مها بعقليني لورنس: من وقت القرية إلى وقت الحرب

http://newspaper.annahar.com/article/261225-

Advertisements

بلال خبيز عن “الصيغة، الميثاق، الدستور…”

بلال خبيز  – ملحق النهـار الثقافي

يروي غابرييل غارسيا ماركيز في “الجنرال في متاهته” ان سيمون بوليفار التقى الى طاولة طعام، احد الثوريين الفرنسيين الذي راح يكيل النصائح للبوليفيين ومنهم بوليفار نفسه في السبل الأنجع لتحقيق النصر الثوري المؤزر الذي يجاهدون من اجله، فما كان من بوليفار إلا ان قال له: لقد تجاوزتم قرونكم الوسطى ببحور من الدماء، فدعونا ننجز قروننا من دون إزعاج”. مثل هذا الرد الثابت ليس امراً يمكن تبنيه تماماً. لكنه إلى هذا الحد او ذاك، قد يكون رداً مناسباً في لحظة ما على شخص ما.

ينطلق احمد بيضون في بحثه “الصيغة”، الميثاق، الدستور” الصادر لدى “دار النهار”، من “مطالعة محكمة وضعها بين ايدينا آلان كاييه”، معرضاً عن المجادلة فيها وليس عنها. فالبحث الذي قدمه كاييه حول اهلية الديموقراطية لدرء النزاعات محكم ولا يترك للباحث سبيلاً للمجادلة. لكن المطالعة تلاقي ميلاً في نفس احمد بيضون فيقترح ان يقدم مساهمة في التجربة اللبنانية في ضوء المطالعة نفسها. كاييه والحال هذه ليس الفرنسي امام بوليفار، لكن احمد بيضون بلغ من اختبار المحن حداً لا يجعله يقبل المطالعات على حرفها ولا يتبناها مثلما جاءت من دون زيادة ونقصان.

اول ما يلفت في اشارة احمد بيضون التي يستهل بها بحثه في “الصيغة، الميثاق، الدستور” هدؤوه المطمئن. ليست هذه اولى اشاراته على هذا المستوى. لكنه في هذا البحث يعبّر عن هدوئه صراحة. ليس ثمة ما يدفعه لاستعجال الحلول وتقديم الأجوبة الناجزة. ليس لأن الأخطار مستبعدة، ولا لأن مزاج الكاتب والباحث لا يتأثر بما حوله، ويقرر ان يكون راهباً متنسكاً في معبد البحث العلمي لا تثنيه الخطوب الجليلة عن بحثه او تصرفه عنه. بل لأن بيضون بلغ رشده في اختبار المحن، فلا يلهث وراء الحلول ما ان تطل من شاهق معابد العلوم، ولا تبهره الأفكار الفاتنة فيجد نفسه امامها من دون حيل. انه يعرف بالخبرة والمراس، ان استعجال الحلول قد يكون اسوأ حلول المشكلة. ويعرف ايضاً ان المرء لا يتمسك بالحلول المعروضة أمامه على حرفها إلا يائساً ومحبطاً وغير ذي حول او قوة. وبخلاف ما يظهر من مرارة في خاتمة البحث فإن نظره في ما حوله وخلاصاته لا يدفعانه إلى الاعتذار عما يقول في آخر جملة من جمل البحث.

صفتان لا يمكن قارىء بيضون تجاهلهما: أولاهما انه متصل بماضيه، ليس وفاء ولا تبنياً أعمى وليس تنكراً واعتذاراً أيضاً. ضرب من الاتصال ينزع عن الماضي أميته وجهله ولا يقر للحاضر بسهولة إصدار الأحكام.

وثانيتهما أن بيضون، رغم ضمور الأمل، أقرب المتأملين إلى لب المعضلات، وأكثرهم تمسكاً بالأمل.

تسجيل هاتين الصفتين لا يستوي مدحاً ولا ذماً. هو، على الأرجح، تقديم مناسب ليستطيع المرء ان يقرأ بيضون حقاً. أسوأ قرائه، في ما أحسب، من يكتفي بتسجيل الإعجاب والقول: لقد أصاب في ما ذهب إليه. فنصه لا يمسك المرء من يده ويدله الى الدرب الذي يجب سلوكه. ايها القارئ هذا النص “إنزع عنك كل أمل”. فهو يهدي بحثه لابنته: ” إلى مي، عسى ألا يقطعها عنا طيب مقامها في خارج الصيغة والميثاق”. اي أن “هذه البلاد التي لا يكن ولاء لغيرها” ليست مستحيلة لمجرد ان الناظر في أحوالها قد يعترض على “صيغتها” اعتراضاً ثاقباً. وليست مستحيلة لأن العيش يطيب خارج صيغتها وميثاقها أيضاً. قارئ بيضون والحال هذه، امام تحدّ ينبغي أن يعد العدة له. كيف يستطيع القارئ ان لا يستخلص مستريحاً وثملاً، ان هذه البلاد لا تستحق التعب من أجلها، وأنه ينبغي لابنائها بذل كل الجهود لمغادرتها والتوطن خارج صيغتها وميثاقها؟

سؤال أول لكنه شائك ومحيّر، وينبغي لقارىء بيضون أن يزداد حيرة عن متجاهله، فلا يستسهل الحلول. فهو إذ يطوي مدار بحثه على اختبار يضع : “على المحك إمكان فرض الديموقراطية مع افتراض كفالتها للسلم الأهلي، بخاصة، بقوة القوانين المناسبة وحدها”، ينهيه، أي البحث، بالقول: ان “ما سبق عرضه بيان لما فعلناه بهذا الدستور في 77 سنة. فكان – لعوامل نحمل جل تبعتها – اننا لم نحصل على كثير من الديموقراطية ولا على كثير من السلام. وكان – وهذا هو الأهم اليوم – اننا لم نضمن مزيداً من السلام ومن الديموقراطية للغد”.

سؤال ثان قد يبدو أصعب مورداً: كيف يستطيع القارئ الذي قرر أن لا يكن ولاء لغير هذه البلاد، على غرار ما يعلن بيضون، أن يبقى موالياً لها لا خصماً؟ في وقت يجد نفسه مسوقاً، “طوعاً أو قسراً، إلى الطائفة التي هي منبته”. فتصادر الصيغة المواطن وتسوقه إلى حضن الطائفة “في المهد واللحد وفي الكامخ بينهما”.

سؤال ثالث يتعلق بالسؤالين الأولين: كيف يستمر المرء معانداً خارج الطوائف، عارياً ومهدداً؟ تهدده الطائفة إذا خرج عنها بحرمانه ما تستطيع تأمينه من خروج على العام ومصادرة له، وتهدده الليبيرالية الجديدة التي تسوق الديموقراطية في ركابها بتدمير دولة الرعاية أو ما تبقّى منها.

يقرر الكاتب ان التعارض بين الصيغة والدستور والميثاق يكاد يحجز امكان تطور البلد الديموقراطي، فيبدو ما يصطلح على تسميته الفساد الإداري في الأنظمة الديموقراطية ملازماً لسياسة البلد ومنيخاً بثقله على ساسته مهما اجتهدوا في تجاوزه. فينجم عن هذه كلها ان من يتولى واحدة من السلطات و”يختار الدأب في تغليب المصلحة العامة – ملتزماً، بذلك، ما يفترضه الدستور هماً وحيداً لهذه السلطات – لا يلبث ان يجد نفسه وقد جعلته الصيغة موضوعاً لشبهة التفريط بحق طائفته. وهذه شبهة لا يحلو لساسة الطوائف، عادة، ان تلازمهم ملازمة متمادية”. فلا يعود الانتصار للدستور ممكناً إلا حينما يكون اعتداء على مصالح الطوائف الأخرى حين يحمى وطيس المعارك بين ممثلي الطوائف. تجاوز الدستور همّ مقيم من هموم الساسة اللبنانيين، ولا يصبحون غيارى عليه إلا حين تطال منافع تجاوزه الطوائف الأخرى. اما الهدوء الذي يعقب عواصف الدفاع عن الدستور فهو يخفي، من غير نجاح، التواطؤ في التطاول عليه وغلبة القبيلة والعائلة والطائفة على الدولة بأشخاص ممثليها الرسميين.

ليس في بحث بيضون دليل مرشد للقارىء يخلّصه من حيرة هذه الأسئلة وصعوبتها، لكن مجرد أن يطرحها المرء على نفسه تجعله يفكر في خياراته كفرد ومواطن أولاً. وفي هذا التفكير والتمعن فرصة للمرء أن يقرر، واعياً وغير متشنج، انه يتمسك بهذه البلاد ويكن لها الولاء، في وصفها بلاداً وليست مجرد حيز جغرافي لتجاور طوائف متنازعة، وانه يريد ان يفكر ويسلك ويتصرف ملياً في وصفه مواطناً ولو أبت الصيغة أن تحترمه وهو يلتزم قوانين السير ولم تستطع القوانين ان تحميه وهو يلتزمها. والأرجح ان القارئ الحصيف لا بد أن يقلع عن وهم افتراض أن العلة في القوانين وان القوانين وحدها كفيلة بناء الأوطان واستقلال الدول والحفاظ على السيادة.