم: لماذا يكرّر النظام اللبناني إنتاج أزماته؟ في رأيك هل تكمن المعضلة في طبيعة النظام الطائفي نفسه أم في غياب الإمكانات التي تؤهل الجماعات للانخراط في مشروع الدولة الحديثة؟
ـ دخل النظام اللبناني في أزمات متعاقبة ولكن هذه الأزمات ـ على ما حاولت أن أوضحه في الكتاب ـ لم تكن كل منها تكراراً لأخرى. كل أزمة حملت، في الواقع، جديداً. وفي نظري أن الخيط الذي يمكن تتبّعه من أزمة إلى أخرى هو أن حظوظ النظام في تجاوز الازمة بشيء من التماسك المضاف أو في استعادة تماسكه بدرجته السابقة للأزمة، على الأقل، كانت صائرة إلى التضاؤل.
وفي اعتقادي أن الازمة الراهنة تميّزها سمة رئيسية يمكن التوصّل إلى تعيينها. وهي، في الواقع، أزمة مستمرة منذ أعوام كثيرة ويمكن أن نعتبرها متّحدة بالحرب نفسها بحيث تصبح كل هذه المرحلة التي تمتدّ منذ ما يقارب 40 سنة مرحلة أزمة واحدة بمعنى من المعاني. وأما السمة الرئيسية لهذه المرحلة فهي أن النظام الطائفي استكمل صفته الطائفية فأصبح نظام طوائف بالمعنى الفعلي الدقيق للكلمة ولم يعد نظاماً متسعاً لأدوار معتبرة تقوم بها جماعات واقعة في ما دون الطوائف أي، مثلاً، العائلات السياسية والأحزاب التي يريد بعضها نفسه عابراً للطوائف وبعضها الآخر يمثل أجزاء محدودة جهوياً من طائفة من الطوائف أو أكثر.
منذ أعوام وصلنا إلى حالة برزت فيها الطوائف إلى الميدان بما هي طوائف. وهذا الواقع (كما سبق أن أشرت) يكاد يُعدم مرونة النظام السياسي، فننتهي إذن من حيث بدأنا. لا يمكن أن نعود إلى صيغة فاعلة للنظام السياسي في هذه البلاد إلاّ اذا سلكنا طريق تجاوز الطائفية السياسية وهو أمر لا يتعارض مطلقاً مع لحظ ضمانات معينة للجماعات، وعلى الخصوص للجماعات الطائفية، تمنع الهيمنة التعسفية لجماعة كبيرة على جماعة صغيرة، ويمكن أن تُلحظ هذه الضمانات في النظام السياسي. وفي رأيي أن اتفاق الطائف كان قريباً إلى هذا الهمّ في صيغته لتجاوز الطائفية السياسية، وأنه يمكن أن نستعيد الصيغة الاصلاحية التي جاء بها هذا الاتفاق وهي التي أدرجت عناوينها في الدستور ولا يزال يوجد تسليم مبدئي بها من مختلف الاطراف. فتعاد دراستها وتحدَّد الصيغ المناسبة للمرحلة التي أصبحنا فيها اليوم إنطلاقاً منها.
• هل من الضروري تدوين تاريخ الحرب الأهلية بكل تفاصيلها في كتب التاريخ المدرسية بما يشكله هذا التدوين من صدمة ايجابية كي لا تدخل الأجيال في دورة عنف أهلي جديدة؟
– لا بدّ أن يعرض تاريخ المرحلة الماضية من عمر الدولة اللبنانية، بما فيه تاريخ الحرب الأهلية منظوراً إليها بعين النقد التاريخي. لا بدّ أن يُفسح المجال لعملية نقدية واسعة، وأن يوضع هذا كله تحت أنظار الجيل الصاعد الذي لم يشهد تلك الحوادث. هذه عملية تربوية لا ريب في أهميتها ولعلها تستوجب لحظ الخلاف في وجهات النظر، والتنازع بين الصور التي بقيت من مرحلة الحرب، مثلاً، في مخيلة الذين عاشوها والذين جاءوا بعدهم أيضاً. في رأيي يجب ان لا يُستبعد تنازع الصور ولا تنازع الذاكرات بل يجب تركه يشتغل ويعبّر عن نفسه، مع التسليم بأن الذاكرات ليست هي التاريخ وإنما يستوعبها التاريخ ويعلو عليها راويته ليمتحنها بالنقد ويفهم المجابهة بينها. حين يوجد هذا الراوية، الذي لا يفترض أن يكون واحداً، فقد يحصل من جرّاء البناء المتعدّد للتاريخ الوطني ما تسمينه الصدمة الايجابية.
• لماذا لم يُجرِ أمراء الطوائف الذين شاركوا في الحرب الأهلية مراجعة نقدية؟ ولماذا لم يحاسبوا أو يعتذروا للبنانيين؟
ـ هم كانوا بعيدين جداً عن همّ المراجعة النقدية وعن قبول المحاسبة. جاءوا إلى السلطة بعد الحرب وكل واحد منهم يعتبر نفسه بطلاً. وكان لكل منهم جماعة تساهم بمواقفها في تكريس هذه الصورة. لم يكن وارداً أن يقوموا بأي نقد ذاتي. وأما السبب الذي جعلهم لا يُحاسبون فهو أن عملية إنهاء الحرب تمت برعاية دولية واقليمية وجدت أن وضع هؤلاء بالذات، أي أمراء الحرب، في سدة السلطة هو الصيغة التي يمكن أن تسمح للبلاد بالتوصل إلى نوع من السلم وبإقلاع عملية إعادة البناء.
• كيف تقارب ما آلت اليه قوى 8 و 14 آذار وهل تعتقد أن هذه القوى ما عادت قادرة على إدارة شؤون البلاد بسبب حدة الشرخ بينها؟
ـ منذ تشكُّل هذه الثنائية: 8 و 14 آذار، وهي عاجزة في الواقع عن إدارة شؤون البلاد. كلٌ من الطرفين عاجز عن إدارة هذه الشؤون بمفرده، والطرفان عاجزان عن إدارة شؤون البلاد معاً. وليس أدلّ على ذلك من التجارب الحكومية التي شهدها لبنان منذ العام 2005 إلى الآن. فقد عرفنا الصيغة الحكومية التي تكون الهيمنة فيها لقوى 14 آذار، وعرفنا حكومات «اتّحاد وطني»، وعرفنا حكومة يهيمن عليها الآن فريق 8 آذار.
جميع هذه الحكومات كانت متعثرة تعثّراً استثنائياً. كانت تبدو من أيامها الأولى عاجزة عن تسيير شؤون البلاد بطريقة فاعلة وبحدٍ من التفاهم الذي تفترضه عملية الحكم وممارسة السلطة.
السلطة التنفيذية ليست مكاناً للتنازع بل للتوافق على خيارات وبرامج وأساليب بعينها لادارة الشأن العام. هذا لم يكن حاصلاً في أيّ من هذه الحكومات. وحين كانت الحكومة ممثلة لطرف واحد كان هناك طعن في شرعيتها وليس فقط في أسلوبها. والسبب في ذلك أن الانقسام بين الفريقين في أساسه طائفي، وأن عزل 8 أو 14 آذار يعني عزل طائفة معينة أو أكثر. وهذا لا يتحمله منطق النظام اللبناني، ويكفّ هذا النظام عن العمل بصورة سوية حين يحصل مثل هذا الامر. من جهة، هناك طابع طائفي لهذا الاصطفاف لا يبطله توزع المسيحيين بين الجهتين، ومن جهة ثانية ليس هناك في الظروف الاقليمية والدولية السائدة من إمكان لتفاهم يعتدّ به بين ممثلي الطائفتين المسلمتين الكبريين. فإن التعارض بينهما لتعلّق كل منهما وإرتهان قوتها وحجمها وقدرتها بأحلافها الاقليمية وخياراتها الدولية أمر لا يبدو منه فكاك في الوقت الحاضر.
• في ظل الانقسام العمودي بين القوى المتصارعة على الحكم في لبنان، هل نحتاج إلى طريق ثالث حيادي ومدني؟
ـ نحتاج بكل تأكيد إلى تشكّل قوى سياسية ومدنية تحسم أمرها باتجاه الخروج من طائفية النظام. يبدو التوتر السائد حالياً قامعاً لتكوُّن هذه القوى ويبدو معزّزاً للخوف الطائفي الذي لا يمثل بيئة صالحة لتكوُّن قوى غير طائفية. حين تكون الطوائف خائفة وقلقة من بعضها البعض لا تكون حظوظ تشكُّل هذه القوى كبيرة. ولكن من الواضح أيضاً أن ثمة قدراً من السأم والتعب قد بدأ يصيب الناس من هذه المواجهة العقيمة، بل البالغة الضرر، على صعيد المصالح الوطنية وعلى صعيد مصالح جزئية للبشر أيضاً. أخذ السأم والتعب يدبّان من هذه المواجهة بين الفريقين ومن الفريقين معاً. هذان السأم والتعب بحد ذاتهما إيجابيان، ولكن علينا أن ننتظر وقتاً لنرى ماذا سيكون لهما من نتائج على الأرض.
• يدعم «حزب الله» النظام السوري ويعتبر ما تتعرض له سورية مؤامرة علماً أنه دعا النظام إلى الاصلاح. كيف تقرأون هذا الدعم؟ وهل يمكن القول إن الحزب يضع شيعة لبنان في مواجهة الأكثرية السنية؟
ـ هذا الدعم يفسره البُعد الاقليمي لدور «حزب الله» وعلاقة الحزب بإيران وموقف طهران من الثورة السورية. أما القول إن الحزب يضع شيعة لبنان في مواجهة الأكثرية السنية فهذا وجه آخر للمسألة نفسها اي مسألة العلاقة بين «حزب الله» وايران ولموقع ايران في المواجهة الاقليمية. والمؤكّد أن هامش الاستقلال السياسي المتاح لـ «حزب الله» يضيق (وقد يضمحل) مع اشتداد التوتّر في المجال الإقليمي. ولذا يتحمّل الحزب أكلافاً ثقيلة عليه بالمنطق اللبناني وبما يتعدى هذا المنطق أيضاً لاضطراره إلى دعم الموقف الإيراني في المواجهة السورية.
• الثورة السورية انتقلت من الطابع السلمي إلى الطابع العسكري. إلى أين سينتهي هذا الصراع وسط الحديث عن طائف سوري يجمع الأطراف كافة من أجل إنهاء الأزمة؟
ـ توجد مشكلة في معرفة مَن هي الأطراف التي يجب جمعها في سورية. هناك عدد من الأطراف يمكن اعتبارها غير تمثيلية، أو هي أطراف لم يُمتحن تمثيلها بقياس ما لها من قدرة على التعبئة الداخلية. الساسة السوريون يسبحون في نوع من الفراغ أو الغموض على الصعيد التمثيلي، والثورة الجارية تتولى أمرها قيادات عسكرية في المرحلة التي دخلتها منذ أشهر عدّة. وكانت تتولى أمرها قبل ذلك التنسيقيات العاملة على الأرض، حين كانت لا تزال في مرحلة التظاهر. وقد دفعت العسكرة الحركة الشعبية التي شكلت وجه الثورة في بدايتها ومنحتها صفتها الديموقراطية البالغة الوضوح نحو الهوامش، ومنعتها من التعبير عن نفسها إلى حد كبير. بدأ الأمر بحماية فرضتها شراسة القمع فرضاً للتظاهرات ثم انتقلنا بعد ذلك إلى حرب بين العسكر المنشق وعسكر النظام ولم يبق عملياً دور واضح لجماهير شعبية منتفضة.
في الحالة اللبنانية كانت قيادات الحرب واضحة العناوين، معلومة. والطائف الذي حصل وجد مدخلاً له في مجلس النواب الذي كان لا يزال له نوع من التمثيل الطائفي والحضور المؤسسي القائم. فكان أن اتُخذت هذه المؤسسة مدخلاً للانتقال إلى تطبيق للاتفاق أدخل إلى الحلبة السياسية والى حلبة السلطة أهمّ الأطراف المتقاتلة. في حالة سورية ليس هناك شيء من هذا القبيل. ليست هناك تشكيلة محتملة، مماثلة للتشكيلة التي انتهى اليها اتفاق الطائف اللبناني على مرحلتين: مرحلته النيابية، ومرحلته التطبيقية. فإلى أن يتطوّر وضع المعارضة السورية على نحو يؤكّد استواءها قيادة سياسية فعلية للثورة الجارية، أعتقد أن كل تشكيلة سورية توقّع صيغة ما للخروج بالبلاد من المحنة الجارية ستكون معرضة للطعن في شرعيتها. يقابل هذا أن النظام نفسه كطرف مفاوض هو طرف أصبح مرفوضاً من معظم السوريين، ومرفوضا التفاوض معه من جانب أكثرية مَن يتصدّون اليوم لتمثيل الثورة السورية.
• يشير البعض إلى أن سورية أمام خيارين إمّا الحرب الأهلية أو التقسيم. ألا تعتقد أن هناك مبالغة في هذا الطرح؟
– تواجه سورية اليوم نوعاً من الاستعصاء السياسي يجعل من المتعذّر القطع باستبعاد أيّ من هذين الاحتمالين. النزاع الجاري حالياً يقترب من الحرب الأهلية، وكلما طغى الطابع الطائفي، على النظام من جهة وعلى من يواجهونه من جهة أخرى، أصبح سيناريو الحرب الأهلية أقرب احتمالاً، وكلما ابتعد النظام عن كونه نظام حكم للبلاد ونظام دولة وتحول إلى أداة لجماعة طائفية اقتربنا من وضع الحرب الأهلية. كذلك كلما اشتدّت العصبية واستُبعد التنوع المعبّر عن المجتمع في معسكر الثورة نقترب من الحرب الأهلية. ومع أن الصفة الطائفية المتنامية في صفوف الثورة السورية هي صفة الأكثرية من الشعب السوري فهذا لا يكفي قطعاً لمنع التوجه نحو وضع الحرب الأهلية.
ليس هناك في الواقع من أبواب مفتوحة، في الوقت الحاضر، للتفاؤل بمخرج قريب من الأزمة السورية يرسي للبلاد قيادة تسترشد ما حملته الثورة من قيم وأهداف. والكلام عن التوجه نحو الحرب الاهلية كلام لا يمكن رفضه. أما التقسيم فمسألة أخرى. التقسيم يطرح مسألة الشرعية الدولية، ويطرح مسائل داخلية كبرى من نوع مصير المدن المختلطة، ومصير المؤسسات العامة. فهو بالتالي مسألة أكثر تعقيداً بكثير إذا حملناه على محمل الواقعة الدولية. ليس تأسيس أكثر من دولة في سورية بالأمر السهل. يمكن حصول نوع من التعازل بين المناطق إذا تكرس الطابع الطائفي والجهوي للنزاع الجاري ولكن يُستبعد أن ينتهي ذلك إلى تقسيم بالمعنى المؤسسي: أي قيام دولتين أو أكثر.
• بعد وصول الإسلاميين إلى الحكم في دول الربيع العربي هل تتخوفون على مستقبل الأقليات؟
ـ أتخوف على مستقبل الأقليات، بادئ ذي بدء، حين تأخذ الاقليات في وعي نفسها على أنها حصراً أقليات وليست شيئاً آخر. وأتخوّف على كل بلد من اتخاذ الأكثرية لنفسها فيه صفة قومية أو طائفية على المستوى السياسي. هذا مخيف طبعاً. وأخاف، في الواقع، من حصول هذا بفعلٍ من وصول الإسلاميين إلى الحكم في بعض دول الربيع العربي.
هؤلاء الإسلاميون يختلف وضعهم أصلاً من دولة إلى أخرى وتختلف إمكانات مواجهة الاجراءات التي قد يتخذونها وتكون ماسّة بحقوق ما يسميه السؤال الاقليات. لستُ محبذاً لاعتبار الإسلاميين المصريين في الوضع نفسه هم والإسلاميون التونسيون، مثلاً. ولكن أخشى على الاقليات وعلى الأوطان نفسها من المعارضة الإسلامية الجذرية للإسلاميين الذين وصلوا إلى الحكم. الجماعات السلفية يمكن أن تسلك خط إِيذاء الاقليات وحملها بالتالي على التكتل بهدف إحراج الإسلاميين الحاكمين بإظهار عجزهم عن تأمين السلام الأهلي في البلاد وبإظهارهم وكأنهم مقصّرون في إضفاء الطابع الإسلامي على السلطة والمجتمع.
• هل يمكن القول إن الجمهور العربي في ظل الثورات العربية هو المحرك للتاريخ؟
ـ بدا الجمهور العربي، وخصوصاً جمهور الشباب عند نهوضه، محركاً للتاريخ. هذا سيبقى له أثر بعيد في مستقبل الأوطان التي شهدت هذه التحولات. سيبقى لهذا النهوض أثره بغض النظر عن الحالة المؤسسية التي أثمرها هذا الربيع العربي. الأمر الأهمّ في الربيع العربي هو محاولة الشباب فتح المستقبل. وما يمكن ترجيحه هو أن هؤلاء الشباب ومن سيخلفهم لن يقبلوا بسهولة، على الاقل، أن يُغلق المستقبل في وجوههم مرة أخرى.

 

Advertisements

حوار مع جهاد بزي (السفير) حول الانتخابات

أحمد بيضون: الحرية بلا دولة القانون تسمح بالقتل وبتأليف السيمفونيات
جهاد بزي
هادئ أحمد بيضون. المثقف واللغوي والأكاديمي والباحث التاريخي والاجتماعي، الدكتور الموسوعي اختصاراً، يجلس في بيته الجميل في رأس بيروت. إذا حكى في السياسة، يرفعها إليه. يجردّها من غايات تحكم السياسيين، ومن مخاوف وأحقاد ومحاباة تحكم مواقفهم، ومن جهل يوصف العديد منهم به، في قضايا من المفترض أنهم خبراؤها.
لا يحكي في مجردات، ولا يعيش في صومعة. القارئ الممتاز للتاريخ كما للحاضر يعرف بمهارة الأستاذ الجامعي كيف يشرح الأفكار، كما يعرف كيف يرى إليها، بعيني المثقف.
الانتخابات ليست شأناً جديداً بالنسبة إليه. لديه أكثر من بحث حولها. وهو، في حواره مع «السفير» ناقش ليس القوانين الانتخابية وتأثيراتها وسلبياتها وإيجابياتها ومفاهيمها فحسب، بل ذهب في النقاش أبعد، إلى نقطتين سابقتين للانتخابات، وأكثر أهمية منها: النظام الطائفي ودولة القانون، أو بالأحرى، دولة غياب القانون.
أحمد بيضون في الحلقة الثانية من الحوار حول شؤون الانتخابات وشجون البلاد.. بعيداً عن حلبة صراع الديكة.

{ لماذا لا يوجد قانون انتخابات ثابت ودائم في لبنان؟
÷ لسنا وحيدين في هذا الموضوع. الدول تعدّل قوانين الانتخاب فيها وهو أمر جار وشائع. لكن الدول الديموقراطية الانموذجية لديها مزيد من الاستقرار في هذا الأمر، كفرنسا او انكلترا. ومع ذلك، فهذه الدول تشهد تغييرات. الحاصل في لبنان أن القوى الغالبة في مرحلة معينة على صعيد السلطة التنفيذية ومجلس النواب تريد الاحتفاظ بولاء الأغلبية اللبنانية لها وهي تلجأ إلى التغيير اذا شعرت ان ثمة خطراً على الأكثرية التي تتمتع بها. وفي حالات الانقسام الشديد في البلاد يصبح الامر حيوياً لكل من الطرفين وموضوع معركة.
{ هل من الصحي ألا يعرف المواطن القانون الذي يقترع على اساسه؟
÷ ليس صحياً بالطبع. يجب ان يكون معروفا ما هو القانون وأن تُشرح مسوّغاته وآلية عمله ويجب أن يفهم المقترع كيف يؤثر صوته في نتيجة الاقتراع. فإذا اعتمدت النسبية، مثلاً، نحن حيال نسبيتين: التمثيل الطائفي هو نسبية قائمة على الأنصبة المحفوظة للطوائف أصلا، وحين نضيف نسبية ثانية مركّبة فوق النسبية الأولى، فهذا أمر سيخضع لقواعد احتساب معقدة بحيث أن الناخب الذي يضع صوته في الصندوق لن يفهم كيف وبأي نتيجة خرج صوته. ويصبح الأمر أكثر تعقيداً بما لا يقاس إذا اعتمدنا قانون الهيئة الوطنية لقانون الانتخاب (قانون فؤاد بطرس) الذي يقول بصيغة مركّبة، بحيث ينتخب قسم على القاعدة النسبية وقسم آخر على القاعدة الأكثرية، ويكون هناك نوعان من الدوائر متفاوتة الحجم، ويكون هناك صوتان تفضيليان لكل مقترع يعين بواسطتهما الاسمين اللذين يحوزان الأفضلية عنده من بين جميع الأسماء المعروضة. بذلك يصبح الاحتساب وتقرير النتائج معقداً بصورة يستحيل على الناخب غير المتخصص تخصصاً دقيقاً في علم الانتخابات أن يفهم كيف أدى صوته إلى هذه النتيجة.
{ ماذا عن قانون الستين؟
÷ الوحدة الانتخابية في قانون الستين هي القضاء. مشكلته انه يفتت إلى حد كبير التمثيل النيابي خصوصا أن مبدأ الأكثرية هو المعتمد. ويجعل نتائج الاقتراع مرهونة بمدى التلاحم الطائفي الذي يتفاوت بين طائفة وأخرى، وكما ينشئ في بعض الدوائر تبعية لنواب طائفة معينة للقيادة السياسية المنتمية إلى طائفة أخرى. وهذا سببه أن الاقضية غير متساوية في ما بينها وهي متفاوتة التمثيل لجهة عدد النواب فتجد مثلاً أقضية كبرى من قبيل الشوف أو بعلبك ـ الهرمل فيها من 8 إلى 10 نواب، في دائرة مثل جبيل تنتخب ثلاثة نواب فقط. مما يجعل للصوت تأثيراً متبايناً من دائرة إلى أخرى وإذا تمعّنا في الأمر وجدنا أنه يشكّل مطعناً في المساواة بين الناخبين. فان يؤثر ناخب في النتيجة المتعلقة بانتخاب عشرة نواب، بينما يؤثر آخر في انتخاب نائبين (بشري نموذجا) فقط يجعل للأول وزناً اكبر بكثير من الثاني.
أما مشكلته الأخرى فهي إتاحة نوع من التأثير الذي لا تستسيغه القيادات الطائفية لطائفة معينة في تمثيل طائفة أخرى. في بعلبك الهرمل، هناك مقعدان سني وكاثوليكي لكن الشيعة هم من يقررهما.
{ أي قانون هو فعلياً الاكثر تمثيلاً، النسبي او الاكثري؟ وعن أي مصالح يعبر كل منهما؟
÷ من يتوقع التراجع في الانتخابات المقبلة يفضل النسبية لأنها تمنعه من السقوط الذريع أمام خصومه. لكن من لديه تحالف كاسح، كالثنائي «حزب الله» و«حركة أمل»، يعلم أن النسبية لن تؤثر عليه، فيمضي بها، عارفاً ان الحريرية ستخسر من قوتها في حال اعتماد النسبية.
لكن النظام النسبي هو دائماً وفي جميع الحالات الاكثر تمثيلا. والافضل تعبيراً عن تنوع المشهد السياسي الشعبي. لكن تؤخذ أمور أخرى عليه منها أن التمثيل النسبي يضعف قاعدة الحكم، أي السلطة التنفيذية لأنه يمنع تشكيل اكثرية نيابية وطيدة ومستمرة إلى حين معين. ويؤدي إلى تعذر تشكيل حكومات او السقوط المتتابع والمتقارب للحكومات وهذا أمر سيء، لأن عدم استقرار الحكم أمر سيء، كما الاستقرار المفروض فرضاً للحكم أمر سيء.
{ ما هي معوقات التمثيل الانتخابي الحقيقي للبنانيين؟
÷ علّة التمثيل النيابي هي موقعه كتمثيل نيابي اساساً من نظام الحكم الطائفي، والتعديل في قانون الانتخاب يغير الكثير من الوقائع لكن لا يخرج نظام الحكم من مشكلته الرئيسية. لديك نظام انتخابي قائم على جغرافيا وهمية كلياً. انت تعد لوائح الشطب بناء على لوائح النفوس. في بلدة مثل «بنت جبيل» هناك خمسون الف مواطن ونصفهم ينتخب، افتراضاً. وبناء على هذا الرقم يحق لها بهذا العدد من النواب. لكن في الواقع بنت جبيل يقيم فيها 4000 مواطن ومنهم الفان يقترعون. انت قدرت تمثيل هذا البلد بناء على جغرافيا الوهم والآخرون الذين في بيروت او في الضاحية حرمتهم من التصويت في الاماكن التي يتقرر فيها كل شيء مهم يتعلق بحياتهم. ونقل النفوس، المسموح قانوناً، يعد غزواً متبادلاً بين الطوائف، وتقوم إثره ردات فعل طائفية. السبب في هذا الخلل هو الحفاظ على المبدأ الطائفي في التمثيل. اذا ألغيته لا يعود هناك مشكلة في تخيير هذا الشخص في الاقتراع مكان دفنه بعد عمر طويل، او مكان بيته وحياته.
المشكلة الثانية هي أن هناك فرض على كل الناس وتجنيد اجباري لهم في الطوائف، مرشحين كانوا أم ناخبين، مع أن هناك ناخبين ومرشحين لا يرون في الطائفة مرادفاً لتصورهم عن انفسهم. هؤلاء مفروض عليهم أن يترشحوا عن مقاعد طائفية، ويقترعوا في اقلام طائفية، ويكون النائب الفائز نائباً عن الطائفة وعن الامة معاً. كيف تركب هذه؟
{ هل من الممكن التخلص من هذا يوماً؟
÷ اتفاق الطائف قدم صيغة مجلس شيوخ تنطوي على ضمانات للطوائف، وصلاحياته هي ان يكون هيئة تمنع التمييز الطائفي، ليست هيئة طائفية تشرف على التوزيع والانصبة الطائفية بل تمنع التمييز بين الناس على اساس طائفي، يجب ان تكون اساس الصلاحيات التي يتمتع بها مجلس الشيوخ. في ما يتعدى ذلك، مجلس نواب ينتخب على قاعدة النسبية ومن دون توزيع طائفي. في هذه الحالة، سيقل عدد النواب المسيحيين، وفي نظام غير طائفي يجب التسليم بالأمر لأن من مشاكل النظام الحالي مشكلة المناصفة القائمة على وضع وهمي. لديك ثلثا الناخبين لديهم نصف عدد النواب، وهو أمر غير طبيعي. المنافقون يتجنبون التصريح في هذا الأمر، لكن يجب ان يترتب على الأمر مقتضاه: في نظام غير طائفي هو أمر أقرب الى المساواة والعدل ويجنّب كل الاطراف مشاكل في المستقبل، لأن هذه القصة اذا كانت مقبولة الآن فلا أحد يضمن أن تظل مقبولة بعد مدة من الزمن ومن الأفضل أن تحل بالتفاهم والحوار من أن تحل في جو أزمة.
{ هل الانتخابات هي من تقرر اذا كانت الدولة ديموقراطية أم لا؟
÷ لا. الانتخابات ليست وحدها المقررة. السمة الاولى للدولة الديموقراطية هي انها دولة قانون. ولبنان ليس دولة قانون لأن لا محاسبة فيه، وهناك وقائع مفروضة بالقوة على السلطة العامة، وهناك قرارات مهمة جدا لا تؤخذ ديموقراطياً في البلد بينها ما يتعلق بها مصيره. المؤكد ان النظام الانتخابي ليس وحده من يجعل البلد ديموقراطياً.
والنظام، بطائفيته، يحمي الفساد والجريمة وأنواعاً مختلفة من الخروج عن القانون حيث يخبّئ مجرم في مكان لا احد يستطيع أن يطاله، واذا كان مجرماً مهماً كفاية، يمكنه أن يتنزّه حيث يريد ولا يطاله أحد.
الركن الاول للدولة الديموقراطية هو أنها دولة قانون، وليس انها دولة انتخابات. والقانون ينص بين ما ينص عليه على الانتخابات والسيادة وتداول السلطة وحرية الرأي والمعتقد وكل الحريات المدنية والسياسية. كل هذه الامور متماسكة في النظام الديموقراطي. لا يمكنك أن تسحب ركناً اساسياً من هذه الأركان وتقول أنت في دولة ديموقراطية. ونحن لدينا قوانين كثيرة لكن ليس لدينا دولة قانون. هذا يؤدي الى نوع واحد من الحريات، يسمح لك بأن تقتل أو أن تؤلف سيمفونية. الحرية نفسها في لبنان تسمح لك بالأمرين. يمكنك هنا أن تحكي وتكتب بكثير من الحرية، وتجلس في المقهى وتثرثر كما تريد، ولا تتعرض لشيء، لكن ليس لأن القانون يكفلك، بل لأن هناك فوضى. بينما في دولة القانون، الحريات التي تتمتع بها، تظل تتمتع بها، لكن بكفالة القانون.

المقابلة الثانية مع جريدة الرأي الكويتية

الراي 25 ك1 2011حوار أحمد بيضون  ً

 

بيضون لـ «الراي»: التغيير في سورية أظهر صموداً مُذهلاً والحلف بين طهران ودمشق لا يمكن استبعاد اهتزازه

حوار / «البروز الانتخابي لـ (الإخوان) لم يفاجئ… بل الحجم الاقتراعي للسلفيين»

حوارات – الأحد، 25 ديسمبر 2011  /  1,365 مشاهدة   /   38
أحمد بيضون (تصوير جوزف نخلة)
×
1 / 2
شارك على فيس بوك شارك على تويتر شارك على غوغل بلس

| بيروت – من ريتا فرج |
قبل نحو عام أجرينا لقاء مع المؤرخ أحمد بيضون ولم يكن العالم العربي دخل انذاك في أوج حراكه الاحتجاجي العابر للدول من المحيط الى الخليج، ولم يكن كثيرون** من المؤرخين العرب توقعوا انتشار عدوى «ثورة الياسمين» المباغتة، رغم أن الاحتقان التاريخي كان كالجمر تحت الرماد. ولعل ما قاله صاحب «الجمهورية المتقطعة» في المقابلة الأولى يعبر بايجاز عمّا جرى ويجري، حينها قال: «حجم الآمال العظيمة التي تمثلها التضحيات لا تكفي، فهي تحتاج الى تنظيم ويتعين عليها مواجهة الحزبية الصلبة الجانحة الى التخاذل».
بيضون الذي هجس باكراً بسطوة الأحزاب التقليدية الاسلامية على «الربيع العربي» من بوابة صناديق الاقتراع لم يأتِ توقعه من سراب أو من نبوءة سياسية، كان يدرك بعين الرائي ما يملكه الاسلاميون من قدرة على التنظيم والتغلغل في النسيج المجتمعي والسياسي، ومن هنا يمكن أن نفهم مقاربته لموقع الحركات الاسلامية خصوصاً «حركة النهضة» في تونس و«جماعة الاخوان المسلمين» في مصر، فالحركتان في رأيه «لم تكونا من أطلق التحركات الشعبية أصلاً، وهو لا يمنع أن التنظيم بوسائله وموارده يمكن أن يعزز موقعهما في نهاية المطاف»، وهذا ما حدث.
قلة من الكتّاب والمؤرخين العرب تملك هذه القدرة على تفكيك الأحداث وربطها بالماضي والغد، ورغم أن صاحب «الصراع على تاريخ لبنان» شديد الحرص على ترتيب أفكاره ونسجها وفق الوقائع لا التصورات أو الفرضيات الايديولوجية، الاّ أنه يتفرد بخاصية مهمة قوامها قراءة الواقع التاريخي واستباق تجلياته. وليست صدفة معرفية الانذار الذي أطلقه بيضون، فقد أدرك أن مخاض ما يسميه «حركات التغيير» سيفضي الى وصول الاسلاميين، الذين يملكون اطاراً تنظيمياً وعمقاً تقليدياً في المجتمع.
من تفجر «الربيع العربي» الى الأزمة السورية، ومن تحقيق «جماعة الاخوان» وأخواتها أعلى نسبة في صناديق الاقتراع الى غياب البورجوازية العربية عن الحراك الاحتجاجي، ومن موقف «حزب الله» من «الربيع الدمشقي» الى الاستقطاب الحاد بين قوى 8 و14 مارس، هذه القضايا وغيرها شكلت محور الحوار الذي أجرته «الراي» مع أحمد بيضون وفي ما يأتي وقائعه:

• دخل العالم العربي منذ الثورة التونسية في حراك شعبي احتجاجي يشبه الى حد ما تجربة الديموقراطيات في أوروبا الشرقية. بداية، لماذا تفجر «الربيع العربي» في هذه اللحظات التاريخية؟
– لا أحد يستطيع الجزم بجواب يتعلق بتوقيت المسلسل المتمثل في حركات التغيير الجارية. ربما غامر هذا المحلل أو ذاك، قبل انطلاق الحركات، بنبوءة ما متعلقة بخطورة الأوضاع وقابليتها للانفجار في هذا البلد أو ذاك. ولكن لم يكن يسود مناخ في الأوساط المتابعة يشير الى قرب ما حدث، خصوصاً الى هذه العدوى التي انتقلت من بلاد الى بلاد وشملت دولاً موزعة في المدى العربي بين الخليج والمحيط وانحصرت أيضاً (وهذا أمر له أهميته) في حدود هذا المدى، فلم تتجاوزه الى بلاد غير عربية في الجوار الاقليمي. كانت قد حصلت أحداث في العقد المنصرم، وقد يصح اليوم اعتبارها مُبشرة بما جرى ويجري حالياً. مثلاً: مبادرات الاحتجاج التي تصدرتها حركة «كفاية» في مصر وكذلك حركة المنتديات والمبادرات الأخرى التي شكلت ما سمّي «ربيع دمشق» غداة تسلم بشار الأسد السلطة العام 2000. ولكن هذا كله لم يلبث أن لقي قمعاً شديداً، وبدا، في أوقات متباينة، أن الاحتجاج قد هُزم هنا وهناك. وأما السبب الفعلي لتعذر التنبؤ الجدّي بما هو جارٍ اليوم فهو أن المجتمعات التي تهيمن عليها أنظمة مغلقة لا تسهُل معرفة ما يعتمل في دواخلها وما يمكن أن تتمخض عنه من جديد على الصعيد السياسي. فالسياسة في هذه المجتمعات تصبح مكتومة أو شبه مكتومة حالما تبتعد عن دائرة السلطة القائمة والموقف الرسمي. والمتابعون يصعب عليهم أن يخرقوا قشرة الظواهر في مجتمع ينعدم فيه التعبير المستقل أو يكون نادراً. قد يلمّون بالشيء القليل من بواطن الأحوال ويلزمهم لذلك أنواع من التحقيق هي أقرب الى عمل المخابرات منها الى الأصول المعتادة في الاستعلام الصحافي أو في التحقيق العلمي، فثمة قيود ثقيلة جداً على تحصيل المعرفة في هذه المجتمعات. والحركات المعارضة فيها، مضطرة اذا أرادت الاستمرار في السعي الى التغيير، أن تلزم نفسها أقصى درجات السرية. وبنك المعلومات الرئيسي في كل هذه الدول هو المخابرات وليس مراكز الأبحاث أو الصحافة الحرة. وحتى المعلومات الهائلة الحجم التي تتوافر لدى المخابرات قد لا تمثل قاعدة صالحة لتشخيص ما هو جارٍ في طول المجتمع وعرضه، فهي، في أرجح تقدير، مفتتة ومقيدة الوجهة. يبقى مع ذلك أن المصدر الرئيسي للدراية بأحوال هذه المجتمعات هو الوشاية.
بعدما تفجرت حركات الاحتجاج أخذنا نبحث لها ولتوقيتها عن تفسير. وأكثر ما جرى تداوله هو الأزمة المهولة التي تضرب جيل الشباب في هذه المجتمعات ومن وجوهها أزمة البطالة وأزمة فقدان الأفق، عامّاً كان أم خاصّاً، وأزمة العجز عن المضي في أي مشروع بما في ذلك الهجرة. وبين مقومات هذه الأزمة واحد جديد نسبياً له أهمية استثنائية هو التنامي البالغ السرعة لقطاعات التعليم العالي في هذه الدول خلال الاعوام العشرة أو العشرين الأخيرة. وهو ما زاد كثيراً من عدد المتعلمين الباحثين عن فرص للعمل. وتشير الاحصاءات الى أن البطالة في أوساط هؤلاء المتعلمين الشباب اعلى بكثير ما هي عليه في أوساط الشباب الأميين أو المتدنّي الاعداد، ما وفر تأطيراً لحركات الاحتجاج وأمدّها بقدرة واضحة على الصياغة السياسية وعلى استعمال وسائل الاتصال الجديدة. ويجب القول ان وسائل الاتصال هذه من انترنت وشبكات للتواصل الاجتماعي تؤويها الانترنت ومن هواتف جوالة ومعها التلفزة الفضائية كانت على الموعد… وقد أدت ولاتزال الدور الكبير الذي بات معروفاً.
• الحركات الاحتجاجية طالبت بالحرية والخبز وتداول السلطة أي أنها لم ترفع شعارات أيديولوجية كما كان يجري في خمسينات القرن الماضي وستيناته. هل يمكن اعتبار هذا المؤشر بمثابة تراجع للأحزاب الايديولوجية مقابل المفاهيم الانسانية المشتركة؟
– التيار الذي كان سائداً في خمسينات القرن الماضي وستيناته هو التيار القومي. وكان يفترض وجود أمة عابرة للتاريخ يكفي أن يرتفع الضغط المعادي عن صدرها حتى تنهض واقفة وقفة مارد. وفي الستينات تمازج مفهوم الاشتراكية ومفهوم القومية. والاشتراكية التي تعاطتها الأنظمة القومية في تلك الأيام كانت هي أيضاً مبسطة. فقد جرى تصويرها على أنها ممكنة التحقيق بمراسيم واجراءات ادارية تنفّذ في ردح محدود من الزمن وتحوّل المجتمع مجتمعا اشتراكيا يواصل نموّه معمماً الرفاه والعدل الاجتماعي. من الخمسينات والستينات، مضى نصف قرن. وشهدت هذه المدة هزائم واستعصاءات هائلة يتعلق بعضها بالعلاقات بين أطراف الأمة ويتعلق بعضها الآخر بالعلاقات بين أطراف المجتمع وبالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، هذا فضلاً عن هزيمة أو أكثر تناولت الأمّة برمتها بمعنى من المعاني، وهذا يصح خصوصاً في حرب 1967. كان لهذه التطورات السلبية مفاعيل تربوية، اذ أدرك الناس أن الأمة والعدل الاجتماعي والوفرة ليست وراء الباب وأنها عمليات تاريخية طويلة ومعقدة وكثيرة النكسات، وأن الأهداف التي رسمتها الحركة القومية لنفسها قد لا تكون هي الأهداف الموافقة لحركة التاريخ بقواها الفعلية. اليوم لا تبزغ حركات التغيير انطلاقاً من هزيمة الحركة القومية بل تبزغ من تردّي أنظمة لم يعد للمكوّن القومي مكانة قيادية في تكوينها. تبزغ هذه الحركات أيضاً من تردي ما سمّي الصحوة الاسلامية: من الأزمات التي عصفت بهذه الصحوة وجعلت الآمال التي علقتها عليها قطاعات واسعة من المجتمعات المعنية تبدو سراباً.
لم تكن التنظيمات الاسلامية هي من أطلق حركات التغيير ولا كانت طليعة من حشد لهذه الحركات في الساحات. الذين فعلوا هذا هم الشباب. وهؤلاء وجدوا أطراً غير حزبية لتنظيم صفوفهم ونهضوا في مواجهة أنظمة هي ميراث الحركة القومية، والتحقت بهم التنظيمات الاسلامية بعد الكثير أو القليل من التردد. ونحن اذا نظرنا الى حركات الاحتجاج هذه في مدى المرحلة التاريخية التي مثّلها نصف القرن المنصرم، فهمنا الدواعي التي جعلتها تبتعد من الشعبوية وتحصر شعاراتها الى حد كبير في نطاق الممكنات. وهذه دواع تعززها طبعاً أصداء الاندحار العالمي الذي عرفته السياسة الايديولوجية في العقود الماضية. والمثال الأهم لذلك هو انهيار الكتلة الشيوعية.
• كيف تفسر تحرك الجماهير العربية في شكل تلقائي مترافقا مع غياب القادة المحركين للشارع؟
– في المجتمعات التي شهدت حركات التغيير الجارية، كانت مقدّرات التنظيمات الحزبية على وجه الاجمال هزيلة. فمعظم الأحزاب المعروفة أو العلنية ملتحقة بالأنظمة أو مسايرة لها الى هذا الحد أو ذاك. ومعارضة النظام، اذا عمدت الى تكوين أطر لها على الأرض واذا كانت هذه الأطر ثابتة واعتمدت الشكل التقليدي للتنظيم، أصبحت عرضة للقمع السريع. والذي مثّل تعويضاً لتعذر هذه المعارضة الحزبية التقليدية أو لصعوبة تكوينها وحماية حركتها على نطاق واسع، هو، على وجه التحديد، هذه الشبكات الجديدة التي يسّرها الانترنت. فقد أتاحت للأفراد أن يتواصلوا بمئات الآلاف وأن يتحركوا على نحو منسق وان يكن موقتاً أيضاً وغير مزود أطراً تمنحه فاعلية دائمة ومستمرة. كان هناك قادة لكنهم لم يكونوا شخصيين أي أن اسماء الأشخاص لم تكن ذات أهمية كبيرة وبدا أن ما هو مهم هو الكتلة المعتصمة أو المتظاهرة. ويجب التنويه في هذا السياق الى أن انتشار التعليم يسّر، في أوساط واسعة، نشوء أنواع جديدة من الفردية: فاستقلّ البشر، الى هذا الحدّ أو ذاك، عن الوحدات التقليدية التي يتشكل منها المجتمع وأتيح لهم الالتقاء في ما بينهم من دون المرور، بالضرورة، بالزامات الجماعة العائلية أو الطائفية.
• ثمة وجهة نظر تقول ان الجمهور في العالم العربي لم يصل بعد الى المستوى المطلوب من الوعي وان الجماعة وليس الأفراد هي التي تحركه. ما رأيك في ذلك؟ وكيف يمكن مقاربة الحراك الاحتجاجي انطلاقا من التحولات على صعيد الوعي الجمعي؟
– أعتقد أن وجهة النظر هذه لو كانت صحيحة صحة مطلقة لما قامت هذه الحركات التي نشهدها. في هذه الحركات بعد ديموقراطي مؤكد تدل عليه شعاراتها ومنابت قادتها وكيفيات تصرفها. وهذا البعد يفترض وجود الأفراد الذين أشرت الى وجودهم قبل قليل. والمجتمعات مدينة بوجود هؤلاء الأفراد لعوامل أهمها نمو التمدين، أي الانتقال من عصبيات الريف الى أوساط تعرض أشكال تضامن حرة أو طوعية. وكذلك التعليم الذي يمنح الفرد الثقة بنفسه ويحمله على البحث عن أنداد له ينشئ معهم صورا من التضامن تبعده أيضاً من سطوة الجماعة التقليدية. ولا يمنع ذلك أن الجماعات التقليدية مستمرة الحضور وقوية، وان لم تكن في أساس حركات الاحتجاج. وهي تعود عبر تنظيماتها وقادتها وتحاول الالتحاق بهذه الحركات والهيمنة عليها. وتملك في الواقع فرصاً مهمة لتحقيق ذلك بالنظر الى ثباتها والى توفر تنظيماتها السياسية والاجتماعية على أطر ذات فاعلية متفوقة في المدى المتوسط اذا ما قورنت بأطر الحشد والتنظيم التي تعتمدها المجموعات الشبابية. فهذه لا تزال ذات طابع هشّ أو عابر ولم يستقر بها المقام حيث توجد فرص للاستقطاب… فيختبرها الناس وتكسب ثقتهم.
• الجزء الأكبر من مكوِّنات الحراك الشعبي الاحتجاجي تمثله الفئات الاجتماعية المهمشة أو الاتية من الأرياف. ما تفسيرك لذلك؟ ولماذا يبدو أن الطبقة الوسطى أو البورجوازية الناشئة بعيدة من هذا الحراك؟
– في الاعوام الثلاثين الماضية عمدت الأنظمة في بلدان مثل مصر وسورية الى تصفية متدرجة لسيطرة القطاع العام على قسم أساسي من مرافق الانتاج والخدمة الاجتماعية. هذه التصفية حصلت لمصلحة تحالفات نشأت بين أعيان النظام وأصحاب الرساميل في القطاع الخاص. وقد اتخذت هذه التحالفات في كثير من الحالات شكلاً مافيوياً ونمت، في الغالب، على حساب حقوق الدولة، وبتوسط ما تتيحه السلطة من التفاف على القوانين وتسخير لها. هذه العملية الطويلة والمعقدة والتي تعززت بالريوع السياحية والعقارية والتصرف بها أدت الى حال من التداخل، في المجال الاقتصادي، بين أركان النظام الذي أصبحت نواته الفعلية نواة عائلية الى حد بعيد، وأوساط رجال الأعمال الذين أتاح لهم النظام فرصاً لم يكونوا ليحلموا بها، وذلك بعد القمع والمصادرة اللذين شهدهما ما سمي المرحلة الاشتراكية. هذا النوع من النمو هو نفسه الذي آل الى تراجع الزراعة والاقتصاد الريفي عموماً والى النمو الهائل للمدن. وفي ضواحي هذه المدن اتسعت الهوامش المهملة وتفاقمت البطالة وكثرت حالات الاحباط جراء انعدام الفرص. هذا، في الواقع، ما رسم الملامح الاجتماعية لحركات الاحتجاج من دون الغفلة عمّا سبق ذكره من موقع حاسم لقطاع الشباب المتعلم، وهو أيضاً شباب ذو أصول ريفية في الغالب ولكن علاقته بالريف انقطعت أو تحوّلت تحوّلاً عميقاً.
• الحركات الاحتجاجية انطلقت من المسجد وجعلت يوم الجمعة محطة لحركتها. ما الرمزية التاريخية والسياسية للمسجد والجمعة بالنسبة الى هذه الحركات؟
– في هذه المجتمعات تدين شعبي منتشر يجب عدم الخلط بينه وبين التنظيمات السياسية ذات الصفة الدينية. هذا التدين ازداد انتشاراً وحدّة في العقود الأخيرة حين أصبح الدين هو الرابط الوحيد المأذون به من جانب النظام الذي كان يشترط هنا أيضاً ألا يكون التدين سياسياً. هذه المجتمعات هزلت فيها المؤسسات التي كان يمكن أن تمثل نقاط التقاء بين الناس… باستثناء المساجد، على وجه التحديد، فهي موجودة في كل موضع، ومفتوحة ليس ثمة قيد على دخولها، ويمثل اغلاقها أو عرقلة الصلاة فيها عبئاً معنوياً فتتردد السلطة قبل الاقدام عليه. لذا كان اعتماد المسجد والجمعة من جانب حركات التغيير موعداً مكانياً وزمنياً للحشد والتظاهر أمراً طبيعياً جداً. وهذا لا يترجم مباشرة بالضرورة قوة حركات الاسلام السياسي، ولكن يمكن أن ينتهي الى تعزيز هذه القوّة. المسجد والجمعة لهما حصانة حتى في وجه النظام وقد استفادت حركات التغيير من هذه الحصانة. ولا يعني هذا أن اللجوء الى المسجد واعتماد الجمعة كانا لسبب عملي أو ظرفي فقط، بل هما يجدان مرتكزهما في عمق التدين الشعبي ويعوّلان جزئياً على الثقة بأئمة المساجد الذين ظهر أن بعضهم يحوز مكانة وفاعلية في ناحيته وينتسب بعضهم أيضاً الى التنظيمات السياسية ذات المرجعية الدينية.
• استطاعت «حركة الاخوان المسلمين» في مصر الى جانب التيار السلفي الحصول على نسبة مرتفعة من الأصوات. ما تفسيرك لذلك؟ وهل يدل هذا الأمر على ارتفاع نسبة التدين في المجتمع المصري؟
– منذ سقوط نظام حسني مبارك في مصر، بدا أن الجماعات الشبابية التي كانت الى حد كبير سيدة الموقف في ميدان التحرير متوجسة من الانتخابات… أو، بعبارة أدقّ، من قرب هذه الانتخابات. هذا مع العلم بأن الديموقراطية، وبالتالي الانتخابات، كانت روح الحركة كلها. السبب في هذا التوجس هو الشعور بأن قيادة العملية الانتخابية على مستوى البلاد كلها، ريفاً وحضراً، جنوباً وشمالاً، أمر مختلف عن حشد الحشود التي أسقطت النظام وقيادتها. الناس حين ينتخبون يفكرون كثيراً في اعتبارات قريبة ذات طابع جزئي. وهذه الاعتبارات قد تحجب الدوافع الكبيرة أو تغلبها. الناخب يحتاج الى معرفة من يقترع له والى اختباره أو اختبار الجهة التي ترشحه. يحتاج الناخب الى ثقة مستندة الى الخبرة بمن يمثله. ولذا تعود الأحزاب والمرجعيات الأخرى ذات التقاليد المتأصلة والمتمادية في الزمن الى اثبات وجودها في الانتخابات. لم يكن البروز الانتخابي لـ «جماعة الاخوان المسلمين» مفاجئاً في مصر. ما كان مفاجئاً هو الحجم الاقتراعي الذي بلغه السلفيون. واذا صح الحديث عن ارتفاع في منسوب التدين عند المصريين (وهم شعب متدين أصلاً) فان التدين هنا رابطة اجتماعية سياسية في الدرجة الأولى. والشعارات الدينية والعوامل الاعتقادية تزيد الانتماء حدّة وقدرة على توليد التضامن. والانكفاء الى هذا النوع من التدين يستردّ اللحمة الاجتماعية التي فتتتها الهجرة من الأرياف وامتحنتها عزلة المدن وغفليتها وتعسف النظام وأجهزته. يضاف الى ذلك أن مظاهر كثيرة من حياة المدينة يراها المهمشون استفزازاً لهم واستعراضاً لسطوة المال والقيم اللاحقة به على حياتهم. ويزيد من أثر ذلك شعورهم بأن هذا الترف الفاحش مشبوه المصادر والمظاهر وليس بـ «الحلال». هذا التدين هو ملجأ للمهمشين وقوة لهم. ولكن هذا التدين نفسه، بنقاط تركيزه ورؤيته للعالم، لا يقدم حلولاً لمشكلات المجتمع المصري الكبرى، وهو سيصطدم بها حين يجد نفسه في مواقع المسؤولية عن المجتمع، سياسة واقتصاداً وخدمات من كل نوع.
• هل من الممكن أن تتكرر تجربة الجزائر في مصر نتيجة الصراع بين «الاخوان» والعسكر أم أنها ستفضي الى نوع من التسوية بين الطرفين؟
– لا أستطيع المغامرة بنبوءة في هذا الصدد. وأتمنى ألا تتكرر تجربة الاعوام السود في الجزائر لا في مصر ولا في غيرها. أعتقد أن روحية المرحلة الحاضرة التي تعبر عنها حركات التغيير على ما بينها من اختلاف عميق لا تُنذر بتكرار شيء من قبيل ما حصل في الجزائر. فالغالب الآن هو قبول ما ومن تأتي به الديموقراطية وليس رفضه. وعلى وجه التحديد، لن يلقى تجدد الحكم العسكري سواء كان مباشراً أو غير مباشر قبولاً من الفئات الضالعة في حركات التغيير على اختلاف هذه الفئات. العسكر وحكمهم موضوع رفض لا من الاسلاميين وحدهم بل من جميع القوى التي انخرطت في الثورة المصرية. هذا ما يمكن قوله من دون جنوح الى التنبؤ.
• الحركات الاسلامية ما زالت طروحاتها غير كافية بالنسبة الى المرأة فهي تستخدم كوقود احتياطي على المستوى الدعوي والسياسي. ما الذي تحتاج اليه هذه الحركات كي تطور خطابها حيال المرأة؟
– في ظل امتناع السياسة أو حجبها عن المجتمعات من جانب الأنظمة التي هوت أو تلك التي باتت آيلة للسقوط، كان ثمة منفذان متكاملان لحيازة سيطرة اجتماعية بديلة من السياسة. هذان المنفذان اللذان اعتمدتهما الحركات الاسلامية هما السيطرة على النساء والتحكم في الحياة الخاصة للبشر. تحديد ما يجب على المرأة أن ترتديه، وما يجوز لها أو لا يجوز ارتياده من أماكن، وفرض الفصل في الأماكن العامة بين الرجال والنساء سبيلا الى هيمنة أقوى من الهيمنة السياسية وهي مدخل اليها أو هي مشتملة عليها. كذلك هي الحال حين ينصب المتدينون أنفسهم أوصياء على ما يحق لهذا أو ذاك من الناس، رجلاً كان أم امرأة، في أكله أو شربه أو النظر اليه أو قوله، الخ. فهذا كله دخول بالسلطة الى عمق لا تحلم ببلوغه السلطة السياسية. وقد مارست الحركات الاسلامية هذه السيطرة ما استطاعت الى ذلك سبيلاً، ولقيت قبولاً يفسره التدين معطوفاً على المعارضة التلقائية في طول المجتمع وعرضه للنظام وأهله وسياساته ولسلوك الفئات المنتمية اليه. لا يمنع هذا القبول أن الحركات الاسلامية ومن يتبعها من رجال الدين حين ينصبون أنفسهم ديانين للناس يصادرون البشر ويقطعون عليهم طريقهم الى الحرية، وهذا فضلاً عن أن هذه الحركات لا تحمل في جعبتها أنموذجاً للحكم وللتنمية يمثل رداً ناجعاً على البطالة والفقر والأمية وتهالك الخدمات الاجتماعية من كل نوع. وتجنح هذه الحركات الى الايحاء بأن تحجيب النساء ومنع الخمرة هو صلب السياسة الاجتماعية المطلوبة. فكيف يمكن أن يخرج مجتمع ما من هذا التحوير لحقيقة مشكلاته؟ هذا أمر يتعلق في شكل كبير بموقف النساء، باعتبارهن المعنيات أولاً بما يفرض على المجتمع. ولا يمنع هذا التوقع أن تدفع النساء، في المرحلة الأولى، أثماناً تتفاوت بين بلاد وأخرى لانهيار الأنظمة التسلطية ولسطوة الاسلام السياسي في المرحلة الجديدة. الواقع أنهن من سيدفع أول الأثمان وأثقلها عبئاً. وسيكون استرجاعهن حريتهن وحقوقهن رهناً بكفاحهن وبتطوّر مواقفهن قبل أي اعتبار آخر. هذا رغم أن المجتمع برمّته معني بحرية النساء وحريته تتوقف عليها في نهاية المطاف.
• الحركة الاحتجاجية في سورية دخلت شهرها التاسع والمجتمع الدولي لم يحسم خياره بازاء الأزمة السورية كما حدث في مصر. لماذا يتأرجح المجتمع حيال الملف السوري؟
– المجتمع الدولي له موازين تختلف من بلاد الى أخرى. وحين نذكر هذا الاختلاف نقابل الحال السورية صراحة او ضمناً بالحال الليبية، فهنا يبرز الاختلاف جلياً. غير أننا نستطيع القول مثلاً ان المجتمع الدولي كان متواطئاً جداً مع القمع في الحال البحرينية ونستطيع القول انه متراخٍ في الحال اليمنية. في الحالين الأخيرتين كان موقف المجتمع الدولي ولا يزال أسوأ مما هو في الحال السورية. يشهر المجتمع الدولي قيماً يدّعي أنه يدافع عنها، وهذا ليس مجرّد لغو. ولكن الدفاع مقيد بلا ريب بموازين متغيرة تحكمها طبيعة المصالح الحاصلة أو المحتملة لأقطاب المجتمع الدولي في كل حال، وتحكمها الكلفة التي تترتب على هذا النوع أو ذاك من أنواع التدخل المطروحة. ويبدو المجتمع الدولي مضطراً نتيجة التداخل والتشابك في الحال السورية الى وضع أمور عدّة في دائرة اعتباره: الكلفة المتعددة الوجوه لأي تدخل عسكري في سورية، وهي أضخم بما لا يقاس مما بدا كافياً في الحال الليبية، وأيضاً أشدّ وقعاً على الداخل السوري بمكوّناته الأهلية المعلومة وعلى الميزان الاقليمي المحيط بسورية، بما فيه امكان توسع النزاع ليشمل ايران واسرائيل ولبنان، على الأقل. أعتقد أن هذا، فضلاً عن عوامل أخرى، يفسر استبعاد التدخل العسكري في سورية والتعويل على العقوبات وعلى أنواع متصاعدة من الضغط تزداد تصاعداً كلما ازداد القمع من جانب النظام شراسة وكلما أظهرت حركة التغيير أيضاً صموداً في مقاومة القمع. هذا الصمود الأخير كانت له مظاهر مذهلة حتى تاريخه.
• هل تفتقر المعارضة السورية في الداخل والخارج الى أطروحة موحدة؟ وهل هي قادرة على قيادة المرحلة الانتقالية وسط الصراع على ادارة الأزمة؟
– معلوم أن المعارضة السورية تطورت على صعيد طرحها السياسي وطموحها في الاشهر التي استغرقتها حركة التغيير حتى الآن. ومعنى هذا التطور أن حدوداً دنيا وحدوداً قصوى مختلفة اعتمدت في كل مرحلة. مثلاً: في البدء لم تكن المطالبة باسقاط النظام أمراً محسوماً ولم يكن هناك وحدة موقف بصدد امكان التفاوض مع النظام أو عدمه. بعد حين بدا أن موضوع التدخل الخارجي هو مدار الخلاف ولكن بقي نوع من التفاوت بين أجنحة المعارضة في ما يتعلق بجذرية الموقف من النظام ودلالاتها العملية. من حيث البنود الأساسية لبرنامج التغيير المباشر في سورية لا أرى خلافاً كبيراً بين أطراف المعارضة. فهؤلاء يرددون الكلام نفسه أو كلاماً متقارباً في مختلف هذه البنود. ثمة خلاف مواقع وتنافس على الصدارة بين الخارج والداخل. والانطباع العام هو أن حركة الشارع بدأت وانتشرت واستمرت منفصلة عن الأسماء البارزة للقادة سواء في الداخل أو في الخارج. ولا يبدو صحيحاً أن الساسة المقيمين أصح تمثيلاً بالضرورة من غير المقيمين. ثمة نوع من الانفصال عن الحركة بمجاريها الحسية في الحالين. ثمة مشكلة صلة بين الحراك الميداني والقيادة السياسية. وتحتاج هذه الصلة الى وقت والى مخاض قد يكون صعباً في بعض مواضعه أو مراحله، حتى تصل الى نوع من الثبات.
• النظام السوري استعمل المعادلة الاتية: اما ابقاء النظام واما سيطرة الاسلاميين على الحكم. والى جانب ذلك لوّح باستعمال الورقة الاقليمية. ما رأيك في ذلك؟ وما الأوراق الاقليمية التي يملكها النظام؟
– في ما يتعلق بمعادلة ابقاء النظام أو سيطرة الاسلاميين… هذه المعادلة لوحت بها جميع الأنظمة التي سقطت، وهذا التلويح كان يحصل في اتجاه الغرب. على ما سبق بيانه، لم تكن التنظيمات الاسلامية، على التعميم، مبادرة في حركات التغيير. ولكن لا يمنع ذلك أن تستفيد من تقاليدها في العمل السياسي، لا سيما في الحال المصرية، لتحسين مواقعها في المرحلة الجديدة. وأما «جماعة الاخوان المسلمين» السورية فتعدّ ضعيفة بالقياس الى الجماعة المصرية. فهي تعرضت الى قمع أشدّ بكثير والى نوع من الاستئصال في سورية، ولم يتح لهذا على ما يرى مراقبون – أن تبني ما يكفي من قنوات للتغلغل مجدّداً في الأنسجة العميقة للمجتمع السوري. أقول هذا مع التحفظ، اذ ان تقديرنا في الموضوع قائم على ما تردده مصادر مختلفة، وهذه المصادر تحتاج أقوالها الى تحقيق واثبات.
على الصعيد الاقليمي، يظهر أن مدخل النظام السوري الى المسألة الفلسطينية قد ضعف كثيراً بابعاد حركة «حماس» منه، وأصبح النظام أكثر تبعية للسياسة الايرانية، اذ بات النظام الايراني حليفه الوحيد المعتبر في المنطقة. هذا الحلف الايراني – السوري الذي لا يمكن استبعاد اهتزازه استبعاداً مطلقاً يفسر بنفوذه موقف «حزب الله» في لبنان من جهة، وقدراً من الميل العراقي على مسايرة النظام السوري من جهة أخرى. ولا يخلو هذا الميل الأخير من ارتباك وتثقل عليه، حتى اشعار آخر، قيود معروفة.
• الطبقة السياسية في لبنان منذ العام 2005 لم يجمعها سوى التناقض والأزمة في ادارة الحكم. الى ماذا سيؤدي الصراع بين قوى 8 و14 مارس؟
– هناك نوع من السأم الذي يزداد انتشاره في الرأي العام اللبناني أمام هذا الخندق الذي يشق البلاد. ولا يمنع السأم قوة الاستقطاب على جانبي الخندق ولا شدّة العصبية. ولكن السأم يوسّع الهوامش. القضايا التي يدور حولها الخلاف تتصف اما بالعقم واما بشيء من المراوحة. على سبيل المثال، مسألة سلاح «حزب الله»، وهي مسألة مصيرية، لا يحصل تقدم في شأنها ولا يبدو مصيرها في يد قوى الداخل. ومسألة المحكمة على أهميتها المؤكدة أيضاً باتت معطياتها معلومة. فعاد غير مرجّح أن تؤدي أعمال هذه المحكمة الى تغيير قاطع في صورة الوضع وفي مواقف الأطراف بعضها من بعض. القواعد التي نشأت عليها القوى الرئيسية في 14 و8 مارس كانت لها في ما مضى أهمية وصلابة مؤكدتان. «حزب الله» نشأ على المقاومة والتحرير وتيار الحريري نشأ على اعادة اعمار بلاد خارجة من حرب مدمرة وعلى توظيف اجتماعي واسع لطاقة الرجل المالية. وأما تيار ميشال عون فنشأ على مبدأ استعادة الاستقلال ومقاومة المصادرة التي كانت الارادة الوطنية خاضعة لها. كل هذه الأطراف اليوم أصبحت بعيدة جداً من قواعد نشأتها تلك. فما كان من اجماع على دور «حزب الله» في المقاومة والتحرير أصبح اليوم انقساماً شديداً وطعناً في مسوغات الدور الحالي والتسلح الطائفي المستمر وفي تهديد وحدة الدولة وتعريض البلاد لأخطار يتباين النظر الى كيفيات مواجهتها. ولا تقارن اليوم مسألة المحكمة لجهة اتساع الوقع والمقدرة على حمل الزعامة بمنجزات رفيق الحريري من عامة وخاصة. وأما ميشال عون الذي بنى مكانته كلها على تحرير الارادة الوطنية فهو واقف اليوم بين دعاة مصادرة هذه الارادة ومكتفٍ بثقل وهمي في السلطة، يترجم مكافآت خدمية أو مالية للموقع الذي اختاره لتياره على رقعة الشطرنج الداخلية والاقليمية.
في مجال هذا الاستقطاب تبقى مشكلات البلاد الكبرى مفتقرة الى مرجع. فلا أحد من هؤلاء الأطراف عنده ما يقوله فعلاً في صدد اصلاح العطل في النظام وهو عطل قد جعل حكم البلاد أقرب الى التعذّر في الاعوام القليلة الماضية. ولا أحد يفوه بجملة مفيدة تتعلّق بالدين العام الذي نسب عبؤه الى أحد طرفي الجبهة واذ بنموه يزداد اليوم تسارعاً في ظل الحكم المنفرد للطرف الآخر. ولا أحد يقول شيئاً مقنعاً أو يتخذ قراراً نافذاً في صدد أزمة التعليم الرسمي أو أزمة الضمان الصحي أو أزمة الكهرباء أو أزمة السير التي أصبحت تأكل من أعمار المقيمين في بيروت فضلاً عن الأكل من جيوبهم. الخ، الخ. وهذا بطبيعة الحال فضلاً عن غموض المصير الوطني في حمى اقليمية تزداد نارها اضراماً. في كل هذا يبدو الكل في المجتمع السياسي مقصيا عن المعالجة حيث لا يجوز الاقصاء أو عاجزاً عنها ومنصرفاً الى شؤون تخلّف شؤون البلاد أو تزيد معضلاتها استعصاء، على نحو ما تبدو البلاد في وارد ومجتمعها السياسي في وارد أو في أكثر من وارد آخر.

لقاءٌ مع عبّاس بيضون (السفير) حول كتابي: رياض الصلح في زمانه

 أحمد بيضون: كان رياض الصلح زعيماً عربياً وهذا ما يميّزه
 عن زعامات محلية فقيرة تفوقه انتخابياً بأشواط ، أوجدت الانقلابات دمغاً سلبياً لمرحلة ما قبلها بوصفها حالة رجعية مع أنها ليست استثناء
الكاتب: عباس بيضون (السفير)
التّصنيف: لقاء
التاريخ: Friday, April 22

كتاب أحمد بيضون «رياض الصلح في زمانه» بمثابة تاريخ للعهد الاستقلالي في لبنان، لكنه أيضاً هذا العهد الاستقلالي في محيطه وزمانه، أنه ما أنتج بين النضالات الاستقلالية وبخاصة بين لبنان وسوريا اللتين يقع رياض الصلح اللبناني السوري عند نقطة تقاطعهما. إنه أيضاً حرب فلسطين وتأسيس الجامعة العربية ثم انه تكوين لبنان على الصورة التي ارتسمت له بعد ذلك. بما فيها من مشادات طائفية وغير طائفية. نجد هنا البذور الأولى للسباق الديموغرافي والتوجس الديموغرافي. كما نجد هنا، وفي شخصية رياض الصلح بالخصوص واما تجاذب لبنان حتى نهايات الحرب الأهلية الحالية من لبنانية وعروبة وسورنة. سيكون رياض الصلح لذلك مؤسساً حقيقياً للبنان الحالي. بل هو الأكثر جدارة بهذه الصفة، لقد أوجد الجسر بين الهويات الثلاث بقدر ما أوجد الميثاق التأسيسي اللبناني.
كتاب أحمد بيضون هو هذا التاريخ الذي تتقاطع فيه دوائر لبنانية وعربية واقليمية ودولية. بيد أن هذا التقاطع لم يؤثر البتة على إشراق الأسلوب وسلاسته، وهذا التشابك لم يجعل بنيان الكتاب شائكاً فهو كان يرتفع لبنة ولبنة ويتكامل ويتسق بحيث إن «رياض الصلح في زمانه» عمارة حقيقية فيها من السرد ما فيها من التحليل ومن التشعب ما فيها من الوحدة. كتــاب أحمد بيضــون يرينا من قريب أن للبنان تاريخاً وانه تاريخ اولاً لا جملة ملاحم دمويــة متتابــعة متسلسلة، ويكمن لكتاب في نزاهته وقوته ان يكون أيضاً تأسيــسياً لكتابة تاريخ للبنان لا يضيع في مطالب طوائفه وصراعاتها.
÷ إضافة إلى التكليف وما فوق التكليف، ما هو الدافع لدراسة شخصية كرياض الصلح؟
} أولاً لديّ دافع شخصي هو الرغبة بالتجريد. فأنا احب أن ادخل إلى نوع كتابي جديد لم يسبق لي ممارسته. وهذا النوع الآن هو محاولة وضع سيرة. ثانياً يوجد أيضاً دافع مهني، مفاده أنني لما ابتدأت بالاهتمام برياض الصلح منذ أواسط التسعينيات (1995-1997) وُضعت بتصرفي محفوظات هي عبارة عن قصاصات صحف. وكان يبدو ان هذه القصاصات بذل عليها جهد مضنٍ سواء في جمعها ام في نسخها، ويبدو انها أخضعت لبرنامج تقني حاسوبي، في وقت لم يكن شائعاً هذا بين الناس آنذاك. وهذه ببساطة تشكل إغراء كبيراً لباحث سبق له ان اهتم بتاريخ لبنان. وقد بذلتُ لاستكمال هذا البحث مدة سنة ونصف متواصلة، إضافة إلى مساعدين عديدين في ورشة البحث. ثم ان هذه الوثائق تتناول رجلاً من رجالات لبنان وتشكل قاعدة معلومية غنية تستحق العناء خاصة انني أضفت لها بعض وثائق المحفوظات البريطانية والفرنسية التي تعنى بلبنان وتتعلق بمرحلة رياض الصلح وتطال تقريباً النصف الأول من القرن العشرين.
جمعنا آلاف الوثائق المنظمة، وفي الوقت نفسه سعيت لجمع وتكوين مكتبة صغيرة متخصصة بالموضوع. اما فيما يتعلق بالصحف وبتصوير الكتب المتعلقة بالموضوع وغير الموجودة في المكتبات التجارية كنا نعتمد أساساً على مكتبتي الجامعة الأميركية والجامعة اليسوعية واحياناً على غيرهما. كذلك اعتمدنا على مؤسسة المحفوظات الوطنية التي صورنا منها محاضر مجلس النواب في المرحلة التي كان فيها رياض الصلح نائباً. ولاحقاً تم تسجيل تلك المحاضر على أقراص مدمجة اما نحن فاضطررنا لتصوير تلك المحاضر ورقة ورقة.
ثالثاً هناك دافع ثالث هو تأريخ رياض الصلح هذه المرحلة من خلاله في ظل عدم وجود أرشفة موثقة. وهناك حافز لإعادة النظر ومحاولة التجاوز. وهناك ظلم حصل باشرته فترة المحاولات الانقلابية في سوريا ومصر التي حفلت بها فترة ما بين الحربين العالميتين حينذاك واستطالت إلى ما بعد الحرب الثانية بسنوات عدة. وفي لبنان حصل انقلاب سنة 1952 سُّمي «الثورة البيضاء» أزاح رئيس الجمهورية بشارة الخوري من الحكم. وقد أوجدت الانقلابات مناخاً عاماً يشبه إلى حد كبير دمغاً سلبياً لمرحلة ما قبلها، حتى أصبح يسهل تقويمها بوصفها حالة رجعية ظلامية وتبعية وما إلى ذلك، طال هذا الدمغ كل المرحلة السابقة بدءاً من الثورة العربية الأولى مع الشريف حسين إبان الحرب الأولى من دون ان يكون مسموحاً الدخول في التفاصيل والتمييز بين الجوانب السلبية والإيجابية، وهذه عادة حالة تفرزها الانقلابات، لكنها كانت بارزة في مصر اكثر مما في لبنان، حتى اعتبرت المرحلة الملكية فيها وكأنها ألقيت في مكب نفايات.
من ناحيتي كنت اريد من خلال البحث في رياض الصلح ان ارى الوضع على حقيقته، وكما كان يراه هؤلاء الأشخاص في حياتهم في محاولة إنصاف لهم. فالناس عاصروا رياض الصلح في لبنان وفي الجنوب باعتباره جنوبياً ونائباً عن الجنوب، كأبي ومجايليه، كنا نتساءل هل الواقع هو كما أوحي إلينا، من أن هؤلاء السياسيين كانوا بالفعل حينذاك لا قضية لهم سوى مناصبهم ومصالحهم الخاصة؟ او انه يوجد ما يستحق النظر واستعادة الرواية. وأنا توصلت إلى جواب على هذا السؤال.
ذلك الجيل كغيره من الأجيال، ليس أهم ولا أعظم ولا أقل أهمية من جيلنا نحن مثلاً، او من الجيل الذي سبقه. هكذا يجب النظر إليه وإلى الأدوار التي أداها بالقدر الممكن من الموضوعية ومن دون تجنٍّ مبني على مقاييس لاحقة فرضت فرضاً، وشكلت زوايا إجبارية للنظر إلى الأشخاص وإلى المرحلة.
وهناك سبب آخر يتعلق بجاذبية رياض الصلح نفسه. فمنذ بدء النظر في الوثائق التي ذكرت منذ بداية التسعينيات. أثارني الصلح بصفاته كسياسي، وهذا أيضاً سبب مهم لمتابعة هذا الموضوع، منذ تلك الفترة وإن بتقطع، لكن في السنوات الخمس الأخيرة تفرّغت للموضوع.
لماذا رياض الصلح؟
÷ لبنانياً، العودة إلى رياض الصلح، كشخصية وتجسيداً لمرحلة وزمن، هي عودة إلى الزمن الاستقلالي، أي إلى جيل ضمّ آخرين غير رياض الصلح، لماذا لم يتمتع الآخرون بالعناية نفسها؟
} يمكن القول حالياً إن هذا مما أمكن تعويضه في حالات عدة، وليس فقط في حالة رياض الصلح، كذلك يمكن القول إن رياض الصلح هو اكثر الشخصيات المهمة والتي كانت لا تزال مهملة، إذ كان يوجد فقط كتاب صغير عن رياض الصلح كتبه هلال الصلح، وأساسه اطروحة دكتوراه. غير هذا لم يوجد شيء آخر عن رياض الصلح. اما بالنسبة لشخصية مثل بشارة الخوري فقد أنصف نفسه إذ ترك مذكرات من 3 مجلدات، تحكي عنه، لذلك لا توجد مشكلة اسمها بشارة الخوري في هذا المجال.. وأعتقد انه يوجد أشخاص آخرون يتم العمل عليهم الآن. أما رياض الصلح فصدر عنه كتابان أحدهما لباتريك سيل والآخر لكمال الصلح، وهناك كتاب عن عبد الحميد كرامي لنصري الصايغ وكتاب آخر عن مجيد أرسلان.
هناك أيضا السِّيَر إذ نجد اناساً كتبوا الكثير عن هذه المرحلة منهم من كتبوا مذكرات رائعة، كمذكرات عادل أرسلان المنشورة في حوالى 5 مجلدات، وهو معروف بأنه لبناني سوري، منها أيضاً مذكرات خالد العظم، رغم انها اقل ألقاً من سابقتها، لكنها تشكل مصدراً جيداً للمعلومات لمتابعة السياسة السورية والعربية في تلك المرحلة. وكذلك هناك كتب صادرة منها عن هاشم الأتاسي، كذلك عن نوري السعيد..
في هذه الحال ينوجد في المرء شعور عند معالجة مرحلة بهدف إنصافها وإنصاف رجالها ليس لتبجيلهم وتبجيلها بل من الضروري رفع نوع من الحظر على الرغبة المجردة المسبقة في إعدامهم مثلاً. ويبدو أن هذا الشعور ليس خاصاً بي فقط بل هو عام بدرجة ما بدليل كثرة الكتب التي تصدر وتتناول المرحلة نفسها.
÷ هل هذا له علاقة بالظرف اللبناني الحالي؟
} أعتقد ان له علاقة بالظرف اللبناني وبالظرف العربي، ومن المؤكد اننا أصبحنا في واقع يمكن وضعه تحت عنوان عام انه خارج جو المرحلة الناصرية ومقاييسها، ولأن إعادة النظر في المرحلة يستعرض مشاكلها وسوءاتها، من هنا نشأت الحاجة إلى العودة والشعور بالحاجة للبحث في المرحلة الاستقلالية.
÷ هل مقتل رياض الصلح كرئيس وزراء يستدعي في محل ما اغتيال رئيس وزراء آخر هو رفيق الحريري؟
} منذ حوالى شهرين نشرت محاضر عن محادثات كان أجراها رياض الصلح في باريس عام 1948 مع ألياهو سيسون ومساعده طوبيا أرزي، خلال حضوره لدورة الأمم المتحدة في باريس حينذاك وكانت الحرب الفلسطينية لا تزال مستمرة في اواخرها، وخلال تلك المحادثات احتلت إسرائيل جزءاً من الأراضي والمناطق اللبنانية الجنوبية. وفي آخر استعراض أجراه الباحث الذي يعمل في مركز أبحاث يديره عزمي بشارة يوجد سطران مفادهما انه خلال تلك المحادثات أعدت خطة صهيونية لاغتيال رياض الصلح في بيروت استمر إعدادها ومحاولات تنفيذها أشهراً عدة ثم ألغيت لاحقاً. ما يؤدي إلى الاستنتاج أنه إذا كان الصهاينة يريدون اغتيال رياض الصلح ما الذي يمنع أن نقول إنهم قتلوا رفيق الحريري؟
ورأيي أن هذه القفزة فيها خفة كافية، وحتى يقفز الواحد لا بد أن يكون خفيفاً (يضحك)، لذلك لا معنى لها إطلاقاً وغير واردة.
المشروع
÷ في موضع من الكتاب وردت عبارة «مشروع رياض الصلح». هل يمكننا ان نتكلم عن مشروع رياض الصلح؟
} لا أذكر ورود عبارة بهذه الصيغة بالضبط او بالمعنى المستفاد منها، لكني اعتقد أن المقصود هو الكلام عن الزعامة. لكن ما يمكننا الحكي عنه هو وجود رياض الصلح ضمن مشروع كبير أوسع من رياض الصلح، لدخول قادة عديدين فيه. هو مشروع تنفيذ الاستقلالات في البلاد العربية وتحديد موقع العرب في النظام العالمي الذي ولد بعد الحرب العالمية الثانية وشهد ولادة جمعية الأمم المتحدة. وهذه مشكلة مطروحة، على العرب خاصة في السياق التاريخي لعلاقة الدول الغربية الكبرى بالعرب، خاصة بريطانيا التي كانت تاركة مسائل هذا الإرث قيد التصفية، وكذلك في اميركا التي كانت تتقدم بسرعة إلى قيادة نظام عالمي جديد، خاصة انه كان مطروحاً كيفية الدخول في حالة الحرب الباردة، التي بدأت نذرها سنة 1948.
وعلى الصعيد العربي كان واضحاً أن الخيارات كلها هي خيارات استقلال الدول. وأن الجامعة العربية رغم انها كانت في سنواتها الأولى لكنها عند إنشائها كانت مشروعاً بالغ الأهمية وإطاراً يتوخى منه ان يكون بديلاً عن الاتحاد العربي. والحقيقة أن لبنان كدولة كان من الأطراف الأساسية التي لجمت تطور الجامعة العربية عن توليد واقع عربي أرفع وأقوى. لأن لبنان كان مهجوساً بالسيادة والاستقلال بالعلاقة مع المنظومة العربية، كحالة كل الدول الصغيرة التي يبرز فيها الهاجس الاستقلالي، وربما أيضاً بسبب الحالة المسيحية فيه.
دور رياض الصلح كان في هذا الإطار، اتسم بأقصى المرونة وباحتراف كبير جداً، وكما يقال انه سياسي 24 ساعة/ 24، باستقراء لبوصلة الاتجاه الوطني اللبناني مع أفق عربي.
÷ كأنه انتقال من وحدوي إلى استقلالي هل ينبئ هذا عن استشراف للحاضر.
} نعم بكل تأكيد. وهنا يبدو لدينا نمط من انماط العروبة، نزعة استقلالية غلبت في كل الأقطار التي تشكلت منها الجامعة العربية. حتى في سوريا، التي يبدو ان وحدويتها تطرح مشاكل على جيرانها، بروح هجومية في الموضوع الوحدوي، في ذلك الوقت لم تكن تلك الهجومية سائدة إطلاقاً، ولما سادت في مرحلة لاحقة كما في مرحلة انقلاب سامي الحناوي مثلاً فتشكلت الوحدة السورية العراقية التي استمرت أشهراً قليلة، ولاحقاً تمت الإطاحة بالرجل وبفكرته، وعندما أعقبه الشيشكلي بانقلاب مماثل عليه لم يكن بالوارد الوحدوي نفسه.
رياض الصلح تحديداً وبالدرجة الأولى هو من الأشخاص الذين سلموا بالاستقلالية السورية كما كانت مجسدة أيام شكري القوتلي وسعدالله الجابري وجميل مردم، حيث أصبحت سوريا مستقرة بحالة معينة موجودة داخلها وليس في تطلّعها إلى حالة موجودة خارجها أساساً. ورياض الصلح كان طيلة عشرين سنة من حياته السياسية جزءاً من الحركة الوطنية السورية وسيرته في الحكم كانت تقبُّل هذا الأمر. ومنذ اواخر العشرينيات وطيلة الثلاثينيات بدأ يعطي الأولوية للاستقلال كخيار. وعنده في موضوع الوحدة والاستقلال، أن شعار الاستقلال يتقدم على شعار الوحدة، التي هي موضوع خاضع لاختيار الأوطان. الوحدة لا تفرض فرضاً وينظر فيها عند تحقيق الاستقلال. وكان لديه حساب مفاده أن الوجود الصهيوني لن يكون عندئذ غريباً عنه، فإذا غلبت المنظور الوحدوي ستكون النتيجة فعلياً كيانات أقليات ستحتل ساحل بلاد الشام كله: صهاينة في فلسطين، شيعة في جنوب لبنان، دروز شمالي صيدا، علويين في الساحل السوري. أي أن هناك احتمالات ومشاريع عدة يمكنها أن تنهي الكيان الوطني في المنطقة الذي يتمثل بكيانات ثلاثة هي الكيان السوري، الكيان اللبناني والكيان الفلسطيني… فتكون الحصيلة عكس المراد نفسه تماماً من مطلب الوحدة.

هذه التحسبات تبدو واضحة جداً في سيرة رياض الصلح، وكانت اختياراته حكيمة جداً في سياسته.
الزعامة
÷ يلفتني أن هذه الزعامة التي كانت مشتتة بين طوائف ومناطق متعددة ومن دون أي تركيز في منطقة ما او في طائفة ما، جعل منها زعامة وطنية في وقت لم تكن تستطيع فيه ان توصل نائباً إلى الندوة النيابية. إذ انها ضعيفة على المستوى الطائفي والمناطقي.
صحيح. فرياض الصلح كزعيم يرغب بالدخول إلى مؤسسة الحكم في لبنان كان عالة على شخصية مثل أحمد الأسعد. وكان فعلاً أقلوياً في كل المناطق التي يدخل فيها. إنما الذي كان يميزه هو انتشاره ونفوذه في صيدا مثلاً وبيروت وطرابلس والبقاع وفي حلب والشام والقدس، عدا ان لديه كلمة مسموعة من مؤيديه ويعتبرون رأيه ويستقبلونه كزعيم. هذا الانتشار والتشتت بالطبع يؤدي إلى وضع غير متركز وغير قابل للتركز في كتلة ناخبة أو في كتلة نيابية ما، فلم يكن لديه مرة واحدة كتلة نيابية بعد دخوله إلى المجلس النيابي رغم تأخره في الدخول حتى عام 1943، بعد محاولتين عام 1925 وعام 1939 لم يحالفه الحظ فيهما، وفي دورات اخرى لم يترشح إما لأنه كان منفياً وإما لأنه لم يكن له حظ بالترشح.
كان رياض الصلح ينسج شبكة علاقات واسعة جداً مع الطيف السياسي والاجتماعي والاقتصادي العربي، وكان الناس يصنفونه في هذا المستوى من شبكة العلاقات، فهو من دون شك زعيم عربي وليس زعيم منطقة لبنانية او حي في مدينة أو جزء منها أو زعيم «شقفة من بيروت». بل هو قطب من أقطاب بلاد الشام كلها. وقدرته كسياسي والحظ التي توفر له بأن ينفى لسنوات طويلة تمكن خلالها أن ينسج شبكة علاقاته الواسعة في الخارج عربياً في المغرب مثلاً، ودولياً خصوصاً في بريطانيا وفرنسا.
شبكة العلاقات والمعارف التي كانت لزعامة رياض الصلح كانت تميزه تماماً عن زعامة محلية مغلقة وفقيرة في علاقاتها لكنها كانت أقوى منه انتخابياً بأشواط، رغم أنها غير قادرة على تجاوز مناطقها وأفقها المحدود المغلق.
÷ بهذا المعنى كان له ثقل دولي وثقل عربي فضلاً عن نظرته الاستشرافية..
} صحيح. بكل تأكيد. عندما تبنى الزعامة على هذا الأساس الواسع يؤدي إلى تغيير معنى الزعامة وطبيعتها. وهنا فرق كبير بين أن يكون المرء زعيماً في جنوب لبنان ويسوس خلافات عائلات ويطالب بحقوق طائفة فتكون زعامته والحالة هذه بالضرورة زعامة عصبية وفي أحسن الأحوال زعامة طائفية قائمة على توليف لعصبيات اهلية. هذا يختلف جداً عن زعامة اخرى تتعاطى باستقلال الدول العربية وتبني علاقات مع فرنسا وبريطانيا لمتابعة قضايا فلسطين من جنيف سنوات عديدة، وهو ليس فلسطينياً او سورياً بالمعنى الضيق للكلمة، ووضع جهده في مصاف آخر غير العصبيات الأهلية وإرهاصاتها وهو استقلال الدول العربية وإنجازه بعلاقات متكافئة مع الدول الكبرى واستبدال الانتدابات بمعاهدات، هكذا نكون أمام زعامة عربية مختلفة عن الزعامة المحلية. هذا بعض مما كان يميز رياض الصلح.
حتى ان زعماء سياسيين كباراً وجدوا انهم بحاجة للاستعانة بنفوذ رياض الصلح وعلاقاته خلال مناسبة التفاوض على المعاهدة السورية الفرنسية عام 1936، فرافق الوفد السوري للمفاوضات من دون أن يكون بإمكانه ان يكون عضواً فيه لأنه لبناني، ولكون الفرنسيين مؤسسين للبنان الكبير والمستقل حيث لا يقدر لبنانياً أن يتفاوض من ضمن الوفد السوري، لذلك رافق الوفد كناشط وكمستشارـ ولعب من خلال هاتين الصفتين دوراً كبيراً في التجاذبات التفاوضية لإنجاح المفاوضات على المعاهدة.
فلسطين وإعدام سعاده
÷ لو عرجنا على مرحلة الحرب الإسرائيلية الفلسطينية التي استدعت تهم الخيانة والتآمر… أين كان في هذه الحرب رياض الصلح؟
} في الحرب الفلسطينية بذل رياض الصلح جهداً هائلاً، حتى بالمعنى الجسدي تمثل بالتنقل الكثير خلال الحرب، بين بيروت والشام وعمان والقاهرة وبغداد والرياض، رغم صعوبات التنقل حينذاك التي لا تقاس بالتقدم الذي هو اليوم.
في أواخر 1948 بقي في باريس 3 أشهر يتابع ويناضل للاستحصال على قرار من جمعية الأمم المتحدة لمصلحة الفلسطينيين. وهو القرار الذي صدر تحت الرقم 194 الشهير وهو القرار المرجع الأهم لحق العودة المعترف به الآن دولياً. والدور المهم لاستصداره لرياض الصلح ولفارس الخوري الذي كان رئيس الوفد السوري إلى الأمم المتحدة حينذاك.
رياض الصلح بمقدار ما كان شريكاً ناشطاً في الحرب كانت مهمته الرئيسة هي تذليل الخلافات العربية عشية الحرب وأثناءها وبعدها في مهمة وساطة بين أقطاب الحرب وهم رؤساء بلاد إما أهم من لبنان استراتيجياً في الحرب الفلسطينية مثل الأردن، وإما بلاد عربية كبرى مثل مصر والعراق. فكان اهتمامه الرئيس أن يصل القادة معاً أمام كل محطة وامام كل مرحلة في مواجهة الحرب إلى موقف مشترك. لكن لما دنا موقف المحاسبة والمساءلة على الهزيمة، اعتبر رياض الصلح واحداً من رؤساء هذه الدول التي خاضت الحرب وانهزمت وخسرت فلسطين. واختزلت المعادلة في اعتباره واحداً ممن ضيّعوا فلسطين كفاروق في مصر وعبد الإله ونوري السعيد في العراق وشكري القوتلي في سوريا، كما ضيّعها الملك عبدالله في الأردن خصوصاً.
لم ينظر أحد في هذه الحالة إلى رياض الصلح وإمكاناته المحدودة وإلى انه رئيس وزراء لدولة صغيرة في لبنان، لم تستلم جيشها المحدود الإمكانات إلا قبل سنتين او ثلاث من الحرب وهو في طور البناء الأولي والإعداد، ولا يتعدى عديده 4000 عسكري لا تكفي حتى لحفظ الأمن الداخلي، بينما كان الصهاينة قادرين على تجنيد حوالى 90 ألف عسكري في فلسطين في مواجهة جيوش الدول العربية قاطبة.
وقد أصبح واضحاً من الكتب التي صدرت خلال العشرين سنة الماضية ان القدرة الصهيونية العسكرية كانت تتجاوز عدداً وقدرة بأشواط كل الجيوش العربية مجتمعة. ناهيك عن التسليح والتنظيم ووحدة الخطة ووحدة القيادة وغيرها من عوامل التفوق.
هكذا تم الحساب وصار رياض الصلح واحداً من القادة المخذولين المهزومين الذين لم يُعدّوا العدة الكافية للحرب والذين ضيّعوا فلسطين بالنتيجة.
÷ نعود إلى مسألة مهمة تتعلق برياض الصلح هي ما يقال عن مسؤوليته عن إعدام انطون سعاده، فمن الكتاب نفهم أن ليس أكثر من مسؤولية من غيره من أركان الدولة اللبنانية حينذاك، ففي الوقت الذي حرّض حبيب أبو شهلا (روم أرثوذوكس) على الإعدام رفض رياض الصلح إعطاء رأيه.. } صحيح. مسؤولية رياض الصلح في إعدام أنطون سعاده تتشكل في انه المسؤول الأول عن القبض على أنطون سعاده. لكنه ليس المسؤول الأول عن إعدامه. وهذه الخلاصة أثبتتها شهادة فريد شهاب، المدير العام للأمن العام اللبناني، الذي كان الجهة المتابعة تفصيلياً في عملية انطون سعاده، فشهاب هو الذي ذهب لاستلام سعاده من الشام، وهو الذي قام بالتنسيقات والمساعي الأمنية التي أدت للاستلام، وهو الذي يعرف أنطون سعاده أصلاً منذ الثلاثينيات.
روى شهاب في مذكرات كان يحتفظ بها لاستعماله الشخصي وهي ليست معدة للنشر، وعرفت بعد موته، كان هذا واضحاً من طريقة إعدادها وتبويبها غير المتسق بسبب ارتجال التدوين الآني لمعلومات يعرفها فيدوّنها بسرعة من دون تبويب كاف. تظهر تلك المذكرات تنصل الصلح من الإعدام اولاً، لأنه كما قال لرئيس الجمهورية بشارة الخوري حينذاك «أنا لا أحبّ الإعدام، ثم ان الرجل مسيحي، أنتو قرروا انا ما خصّني».
هذا الوضع أكثر وطأة على الجهة التي نفذت اغتيال رياض الصلح، وهو الحزب القومي، رغم ان الحزب القومي كانت لديه لائحة من الأشخاص المسؤولين عن اغتيال أنطون سعاده، منهم بشارة الخوري والمدّعي العام يوسف شربل والذي جرت محاولة اغتياله لكنه جرح من جرائها وأُقعد ولم يمت.
بعد معرفة موقف رياض الصلح الفعلي من إعدام انطون سعاده، يصبح الموقف من اغتيال رياض الصلح أصعب تحمّلاً من الناحية السياسية والتاريخية.
وواضح ان الحزب يمارس إفراطاً لفظياً في تجريم رياض الصلح لجهة مسؤوليته عن إعدام سعاده لتبرير فعل الاغتيال.

أحمد بيضون: كان رياض الصلح زعيماً عربياً وهذا ما يميّزه | دخول/تسجيل عضو | 0 تعليقات